قراءة في رواية «نفق المنيرة» لحسني سيد لبيب

بقلم: إبراهيم سعفان
ـــــــــــــــــــــــــــــ

الأستاذ حسني سيد لبيب أديب ملتزم بالقضايا الاجتماعية والسياسية، وهو منحاز للطبقة المتوسطة والفقراء، ويعتني أيضا بالأسرة باعتبارها النواة الأساسية التي يرتكز عليها المجتمع. إنهم يعيشون في الأرض، ويسعون في مناكبها بحثا عن الرزق، ولتحقيق أحلامهم البسيطة، كأحلام "حمزة" صاحب الغرزة الذي "يدعو الله أن يصلح الأحوال، ويحقق الآمال، كانت آماله محدودة متواضعة، لا تتعدّى أن يعينه الله على مواجهة ما تأتي به الأيام، وأن يحقق "لحميدة" حلمها في ولد تفرح به".
الرواية صورة واقعية حقيقية، لأناس يكافحون من أجل توفير أدنى متطلبات الحياة، فالنفق يمثل قوة من قوى الضغط النفسي، فالخوف ساكن في قلوبهم خشية انهيار النفق في أي لحظة، أصبح يمثل كابوسا يهدد حياتهم في يقظتهم، وفي أحلامهم، وهناك أيضا "سيد سبرتو" الفتوة يمثل قوة ضغط وخوف وتهديد.
ويبين الكاتب الروح الشعبية المتألقة بشكل واضح. ولذا يمكن القول: إن الشعب يحركه أمران هامان هما:
1. الوجدان الديني،
2. الروح الشعبية.
فالوجدان الديني يحرك فيه الصدق والأمانة والعدل، والروح الشعبية تحرك في الإنسان الشهامة. وهذان الأمران يسريان في الشخصيات، ونتبين ذلك في سلوكهم.
هذه الروح جعلت والد فتحي يتراجع عن الهروب من كمساري الأتوبيس حتى لا يدفع ثمن التذكرة، ثم يفيق إلى نفسه فينادي على الكمساري ويعطيه ثمن التذكرة في إباء. لننظر إلى كلمة "في إباء" وما تكشفه عن اعتزازه بنفسه. وعند عودة "فتحي" من الخارج سمع حديث والده مع والدته. ماذا فعل؟ أخذ يعاقب نفسه بتأنيب الضمير، فيقول الكاتب "أنّب نفسه لمجرد التفكير في قضاء ليلة في المولد يلهو فيها ويعبث، باحثا عن اللذة.. بدأ يفيق على صورة الأب المكافح الذي هزمته الحياة في مواقع عديدة، لكنه يواجهها برباطة جأش، وتحمّل. بدأ يتنبه إلى أنه ينتمي للأسرة الفقيرة، وابتأس لحاله".
يبين الكاتب أن الإنسان يحمل الشر والخير، فشخصية "سيد سبرتو" الفتوة وما عرف به من قوة شريرة نجده يسارع فورا في إنقاذ غرقى الأتوبيس في النيل، وكذلك والد فتحي يتراجع عن الهروب من الكمساري حتى لا يدفع ثمن التذكرة. لم يمنع فتحي إحساسه بفقره من محاولة تحقيق حلمه وحلم الأسرة بدخوله كلية الهندسة.. يعيد الثانوية العامة بعد حصوله على مجموع 56 % لا يؤهله لدخول كلية الهندسة، فقدم أوراقه إلى معهد الخدمة الاجتماعية، فلما طلبوا منه كتابة بحث اجتماعي، اختار موضوع "التسول كظاهرة اجتماعية".
وافق الوالد دون تردد على تحقيق رغبة ابنه. لم يتردد في بيع طقم الصالون، ودفع الرسوم المقررة.
تحول النفق إلى كابوس يجثم على الأهالي في اليقظة، وفي النوم، يضج مضاجعهم، ويؤثر في أعصابهم، فها هو "حمزة"، يرى في منامه حلما مزعجا فيقول:
" لم ينم هذه الليلة. إن غفلت عيناه، حلت كوابيس أفزعته من نومه في حالة لم يعهد لها مثيلا. أتاه حلم مرعب لعمال بأفرولات زرقاء، وجوههم غير محددة المعالم، يحفرون مقبرة بعمق لا نهاية له. وهو مستكين ينتظر حتفه في هذا الجب العميق. ولما حان أجله أحس بقوة تحاول دفعه للسقوط، فصرخ صراخا عاليا، لكن الصراخ لا صوت له، تردد صداه في المقبرة التي لا قرار لها، ينهض هلعا.
