مقدمة ...بقلم يوسف أبوسالم

(سيجريد هونكة) إسم له وقع غريب ....لكن ما قامت به هذه المستشرقة الألمانية ..أغرب
فقد أوقفت أبحاثها ومؤلفاتها وأهمها هذا الكتاب ( شمس العرب تسطع على الغرب ) لإنصاف العرب وحضارتهم وتأثيرها الحاسم في الغرب .
وهذا هو الفصل الأول من هذا الكتاب ..الذي تروي فيه بعضا من تأثير العرب حضارة ولغة في اللغة والحضارة والتاريخ الألماني ...
ولعلنا نحن العرب أجدر أن نفعل ...وخصوصا أن في هذا المربد نخبة من المفكرين الذين تقع على عاتقهم هذه المهمة وهي إعادة تقديم تراثنا المجيد ، لأجيالنا الحالية لشحذ الهمم واستنهاضها وإعداد العدة بكل الوسائل ، لتوفير كل أسباب النصر القادم بإذن الله .

أسماء عربية لحاجات عربية

هل لي يا سيدتي الفاضلة ، أن أدعوك إلى دخول هذا المقهى
( café ) فإنك تبدين متعبة ، وهل لك أن تنزعي جاكتتك
( jacke ) وأن تأخذي لك مكانا على الصوفة ( sofa ) ذات المرتبة الحمراء القرمزية ..!( karmin..matraze )
إن القندي ( صانع الحلوى ( konditor ) ذا القلنسوة
(mutze ) الفارعة والقباء (kittel ) الأبيض الناصع ، سيحضر لك حالا طاسة (tasse ) من قهوة البن
(bolmen kaffe ) مع قطعتين من السكر(zucker )، أم أنك تفضلين غرّافة (karaffe ) من عصير الليمون ( ليموناضة )
(limonada) ، إذا كنت لا ترغبين في تناول الكحول
(alkohol ).كلا لا ريب أنك ترغبين بقطعة من الحلوى مع شيء من البرقوق المشمش (aprikosen ) ، ومن بنان الموز
(bananen
طبعا يا صديقتي ، إنك ضيفتي اليوم ، فهل لي بادىء ذي بدء ، أن أقدم لك شربة (sorbett ) من عصير النارنج
(orange ) وأما هذه الأرضي شوكة (artischoken )، المحشوة فلسوف تفتح شهيتك ، وما رأيك الآن بهذه الوجبة من الكمأة المقلية مع الرز (reis ) والسبانخ (spinat )، وبعد ذلك سأقدم لك محشوات من القرفة (zimt ) ، في حساء من عرق التمر (arrak )، ولا بد في النهاية من فنجان قهوة مخا
(mokka )
ورجائي أن تخلدي يا صديقتي إلى الراحة على هذا الديوان
(diwan ) ، وأن تتصرفي وكأنك في بيتك ، واعلمي أن كل ما يحيط بك هنا من أشياء وتحف ، وكل ما قدمته لك من مأكل ومشرب ، قد أضحى أمرا طبيعيا في حياتنا اليومية منذ زمن بعيد ، وهو يعود في الواقع إلى عالم قديم غريب ألا وهو عالم العرب ...!!

فالقهوة التي تنعشون بها حياتكم اليومية وحب البن ، كذلك الطاسة التي تتناولون بها القهوة المغلية ، والسكر الذي تكاد لا تخلو منه أية لائحة طعام في المطعم ، وعصير الليمون ( ليموناضة ) ، والغرّافة والقباء والسترة والقلنسوة والمرتبة ، كل هذه الأشياء إنما أخذناها من العرب ، وأخذنا معها حاجات أخرى لا تزال تحتفظ بأسمائها العربية الأصيلة ، في كل أنحاء العالم المتحضر .

ولنا في ذلك أكثر من مثل ، فمن القند (kandis ) أو قنديد ( عقيد السكر ) (zucker kand ) إلى القندي ( صانع الحلوى ) (konditor ) ، ومن البرقوق الكبير الحجم المجفف ، إلى الكمثرى وأصابع التفاح المعقود .

