بقيت آثار المسلمين (لا الإسلام) المعمارية شاهداً على حكمهم في (إسبانيا) مئات السنين، ولم يبق أثر لأهم ما حملهم الله إياه وميزهم بـ: دينه الحق؛ فلقد حرص ملوك إسبانيا على محو كل ما له صلة بالإسلام، ولم يروا بأساً ببقاء الآثار المادية الدنيوية التي اشترك في إيجادها والإعجاب بها والرغبة في بقائها المسلم والكافر، إذ أدرك أعداء الإسلام ألاّ صلة لهذه الآثار بالوحي ولا بالفقه فيه، وإن لم يدرك ذلك أكثر متأخري المسلمين فوصفوها بالإسلامية، بعد أن فقدوا القدرة على التمييز بين وحي الله وفكر البشر، وبين الدين والدنيا، وبين العبادة والعادة، وبين المسلمين والإسلام.
وكما أن الله تعالى لم يعلم رسوله (صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومتبعي سنتة) الشعر ولم يبتغ له، فلم يحتضر شرع الله للإسلام شيئاً من الفنون الأخرى وما ينبغي أن تفتري عليه، وأبرز مظاهر ما وصف بالعمارة الإسلامية افتراء على الإسلام (مثل الأقواس والقباب والنقوش وتيجان الأعمدة واستدارة المحاريب وهرمية المآذن والرمز بالأهلة) مأخوذ من العمارة الكنسية (وبخاصة البيزنطية) أو الوثنية، ومبني بأيدي المهرة من بلاد الشام أو إسبانيا النصرانية (بعد أن حكمها المسلمون) سواء منهم من أسلم أو بقي على دين آبائه وأجداده، أو المهرة من الهند وفارس.
وبعد قرن من سقوط غرناطة كتب سرفانيز هزلية (دون كيهوتي دي لامنشا) عن قروي نبيل أفرط في قراءة الروايات الخيالية عن البطولة والشهامة حتى تغلب الخيال على الحقيقة في عقله فندب نفسه لتحقيق العدل الوهمي ومحاربة الظلم الوهمي، وخرج على دابته الهزيلة مهاجماً مطاحن الهواء (الجبابرة) وقطعان الماشية (جيوش الأعداء) ومنازل المسافرين على الطرق (حصونهم).
وفي كل معركة خاضها يرجع بالخيبة والخسارة، وبقيت الأهداف الوهمية قائمة غير منقوصة وكأنه كان يرسم الطريق لمجاهدين يأتون من بعده زادهم الخيال، وإن فاقوه سفهاً بنسبة جرائمهم للإسلام.
ولعل (إسبانيا) وقد أخذت من المسلمين أسوأ إنتاجهم: (مظاهر الإسراف والترف)، قد كافأتهم بأسوأ مثل أنتجته للخيال والبعد عن الحقيقة والواقع: (عدوى الدون كيهوتيه).
ففي نهاية القرن الماضي من التاريخ الهجري أعلن مرشد أول ما وصف بالثورة أو الجمهورية الإسلامية أن الشيطان الأكبر هو أمريكا، وتلقى الحركيون (الموصوفون بالإسلاميين والمسيحيين والشيوعيين، والقوميين) هذا الإعلان بالقبول المطلق وسارعوا لبذل أنفسهم وأموالهم أو أنفس وأموال غير (وافقوهم أو خالفوهم) في جهاد وهمي باسم الدين أو القومية، رغم اختلاف اتجاهاتهم ومذاهبهم ومعتقداتهم وإنما تجمعهم عاطفة هائجة تشغلهم بالشيطان في السياسة الفكرية عن الشيطان في الحقيقة الشرعية والأرضية والهوية عن الجهاد الشرعي: "لتكون كلمة الله هي العليا" البخاري ومسلم.
قال الله تعالى: {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة}، وقال تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه}، وقال تعالى: {ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين}، وقال تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تبعدوا الشيطان}.
فالشيطان الحقيقي الأهم والأول هو إبليس الذي أخرج أبونا من الجنة، وهو من الجنة، وهو الذي قبضه الله قريناً لمن عمي عن وحيه والفقه فيه والعمل، وهو الذي أمرنا الله بالحذر والاستعاذة منه ونهانا عن عبادته بطاعته.
ولا يصح وصف الشيطان الحقيقي ولا الخيال بأنه (الأكبر) فقد وصف الله الأول بقوله: {إن كيد الشيطان كان ضعيفاً} وقوله تعالى: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون}، ونعلم أن الشيطان الخيالي قد عجز عن قهر عدوه الأقرب (كوبا) وعدوه الأبعد (فيتنام) وكلاهما يقل عنه عدداً وعدة وتقنية، وعجز عن حماية خلفائه في إيران والفليبين وأمريكا الجنوبية وغيرها.
