الملاحظات
الرد على الموضوع
صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 12 من 22

الموضوع: النص الكامل لمجموعة «أحلام البنت الحلوة» لحسين علي محمد

  1. #1 النص الكامل لمجموعة «أحلام البنت الحلوة» لحسين علي محمد 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    النص الكامل لمجموعة «أحلام البنت الحلوة» لحسين علي محمد
    .....................
    صدرت المجموعة في طبعتين:
    *الأولى عن دار الوفاء لدميا الطباعة، الإسكندرية 1999م.
    *والثانية عن دار الإسلام للطباعة،المنصورة 2001م.
    ....

    الإهْــداء


    إلى الروائي محمد جبريل
    أستاذاً
    وصديقاً

    حسين علي محمد

    (1)
    *المســافر*
    ...................

    لأول مرة يخرج من بيته مسافراً إلى الخليج دون أن ينظر في عيون أبنائه الستة، فيقولوا له:
    ـ لا إله إلا الله.
    فيرد في حماس، وهو يرمق الشفقة في عيون أبنائه وزوجته:
    ـ محمد رسول الله.
    قبل أن يشهق، وهو يجتاز الممر الطويل المؤدِّي إلى مقعده في الصفوف الأخيرة في الطائرة، قال له المضيف حينما لا حظ لحيته البيضاء .. كأنه قالها مستغرباً:
    ـ هل تُدخِّن؟
    ـ لا.
    وكأن عينيه استفهمتا عن مغزى السؤال، فقد ركب الطائرة أكثر من ستين مرة في هذه السنوات العشر. كان يأتي في إجازة رمضان، وفي إجازة عيد الأضحى، ثم الإجازة الصيفية، وأحياناً يأتي في زيارة سريعة تستغرق عدة أيام.
    قال المضيف مبتسماً في آلية:
    ـ لأنك ستجلس في مقاعد المدخنين.
    أحس بصدمة، فقد قال له طبيبه الذي يُعالجه من السكر:
    ـ احذر التدخين.
    ـ أنا لا أدخن.
    ـ لا يكفي أن تكون غير مدخن!، احذر من مجالسة المدخنين.
    أشارت المضيفة ـ في مدخل الطائرة ـ دون أن تتكلم إلى الطريق الذي سيسلكه حتى يصل إلى مقعده في مؤخرة الطائرة، وهو يقول لها ( 65 c).
    وصل مكدوداً، ووجد الركاب في مقاعدهم، ولاحظ أن بعض الركاب يدخنون.
    أحس بدوار، غابت المرئيات .. قبل أن يشهق، ويخرج من شفتيه زبد أبيض، ويتعاون البعض على حمله لإنزاله من الطائرة، بعد أن فشلوا في حضور طبيب معالج. واستطاعت أذنه أن تميز بعض الألفاظ، منها أنه من المنصورة، كما سمع من بعض العجائز "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" تتردّد خافتة مُشفقة!
    كان منذ ثلاث ساعات قد دخل المسجد الذي اعتاد فيه صلاة الجمعة، جلس في مكانه المفضل بالصف الثالث ـ رغم أنه كانت هناك أماكن خالية كثيرة في الصفين الأول والثاني، وجلس في مكان قريب من الباب حتى يكون من أوائل الخارجين من المسجد بعد أداء الصلاة، ليجلس مع أولاده ساعة قبل أن يتوجّه إلى المطار.
    السنة الأولى التي سافر إلى الخليج فيها ـ تلك السنة التي اشتعلت فيها حرب تحرير الكويت ـ جرّت وراءها السنة الثانية فالثالثة … فالعاشرة.
    لماذا لا تتوقف السنون عن الجري؟ كان يعد الأيام لعودته منذ وصوله:
    ـ باق 120 يوماً، وأعود إلى مصر في إجازة رمضان.
    ـ باق ثلاث جمع نصليها، ونعود في إجازة عيد الأضحى.
    ـ باق أسبوعان في الامتحانات، ونعود إلى مصر الحبيبة.
    حينما حصل على الدكتوراه ـ من الخارج ـ فشل في الحصول على وظيفة جامعية في مصر. كان يقرأ الإعلان، ويذهب سعيداً لتقديم نسخ رسالته مع الأوراق المطلوبة، وتتبخّر الآمال يوماً فيوماً، ثم يُفاجأ بأن الذي قد عُين في الوظيفة المطلوبة غيره.
    قال له عميد كلية ساحلية:
    ـ أنت أحسن المتقدمين للوظيفة، ولكنك تحتاج "زقة".
    وحينما سأل صديقه محمد لطفي عن هذه "الزقة"، قال: "دفعة للأمام يا محترم"، حتى تنال شرف التعيين في الكلية.
    ـ هل يُريد ـ مثلاً ـ توصية من عضو مجلس الشعب؟
    ضحك محمد لطفي واصفاً صديقه بالتخلف عن فهم آليات المجتمع المعاصر في عصر "البيزنس" وتداول النقود!!
    حينما قرأ إعلان هذه الجامعة الخليجية التي يعمل فيها من عشرة أعوام قدّم أوراقه، وأجرت لجنة التعاقد مقابلة معه، وبعد عدة أيام وصلته برقية تستعجله إنهاء إجراءات السفر.
    بعد أن وصل إلى الخليج، وجد أنه يتقاضى راتباً عشرة أضعاف أساتذة الجامعة في مصر، وأربعين ضعفاً لما كان يتقاضاه في وزارة التربية والتعليم قبل أن يجيء إلى الخليج، فحمد الله كثيراً.
    ظل يعمل في هذه الجامعة معزيا نفسه أنه لم يجد له وظيفة أستاذ جامعي في جامعات مصر الكثيرة (لأنه لم يجد "الزقة" المطلوبة!)، وأنه يعمل في جامعة عريقة لها اسمها، وأنه في الأعوام العشرة التي أمضاها بنى بيتاً يتسع لـه ولأبنائه، بعد أن ظل منذ تزوّج يعيش في شقة صغيرة لا تتجاوز سبعين متراً، وأن زوجته تواصل الرحلة مع الأبناء بنشاط وهمة حتى التحقوا جميعاً بكليات القمة.
    لكن زوجته التي ظلت معه سبعة وعشرين عاماً ماتت في هذا الصيف، وفكّر أن يبقى مع الأولاد، ويعود إلى وظيفته السابقة موجهاً بالتربية والتعليم أو مديراً لمدرسة ثانوية أو خبيراً بالكتب والمناهج، ليتابع أولاده في دراساتهم الجامعية، لكنه بعد تفكير ومُراجعة قرّر أن يذهب هذا العام إلى الخليج لآخر مرة، ليُنهي بعض الأمور المتعلقة بالعمل، ويحضر كتبه وحاسوبه، ويعود إلى مصر الحبيبة، وربما يُنهي السنة الكاملة لا يقول فيها:
    ـ باق 120 يوماً، وأعود إلى مصر في إجازة رمضان.
    ـ باق ثلاث جمع نصليها، ونعود في إجازة عيد الأضحى.
    ـ باق أسبوعان في الامتحانات، ونعود إلى مصر الحبيبة.
    .. وفتح عينيه بعد جهد جهيد ليجد نفسه نائماً على سرير أبيض، مغطى بملاءة بيضاء، ومصل الأنبوب المعلق يتصل بوريده، وأولاده جميعا حوله يقولون في فرح حقيقي:
    حمداً لله على السلامة.

    الرياض 22/8/1999
    رد مع اقتباس  
     

  2. #2 رد: النص الكامل لمجموعة «أحلام البنت الحلوة» لحسين علي محمد 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (2)
    *ثرثـــرة في المــدرّج*
    ................................

