( سطور من كتاب الأمس ) للدكتور محمد أبو الفتوح غنيم
فى القاهرة صدر الديوان الأول للشاعر الشاب الدكتور محمد أبو الفتوح غنيم أستاذ الآثار بجامعة القاهرة ، رسم غلافه الفنان حاتم الحلو وأبدع رسومه الداخلية الفنانون : محمد رمضان وثروت عبد الله وايمان ممدوح .
الديوان احتوى على ست عشرة قصيدة ، هى على التوالى : الألق المختلس وتراتيل الوطن ومشاهد من مسرح الأحداث وسطور من كتاب الأمس ( الذى اختاره عنوانا للديوان ) وزائر المساء والحزن ذلك الرفيق والارتحال فى الأسى وبلا صديق والعشاء وقهوة الصباح وخوف ورحيل الضياء وما قبل اللقاء وما بعد اللقاء واللقاء الأخير والأسير .
فى اهدائه لديوانه قال الشاعر :
( الى الحنين النازف للأمس
ذلك الراحل المقيم .. )
وجاءت قصائده وأشعاره لتعبر عن حبه لوطنه وارتباطه والتصاقه به رغم غضبه من بعض سلبيات الحياة فيه ، بلغة سلسة ولفظ جميل ، فتعانقت فيه روعة الكلمة مع جمال الصورة الشعرية ؛ فى تناغم بديع وبناء عجيب رائع وجميل .
ففى قصيدته التى حمل الديوان عنوانها تغنى الشاعر بحب وجمال قريته ( دمشلى ) ، مسقط رأسه ومرتع صباه وشبابه .. قال :
( أصبحت فى الماضى أعيش كأنما
بقايا من ضياء الأمسْ
وبعضاً من ثراكِ الرطبْ
وعصفوراً ينقّرُ بابَكِ المفتوحَ للأضواءْ
وسنبلةً
وجدولَ ماءْ
يعودُ اليكِ منحدراً
أعودُ أنا ...
ووجهى صخرةٌ حفرتْ
ملامحَ عمرِها الأيامُ والأمواجْ
وجذعُ شجيرةٍ شاختْ
تشكِّله أكفُ الريحِ والأنواءْ
فألقاكِ
كما أنتِ
كما كنتِ
فراشَ النورِ والأنداءْ
ومئذنةً تطولُ سماءْ
فوجهكِ لم يزل أخضرْ
وقلبكِ لم يزل أكبرْ
وطعمُ ترابكِ السكرْ
وأنفاسكْ
عبيرُ حياه .. )
وفى قصيدته الأولى ( الألق المختلس ) ؛ التى أهداها لوطننا المغتصب ( فلسطين ) .. قال الشاعر المبدع :
( فى طقوس الضياعْ
بين أشجارِ أحلامنا المطفأه
والمنى تختنقْ
تحترقْ
تنثنى فى شراكِ العذابْ
فى حنايا الكهوفْ
تمتطى صهوةَ النبضِ نزفاً وتغدو
كأغرودةٍ ضائعه
فى مرايا السرابْ
كنتُ أحملها فى دمى
سجدةً فى طريق السماءْ
قِبلةً
تستعيدُ ملامحها الشارده
فى ضبابِ الضبـــاب
بسمةً تشتهى
طلعةً الموتِ أو
لحظةَ الانعتاقْ
دعوةً
من صلاة الحجرْ
تستحثُ الصدى
تشعلُ الروحَ أمنيةً
للذى كانَ أو لم يكنْ
والذى كانَ .......... كانْ
تذكرُ الأرضُ واطئَها
والزمـانُ الزمـانْ )
وفى قصيدته ( زائر المساء ) تتبدى غنائية الصورة الشعرية لدى الشاعر ، وموسيقاه العذبة .. حيث قال :
( صديقى الذى
كان مِنِّى وغابْ
يجىء مساءا
يدقُ على بابِ قلبى
.. وليلى
ويأخذُ مجلسه فى سكونُ
ويحكى حكايته
ثم يبكى
.. وأبكى
ويوغلُ فى الصمتِ
حتى يغيبْ ...
ويبقى الصدى
عازفاً ...
نازفا ...
...
وشيئاً ...
.. فشيئا
يضيعُ الصدى
ويبقى الدجى
شاحباً ....
شاحبا
يرتدى الأسودَ )
كما تبدت أيضا فى مرثيته لأستاذه وصديقه الدكتور صالح أحمد صالح ، حيث قال فى قصيدته ( رحيل الضياء ) :
( رحلتْ ؟!
وصمتاً .. رحلتْ ؟!
وما كدتَ تدنو لوهْج الخلودِ
حتى رحلتْ !
فمن أى نبعٍ تراك أتيتْ ؟
أمن نبع ذاك الزمانِ الجميل ؟!
ومن أى نبع تُراك ارتويتْ ؟
أمن ماءِ نيلْ ؟!
أماء الخلودْ ؟!
أم النورَ كنتْ ؟!
ضياءً عبرْ ...
خيالاً ومرّ ...
وذكراً بخط الزمانِ يجرّ
أنقشاً بمعبدْ
يقولُ بأنك مازلتَ تحيا ؟! )
وفى رائعته ( الارتحال فى الأسى ) التى أهداها لأحد أصدقائه قال :
( هذا زمانٌ ليس لى
حصدتْ خطايا الريحُ
غيّبنى ارتحالى فى الأسى
ما كنتُ أعرفُها وتعرفنى الحروفْ
زادى على كتفى
وأسفارى دمى
هذا أنا
لا الأرضُ مملكتى ولا دنيا البشرْ
النور مَبغاى
ودنياى ..
على وردِ الطفولةِ قد تناثرَ ريقها
فشربتُ منهُ
حتى أسكرنى الرحيقُ
.. وما ارتويت
أفرغتُ كأسى
وانتحيت
بايعتُ صمتى
وانحنيت
وغرست أفراحى ربيعاً فى الضلوعِ
فما جنيت
هذا زمان ليس لى )
وعلى الرغم من أن قصائد الديوان قديمة نوعا ، كتبها الشاعر بين عامى 1993 و2000 م الا أنها عبرت عن موهبة شعرية جميلة ، وميلاد شاعر واعد استلفت الأنظار ، يملك أدواته الأدبية والفنية ، ويملك زمام كلمته التى تأخذ بلب قارئه وتنقله الى عالم الشاعر الخاص ؛ المفعم بالأسى المتفجر شجنا وألما .. شاعر أُحبه وأَسعد بتقديمه لأسرة شعراء وأدباء المربد .. عانى كثيرا وكافح طويلا ، يحمل هم أمته ويحزن لوطنه ومعاناة أبناء جلدته .
أبارك للشاعر الدكتور محمد أبو الفتوح غنيم صدور ديوانه الجديد .. وأتمنى له التوفيق .
والى مزيد من التقدم والرقى باذن الله تعالى .