أما الحلم الثاني لحمزة بن محمد، فقد استغرق في نومه وسبح في دنيا الأحلام، ورأى فيما يرى النائم نفق المنيرة قد تشققت أحجاره، فإذا به يجري وهو جزع، يتحسس الجدران.. يمرّر سبابته على شق من شقوقه، تجزع نفسه.. يصيح.. أبي.. حلم أو علم.. يقرص فخذه حتى يتنبه، يصيح.. يتردد صدى الصيحة في فضاء لا نهاية له.. يا هُو.. يا خلق الله.. النفق ينهار.. انقذوا النفق.. أهو زلزال مفاجئ، أم انهيار كامل.. لا يدري.. لا أحد يجيب.. يجري كالمجنون.. الناس في بيوت مغلقة، لا تسمع، أو أنها تتجاهل الصرخات".. وهذه إشارة إلى لا مبالاة الأهالي. ويصف الكاتب الحلم بأنه "إشارة لما سيحدث في المستقبل، فيقول: "الحلم إرهاصات الغافل عن الدنيا السابح في ملكوت الله. عجيبة هي الأحلام، ترينا فانتازيا تخلط بين الواقع والخيال.. قد تنبئ عما هو آت في مقتبل الأيام، وقد تكون الحاسة السادسة تري المرء بشفافية تخترق كالأشعة حجب الغيب.. تريه ما لا يراه بعينيه، وما لا يطوف بخياله".
أما حلم اليقظة: فهو القدرة على استحضار صور شتى، تخدع العقل، وتخضع الإرادة الشخصية، وحسها الانتقائي، فالتخيل هنا إرادي، مجاله لا وعي لليقظة. وفق الكاتب في تصوير معاناة أهل الحي، نتيجة لما مرّ من حروب في الماضي، وما يتحملونه من أزمات اقتصادية شديدة. إنه شعب لديه إرادة على تحمل الصعاب. لقد ربط الحزام ولم يفكه.. ورغم ذلك يدبر حياته متحديا ظروفه القاسية مستعينا بالله سبحانه وتعالى.
أما اللغة فالكاتب يحسن اختيار ألفاظه السهلة الحميمية، كما يتميز بالأسلوب والصور الفنية غير المعقدة، ليحدث التواصل بين المتلقي وبين النص. لذلك نراه يحرص على تنقية اللغة من أي إغراب، لذلك يمكن القول: "إن الأسلوب هو المبدع"، وإن "اللغة العربية هي التي تحدد خصوصية المبدع وهويته الحضارية".
اللغة الإبداعية نسج بديع يبهر ويسحر، وعلى الأديب أن يعرف كيف يتعامل مع لغته، كما يقول الدكتور عبد الملك مرتاض في كتابه "في نظرية الرواية": "حتى يجعلها تتنوع على مستويات، دون أن يشعر القارئ باختلال المستويات في نسج اللغة". فالأستاذ حسني واع لمهمة اللغة وأهميتها في تحديد المستويات، كما يولي أيضا لغة الحوار اهتماما كبيرا، فهو يحرص أن تكون لغته عربية فصيحة بسيطة سلسة، يفهمها المتلقي بمستوياته المختلفة، فهو لا يستخدم العامية حتى في الأمثال الشعبية.
واختلف في ذلك النقاد، فمنهم من يرى بقاء الأمثال بلهجتها العامية مثل الدكتور علي الراعي ـ رحمه الله ـ الذي قال إن الأمثال الشعبية تكتب بلهجتها لتحتفظ بزخمها.
وسبب تمسك حسني سيد لبيب باللغة العربية الفصيحة يرجع إلى أن العامية لا تقدر على التعبير عن العواطف والأفكار والواقع اليومي مثل اللغة العربية.
الكتابة الروائية عمل فني جميل يقوم على نشاط اللغة الداخلي، ولا شئ يوجد خارج تلك اللغة، وإذا كانت غاية بعض الروائيين العرب المعاصرين هي أن يؤذوا اللغة ( ليس بالمفهوم الفني ولكن بالمفهوم الواقعي للإيذاء)، بتسويد وجهها، وتلطيخ جلدها، وإهانتها بجعل العامية لها ضُرّة في الكتابة.. فلم يبق للغة العربية إلا أن تُحزّم حقائبها، وتمتطي ركائبها، وتمضي على وجهها سائرة في الأرض لعلها تصادف كتّابا يحبونها من غير بني جلدتها.
أمام كل هذا فإننا لا نقبل اتخاذ العامية لغة في كتابة الحوار.. ونؤثر أن تكون للغة الحرية المطلقة لتعمل بنفسها عبْر العمل الإبداعي، فلا واقعية، ولا تاريخ، ولا مجتمع، ولا هم يحزنون، إن هي إلا أساطير النقاد الآخرين.
استعان الأستاذ حسني سيد لبيب بوسائل فنية تعمق الحدث، وتنشط ذاكرة المتلقي، فيسترجع ذكرياته ويحل رموزها، ويصل إلى مفاتيحها، ودلالاتها، ونتبين ذلك في: الحديث النفسي، والمناجاة، وحمزة صاحب الغرزة الذي يتذكر أحداث عصره، ومذكرات فتحي الذي يسجل وقائع زمنه، وأحوال الشخصيات. وكذلك الأحلام سواء الأحلام التي نراها في النوم، أم في أحلام اليقظة.