وينافس إبليس على المركز الأول في محاولة إغواء البشر: الهوى أو العاطفة من النفس القريبة المحبوبة، قال الله تعالى: {إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي}، وقال تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوي الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى}، وليس من الشرع ولا من العقل التلهي بالخطر الأبعد عن الأقرب.
ولكن الانحراف عن الوحي الإلهي إلى الفكر الظني (الموصوف بالإسلامي زوراً) جعل (عقل المسلم المعاصر (إلا من رحم الله) (في أذنيه) كما قال شوقي في ترجمته لشكسبير عن الشعبت الروماني:
(أنظر الشعب (ديونُ).. كيف يوحون إليه = ياله من بغباء.. عقله في أذنيه) فلقد تحولت خطب الجمعة (في أكثر الأحوال والأوقات)، وأشرطة تسجيل المواعظ والمجلات والكتب الموصوفة بالإسلامية؛ أبواقاً للتهيج السياسي الضعيف ضد الحكومات المسلمة وغير المسلمة، وإذا ذكر أقطاب الجهاد الخيالي في أفغانستان (وما بعدها) بواجب تصحيح الاعتقاد شرطاً للنصر؛ اتهموا أهل الذكر بالتخذيل والتثبيط.
وكانت النتيجة العملية: استحلال بعض شباب المسلمين قتل أنفسهم وقتل عشرات ومئات وآلاف الأنفس التي حرم الله قتلها بغير الحق، وصار التفجير والترويع والتخريب وخطف الطائرات، والغدر عملة دارجة باسم الجهاد والاستشهاد، وقد بين الوحي من الله ألاّ جهاد ولا استشهاد إلا لفرض واحد: لتكون كلمة الله هي العليا، أي لا للأرض ولا للهوية القبلية أو الجغرافية ولا للتغضب ولا للحقد، وتبين من هدى النبوة أن لا يقال فلان شهيد (البخاري) لمن لم يشهد له الوحي من الله.
أما أمريكا فهي مثل لفاقة الدخان الأكثرية تدخنها وتلعنها، وليست إلا دولة علمانية تبحث عن مصلحتها (كما يبحث الجميع عن مصالحهم) وللمصلحة المادية أعانت حكام العراق على إيران عندما هددت جيرانها، وللمصلحة المادية أعانت الكويت على العراق عندما احتلتها أسوأ احتلال عرفه التاريخ، وللمصلحة المعنوية حاربت العراق نصارى الصرب لإيقاف اعتدائهم الوحشي على جيرانهم المسلمين، وللمصلحة المعنوية أعانت الأحزاب الأفغانية بآلاف الملايين لطرق الروس المعتدين، ثم اتفقت مع روسيا لإرغام (طالبان) على تسليم المعتدين عليها، وللمصلحة المعنوية منعت منذ عشرات السنين تعليم الإنجيل داخل أمريكا في المدارس الحكومية، ومع ذلك يتأرجح الحركيون بين وصفها بالعلمانية ووصفها بالصليبية وفق مهب الريح الفكرية، رغم أن الحروب المسماة بالصليبية انتهت قبل تسعة قرون، وأن الكلمة (crusaid) عادت إلى معناها الأصلي: المقاومة الحازمة للشر أو المناصرة الحازمة للخير.
ولو صدق ظن الحركيين والفكريين وتحققت خيالاتهم وأحلامهم عن خطر خارجي (أكثر من الداخلي) على المسلمين، لما جاز لغير ولي الأمر المسلم إعلان الجهاد، ولما جاز الاعتداء على العدو وقد قال الله تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا} ولما جاز معاملتهم بغير العدل وقد قال الله تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى}.
وفرق (لا يدركه الحركيون والفكريون) بين الولاء والمعاملة فقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومتبعي سنته) يحسن معاملة اليهودي والنصراني والمشرك في البيع والشراء والزيارة والهدية والتعاون على الخير، ولا يوالي إلا الله وملائكته والمؤمنين من عباده.
ولكن لماذا يزيد الاهتمام بالجهاد الخيالي (أو الحقيقي لو وجد) على ما هو أهم منه من الدعوة إلى إفراد الله بالعبادة والتحذير من الشرك بالله فn ي عبادته الذي يتجاهله المنتمون إلى الجهاد الإسلامي اليوم قبل غيرهم؛ لا يعرف لواحد من قادة الدعوة إلى الجهاد أي اهتمام به رغم أنهم عاشوا بين أوثان المزارات والأضرحة والمشاهد والمقامات الخاصية بالمنتمين للإسلام والمشتركين بينهم وبين اليهود والنصارى وفرق الضلال المختلفة؟
الجواب: أن دعوة التوحيد والسنة (التي عاشها المسلمون الأوائل بضع عشرة سنة قبل أن يحل الله تعالى لهم الجهاد الحقيقي لفرض واحد: أن تكون كلمة الله هي العليا) لا تجذب الأكثرية الغوغائية كما تجنبها دعوة الحقد والحسد والفساد. والله ولي ا