    استقبلها الزحام حين خطت خطواتها الأولى داخل الجامعة، اتجهت يميناً فقد كانت تعرف أن هذه هي كلية الآداب. سألت واحدة من الواقفات عن المدرج (78)، فأشارت بيدها قائلة ـ كأنها تُرحب بها ـ تعالي معي!
    كادت أن تُدير ظهرها، وتترك الكلية خارجةً إلى فضاء الشارع، حينما رأت عشرات من الطالبات والقليل من الطلبة يتحدثون في حلقات، كل حلقة تتكون من طالب وعدة طالبات، ولكن استوقفها صوت أحمد ـ كأن الأرض انشقت عنه ـ:
    ـ أهلا سميرة.
    مالت بوجهها، كأنها تعاتبه:
    ـ غبت أسبوعين، قلت أسأل عنك أنا.
    أشار لها قائلا:
    ـ الأستاذ غائب اليوم، تعالي نجلس ونتكلم.
    قالت مذعورة:
    ـ أين نجلس؟ في المدرج؟!
    لحقت به، وكان قد سبقها بعدة خطوات:
    ـ أقول فلنذهب معاً إلى حديقة الحيوان، أو حديقة الأورمان.
    قال في صوت، اجتهد أن يحمل نبراته التي تعرفها:
    ـ فلننتظر خمس دقائق، إني أنتظر مذكرة علم الاجتماع للدكتور الخشاب، سيحضرها صديق استعارها أمس.
    مشت وراءه صامتة كأنها تمشي في جنازة حبها. أشار إلى الكرسي الأخير في الصف السادس من المدرج الذي يكاد يخلو من الطلاب، وقال:
    ـ اشتقت لك يا سميرة.
    قالت:
    ـ لو اشتقت لنا لسألت علينا.
    ـ أمي مريضة.
    ـ ألف لا بأس عليها.
    هل من الممكن أن تمرض هذه الحرباء؟. إنها هي التي حرضته على البعد عنها. قالت له ـ كما نُقِل عنها ـ أخوك مستشار وزوجته طبيبة، وأختك محاسبة وزوجها طيار، وأنت تتزوج واحدة تعمل على آلة كاتبة، وحاصلة على دبلوم تجارة، وأبوها محصِّل في أتوبيس الورّاق؟
    قال في حزن شديد:
    ـ مصابة بالمرارة، وحالتها متأخرة.
    كادت تُزغرد، ولكنها قالت:
    ـ لازم نزورها الليلة، ماما ستحزن إذا عرفت أنها مريضة!
    هل ستحزن أُمي حقا؟!! .. لقد كانت تخدمها منذ خمس وعشرين سنة، قبل أن تتزوج أبي بعام أو عامين، وربما كانت خدمتها لها هي التي جعلتها تقف في وجه أحمد وتقول له: أنت الأول على قسم الاجتماع، وإن شاء الله ستكون دكتوراً في الجامعة، فهل تكون حماتك خادمتنا القديمة؟!
    أخذ أحمد المذكرة من زميله، وتنبّه إلى وجود سميرة معه، وأنه لم يُحيِّها التحية اللائقة بها، قال لها: يمكننا أن نجلس ساعة معاً قبل المحاضرة التالية في كافتيريا الكلية، أو جزيرة الشاي في حديقة الحيوان، أو حديقة الأورمان.
    أحست بحنين جارف إلى حديقة الأورمان التي شهدت بداية حبهما منذ عامين، وكيف كانت تترك المدرسة وهي في الدبلوم، وتجيء له من حيِّ الدرَّاسة البعيد إلى الجيزة، ولكنها شعرت أن اللقاء محكوم بساعة واحدة، قالت:
    ـ نبقى في المدرَّج أحسن.
    تركها، وبحث عن "عم حسن" عامل "بوفيه" القسم، ليحضر لهما كوبين من عصير الليمون.
    *
    جلس على بعد متر منها، وقال في صوت خالته كتغريد العصافير:
    ـ طلبت لك عصير ليمون.
    ـ كنت أفضل الشاي في هذا الجو البارد.
    فاجأها:
    ـ نحن في أبريل يا سميرة!!
    أحست حزناً في نبرات صوته، قالت:
    ـ لماذا تهرب مني؟
    قال وهو لا يرفع عينيه عن الأرض:
    ـ قلت لك أمي مريضة.
    قالت ـ وهي تحس أنها تستدعي صوتها من بئر عميقة:
    ـ ولماذا لم تهاتفني منذ فترة؟
    ـ نحن مشغولون، الامتحانات على الأبواب.
    نظر إلى وجهها الممتلئ بالحيرة، وقال:
    ـ ولماذا لا تطلبيني أنت؟
    ـ هل نسيت؟ لقد قلت لي لا تطلبيني في البيت.
    ـ كنت أداعبِك!
    ـ بل كنت تخشى غضب أمك.
    امتلأت أساريره بالشفقة على أمه، وأضاف في صوت واهن:
    ـ أمي في لحظاتها الأخيرة. ادعي لها بالشفاء!
    قالت بسرعة، كأنها تريد أن تتخلص من عبء الكلمات:
    ـ ربنا يشفيها.
    غالبت تردَّدها، وسألته:
    ـ سمية صاحبتي تقول إن أمك ستخطب لك سناء أخت الطيار، التي تعمل مضيفة أرضية بمطار القاهرة.
    أجاب، وهو يحاول أن يُنهي الحديث:
    ـ هذا كلام سابق لأوانه، يشغلنا الآن: مرض أُمي، وحصولي على الليسانس!
    *
    لا يدري إن كانت سميرة قد غضبت حين قال لها إنه لا يُفكر الآن إلا في مرض أمه، وحصوله على الليسانس، لكنه متأكد أنها لم تشرب الليمون، وأن عصفوراً أحمر على إيشاربها كان يُحاول الطيران، ولكن الدماء كانت تسيل من جناحه المهيض!

    القاهرة 5/8/1969
    رد مع اقتباس  
     

  3. #3 رد: النص الكامل لمجموعة «أحلام البنت الحلوة» لحسين علي محمد 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (3)
    *أحـــلام البنــت الحـــلوة*
    .......................................

    الأضواء الخافتة تتلألأ كنجوم أعياها السهر وأضناها، وهناك في مقهى صغير أكثر من شاب حول مائدة صغيرة متسخة يلعبون "الورق" .. وفي الركن صبية صغيرة نائمة. وارتفع صوت عامر الدُّكش:
    ـ بنت يا سنية!
    ولمّا لم يجد ردًّا على ندائه عاد ينادي بصوته الأجش من جديد:
    ـ بنت يا مقصوفة الرّقبة ..
    ولكن البنت لم تسمع، فقد دهمها سلطان النوم، وراحت تضطرب في سكراته .. وقامت سنية بعد أن هوى "قلم" على صدغها، قامت تبكي، بينما الرجل الثقيل الظل يطاردها بصوته المُزعج:
    ـ روحي يا بنت هاتي صفيحة الجاز بسرعة من البيت!
    وغمغمت سنية وهي تقول:
    ـ حاضر !!
    منذ سنتين وسنية تعيش في هذه النار، نار جهنم، مع المعلم عامر الدُّكش، زوج أمها، البدين، ذي الصوت الأجش، والشارب المفتول الذي يستطيع أن يقف على فردتيه: غُرابان!، وهي لا تدري لماذا يحبه روَّاد "قهوة الناصية"، ولماذا يُطلقون عليه ألقابا لا يستحقها، مثل: "حبيب الكُل"، و"السُّكَّر"، و"الرجل الجدع".وإذا كان كما يقولون فلماذا إذن هو خشن الألفاظ، جاف الطباع مع سنية؟، وسنية بالذات؟
    لقد كان أبوها "العسكري سيد" هو "السكر" بحق وحقيق، ولكنه توفي منذ ثلاث سنوات، وهي في الثانية عشرة، وكانت وقتها في الصف السادس الابتدائي .. كانت لا تعرف في المدرسة ـ أو الدنيا ـ شيئاً، وكان والدها ـ عسكري المرور ـ يعود عصر كل يوم ويداه مليئتان بالفاكهة، فتستقبله مهللة مغردة كطيور حديقة المأمور المجاورة لبيتهم الطيني المتهدِّم:
    ـ أبي جاء .. أبي جاء ...
    فيقبلها، ويرفعها بين يديه ـ فقد كان جسمها صغيراً بعد، ليس كجسم أمها المكتنز بالشحم واللحم ـ ويقول لها:
    ـ هل تحبيني يا سنية ؟
    فتضحك الصغيرة قائلة له بلثغتها المُحببة:
    ـ مثل الدنيا كلها.
    وتتحرك يدها الصغيرة نصف دائرة، قبل أن تُحِّوطَ أباها، وتلثمُهُ.
    ولكنه مات!
    وتزوّجت أمها من المعلم "عامر"، ذي الأربعين عاماً، والوجه النحاسي الذي تترقرقُ عليه دائماً قطرات العرق حتى في عزِّ الشتاء!! تزوّجت أمها من المعلم "عامر الدُّكش" الذي يقسو عليها، ويُعاملها كطفلة في السادسة مع أنها عروسٌ في الخامسة عشرة.
    في أول الأمر ـ حينما تزوج عامر أمها ـ لم يكن يقسو عليها، بل كان يرجو أم سنية:
    ـ أنا وحدي، خلِّي البنت تساعدني في القهوة.
    وكلما قالت له: "البنت مازالت صغيرة"، ضحك وقال متودِّداً:
    ـ ماذا ستعمل؟ .. ستحمل لي صفيحة الجاز، أو تملا لي صفيحة ماء من الصنبور الذي بجانب محل المائدة .. هذه كلّ الحكاية.
    ولكن الحكاية لم تقتصر على ما قاله لأمها؛ فقد صارت تفتح "قهوة الناصية"، وتكنسها، وترش الماء في الشارع أمامها، وتستقبل الزبائن الذين يأتون مبكرين ـ قبل أن يستيقظ عامر في العاشرة صباحاً، وتظل تخدمه في القهوة وتساعده في توصيل الطلبات للزبائن حتى يؤذن العصر.
    ولكنه في الأيام الأخيرة أخذ يطلب من أم سنية أن تبقى البنت معه حتى يُغلق القهوة!
    وأفاقت سنية من خلجاتها بعد أن عثرت أقدامها في كرسي منكفئ على الأرض!
    لطالما داعبها الشبان قائلين:
    ـ متى ستكبرين يا حلوة؟
    نعم إنها جميلة، أجمل من بنت المأمور والله، ولكن "يعطي الحلق للتي بلا آذان"!!.
    وتخيَّلت سنية نفسها في فستان محزّق، جميلة، رائعة، مثل "آيات" ابنة المأمور، لا .. لا، فهي أجمل منها، وأكثر من شاب يغازلها:
    ـ ما هذا الجمال يا سنية؟ .. ما شاء الله ..يا أرض احفظي ما عليك.. ما هذا الجمال كله يا بنت؟
    وأفاقت سنية على صوت المعلم عامر الدكش:
    ـ لماذا تأخَّرتِ يا مقصوفة الرقبة؟ خذي هذه الصفيحة املأيها قبل أن تروّحي لأمك.
    وبينما كانت سنية تملأ الصفيحة بالمياه أخذت تسأل نفسها: منذ متى لم تسمع كلمة جميلة من رواد المقهى الشبان؟ .. يوم؟ .. يومان؟ .. لا .. أربعة أيام كاملة!
    وجاءها صوت "مغاوري" النقاش رقيقاً، حالماً، كأنه كان يعلم ما تفكر فيه، ويستجيب لما يدور في خلدها:
    ـ ما هذه الحلاوة يا سنية!. والله كبرت وبقيت عروسة!
    وكاد قلبها يسقط من صدرها وهي نقترب منه وتسمعه يردف في صوت دافئ مملوء بالحب:
    ـ تتزوّجيني يا بنت ..؟!

    التعاون ـ 4/4/1967.
    رد مع اقتباس  
     

  4. #4 رد: النص الكامل لمجموعة «أحلام البنت الحلوة» لحسين علي محمد 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (4)
    *الحــــارس*
    ...................

    بعد عناء المحاولة في هذا القيظ .. عَدلتَ عن كتابة القصيدة، وصمّمت على أن تسهر مع أغنية أم كلثوم "أغار من نسمة الجنوبِ"!
    الإذاعة مشغولة بمتابعة رحلة الرئيس السادات إلى القدس، وأبوك مضطر إلى أن يسهر الليلة لحراسة حديد البناء بعد أن ذاعت شائعات كثيرة عن وجود عصابات من الشباب العاطل تخصصت في سرقة مؤن البناء!
    ماذا تصنع الآن؟ على فوّهة البركان جلست أنت والبنّاء (عبد الرحمن) تحرسان الغيم، وتنسجان الشباك للأحلام ..
    "سناء" الحاصدة الأولى تعبر في منتصف الظهيرة .. تتوَكَّأ على عصا، فرجلها مكسورة منذ هبوطها ـ منذ عدة ليال ـ سلم بيتكم الطينيِّ في أطراف القرية.
    أمشي في دروب صاعدة .. رائحة الروث تملأ المكان .. وسط فِخاخ سأتحرَّك .. عينا "إيمان" شقيقتي الصغرى ترانا من خلف الشيش .. عيناها تعكسان سرًّا صامتاً لا تُريد أن تبوحَ به.
    يسرق "عبد الرحمن" الحديد، ويمضي، وأنت تستقبل أربع عيون لعصفورتين مائيتين (سناء، وإيمان). تُغادرك "إيمان" .. تُحدِّق في عيني سناء الممتنّتين .. وتمضي.
    عيونكما الأربع تتحرّك في رعب بطيء.
    يُطلُّ أبوك خارجاً من باب المسجد المقابل مرتدياً قميصه الكتانيَّ المزهَّر بالنيلة الزرقاء. ينظر إليكما عابساً، بينما سراديب الدهشة واللذة تُغلق أبوابها.

    المساء 20/12/1997م.
    رد مع اقتباس  
     

  5. #5 رد: النص الكامل لمجموعة «أحلام البنت الحلوة» لحسين علي محمد 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (5)
    *التجـــربـة*
    ...................

    ما أحلى الأيام الأولى لمجيء "سعيد". خفَّف عني عبء مساعدة والدي في الحقل، فأصبحت الأيام تمر بنا مثل مرور الطيف. أسحب الجاموسة إلى الحقل أحياناً، وأساعده في تحميل نقلة سباخ فينهرني أبي:
    ـ ذاكر دروسك أحسن، إنه هو الذي يعمل لا أنت.
    ـ سعيد طيب كالأطفال، ووديع كحمل، ذو صوتٍ حانٍ واهن كصوت أمي!
    قال لي قبيل المغرب:
    ـ أحضر الفأس من كوخي.
    طرقت، لم يُجب أحد. دفعت الباب، قالت لي عروسه:
    ـ ادخل!
    كانت الزنبقة قد ألقت أحمالها، وتفتحت خمائلها، وانتشر عبيرها. غمغمت لحظة، بوغتُّ، هممتُ بالخروج، فقالت:
    ـ تعال …!
    وربتت علي كتفي، فشعرت بحرارة غريبة تغزو مفاصلي! كدت أقع على الأرض وأنا شغوف باستداراتها وملاستها…
    أأحمل أقدامي.. أجرجرها للخارج؟ أم أعود أدراجي لها باكياً على اللبن المسكوب؟
    رذاذ الماء يرش وجهي النحيل، فأتوقف وأفكر في رائحة الغرف المغلقة!

    المساء 20/12/1997م.
    رد مع اقتباس  
     

  6. #6 رد: النص الكامل لمجموعة «أحلام البنت الحلوة» لحسين علي محمد 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (6)
    *لــــــن*
    ..............

    لن أُسميك أحمد!
    ولن أجعلك قرويا تحب السواقي التي تدور في الليل لتروي الأرض المشتاقة إلى الري، تدور فيها الأبقار معصوبة العينين منذ عهد خوفو.
    ولن أجعلك تكتب في مذكراتك أنك أحببت "هيام"، أخت صاحبك فوزي، واحتضنتها وسجلت في سويداء القلب القبلة الأولى!
    لن أجعلك تُلقي شباكك في الليل لتصطاد القمر الأخضر والنجمات الساهرة، وفي الصباح تُغازل الشمس حتى تخفف من نارها المحرقة وأنت تجمع الدودة من شجيرات القطن، أو توزِّع شتلات الأرز في أنحاء اللوحة المائية!
    لن أرسلك مُعاراً إلى قطر لتعاقر أحزانك كل ليلة صارخا في دفتر أحوالك: لماذا تركت الوردة؟ ولماذا هجرت الخضراء؟
    لن أجعلك مدرساً للحساب والعلوم، ولكني سأجعلك مدرساً للنصوص، وهاوياً للتاريخ والجغرافيا.
    لن أذكر حكاياتك الغريبة معي كتأليبك أخواتي الأربع عليَّ بإغداقك عليهن، ليبدو كرمك عملاقاً في مواجهة شُحِّي وبُخلي!
    لن أجعلك تموت في قطر وأنت تهاتف زوجتك في طنطا لأنها أخبرتك أن حريقاً شبَّ في بعض بيوت قريتك!
    هأنذا أرى الغيم ينعقد على جبينك، والمزالق تعبرها واحداً واحداً، ولا تقع في فخاخ الصحراء، وأنت تقول لابنك الصغير:
    ـ سامحني يا "مغاوري"!

    المساء 20/12/1997م.
    رد مع اقتباس  
     

  7. #7 رد: النص الكامل لمجموعة «أحلام البنت الحلوة» لحسين علي محمد 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (7)
    *يا عينـي عـلى العاشـقين*
    .........................................

    (1)
    .. ولأنه يقيم مع والده في مدينة السنبلاوين، ويدرس الطب في كلية الطب بمدينة المنصورة، كان عليه أن يركب القطار مرتين يومياً.
    في محطة السكة الحديد بالمنصورة تعرف على "صفاء"، تسافر معه من السنبلاوين إلى المنصورة يوميا: بيضاء، ناعمة الشعر، لها خصلة شعر تتمايل على جبينها. أهم ما يميزها غمازتان في خديها، يتألقان حينما تضحك ـ من قلبها مُقهقهةً ـ أو تبتسم.
    لم يبدأ الحب بينهما بالطريقة التقليدية: نظرة، فابتسامة، فموعد، فلقاء!. بل بدأ بعد نزولهما ـ من القطار ـ ذات صباحٍ مشمس، تتردّد فيه ـ من قاعة التشهيلات بالمحطة ـ أغنية أم كلثوم المُتحدِّية: "الحب كده".
    ونما الحب، وترعرع داخل قطار الصباح الذي يغادر السنبلاوين إلى المنصورة في السابعة إلا عشر دقائق.
    (2)
    قالت له: أحبَّك، ونفسي أعيش معك .. بعيد .. عن الدنيا.. عن كل العيون، على رأي حليم!.
    قال في صوت خفيض، حتى لا تسمع زميلتها البدينة، ذات الشعر الأشقر التي تتلصص عليهما منذ اكتشفت حرارة الأحاديث بينهما، وكانت قد حاولت أن تُنشئ علاقة مع طالب الطب ففشلت:
    ـ قريباً يا صفاء .. بعد سنتين أو ثلاثة .. نتزوج، ونعيش في تبات ونبات .. ويكون لنا صبيان وبنات كما تقول حكاية الشاطر حسن!.
    غضبت صفاء، وحينما تغضب صفاء فإن الشموس تهجر مداراتها، والعصافيرَ تُغادر أعشاشها، والبيوت تسقط على أرؤس ساكنيها. قالت:
    ـ أنت تخدعني .. ولا تحبني.
    وفكّت يدها من ذراعه، ولما أبصرت الشماتة في عيني زميلتها ذات الشعر الأشقر أعادت يديها الاثنتين إلى قبضة هشام، وظلت ـ رغم أنوف كل المتربصين والمتربصات ـ تغني لهشام أغنيات أم كلثوم، وعبد الحليم، وليلى مراد!
    لكنه كان يحب أن يسمع منها أغنيات فيروز!.
    (3)
    لاحظ أبو هشام أن ابنه أصبح يتأخر عن مواعيده التي درج عليها في السنوات الأربع الماضية، ولاحظ أنه يسرح دائماً، ولأن طالب الطب ينجح طوال حياته بامتياز، فقد لفتَ أبوه نظره إلى أنه يجب عليه أن يذاكر، وأنه باقٍ على الامتحان شهران .. خصوصاً أنه أصبح ينام مبكراً كل ليلة، ويقرأ روايات ألبرتو مورافيا، وإحسان عبد القدوس، وخليل حنا تادرس، كما وجد عنده بعض أعداد من مجلة "الشبكة" التي لا يحبها أبوه، مدير الوعظ .. ولفت نظره إلى أنه يجب عليه أن يخلع صور الشياطين ألفيس بريسلي .. ونجوى فؤاد .. وسعاد حسني التي أصبحت تملأ حجرته، ولا تليق بابن الواعظ الذي تعوَّد أن يُصلي الفجر مع أبيه، وهو في السابعة.
    (4)
    5 مارس 1970 ليلة الجمعة:
    أم كلثوم تُغني أغنيتها الجديدة "ودارت الأيام"، الولد مع البنت يستمعان إلى الأغنية في بيت البنت التي تشجعها أمها على الحب، لتجربة مريرة خاضتها في حب مُحامٍ من جيرانها لم تُكلل بالظفر، بل آبت بالزواج من المرحوم أبي صفاء الذي كان يعمل أميناً للشونة في قرية صغيرة، ويقترب عمره ـ رحمه الله وأحسن في الجنة مثواه ـ من ثلاثة أضعاف عمرها!
    هشام وصفاء يستمعان في حجرة عتيقة إلى الأغنية التي جاءت على وجيعتهما برداً وسلاماً، يتشنجان وأم كلثوم تُردِّد: عيني .. يا عيني .. يا عيني!..
    وبعد أن انتهت الوصلة قالت له إن هناك من أتى لطلب يدها، ولكنها ترفض لأنها مرتبطة بحبيب الروح هشام، الذي سيكون طبيباً قد الدنيا، وإن عليك إن كنت تحبني حقا يا هشام أن تُحضر أباك الواعظ ليتقدّم إلى أُمي لطلب يدي، وأنت تعرف أن أمي تحبك، وتُبارك هذا الحب، وسترحّب بقدوم أبيك!
    (5)
    ويعود الابن، حيث يسأله الأب: أين كنت حتى هذا الوقت المتأخر من الليل؟ ولكنه لم يُجب، ويدخل إلى حجرته، وتدخل أمه وراءه، وتقول له:
    ـ يا بني أبوك يلومني كثيراً بسببك ..يقول لي: أنت السبب .. أنت اللي دلّعت هشام .. وفتّحت عينيه، وكنت تقولين له دائماً تتجوز بنت خالك علي أم بنت عمك عبد المقصود؟
    ولكن الابن لا يرد. وتعود الأم في ضراعة:
    ـ يا ابني .. مستقبلك يا حبيبي!
    ويظل صامتاً.
    (6)
    في اليوم التالي (6 مارس)، وكان يوم جمعة، وفيه ساعة إجابة، قال الولد لأبيه في خجل شديد إنه يريد أن يتزوج، قال له والده كيف تتزوج قبل أُختيك اللتين تخرجتا من كلية الآداب، وأخيك المُهندس؟ قال هشام ـ وهو لا يكاد يرفع وجهه عن الأرض ـ على الأقل أخطب!
    قال أبوه في غضب:
    ـ ماذا تقول؟
    ـ أقول أخطبها بس .. يعني أحجزها.
    قال أبوه غاضباً:
    ـ إنك مراهق، لا تعرف مستقبلك!
    قال هشام، وكأنه يصرخ بكل ما اُوتي من قوة: إنها مستقبلي. فرد أبوه بعنف:
    ـ لست ابني .. الله يعوِّض عليّ فيك.
    ولم يكتف بهذا بل بصق ـ وهو يدير وجهه ـ بصقة كبيرة، وخلع فردة حذائه اليسرى وهوى بها في عنف ـ مرات كثيرة ـ فوق وجه زوجته التي لم تُحسن تربية هشام!!
    أخذ الولد يبكي، وبعد قليلٍ غادر الولد الشقة ـ التي غادرتها بعد قليل أمه، وهي تسدل طرحةً كثيفةً سوداء على وجهها ـ وأمام بيت صفاء التقت عينا هشام الدامعتان، بعيني أمه المقرحتين، وارتفعت من خلف الباب زغرودة آملة .. مستبشرة.

    المساء ـ 13/4/1970
    رد مع اقتباس  
     

  8. #8 رد: النص الكامل لمجموعة «أحلام البنت الحلوة» لحسين علي محمد 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    ( 8 )
    *الزواج في عربة الدرجة الثالثة*
    ..........................................

    كنت في طريقي من الزقازيق إلى القاهرة في عربة قطار الدرجة الثالثة، وجلس بجواري معيدان بجامعة الزقازيق، أحسست بالزهو، فلست وحدي من يركب قطار الدرجة الثالثة.
    قدّم لي أحدهما سيجارة:
    ـ تفضَّل.
    شكرته، فأنا لا أُدخِّن.
    ـ نحن مازلنا في الزقازيق، والطريق طويل، فلابد أن تدخن معنا.
    قال الثاني متبسطاً:
    ـ أنت تعرف الكرم الشرقاوي .. يعني .. لازم تدخن!
    فكرّرت اعتذاري.
    القطار يتحرّك، جلست بجواري فتاة يبدو أنها طالبة بالجامعة، تضع حقيبتها على ركبتيها وتجتهد أن تُخفي بها ما ظهر من ركبتيها الممتلئتين.
    سألها المعيد ذو الشارب الكث:
    ـ هل تعملين في الزقازيق؟
    أجابت في اقتضاب:
    ـ أنا مازلتُ طالبة.
    ـ في أية كلية؟
    ـ في كلية التجارة.
    وأخرجت مجلة نسائية، مليئة بالصور الملونة، وأخذت تُحدِّق في صفحات الموضة.
    *
    المعيدان ينتقلان من حديث إلى حديث.
    قال أحدثهما سنا:
    ـ أريد أن أتزوج! .. أفكر فيه.
    قال الآخر ذو الشارب الكث:
    ـ تزوّج .. هل يمنعك أحد؟!
    يبدو المعيد الآخر أصغر منه بعدة سنوات. أضاف:
    ـ ضع يدك في جيبك، وأخرج ما فيه، وتزوِّج!
    قال المعيد الصغير، الضعيف، منتفضاً كعصفور بلّله القطر:
    ـ الجيب ليس فيه شيء! .. أما ترى ما نصرفه كل يوم؟ أنا أصرف حوالي أربعين قرشاً في اليوم .. مصاريف فقط! والزواج يطلب كيس نقود!
    أغلقت البنت المجلة، وأخذت تُتابع الحديث:
    سألتها:
    ـ أنت في أية سنة؟
    ـ السنة الثانية.
    ـ من القاهرة؟
    ـ لا .. من بلبيس؟
    ـ ما مهنة والدك؟
    ـ تاجر أخشاب.
    قال المعيد النحيف مشتركاً في حوارنا:
    ـ هل أنتِ بنت الحاج محمد عوض الله؟
    ـ نعم.
    وهزت رأسها متسائلة في تشوق:
    ـ حضرتك تعرفه؟
    قال مقلداً صوت نجيب الريحاني، وكاشفاً عن قدرة تمثيلية باهرة:
    ـ ومن في بلبيس لا يعرف الحاج محمد عوض الله؟!
    *
    يعود حديث المعيدين إلى انطلاقته، يقول المعيد الضعيف:
    ـ العيشة غالية صحيح، لكن لازم الواحد يتزوج، ماذا نعمل؟
    وينظر إلى البنت التي تضحك في عبها، ويقول ناظراً إلى عينيها العسليتين، ووجهها المدوّر كالقمر:
    ـ والله لولا أمي ما كنت أقدر أعيش، أستلف منها يا حسرة، حتى بعد أن توظفت، فـ .. قل لي يا بك كيف نتزوج؟ وهل تعمل السبعة عشر جنيهاً شيئاً؟
    قال البدين:
    ـ طيب .. مادمت تعرف ذلك .. انتظر الفلوس اللي تعمل شيئاً .. كلها خمس سنين وتكون خلصت الماجستير والدكتوراه!
    وينظر المعيد النحيف أبو سوالف لبنت الحاج محمد عوض الله، ويقول:
    ـ أو أنتظر لمَّا أجيب مرسيدس مثل الدكاترة أساتذتنا، ما من أحد غيرنا أنا وأنت يركب الأتوبيس 11 .
    يضحك البدين، ويُخاطبني:
    ـ يقصد أنه يمشي ..يركب رجليه، (ويضحك) وأنا مثله!.
    ويسأل النحيف:
    ـ ما اسم الكريمة بلدياتنا؟
    ـ فاتن ..
    ـ المشكلة يا فاتن ليست مشكلة عربية مرسيدس، المشكلة أن مظهرنا يتطلّب منا ما يفوق السبعة عشر جنيهاً التي نقبضها .. المجتمع ينظر لنا نظرة ثانية .. إننا أساتذة جامعة، مظهرنا يتطلب فلوساً، والمراجع والكتب الضرورية بالنسبة لنا تحتاج إلى فلوس ..
    وتهز فاتن رأسها، ويرد عليه البدين:
    ـ كلامك مضبوط.
    *
    تدخل فاتن المجلة النسائية في حقيبتها .. تنشغل بصحيفة استعارتها من راكب أمامنا، يتوجه النحيل للبدين:
    ـ الذي أنا أستغربه .. كيف تزوجت؟
    ـ أنا متزوج وأنا طالب.
    ـ طيب.. أنت محظوظ ياعم، لكن هل يكفيك مرتبك؟
    ـ لا .. أنا أعطي لطلاب الثانوية العامة دروساً في الكيمياء والأحياء.
    ـ جميل .. حل جميل .. بدل أن يجلس الواحد منا في المقهى، يعطي دروساً لطلاب الإعدادية، والثانوية العامة. (وهز رأسه، وهو يضيف) فكرة جميلة .. والله!
    أكمل البدين:
    ـ ثم أنا ساكن في شقة بثلاثة جنيه ونصف في حي السيدة زينب.
    ـ معقول؟!
    ـ نعم معقول .. بيرم التونسي كان يكسب مئات الجنيهات من أزجاله وأغانيه، وكان يسكن في سطوح الناصرية.
    ـ متزوج زميلة لك؟
    يبدو أن البدين لم يسمع، فأعاد عليه السؤال مبتسماً:
    ـ لا مؤاخذة يا دكتور صلاح، زوجتك موظفة ولاّ ست بيت؟
    ـ ست بيت .. هذا أوفر وأحسن .. لما أرجع من الشغل وأجد الأكل ساخنا أحسن من أن أرجع متعباً وأعمل الأكل لنفسي! ..
    كانت معالم بلبيس قد اتضحت في الأفق، وبدأ القطار يُقلِّل من سرعته. ونهضت فاتن متجهة إلى باب القطار قائلة في صوت خفيض:
    ـ السلام عليكم.
    وقال صلاح لزميله النحيف:
    ـ ولماذا تبحث عن عروس وفاتن موجودة؟، ربنا أرسل لك العروسة لغاية عندك، بنت ناس مبسوطين، وعارف أصلهم وفصلهم، ولما تتخرّج تكون حصلت على الماجستير. مع السلامة يا درش.
    ابتسم مصطفى، وأشرقت عيناه في بهجة، وكاد يقع على الأرض، فقد توقف قطار الدرجة الثالثة فجأة أمام رصيف المحطة. أخذ يشد على أيدينا، وهو يقول بكرم شرقاوي، تفضلوا معنا.. تفضلوا.
    ناداه صلاح:
    ـ مصطفى .. ماذا قلت في العروسة؟
    ـ قل يا رب.
    كان القطار قد توقف نهائياً في المحطة، ورأيت فاتن ومصطفى يسيران معاً، يتحدثان، ويبتسمان. وعندما أصبحا قبالتنا، نظرا إلينا مُحيييْن، وأخرج صلاح كتاباً ضخماً باللغة الإنجليزية ليقرأ فيه، وقبل أن يبدأ القراءة بادهني قائلا:
    ـ أترى أن السنارة قد غَمَزَتْ؟!

    المساء ـ 10/4/1970
    رد مع اقتباس  
     

  9. #9 رد: النص الكامل لمجموعة «أحلام البنت الحلوة» لحسين علي محمد 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (9)
    * الطريق الطويـــل*
    ..........................................

