الشاعر فاروق جويدة .




مرثيَّةُ حُلْم !


دعني وجرحي فقد خابت أمانينا

هل من زمان يعيد النبض يحيينا

يا ساقي الحزن لا تعجب في وطني

نهر من الحزن يجري في روابينا

كم من زمان كئيب الوجه فرقنا

واليوم عدنا ونفس الجرح يدمينا

جرحي عميق خدعنا في المداوينا

لا الجرح يشفى ولا الشكوى تعزينا

كان الدواء سموما في ضمائرنا

فكيف جئنا بداء كي يداوينا

* * *

هل من طبيب يداوي جرح أمته

هل من إمام لدرب الحق يهدينا

كان الحنين إلى الماضي يؤرقنا

واليوم نبكي على الماضي ويبكينا

من يرجع العمر منكم من يبادلني

يوما بعمري ونحيي طيف ماضينا

إنا نموت فمن بالحق يبعثنا

لم يبق شيء سوى صمت يواسينا

صرنا عرايا أمام الناس يفزعنا

ليل تخفى طويلا في مآقينا

صرنا عرايا وكل الأرض قد شهدت

أنا قطعنا بأيدينا أيادينا

* * *

يوما بنينا قصور المجد شامخة

والآن نسأل عن حلم يوارينا

أين الإمام رسول الله يجمعنا

فاليأس والحزن كالبركان يلقينا

دين من النور بين الخلق جمعنا

ودين طه ورب الناس يغنينا

يا جامع الناس حول الحق قد وهنت

فينا المروءة أعيتنا مآسينا

بيروت في اليم ماتت قدسنا انتحرت

ونحن في العار نسقي وحلنا طينا

بغداد تبكي وطهران يحاصرها

بحر من الدم بات الآن يسقينا

هذي دمانا رسول الله تغرقنا

هل من زمان بنور العدل يحمينا

أي الدماء شهيد كلها حملت

في الليل يوما سهام القهر تردينا

القدس في القيد تبكي من فوارسها

دمع المنابر يشكو للمصلينا

حكامنا ضيعونا حينما اختلفوا

باعوا المآذن والقرآن والدينا

حكامنا أشعلوا النيران في غدنا

ومزقوا الصبح في أحشاء وادينا

مالي أرى الخوف فينا ساكنا أبدا

ممن نخاف ألم نعرف أعادينا؟

أعداءنا من أضاعوا السيف من يدنا

وأودعونا سجون الليل تطوينا

أعداؤنا من توارى صوتهم فزعا

والأرض تسبى وبيروت تنادينا

أعدائنا أوهمونا آه كم زعموا

وكم خدعنا بوعد عاش يشقينا

قد خدرونا بصبح كاذب زمنا..

