لقد كان درويش يغرف من لغة تموج به.
لغة يسبح فيها بولع، ومتعة، وتنوع إيقاعي بلا هوادة، وهذا جانب مهم من مكونات جماليات لغة درويش الشعرية. اللغة عنده انتقلت من لحظة الخطابة، وهي الآلية الأكثر شيوعاً في الكتابة العربية التقليدية إلى فسحة التأمل والسبر والمساءلة ومرارة النقائض، وهي الخصائص التي لم تكن مألوفة في مجمل كتابة الأدب العربي، خاصة عندما يتعلق الأمر بشعر يتحرك في برزخ سياسي.
وقد ساعد درويش في اجتياز هذا البرزخ موهبة الغناء التراجيدي وآلياته الشعرية التي كان يبتكرها مع قصائده الجديدة. ذلك الغناء الروحي الذي يصدر عن إحساس عميق وحزين بالخسارة المستمرة للحياة والحق فيها، حتى لكأنه كان يرثي أمّة بأسرها، صاعداً، متسامياً إلى رثاء الذات ورثاء الجماعة.
وظاهرة المراثي في شعر درويش هي اختزال وتدريب مضمرين: اختزال تجربة الفقد المتواصل في المشهد الفلسطيني،
وتدريب على استيعاب الفكرة المهيمنة للموت الذي يحضر باكراً في اللحظة الحرجة من تظهير تحولات الشاعر الفنية الجديدة.
فالشاعر هنا يتحقق من جانب، ويتهدد، مصيرياً، من جانب آخر. كأن طبيعة كونية غامضة صارت تشكل ملمحاً بالغ الخصوبة (يا للمفارقة) كي يصبح الكائن موجوداً في الدرجة العالية من الغياب، أو الاستعداد له، وفي درجة أخرى مماثلة من الحضور.
4
أرى في ارتباط كتابة درويش بنظام التفعيلة مسألة أعمق من مجرّد خيار فني؛ لأن موسيقى الشعر وإيقاعاته هي من صلب مكونات موهبة درويش الإبداعية أصلاً، وعنصراً جوهرياً من طبيعته الجمالية. وهي، أيضا، مكوّن أساسي في آليات علاقته باللغة بوصفها غناءً روحياً من جهة، ومصدراً لفعالية التوليد الجمالي من جهة أخرى.
وهذا ما جعل درويش، مع كوكبة من الشعراء العرب، يغْـنون الشعرية العربية بثروة إيقاعية خصبة، جعلت الحوار الإبداعي حول الموسيقى الشعرية مرشحاً للمزيد من بلورة المعطيات التي سوف يحتاجها الفعل الشعري المتجدد في التجارب الراهنة والقادمة.
وحين أتحدث عن الإيقاع، فإنما أعني بالضبط المعنى الأكثر شمولاً ورحابة من مجرد المفهوم القسري للوزن والقوافي، أي الموسيقى العميقة الجوهرية، الكامنة في بنية اللغة قبل الشعر وبعده، وهي الموسيقى التي سيبتكرها كل شاعر بقدر موهبته ومعرفته، وصدقه مع المفهوم الكامل للشعر.
وإذا كان ثمة درس تعبيري تقترحه تجربة درويش على مستقبل الكتابة الشعرية العربية، فإنه ذاك الذي يتصل بالتجليات الجمالية الكامنة في الإيقاعية العالية والعميقة في آن، وطاقة التعبير في الموسيقى، باعتبارها جزءاً جوهرياً في التجربة الشعرية، وليس جرساً خارجياً لاستجداء حواس القارئ/ المستمع المباشر.
فالنص الشعري عند درويش، لا يصير مقروءاً ولا مسموعاً ولا نافذاً إلا إذا كان نشيداً، أو ضرباً من النشيد.
وفي هذا الدرس سوف يتوجب علينا أن نتوقف ملياً، ليس فقط لتأمل ودراسة معطيات تجربتنا الشعرية منذ لحظتها التحديثية المبكرة حتى الآن، ولكن، خصوصاً، لاستشراف ما تأخذنا إليه هذه التجارب الكثيرة الجديدة الراهنة، وهي تتكاثر (لئلا أقول تتفاقم) متراكمة، متسارعة، لاهثة، دون أن تعرف، في الواقع، إلى أين تذهب.
بهذا تضعنا تجربة درويش أمام أسئلتنا الشعرية مجدداً، وهو الشاعر الذي لم يكتب خارج الوزن، ولم يكن يرغب فيه، دون أن ينفي اجتهادات غيره أو يصادر حقهم في التجريب، وهذا ما يجعلني أميل إلى اعتبار درسه الشعري اقتراحاً مناسباً لمساءلة حركتنا الشعرية المعاصرة بأسرها، من حيث مفهوم الموسيقى في الشعر.
وهذه الخصائص كلها هي شبكة عناصر متداخلة مترابطة، كانت تتبلور في نهاية الأمر لتصنع سلسلة معطيات فنية، وضعتْ قصيدة درويش في قلب التحولات المتواصلة التي سوف تخضع لها تجربته الشعرية، في كلّ قصيدة جديدة يكتبها.