    كانت فرحة "شفيق" مقطوعة الذراع، لم تطُلْ، فهذا الصباح كمْ ترقَّب مجيئه، وكم كان يود أن يكون جميلاً، ولكنه جاء ـ ويا للأسف ـ وشمسُه غائبة خلف أسراب من الغيوم التي تزاحمت في الأفق البعيد.
    وبحنين ولوعة ضمّ "شفيق" العددين اللذين ابتاعهما من الجريدة إلى صدره وفي قلبه حسرة، والطريق أمامه طويل .. طويل .. لا يعرف أين ينتهي، بل لعله لم يبصر بدايته بعد!
    إلى أين يذهب؟ أيذهب إلى دار الجريدة؟ ولو ذهب! ماذا يقول لسيادة الناقد الكبير الدكتور مُحرر الملحق الأدبي الذي أتحفه بالأمس القريب بكلامه المعسول، وقال له: أنت واحدٌ من أفضل كتاب القصة القصيرة الآن؟!
    قال لنفسه: فلتسكت، وليقدر الله ما شاء، فسيادة الدكتور مثلك الأعلى، ولربما جاءت عفواً، وسيتداركها في قابل الأيام، ولا تكسب عداوة أحد وأنت في أول الطريق!
    التقى "شفيق" بمثله الأعلى (سيادة الدكتور: الناقد دائماً، القاص أحياناً)، في مكتبه بالجريدة، وبعد أن أخبره شفيق بتحليق الملحق، ونشره لروايات وإبداعات متميزة لجيل الرواد بلع ريقه، وأخبر الدكتور أنه يكتب القصة القصيرة، وأن له فيها بعض التجارب. ثم تشجع وقال: وفد أحضرت لك قصة تتحدث عن تجربة غريبة .. تجربة لقاء حبيبين بعد افتراقٍ طال عشرين عاما.
    كان "شفيق" يتحدث بصدق، فهو لا يعرف النفاق، ولابد أن حرارة كلماته وصلت إلى شِغاف قلب الكاتب الكبير (المحرر الأدبي للجريدة، والأستاذ بالجامعة، والقاص أحياناً) فطلب كوب شاي لشفيق، وطلب منه أن يقرأ قصته.
    وقرأ "شفيق" القصة وهو يرجو أن تكون مولوده الأول على صفحات الجريدة.
    ابتسم الناقد الكبير وهو يقول لشفيق:
    ـ بداية رائعة، فيها صدق في المُعالجة، وممتازة حقا، لابد أن تنشر في العدد الأسبوعي المقبل يوم الثلاثاء، فتشجيع الموهوبين من أمثالك مهمتنا، واكتشاف أديب متميز لا يقل عن اكتشاف بئر بترول!
    وبلع الناقد الكبير ريقه، وهو يقول في مودة حقيقية:
    ـ بداية رائعة يا شفيق!
    قال شفيق في تواضع جم:
    ـ إنها ليست بداية يا أستاذي؛ فأنا أُعالج كتابة القصة منذ وقت طويل، ولكن الظروف حجبت إنتاجي عن النشر! لعل أهمها بُعدي عن العاصمة!
    وأخبر الأستاذَ أنه كان يفوزُ بالجائزة الأولى لمسابقة القصة القصيرة على مستوى جامعة القاهرة أيام أن كان طالباً في كلية الهندسة، ولكنه لم يحاول أن يتصل ـ من قبل ـ بأية صحيفة أو مجلة أدبية.
    ومرت اللحظات بعد ذلك سريعة، تكلما فيها عن كُتب الأستاذ التي قرأها شفيق من قبل، وناقش قضاياها مع مؤلفها، فقد كان يريد أن يختلف معه حول مفهومه عن الفن للفن، وكان شفيق يرى أن الفنان الحقيقي لابد أن يكون ملتزماً.
    خرج شفيق مسروراً، فغداً تنشر القصة في عدد الجريدة الأسبوعي الذي يوزع مئات الآلاف، ويكون اسمه مكتوباً بالبنط الأسود الكبير تحت "قصة العدد": اللقاء الأخير: شفيق مصباح! يالها من فرحة، ويالها من شُهرة كبيرة تهبط عليك يا شفيق فجأة وأنت في السابعة والثلاثين!
    أين كنت يا حظي العاثر الذي ألقيتني مهندساً صغيراً في مجلس مدينة الزقازيق؟ فلتبتسم في وجهي مرة واحدة، ثم لتظل باسِماً إلى الأبد! فعندما تُنشر القصة الأولى في أكبر جريدة ستعجب الكتاب الكبار، وستصبح حديث المحافل الأدبية في القاهرة العجوز ـ التي يحسنُ كتابها الدعاية ولا يُحسنون الإبداع! ـ لأسابيع طويلة. فالناقد الكبير أعجب بها! هل سمعته وهو يقول إنها ممتازة، وستنشر في العدد التالي؟. سيكتب النقاد عنها بالطبع، وسأبلغ القمة، وذلك الناقد الثرثار الذي يتكلم في الصحف كثيراً عن موت القصة القصيرة سيتراجع عن دعواه لأن قصتي ستخرج لسانها له قائلة: القصة القصيرة لم تمُتْ يا أستاذ!، فيُعيد كاتبا شهادة ميلاد لهذا الفن المراوغ عل يديّ. ستحتل صورتي مكانها ـ الذي ينبغي أن تكون فيه ـ في الصفحات الأدبية، وسوف يستدعيني رئيس التحرير طالبًا مني قصصي الأُخرى، وستمنحني الجريدة مكافأة لا تقل عن عشرين جنيهاً أي أكبر من نصف مرتبي الذي آخذه عن شهر كامل من الخطط والرسوم والاجتماعات والصراخ والفكاهات الماسخة من رئيس مجلس المدينة، وحل الكلمات المتقاطعة.
    ربما تعجب قصتي أحد المخرجين فيُحولها إلى مسلسل في هذا الساحر الجديد (التليفزيون)، يشاهدُه الملايين.أو ربما تتحول إلى (فيلم) يعطوني آلاف الجنيهات ثمناً لقصته، وليت مُعد السيناريو والحوار يلتزم بالقصة ففيها كل عوامل النجاح.
    على أي حال لا مجال للعودة إلى منطقة الظل التي عشت فيها سبعةًً وثلاثين عاماً!، ولن يسخر مني زملائي المهندسون في مجلس المدينة حين أقول لهم: إني كاتبٌ للقصة، وسيقبلون نقدي الذي أمحضهم إياه ـ لوجه الله ـ عن مسلسلات التليفزيون التافهة! ولن يسخروا من مقدرتي النقدية حين أقول لهم: يجب على كتاب المسلسلات عدم المبالغة في الأحداث، والتزام الواقعية في رسم الأشخاص.
    لا أيها الزملاء إن قصصي ليست على مستوى النشر فحسب، ولكنها ممتازة. هكذا قال لي الدكتور محرر صحة الأدب في أكثر الجرائد شعبية وانتشاراً.
    وعاد شفيق، وهو يمني نفسه بأحلى الأمنيات، ويقول لزوجته التي تهوى القصص التافهة لكتاب غير مشهورين يعتمدون على صفحات الأحداث في الصحف، ليكتبوا قصصهم الفاجعة في تلك المجلة النسائية العجوز التي تكاد تحفظ ما يُنشر فيها من قصص، ولا تلتفت لأقاصيصه التي تملأ ثلاثة كشاكيل ضخمة!:
    ـ غداً ستقرأين قصتي، ومع نشرها ينتهي اتهامك لي بعدم القدرة على كتابة القصة الناجحة.
    وقال في نفسه: فلينتهِ هذا اليوم الذي أضع فيه حدًّا لعزلتي، وليجئ الغد، ومع مجيئه .. يسطع نجمي، وتُلعلع أفراحي وشهرتي إلى الأبد!
    نام ليلةً جميلة مليئة بالأحلام، قام قبل الفجر، ربما لأول مرة يُصلي الفجر جماعة ويشعر بنشوةٍ غريبة لم يألفها من قبل! وكان عليه أن يتجه "لعم مصطفى" الذي يبيع الصحف أمام محطة القطار. لم يجد أحداً غير بعض الجنود الذين تبدو على محيَّاهم اللهفة والانتظار. لعلهم في انتظار سيارات الأجرة للتوجُّه إلى القاهرة.
    كان عليه أن ينتظر بضع دقائق ثقيلة الخطى، قبل أن يصيبه اليأس من مجيء "عم مصطفى"، عليه إذن أن يتجه لبائع صحف نشِط، ليشتري عددين من الجريدة التي ستحمل ابنته الأولى إلى القرّاء.
    ابتاع عددين.
    فتح الصفحة، وانفرجت أساريره.
    يا لشهرتك التي ستملأ الآفاق يا شفيق. ها هي قصتك. ها هي قصتك، ها هو عنوانها "اللقاء الأخير"، … وفجأة ..
    وكأنما صُبَّ عليه "طست ماء بارد في زمهرير طوبة"! لقد بحث عن الاسم فلم يجده؟ كيف حدث هذا؟ .. قصتي بدون اسمي .. ابنتي لقيطة؟ ماذا سيقول لزوجته؟ ماذا سيقول لأصدقائه الذين أخبرهم بأن الجريدة ستنشر له قصة في نفس المكان الذي تنشر فيه لتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ؟ لماذا رفض أن يقرأ لهم القصة وآثر أن يقرأوها هم صباح الثلاثاء؟
    أيقول لهم إنها قصته؟ وهل سيُصدقونه؟ هل يقول لهم : انتظروا الأسبوع المقبل حتى تستدرك الجريدة سهوها، وتنشر تحت "سقط سهوا": كانت قصة "اللقاء الأخير" المنشورة في عدد الثلاثاء الماضي للقاص شفيق مصباح".
    أيقول لهم إنها قصته؟ وكيف يُصدقونه اليوم؟!
    من الأفضل ألا يذهب لمجلس المدينة اليوم، يأخذ إجازة عارضة! هل من الممكن أن يعتذر عن الاجتماع الشهري لرؤساء القطاعات؟
    هاهو رئيس مجلس المدينة يرفض الاعتذار، ويتخلى عن صوته الودود، ويكاد يصرخ في الهاتف:
    ـ يا رجل، أمن أجل وعكة صحية بسيطة تعتذر عن حضور اجتماع يُشرِّفُنا فيه السيد الوزير المُحافظ؟
    لا .. لن أذهب، ستلسع النكات أُذنيَّ من جديد: فها هو الطبل الأجوف، لم تُنشر قصًّتُه.
    ومسح دمعته، مغلقا باب شقته، الحمد لله .. مازالت زوجه نائمة، ونزل الدرج يبحث عن معالم الطريق الذي لا تبدو له بداية!

    المساء ـ 20/4/1970م.
    رد مع اقتباس  
     

  10. #10 رد: النص الكامل لمجموعة «أحلام البنت الحلوة» لحسين علي محمد 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    ( 10 )
    *عرس هنادي*
    ......................

    ضحك الكهل سائق السيارة "البيجو"، وهو يخبرني أن هنادي تزوجت، وأن عليه أن يسرع حتى يلحق وليمة عقد القران.
    كنا بعد صلاة الظهر بقليل، وكنت في طريقي عائدا من المطار إلى القرية في رحلة سريعة من السعودية حيث أعمل محاسبا في شركة كبيرة للمقاولات بالرياض. أصرّ الكفيل أن أعود في خمسة عشر يوما.
    قال الكهل:
    ـ أهذه أول زيارة لك بعد العمل في الرياض؟
    ـ لم أسافر إلا من خمسة أشهر فقط!
    ساد الصمت بيننا، فقطعه بصوت مباغت:
    ـ هل تعرف هنادي؟
    ـ ومن لا يعرفها؟!
    ـ إنها تعمل محاسبة في الإدارة البيطرية!
    ـ أعرف.
    ـ مسكينة! ماتت أمها، ومات أبوها، وكانت مقطوعةً من شجرة رغم أنها ذات عشرة أخوة يسدون عين الشمس، منهم وكيل النيابة، والمهندس، ومحصل الأتوبيس، وسارق كيزان الذرة ليشتري علبة سجائر من دكان الحاج "محمود المنيسي"!
    كنا في الصف الثالث الثانوي، وكانت مصر تخوض حرب 1967 حينما دخلت عليّ صارخة:
    ـ أخي شوقي يريد أن يزوجني من "عبد الفتاح بك"؟
    نظرت بفجيعة لها!
    كان أخوها الذي حصل على ليسانس الحقوق قبل عام، وأجبره أبوه على أن يطلّق الأرملة التي تزوجها في القاهرة ـ والتي قيل إن عمرها في عمر المرحومة والدته، وإن لها أولادها بشوارب يقف عليها الصقور ـ قيل إن هذا الأخ المحروس، يريد أن يزوجها لتاجر الأقطان، وعضو مجلس الشعب الأرمل ذي الستين عاما حتى يسعى لتعيينه وكيلا للنيابة!
    كانت زوجة أبيها البيضاء، الجميلة، ذات الشعر الأصفر الطويل تدّعي عليها أقاويل كثيرة: فقد جعلتها في حكاياتها تُضبط مع محمود المخزنجي في القصب، وتسرق "جَمْعة البامية" وتبيعها لتهديها للولد محسن السرسي ـ زميلها القديم في مدرسة التجارة والذي رسب ثلاثة أعوام في الدبلوم ـ وادّعت الجميلة، البيضاء، ذات الشعر الأصفر ـ أن هنادي سرقت ملابس المحروسة لتعطيها لخالتها "فاطمة" التي تربي أولادها اليتامى من الخدمة في البيوت، والسحت، والتعديد على الميتين، وسرقة الحقول التي تنام نواطيرها!
    كنا هناك عند السنطة العجوز نلعب، وكنت أصنع أفراسا من الطين، بينما كانت "هنادي" تعمل عروسا لها ضفيرتان طويلتان وكراسة صغيرة وقلما رفيعا من البوص تجتهد أن تلصقه فوق كتلة الطين.
    كنت أعمل للفرس عُرفا، وكانت تصنع للعروس نهدين صغيرين ينزل منهما اللبن شهيا كما لم أذقه من قبل من "******" جاموستنا العفية!
    سكت الكهل متعبا، وجدني أُغمضُ عينيَّ، وأنام، وصوت "أم كلثوم" الأثير من إذاعة القاهرة يُردد أغنية "سيرة الحب" التي أحتفظ لها ـ مع وطفاء، أين هي الآن؟ ـ بأجمل الذكريات!
    كنت ألعب مع هنادي، جارتنا، بعد الخروج من الدرس عصرا، ولا أذهب للبيت للنوم إلا بعد أن تنام.
    كانت قطة بيضاء صغيرة، وأنا كنت أحب القطط والكلاب الصغيرة، وأجعلها تنام في أحضاني!
    في الصباحية ذهبت إلى "هنادي"، لأعطيها النقطة عشرة جنيهات، قالت لي ـ وبقايا لون أحمر رخيص على شفتيها الباهتتين ـ:
    ـ أما زلت تذكر أفراس الطين؟
    كنت الأول دائما، وكانت بين بين!
    جاءتني مذعورة حينما علمت أن "وطفاء" ـ ابنة ضابط النقطة الذي يعمل الجميع له حسابا ـ تهتم بي في الدرس، وتريد إغوائي، وأهدتني منديلا أحمر، وأنا خارج من المسجد بعد صلاة التراويح!
    قلت لهنادي (من وراء قلبي، فأنا لا أحب أن تزعل): أخاف من بنات الضباط، فأنا فلاح أهوى القطط البيضاء، والكلاب السوداء الصغيرة، وأحضان أمي! وأخاف من المرور على نقطة الشرطة التي تمتلئ بالعفاريت!
    بكت "هنادي"، فقد ماتت أمها صغيرة، وزوجة أبيها ذات الشعر الأصفر الطويل الذي يغطي فخذيها ليس في أحضانها مكان متسع لهنادي، فهي تنجب كل تسعة شهور ثلاثة أولاد!
    قلت، وأنا أتطلع إلى ذلك الزمن الجميل البعيد:
    ـ أمي مريضة يا هنادي، وقد جئت من السعودية لأراها، والحمد لله أن حصلتها …
    ـ وكيف حالها الآن؟
    ـ متأخرة .. لم تعرفني .. ربنا يسهل عليها!
    قالت لي: إن عرائسها ـ من الطين والحلوى ـ في الشباك تنتظر أفراسي لتُزفَّ عليها!
    صمتُّ، فقد كنت ذا حلم كبير؛ أن أحصل على الدكتوراه في المحاسبة! وأن أتزوّج "وطفاء" بنت المأمور، وأن أسكن المدينة، وأترك الريف الذي يمتلئ بالذباب والبعوض والحفاء!.
    قالت لي: إنها ستشوه وجهها بالنار إذا اقترب منها أحد غيري، وستشوِّه وجه "وطفاء" إذا اقتربتُ منها، لكنها لم تجرؤ على تهديدي بسكين أو خلافه، ولم تصرخ في وجهي!.
    كانت تهدِّد كأنها تحلم!
    كنت بدأت أترك الشعر والأحلام، وأبحر في قارب الأرقام، فتخليت عن الوردة البيضاء ذات دبلوم التجارة، وحلمت بفاتنات ـ منهن "وطفاء" ـ يسكن في قصور المدينة الكبيرة، ويركبن السيارات التي لم تدخل قريتنا أبدا، وجوههن بيضاء مربربة، وخدودهن حمراء كورود حديقة صديقي منصور، أو كبيض شم النسيم، وصدورهن صغيرة كحبات البرتقال اليوسفي، ليست كصدور بعضهن المنتفخة العارية على أغلفة المجلات الخليعة!
    سمعت ذات مساء زغاريد خطبة "هنادي" إلى "عبد الفتاح بك"، عضو مجلس الشعب، وقابلتهما في ميدان "رمسيس" بالقاهرة يتجاذبان الحديث الضاحك، في ود حقيقي!
    وذات صباح، لا أدري لونه، مات عضو مجلس الشعب (عبد الفتاح بك) بعد أن صار أخو هنادي وكيلا للنيابة، وارتدت "هنادي" السواد، وأضربت عن الزواج!
    لمحت دموعا سوداء تلمع في عينيها، لكنها أدارت وجهها لتمسحها، وغيرت مجرى الحديث:
    ـ وهل ستعود ثانيةً إلى السعودية؟
    ـ العمل يحتاجني.
    شهقت:
    ـ وأحضان أمك؟
    لم أجب، فقالت بود ووجهها يمتلئ بمساحات للفرح:
    ـ أما زلت تذكر الأفراس الطينية، وأشجار السنط، والاستحمام في الترعة، وقططك وكلابك الصغيرة؟!
    كانت آخر أضواء الصباح تنسحب من الغرفة، وكنت أمسح دمعة كبيرة من العين:
    ـ ذلك كان زمان اللعب، والدروس، والسنطة العجوز … يا هنادي! .. ذهب وأخلى مكانه للحزن والبعاد!
    توقف الكلام بيننا، فقد سمعت اللغط في بيتنا المجاور، وصراخ شقيقاتي اللائي جئن من القاهرة يبكين أمي التي لن أراها مرة ثانية!

    الرياض 23/12/1997
    رد مع اقتباس  
     

  11. #11 رد: النص الكامل لمجموعة «أحلام البنت الحلوة» لحسين علي محمد 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    ( 11 )
    *انتـــــــظار*
    ..................