فكيف نأمل في يأس يمنينا

* * *

أي الحكايا ستروى عارنا جلل

نحن الهوان وذل القدس يكفينا

من باعنا خبروني كلهم صمتوا

والأرض صارت مزانا للمرابينا

هل من زمان نقي يف ضمائرنا

يحيي الشموخ الذي ولى فيحيينا

يا ساقي الحزن دعني إنني ثمل

إنا شربناه قهرا ما بأيدينا

عمري شموع على درب المنى احترقت

والعمر ذاب وصار الحلم سكينا

كم من ظلام ثقيل عاش يغرقنا

حتى انتفضنا فمزقنا دياجينا

العمر في الحلم أودعناه من زمن

والحلم ضاع ولا شيء يعزينا

كنا نرى الحق نورا في بصائرنا

والآن للزيف حصن في مآقينا

كنا إذا ما توارى الحلم عانقنا

حلم جديد يغني في روابينا

كنا إذا خاننا فرع نقطعه

وفوق أشلاءه تمضي أغانينا

كنا إذا ما استكان النور في دمنا

في الصبح ننسى ظلاما عاش يطوينا

كنا إذا اشتد فينا اليأس وانكسرت

منا السيوف ونادانا.. منادينا

عدنا إلى الله عل الله يرحمنا

والآن نخجل منه من معاصينا

الآن يرجف سيف الزور في يدنا

فكيف صارت كهوف الزيف تؤوينا

هل من زمان يعيد السيف مشتعلا

لا شيء والله غير السيف يبقينا

يا خالد السيف لا تعجب ففي زمني

باعوا المآذن والقرآن راضينا

هم من ترابك يا ابن العاص في دمنا

ثأر طويل لهيب العار يكوينا

قم يا بلال وأذن صمتنا عدم

كل الذي كان طهرا لم يعد فينا

هل من صلاح بسيف الحق يجمعنا

في القدس يوما فيحييها.. و يحيينا

هل من صلاح يداوي جرح أمته

ويطلع الصبح نارا من ليالينا

هل من صلاح الشعب هده أمل

ما زال رغم عناد الجرح يشفينا

هل من صلاح يعيد السيف في يدنا

ولتبتروها فقد شلت أيادينا

* * *

حزني عنيد وجرحي أنت يا وطني

لا شيء بعدك مهما كان.. يغنينا

إني أرى القدس في عينيك ساجدة

تبكي عليك وأنت الآن تبكينا

آه من العمر جرح عاش في دمنا

جئنا نداويه يأبى أن يداوينا

ما زال في العين طيف القدس يجمعنا

لا الحلم مات ولا الأحزان تنسينا

لا القدس عادت ولا أحلامنا هدأت

وقد نموت وتحيينا أمانينا

ما أثقل العمر.. لا حلم ولا وطن..

ولا أمان ولا سيف... ليحمينا


______________________________________



كانت لنا أوطان



يا عاشق الصبح

وجه الشمس ينشطرُ

و أنجمُ العمر
خلف الأفق تنتحرُ

نهفو إلى الحلم
يحبو في جوانحنا
حتى إذا شبَّ
يكبو .. ثم يندثرُ

ينساب في العين ضوءاً ثم نلمحه
نهراً من النار
في الأعماق يستعرُ

عمر من الحزن
قد ضاعت ملامحه
و شردته المنى
و اليأس .. و الضجرُ

ما زلتُ أمضي
و سرب العمر يتبعني
و كلما اشتد حلم
عاد ينكسرُ

في الحلم موتي
مع الجلاد مقصلتي
و بين موتي و حلمي
ينزف العمُرُ

إن يحكم الجهل أرضاً
كيف يُنقذها
خيط من النور
وسط الليل ينحسرُ

لن يطلع الفجر يوماً من حناجرنا
و لن يصون الحمى
مَن بالحمى غدروا

لن يكسر القيد من لانت عزائمه
و لن ينال العلا
مَن شَلَّه الحذرُ

ذئب قبيح يصلي في مساجدنا
و فوق أقداسنا
يزهو و يفتخرُ

قد كان يمشي على الأشلاء منتشياً
و حوله عصبة الجرذان تأتمرُ

من أين تأتي
لوجه القبح مَكْرمة ؟!
و أنهرُ الملح
هل ينمو بها الشجرُ ؟!

القاتل الوغد
لا تحميه مسبحة
حتى إذا قام وسط البيت يعتمرُ

كم جاء يسعى
و في كفيه مقصلة
و خنجر الغدر في جنبيه يستترُ

في صفقة العمر جلاد و سيدهُ
و أمة في مزاد الموت تنتحرُ

يعقوب لا تبتئس
فالذئب نعرفه
من دم يوسف
كل الأهل قد سكروا

أسماء تبكي
أمام البيت في ألم
و ابن الزبير
على الأعناق يُحتضرُ

أكاد ألمح خلف الغيب كارثةً
و بحر دم
على الأشلاء ينهمرُ

يوما سيحكي هنا
عن أمة هلكتْ
لم يبقَ من أرضها
زرع .. و لا ثمرُ

حقت عليهم من الرحمن لعنته
فعندما زادهم
من فضله .. فجروا

يا فارس الشعر
قل للشعر معذرةً
لن يسمع الشعر
مَن بالوحي قد كفروا

و اكتب على القبر
هذي أمة رحلتْ
لم يبقَ من أهلها
ذِكر .. و لا أثرُ

______________________________________ يأس الطريق ! سألتُ الطريق : لماذا تعبت ؟
فقال بحزن : من السائرين
أنين الحيارى ..ضجيج السكارى
زحام الدموع على الراحلين
وبين الحنايا بقايا أمان
وأشلاءُ حب وعمرٌ حزين
وفوق المضاجع عطر الغواني
وليلٌ يعربد في الجائعين
وطفلٌ تغرب بين الليالي
وضاع غريباً مع الضائعين
وشيخٌ جفاهُ زمانٌ عقيم
تهاوت علي رمال السنين
وليلٌ تمزقنا راحتاهُ
كأنا خلقنا لكي نستكين
وزهرٌ ترنح فوق الروابي
ومات حزيناً على العاشقين
فمن ذا سيرحمُ دمع الطريق
وقد صار وحلاً من السائرين
همستُ إلى الدرب : صبراً جميلاً
فقال : يئستُ من الصابرين !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــ