القـطــــــــــــــــــــــار


وضعت حقيبة أوراقي جانبا

نظرت خلال قضبان النافذة

وجدته جالسا مرتديا بزته الزرقاء التي ظهرت عليها آثار الزمن

خيل إلي أنه ملتصق بكرسيه البالي منذ عهد الملكية

نظر تجاهي نظرة تساؤل من خلال زجاج نظارته

بادرته قائلا

: تالته القاهرة

تحركت أنامله بحركة آلية إلى البطاقات المستلقية أمامه على الطاولة

تناول إحداها

أدخلها في آلة الزمن

سمعت دقة الآلة تدمغ البطاقة

أخرجها ، ناولني إياها

: كام ؟

: أربعة وتسعين قرش

ناولته ورقة من فئة الجنيه

انطلقت إلى بائع الصحف ، تناولت من أمامه ما ظننت أنه يكفيني للرحلة

أعطيته النقود وانصرفت



صعدت درجات السلم المؤدية إلى محطة القطار

جلست إلى إحدى المقاعد الخشبية المتراصة هنا وهناك

تناولت إحدى الصحف ،أطالع العناوين الرئيسة

إسرائيل تقصف رام الله ردا على العملية الفدائية بتل أبيب

لا جديد

العرب يستنكرون

لا جديد

المجاعة تجتاح وسط إفريقيا

لا جديد

فوز الأهلي على الزمالك

لا جديد

نفس العناوين لم تتغير منذ سنين

ملل يسدل ستائره من حولي

أطوي الصحيفة و أضعها بجواري على المقعد

أبحث بنظري هنا و هناك

ألمح بائع الشاي يمر بخفة بين الناس حاملا أكوابه الأرجوانية

أنظر إليه

يفهم فحوى نظرتي ،يقبل في خفة تجاهي

يضع جواري إحداها ويرحل

أخرج من جيبي علبة لفافات التبغ المستكينة

أتناول إحداها ، أشعلها

تتهادى إلى مسامعي دقات قادومه على سندان القضبان الحديدية

أراه يقترب رويدا رويدا عبر الحقول ، يعلوه غبار الماضي السحيق

وأراني أتناول حقيبة أوراقي و صحفي

أبحث عن بائع الشاي

أدس عملة ورقية تحت الكوب و أرحل

اتجهت إلى الدرجة الثالثة في مؤخرة القطار

صدمت مما رأيت

لا يوجد موطئ لقدم

ركوب الدرجة الثالثة مستحيلة بهذه الكيفية

ثم أنني لست مجبرعلى ركوب القطار

فأنا والحمد لله معي ما يكفيني لركوب طائرة إلى القاهرة

و لكن ركوب القطار لا تدانيه متعة

يكفي جلوسي بين الفقراء نتعاطى حكاياتهم النابعة من القلب

و لهذا لجأت إلى استقلال القطار

ولكن ليس بهذه الكيفية

تبخرت آمالي في رحلة مؤنسة إلى القاهرة

يستحيل مع هذا التكدس الاستمتاع بهذه الرحلة

و ما العمل الآن؟

لا فائدة

لأذهب سريعا إلى محطة الحافلات حتى لا يضيع وقتي سدى

فورا اتخذت قراري بالرحيل

أثناء رحيلي شد انتباهي عربة بمؤخرة القطار يجلس بها خمسة أشخاص

تجدد أملي في رحلتي بالقطار ثانية

ولكن هذه العربة لا يوجد بها مقاعد

و ما المانع المقاعد لا تهم من الممكن افتراش الأرض بالصحيفة

المهم الآن أنني سأستمتع برحلة شيقة بين أحبائي من الفقراء

صعدت إلى العربة

افترشت الأرض بالجريدة

وضعت حقيبة أوراقي بجواري

بدأ القطار في التحرك رويدا رويدا

بدأ القطار بالعزف على أوتار قضبانه الحديدية،وبدأنا نتراقص كالبندول يمينا و يسارا على وقع إيقاعه

بدأ الحديث بين الموجودين ولكنه لم يتسم بالمودة المعهودة كالأحاديث السابقة

بدا لي الحديث مبهما غامضا ، اجتمع الموجودون على شيء واحد

: جايز يدخلوا علينا في أي وقت

: ممكن يدخلوا علينا في طنطا

:المهم ناخد بالنا وربك يعديها على خبر

دارت الأسئلة بداخلي

من هم الذين سيدخلون علينا؟

ولماذا اجتمعوا جميعا على رأي واحد ؟

لا يبدو لي أنهم جميعا يعرفون بعضهم البعض

أعتقد أنهم متهربين من دفع ثمن التذاكر

لا دخل لي بهذا الموضوع فأنا معي تذكرة

(أحطها في عين التخين)

بدأت أقلب صفحات صحفي المملة

بدأت الدقات تهدأ،

و هدأ معها الرقص ،يبدو أننا وصلنا إلى المنصورة ، سمعنا صرير عجلات القطار

انفتح الباب ودخل منه بعض الركاب من المدنيين و المجندين

ولكن ما شد انتباهي أن الوافدين علينا اشتركوا مع القدامى في نفس وجة النظر

: خلوا بالكم هايطبوا علينا في طنطا

: ربك يسهلها ، المهم يا جماعة نقفل البيبان كويس

عندها بدأ المجندين في وضع خطة

: بصوا بقى يا جماعة، إحنا هانخلع الأوايش ونربط بيها البابين ،إتنين مننا هايقفوا على الباب ده واتنين على الباب التاني

: المهم أما نوصل طنطا مش عاوزين نسمع و لا نفس

(طبعا أنا ليس لي دخل بهذا كله) ،فأنا والحمد لله معي (تذكرة أحطها في عين التخين)

تركتهم يعدون لمعركتهم ، و انخرطت أنا في حل الكلمات المتقاطعة

طمأنت نفسي ، جالس أنا بجوار الباب الخارجي ، أحمل درعي (تذكرتي)

لا أدري ما السبب الذي جعلني أطير بذكرياتي إلى حكايات أبي الشتوية التي كان يقصها علينا على ضوء مصباح الكيروسين الشاحب ، و نحن ملتفون حول ( الطبلية )

يحكى فيما يحكى أن حمارا كان يركض في القرية كالمجنون،كمن يفر من وحش كاسر ،لا يدري أين يختبأ ،مترددا حائرا

تعجب الناس لأمره و لذلك سألوه عن السبب

:بتجري ليه يا حمار ؟

قال:أصلهم بيدوروا على كل الخرفان اللي في البلد عشان يدبحوها

قالوا : طب هم بيدوروا على الخرفان ،و انت دخلك إيه يا حمار؟

قال: ماهو على ما أثبت لهم إني حمار يكونوا دبحوني

عندها تقاذفتني الظنون بأنني إلى أن أثبت لهم أن معي تذكرتي أكون في خبر كان

تمتمت هامسا

: على ما أثبت لهم إني حمار يكونوا دبحوني

مال الجالس جواري هامس

: بتقول حاجة يا أستاذ؟

هززت رأسي بالنفي

بدأت أهتم بالخطة التي وضعها المجندين

وبدأت أناقشها بين وبين نفسي

فلقد اتضح لي مؤخرا أنني على نفس السفينة ،و إما أن ننجو سويا و إما.........

حاولت منع هواجسي من تكملة (إما) الثانية

المهم الآن

يبدو أنهم يعرفون جيدا ما يفعلونه

و أعتقد أنهم مروا بمثل هذه المواقف مرارا من قبل

بدأ صوتهم ينخفض رويدا رويدا ، وكلما انخفض صوتهم كلما زادت دقات قلبي سرعة

في هذه الأثناء بدأ القطار في التوقف ، وبدأ كل منهم في أخذ موقعه

توقف القطار و توقف قلبي معه



الصمت يصم الآذان



انطفأ المصباح الوحيد الموجود بالغرفة

عندها عم الظلام غرفتنا

إلا من خيط ضوء أصفر متسرب من بين ثنايا الباب الخارجي يبدو أنه نابع من أعمدة الإنارة الموجودة بالخارج

سألت من بجواري

: هو النور قطع و الا إيه ؟

جاءتني ركلة لا أعرف مصدرها ، وهمس أحدهم ( أعتقد أنه صاحب الركلة )

: هششششش

لم أنطق بعدها أبدا، حاولت حتى كتم أنفاسي المتلاحقة

لم أسمع إلا كونشرتو دقات قلبي والقلوب من حولي

شق الصمت صوتا أجش يأتي من الخارج

: صفا

صم أذني صوت اصطكاك نعال الأحذية الحديدية بالأرض ، هزت الأرض من تحتي، تيقنت أنها نابعة من سرية كاملة .........سرية؟ لا ، لا ، بل كتيبة من الجنود تبعتها هزة أخرى ، أعتقد أنها نتيجة ( انتباه) خرجت من نفس الصوت الأجش

بعدها دارت الدنيا بنا جميعا،همست لمن بجواري

: مش ممكن ، أكيد فيه حاجة

رد يائسا : لأ ، ممكن يا ناصح

:يعني إيه؟ الجيش اللي بره ده كله علشانا إحنا؟

: أمال عشان أمي؟

تلاحقت الحركات من حولي

أراني داخل دوامة من الظلام الدامس

شق الصمت صوت ضربات متلاحقة أعتقد أنها أصوات سلاسل حديدية تدق الأبواب من حولنا

اغتصب الباب عتلة حديدية تحاول فضه عنوة ،لكن هيهات لم تفلح في كسره

فهناك بواسل من الصعب الاختراق من ناحيتهم الحصينة

وجدتني واقفا أحتضن حقيبتي المرعوبة ، لا أدري أين أذهب

أكاد أسمع صوت اصطكاك ركبتي

مع الأسف انهارت المقاومة سريعا عند الباب الداخلي رغم محاولات البواسل في إرسال الإمدادات ، لكنها وصلت متأخرة

انفتح الباب الداخلي

دخلت منه جحافل التتار أمواجا متلاحقة،

عمت الفوضى هنا وهناك

وجدتني واقفا أمام الباب الخارجي نحاول جاهدين فتحه للفرار سريعا

تخترق أذني أصوات سلاسل حديدية تلتهم الجماجم من ورائي

نحاول سريعا فتح الباب مرت هذه الثواني سنينا طويلة

أسرعوا أيها البواسل فهنالك خلفي أربعة صفوف من الدروع البشرية بجماجمهم التي تتلقى عني نهم هذه السلاسل

بدأت الأحزمة تتهاوى من فوق مقبض الباب أمامي

فجأة

انفض الباب

خيط الفراغ الدقيق الذي كنت بالكاد أراه بين مصراعي الباب

أصبح شارعا من شوارع باريس

وجدتني أمام هوة سحيقة

لم أتحرك بإرادتي ، فأمواج طوفان الفارين من المعركة اجتاحتني في طريقها

هويت من عل

ارتطم جسدي بالقضبان و ما بينها من عوارض خشبية

وجدتني مفترشا الأرض ، غير قادر على الحراك

تلاحقت قفزات الفارين فوق ظهري، كلما حاولت جاهدا النهوض أعادتني قفزاتهم كما كنت ،أخيرا استسلمت عنوة

شلت حركتي ، لا أقو على النهوض

خيل إلي أن هناك من يستصرخني

حاولت رفع رأسي لأعلى تجاه الصوت

تراقصت الصورة أمام ناظري ، بالكاد استبنت الوجوه الهلعة

كلهم يحاولون تحذيري من شيء ما

نظرت تجاه إشاراتهم

ضوءا قويا اغتصب عيناي

صوت بوقه محذرا اخترق أذني

دار كالبرق شريط أفكاري

نتيجة واحدة التي أيقنتها و يا ليتني ما ..................

إنه القطار الذي سيمر الآن فوق جسدي الممدد فوق قضبانه

نعم إنه القطار

أيقنت أنها نهايتي ،

: يا عم ما اليوم باين من أوله ،نفسي أعرف انت بتقاوح ليه من الصبح ؟ بتستعبط و الا عامل نفسك أهبل ؟ مش عارف يعني إن أخرتك النهاردة ؟

سقطت رأسي مني

أغمضت عيني استسلام الذبيح

(أشهد ألا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله)

نعم انتهيت

لكن لا

قدري جمع في هذه اللحظة ثلة من الطامعين في رحمة الله

تنتشلتني ذراع قوية من مرقدي

تلقيني فوق الرصيف

ترتج الأرض تحتي مرتعدة لشراهة عجلات القطار الملتهمة للقضبان

ممدد على بطني مغمض العين فوق الرصيف

ظللت مترددا

هل أفتح عيني حتى أفيق من هذا الكابوس القابع على صدري

رويدا رويدا اختفى صوت قاتلي

رتقت المتبقي لدي من شجاعة متفتقة و فتحت عيني

نعم أنا حي ،مازلت حيا

تحريت الدقة في تحسس ثنايا المتبقي من جسدي

حاولت جاهدا حتى استطعت الجلوس

انتبهت لوجود جموع غفيرة تلتف حولي،وقتها مر أمام ذاكرتي مشهد ( الأراجوز) الذي كنا نلتف حوله أطفالا في (الزرقا) ،

لفت انتباهي زخارف نعال الأحذية التي داستني منتشرة فوق ملابسي الممزقة وجدت حقيبتي المسكينة تحتضر جواري،لم يتبقى منها سوى المقبض ملتصق بما تبقى من جنبيها

تتوالى جموع المهنئين حولي

منهم من يتجاوب معي بكلمة ،أو نظرة عطف ، أو بجمع ما تشتت من أوراقي وفتات حقيبتي الفقيدة ، أو بإحضار كوب ماء لأطفأ بها نار حزني ، و كثيرا منهم المتسائلون خاصة من لم يسعد بمشاهدة الموقعة

ظللت هكذا لفترة

جاءني صوت عبد الوهاب من بعيد

( كل ده كان ليه )

سألت نفسي نفس السؤال : كل ده كان ليه

من هؤلاء المعتدى عليهم؟ و ما الجرم الذي ارتكبوه ليلاقوا كل هذا ؟

ومن هؤلاء المعتدون؟ و لماذا يفعلون بهم كل هذا

و ما ذنبي أنا ليحدث لي كل هذا؟

هل هؤلاء متهربون من التذاكر؟

وما ذنبي أنا؟

فأنا معي تذكرة (أحطها ........ في ........عين .........لا مؤاخذة التخين )

ها ها

ضحكت لم أتمالك نفسي

ها ها ها ها ها ها هااااااااااااااي

تعالت ضحكاتي حتى استلقيت على قفاي

هع هع هع هع هع هع

عم الصمت من حولي

سمعت أحدهم يهمس

:معلش أصل الحادثة بعيد عنك لحست مخه