حسنا قد تقولون : لا بد من أن تكون هذه الفاكهة قد أتت من الجنوب أو الشرق ، ومن الطبيعي أن تحتفظ بطابعها الشرقي باقية على أسمائها العربية ، وقد تقولون أيضا ، وقد أخذ الغيظ منكم كل مأخذ، إنه بوسع أي طفل أن يستعمل كلمات غريبة في نوعها ، مشيرا إلى مصدرها الأساسي .

وقد تقولون حين يدب التعب في أوصالكم حتى درجة الموت ، فترغبون التمدد على الصوفات ( صوفا ) وعلى الديوان
(diwan ) ، أو على الصفة العثمانية (ottommanc) أو في الهرب من ضجيج الجياة إلى قبّة ما (alkoven ) .
قد تقولون أن هذه الكلمات الغريبة نادر استعمالها ، ومصدرها واضح في رنتها ، فهل علمتم أنكم الآن ، وبصورة لا شعورية ، قد استعملتم كلمة عربية الأصل مأخوذة من لعبة الشطرنج ( التي أخذناها نحن الأوربيون عن العرب في عصر شارل الكبير والخليفة هارون الرشيد ، ونعني بها كلمة ( مات ) (matt ) التي تعني أنه قضي عليه ، ( وما كلمة شاه إلا مرادفا للملك ) إذا مات الملك (schachmatt ).

قد تضحكون الآن أو تغتاظون ، وفي كلتا الحالتين ، ستغلب على وجوهكم ، ألوان من الإستغراب ، تشبه في تقاطيعها طاولة الشطرنج .

هلا علمتم أيضا أن القفة ( حقيبة ) (koffer ) المعروضة هناك بالقرب من محفظة الجلد المراكشي (maroquin ) وزوج الطماق (gamasehen ) ، ما تزال تحمل طابع المسافر العربي الذي عشق الترحال والتنقل في بلاد الله الواسعة .
هل ترون تحف الرفاهية (galanterie ) والزينة المعروضة في هذه الواجهة ، متعوا أنظاركم بروهة زخرفتها وجمال حياكتها ، فهذا هو البرقان (barehent ) ، وذاك قماش القطن(kattun) ، وهذا هو قماش الموصل البديع (musselin ) وهناك المهير ( قماش من شعر الماعز ) (mohair ) الناعم ، وانظروا إلى ذلك القماش الشفاف (chiffon ) والساتان الأرستقراطي والتفتة (tafta ) الرفيع والقماش الموار (moire ) المموج ، وإلى حرير الأطلس (atlas ) الفخم والدمقس الفاخر المستورد من دمشق ...!!
إنها في غاية الروعة ، تضاهي بعضها بعضا حمالا ونعومة ، وخاصة أن الألوان تضفي عليها سحرا خاصا ، تلك الألوان من الزعفران (safran ) الذهبي والبرتقالي والقرمزي(karmesin) والليلكي (lila) الغامق وغيرها التي ندين بها للعرب .
هل تشعرون حين تدخلون عطارة ما (drogerie ) ، بأنكم تقفون أمام ( اكتشافات عربية ) ، فتجارة العقاقير في حد ذاتها ..تجارة عربية ..!!

ويكفي أن تلقوا نظرة واحدة على كل هذا الذي لا يزال يعرف باسمه العربي الأصيل
أجل ، إن في لغتنا كلمات عربية عديدة ، وإننا لندين والتاريخ شاهد على ذلك ، في كثير من أسباب الحياة الحاضرة للعرب ...!!وكم أخذنا عنهم من حاجات وأشياء زينت حياتنا بزخرفة محببة للنفوس ، وألقت أضواء باهرة جميلة على عالمنا الرتيب ، الذي كان يوما من الأيام قاتما كالحا باهتا ، وزركشته بالتوابل الطيبة النكهة ، وطيّبته بالعبير العابق ، وأحيانا باللون الساحر ، وزادته جمالا وأناقة وروعة ...!!

الفصل الأول
من كتاب المستشرقة الألمانية
سيجريد هونكة ( شمس العرب تسطع على الغرب )