لقد قدم الأستاذ حسني سيد لبيب بانوراما لمدينة إمبابة، وسجل الحركة الدقيقة لسكان الحي، حالتهم النفسية، والاجتماعية. كما اهتم بإبراز شخصية ابن البلد عن إيمان عميق يسري في وجدانه، ولا يظهر ذلك إلا في الملمات، كما أبرز أن الإنسان فيه الخير وفيه الشر، ولكن الخير هو المقدم عنده، ويتضح ذلك في سلوك "سيد سبرتو" الفتوة الذي يهب لنجدة أبناء حيّه ومساعدتهم. فشخصيات الرواية سوية إيجابية، لذا نراها متكاتفة، متعاونة في أي ظرف من الظروف.
ونورد أخيرا الكلمة التي ختم بها الكاتب الرواية: "عكف فتحي يسطر في مذكراته مأساة أمة نكبت في أعز أمانيها. بللت الدموع الصفحة التي يكتب فيها.. تطلع إلى السماء، عساه يهتدي إلى نجم ما، لعل أملا جديدا يضئ الأفق".. وهذا الأمل هو الذي يعيش له أهالي حي المنيرة.
الجوانب الفنية:
1. بدأ الكاتب ببيان جغرافية المكان ووصفه وصفا دقيقا. الأماكن الجديدة والأماكن القديمة، ذاكرا كل الأماكن المشهورة، التي لها ذكريات في حياته، وفي حياة سكان إمبابة، التي تحرك أشجان الإنسان وتعيده إلى مراتع الصبا.
2. بيّن الأزمات والمعاناة من الآثار النفسية المتراكمة نتيجة الحروب في الماضي، ونتيجة الأزمات الاقتصادية التي يعيشونها دون أمل في حل الحزام الذي ربطوه منذ سنين.
3. من يقرأ الرواية قراءة سريعة يعتقد أنها رواية تعالج مشاكل اجتماعية ومشاكل الشباب فقط، ولكنها رواية تعالج قضايا سياسية، لم يشأ أن يعرضها بالتفصيل، ولكنه عرضها كأسماء شخصيات، أو أماكن، أو مواقف سياسية مثل الحديث عن عبد الناصر، واعتقال الشيخ محمود خطيب المسجد، غير الإشارات والتلميحات التي استخدمها.
4. وفق الكاتب في توزيع الأسماء في فصول حتى لا يقع الإنسان في لبس لكثرة ذكر الأسماء.
5. كما أنه وفق أيضا في تقسيم الفصول فهي تتتابع حينا وتتبادل حينا آخر.
6. لم يذكر الكاتب بعض أسماء الشخصيات في بداية الفصول لإحداث شئ من الإبهام ليستثير القارئ ليتابع أحداث الرواية.
7. الرواية واقعية اجتماعية سياسية، أي أن أحداثها مستمدة من الواقع المعيش لسكان الحي. والواقعية التي استخدمها الكاتب واقعية نظيفة ليس فيها هبوط أو استخدام ألفاظ رديئة تجرح مشاعر المتلقي، كما نرى في إبداع بعض الأدباء من إسفاف وخروج عن الذوق مما يفسد الجانب الفني والخلقي. أما حسني لبيب، فقد استخدم الواقعية النظيفة التي تفيد المتلقي فنيا وخلقيا.
8. نلاحظ أن الكاتب حسني لبيب يضع نصب عينيه المتلقي، فهو ملتزم، فلا نجد في الرواية وصفا خارجا جارحا، ويبدو ذلك في التالي: "يدخل فتحي المسرح، ويرى الراقصة العارية، عندما وصل إلى بيته، ماذا فعل؟ هل سلك سلوك الشباب الطائش؟ لم يفعل ذلك، بل تصرف تصرفا عاديا، "حضن المخدة كما فعل عبد الحليم حافظ في فيلم "الوسادة الخالية". كما أن الكاتب لم يستغل هذا الموقف في وصف جنسي يداعب به غرائز الشباب، ويرجع ذلك إلى رفضه هذا حماية للشباب واحتراما لأمانة الكلمة، والتزاما بالخط الخلقي الذي التزم به..
9. لم يحقق أهل الحي أحلامهم أو بعضا منها، ولكن لم يسدّ الطريق عليهم، فهو كعادته يؤمن بالمستقبل الذي سيحمل تفاؤلا وأملا جديدا يضئ الأفق.
إبراهيم سعفان
....................................
*ألقيت هذه الدراسة في ندوة رابطة الأدب الحديث بمناسبة احتفالها بصدور الرواية.