مشروعية قراءة الفاتحة للأحياء والموتى


أولًا: سورة الفاتحة والتوسل إلى الله بالقرآن لم يمنعه أحد، بل هو مستحب مندوب إليه، ولم يقل أحد إنه بدعة ولا حرام لا من السلف، ولا من الخلف إلا أهل هذا الزمان المذهل.


ثانيًا: قراءة سورة الفاتحة (نفس حركة القراءة) عمل صالح، والتوسل إلى الله بالعمل الصالح لم يمنعه أحد، بل هو مستحب وندوب إليه، ولم يستنكره مسلم على الإطلاق.


ثالثًا: سورة الفاتحة هي الكم المشترك حفظه من القرآن من جميع المسلمين على اختلاف الأوطان واللغات، وعلى مختلف المستويات، وما جاء في فضلها لم يجئ في فضل سورة سواها.


ويكفي في جلالها أن تكون أساس كل صلاة، ورقية الرسول صلى الله عليه وسلم، والسبع المثاني، وحقيقة مجمل كتاب الله كله، راجع ما سبق أن كتبناه عنها في هذه الرسالة.


رابعًا: قال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:20]. وسورة الفاتحة هي القدر المتفق على أنه متيسر لجميع أهل القبلة في المشارق والمغارب بلا خلاف.


خامسًا: وهذه القضايا الأربع لم يختلف عليها أحد من الأمة، وهي أصول هذا الموضوع وملاكه، فالقائل (الفاتحة لكذا وكذا) متوسل إلى الله تعالى بشيء من كتابه، ثم هو متوسل إليه بعمل صالح، هو حركة قراءة هذا الشيء واختياره وقصده، رجاء أن يقضي الله له كذا وكذا مما يهمه من حاجات الدنيا والآخرة.


سادسًا: والقائل (الفاتحة لفلان) حيَّا كان أو ميتًا متوسل إلى الله بشيء من كتابه واختياره وقصده، رجاء أن يكرم الله الحي بما هو أهله، وأن يكرم الله الميت بما هو أهله، فيقضي الله بنعمته حاجة الحي، ويرحم أو يرفع درجة الميت.


وكما ترى هو أمر من حيث الفقه سائغ مشروع، ومن حديث المنطق بالغ مرفوع، ثم هو مؤيد بالإجماع الجماهيري العام المجدد من الأمة كلها، فإنكاره هو المنكر الشنيع الدال علىٰ ضحالة العلم والتعصب وضيق الأفق.


النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الفاتحة على الموتى:
أولًا: في خصوص قراءة الفاتحة للأموات نرى الحنابلة وعلى رأسهم ابن القيم، وابن قدامة، ومن وافقهم من بقية المذاهب يقررون وصول ثواب قراءة القرآن إلى الأموات بأدلتهم القاطعة التي يُرْجَع إليها في في كتابيهما الشهرين وغيرهما.


ثانيًا: ثبت ثبوتًا قطعيًا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ الفاتحة بنفسه (الفاتحة بالذات) غير مرة على الموتى، وذلك عند الصلاة عليهم؛ ولذلك اعتبر الشافعي، وأحمد، وإسحاق وكثير من السلف قراءتها على الميت أثناء الصلاة عليه ركنًا بعد التكبيرة الأولى أخذًا من حديث جابر عند البيهقي، والحاكم، والطبراني في الكبير وغيره.


ثالثًا: وقد أخرج البخاري، والثلاثة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي وصححه عن طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَقَالَ: إِنَّهَا مِنَ السُّنَّةِ([1]).


وقول الصحابي: إنها من السنة يأخذ حكم الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤيده حديث النسائي، والطحاوي، والبيهقي بسند صحيح عَنْ أَبِي أُمَامَةَ يقول: السُّنَّةُ فِي الصَّلاَةِ عَلَى الْجَنَازَةِ أَنْ يَقْرَأَ بَعْدَ التَّكْبِيرَة الأُولَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ([2]).


ونحو هذا رواه ابن منذر وآخرون.


رابعًا: وبهذا ثبت بما لا مجال للمخاصمة فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بالفاتحة على الموتى في صلاة الجنازة على الميت في النعش، والميت في النعش هو الميت في القبر، لا فرق بينه هنا أو هناك إذن فلا مجال للإنكار علينا في قراءة الفاتحة لهم في قبورهم، سواء بنية التوسل إلى الله في المغفرة لهم ورفع درجاتهم، أو بنية جعل ثوابها لهم.


خامسًا: ومتى ما ثبت بهذا أنه صلى الله عليه وسلم قرأ الفاتحة على الموتى، فقد أجاز بالتالي أن تقرأ عليهم ما تيسر من غيرها من القرآن، فالحكم هو الحكم في هذا وذاك. وفي الحديث الثابت: «اقْرَءُوا (يس) عَلَى مَوْتَاكُمْ»([3]).


وهذا يكشف معنى الحديث استحباب قراءة يس وغيرها على الموتى كما في أبي داود وغيره. وللإمام الصنعاني رسالة (ضوء النهار في صحة قراءة القرآن على الموتى)، إضافة إلى ما جاء في كتاب (الروح) لابن القيم وكلها صحيحة.


وأنه كما يستحب قراءتها على المُحْتَضِر يستحب قراءتها على المقبور، فالقرآن بركة وهي ما لم تصل إلى الميت فلن يحرم منها الحي. والله أعلم وهو المستعان([4]).


([1]) أخرجه البخاري: (1335)، وأبو داود: (3198)، والترمذي: (1027)، والنسائي: (1987).


([2]) أخرجه النسائي: (1989)، والبيهقي: (4/39)، والطحاوي في شرح معاني الآثار: (1/500).


([3]) أخرجه أبو داود: (3121).


([4]) راجع رسالة بركات القرآن للرائد.


عن موقع الصوفي