    أشرقت الشمس بنورها الفضي، وملأت القرية دفئاً وبهجة، وفرحاً واستبشاراً . وتدفقت جموع القرية على محطة السكة الحديد في انتظار القطار الذي سيحمل إليهم الجنود العائدين من الحرب في اليمن ، فقد ذهبوا إلى اليمن الشقيق لمؤازرته ، و"لإنقاذه من جهل العصور الوسطى ، وحكم أسرة حميد الدين" ، وهاهم اليوم يعودون بعد أن سجل التاريخ بطولاتهم "بحروف من نور في صفحات من ذهب" .
    وبدأ القطار يظهر في الأفق ، واتضحت معالمه شيئاً فشيئا .. هاهو القطار الذي يحمل حُماة الحرية .. وناصري الحق !
    وتوقف القطار وانطلقت الزغاريد ..
    وكانت هناك ـ بجوار المحطة ـ خالتي "مباركة" ، وهي امرأة صغيرة الحجم ، عيناها غائرتان باهتتان ، خاصمتا الكحل من وقت طويل .
    مشت بجاموستها الهزيلة إلى الحقل الذي تتأجر منه ثلاثة قراريط، ووضعت أمامها وأمام جديين صغيرين شقيين حزمتين صغيرتين من البرسيم.
    كانت تعانق الخيال، وتتمنى أن ترى ابنها هو الآخر، وتبحث عنه بين جموع العائدين الذين شُغلوا عنها بالفرحة والزغاريد ودموع اللقاء.
    قالوا لها ـ منذ شهرين ـ إن ابنك مات.
    ابني قد استشهد.
    جاءت إلى المحطة تنتظر، إنها تعرف أن ابنها في زمرة الأحياء، سيبقى خالداً في سجل الخلود.
    الأمهات فرحات بأبنائهن العائدين، والأبطال تبدو عليهم فرحة غامرة (كأنهم لا يصدقون أنهم عادوا إلى أرض الوطن). ابنها أيضاً "بطل".. وهي التي صنعت هذا البطل ..ابنها الذي استشهد في جبال بعيدة .. وفي أرض غريبة .
    مات أبوه وهو مازال في بطنها ، كانت ابنة أربعة وعشرين عاما، مات لها ثلاثة أولاد وبنتان قبله .. ترملت من أجله، وحتى يتربى أحسن تربية رفضت أن تتزوَّج. صحيح أنها ليست جميلة، ولكن جاء لها أرملان يعرضان عليها الزواج : محمد أبو سليم، وصابر الملاّحي.
    بطل؟ إنها هي التي صنعت هذا البطل .. تاهت الكلمات، وارتطمت بمخيلتها .. وهي ترى كل أم تعانق ابنها. ليته يعود ليقوم بشأن الجاموسة والجديين والقراريط الثلاثة، لم أعد أتحمَّل يا محمود .. فهل عدت معهم؟
    الزغاريد انطلقت تشق أجواز الفضاء .
    حاولت أن تُزغرد ، أن تفرح مثل الناس . ولكن ابنها "محموداً" الشهيد الغائب كان قد ملك عليها روحها.
    انفضت جموع القرية ، نزلت من الرصيف إلى حقلها المجاور ، كانت الجاموسة تحرك ذيلها بشدة تبعد عنها ذبابة كبيرة سوداء تضايقها ، والجديان الصغيران يمرحان ويجريان.
    إن ابنها حي ، لم يمت ، هكذا قال إمام المسجد ـ الشيخ عبد الفتاح ـ .. سيعود يوماً، ولهذا فهي تنتظر.

    التعاون ـ 1967
    رد مع اقتباس  
     

  12. #12 رد: النص الكامل لمجموعة «أحلام البنت الحلوة» لحسين علي محمد 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (13 )
    *يا فرحــــة .. ما تمت!*
    (أصوات ومشاهد)
    ..............................

    *صوت أول:
    كان الغناء يتصاعد شجيا، وكانت جوقة المنشدين تهتز يمنة ويسرة، وكان الشيخ "محجوب" ذا وجه مضيء كالبدر وصوته يتصاعد بالنداء الروحي الجليل، فيهفو إليه اليمام والعصافير والعنادل التي طلقت الغناء منذ وقت طويل!
    وكانت زوجته "باتعة" تطفئ الأنوار، وتستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وتذكر كيف حاول "محيي" (أخو زوجها الأصغر) إغواءها، فدفعته في صدره، وقالت له في نبرة لا تخلو من عتاب:
    ـ أنا أمك يا محيي، لقد تزوجت أخاك وأنت في السابعة!
    قال في وقاحة:
    ـ ولكنه مشغول عنك بأذكاره ومواجيده!
    *مشهد أول:
    قال الراوي:
    قريتي العصايد، مركز ديرب نجم، محافظة الشرقية (ومهم أن نذكر اسمها هنا) قرية من خمسة آلاف قرية مصرية، تضم نحو ستة آلاف نسمة، وهي قرية أم لمجلس قروي العصايد الذي يضم معها سبعة بلاد أخرى.
    أُنشئت في قريتي عام 1962 وحدة مجمّعة تضم مستشفى، ومكتب بريد، وسنترال تليفونات، ومدرسة ابتدائية، ومكاتب لمقر المجلس القروي.
    وبالطبع، كمبنى أي وحدة أنشأتها الإدارة المحلية أنشئت في المبنى قاعة مسرح كبيرة لم تشهد إلا خمسة اجتماعات جماهيرية حضرها رئيس مجلس المدينة (مصطفى بيه الجندي) وأمين منظمة الشباب (بدر بدير)، وكان الشيخ أحمد أبو سليمان يقود هتافات الجماهير التي تزلزل البلاد السبعة للمجلس القروي:
    ـ يحيا جمال عبد الناصر. يحيا مصطفي بيه الجندي!
    وكانت هذه الهتافات تتخلل اللقاء بمعدّل هتاف كل خمس دقائق، وأحياناً بعد دقيقة أو دقيقتين إذا حدث طارئ وذُكِر اسم الزعيم الخالد!
    وقد كف الشيخ أحمد أبو سليمان عن الهتاف بحياة "مصطفى الجندي" ـ مؤخرا ـ بعد أن نبّه عليه رجل مهم بأن عليه ألا يذكر مع اسم الزعيم (جمال عبد الناصر) اسم أي شخص آخر!
    **
    *صوت ثان:
    قال أبوها (الشيخ محجوب):
    ـ البنت لم تعد منذ يومين إلى البيت يا باتعة!
    قالت أمها:
    ـ إنها تتأخر في فصول الاتحاد الاشتراكي، فتبيت عند خالها في ديرب نجم!
    ـ ولكن خالها له أولاد في مثل عمرها، وعلى "وش جواز"!
    ضحكت، وربتت على فخذه وهي تقول:
    ـ بنتك مؤدبة يا حاج "محجوب"، ليست من بنات هذه الأيام! وأشرف وأحمد ابنا سليم أخي مؤدبان، وحييَّان كالبنات، ولا يفعلان العيب!
    *مشهد ثان:
    وقفت باتعة على حافة الموج، كانت الرياح عاصفة .. أحست بالشمس تقترب من رأسها، كانت ملتهبة، ويد خبيثة تدفعها تجاه البحر، هوت رجلها ولكنها تعلّقت بفرع شجرة صفصاف، وحينما خرجت إلى الشاطئ ناجية وجدت فراشا أحمر، فوقه بعض الكراسي .. وناس كثيرون يشكلون نصف دائرة، تستمع بشغف إلى خطيب أو مغن أو ما شابه. تمشت، فوجدت أختها "سامية" جالسة تأكل عنبا أبيض، فمدت وأخذت عنقودا قبل أن تعزم عليها أختها!
    وصحت من النوم، وهي تحس بطعم العنب في فمها!
    ونادت عل ابنتها "حنان" لكي تأتي لها بكوب ليمون يبل ريقها الناشف، فلم تجدها!
    **
    *صوت ثالث:
    ترك الشيخ "محجوب" الدراسة وهو في السنة الثالثة بكلية الحقوق ـ كلية الوزراء ـ التي ألحقه بها أبوه ـ شيخ الطريقة ـ قبل أن يموت!
    خلع البذلة، وارتدى الجلباب، ولبس العمامة والطربوش!
    أصبح الكبار والصغار من مريديه لا يتركون بابه، ويتكلمون في حضرته بصوت خفيض! ويتمنى أحدهم لو يطلب منه "لبن العصفور" ليحضره أسرع من جن سليمان عليه السلام!
    لم يكن يتعس الشيخ "محجوب" إلا مرأى أخيه محيي ذي الشعر المشعث المغبر، والذي صار في الخامسة والأربعين، ويرفض الزواج، وسلوكه ليس فوق مستوى الشبهات!
    *مشهد ثالث:
    قال أشرف ـ وهو ينظر في صفحات كتاب ضخم من كتب الجامعة ـ لحنان:
    ـ لماذا لم يتزوج عمك الأستاذ محيي؟
    ضحكت:
    ـ يقول إنه مازال صغيرا على الزواج!
    قال ـ وهو يخفي وجهه في الكتاب ـ:
    ـ الناس يتحدثون عنه حديثا …
    قاطعته:
    ـ الناس لا يتركون أحدا في حاله!
    **
    *صوت رابع:
    كان أشرف يكبر حنان بخمسة أعوام، هو في السنة النهائية بكلية التجارة بالقاهرة، وهي بالفرقة الثانية بمدرسة التجارة الثانوية بديرب نجم.
    يصحو في الفجر، يصلي في المسجد، ويفطر ، ويركب أول حافلة للزقازيق في الخامسة والنصف صباحا ليلحق أول قطار متجه إلى القاهرة في السادسة والربع.
    وما بين الرابعة والسابعة مساء يعود!
    يقرأ دروسه ساعتين أو ثلاثا كل يوم، وينام قبل العاشرة والنصف، وأحيانا بعد صلاة العشاء مباشرة.
    *مشهد رابع:
    قال الراوي:
    … وكأي "وحدة مُجمَّعة" جاء لوحدتنا جهاز تليفزيون، منذ متى؟ الله وحده يعلم! .. المهم أننا أردنا أن نعمل حفلاً بمناسبة العيد الخامس عشر لثورة 23 يوليو، ووافقت الجهات المعنية على ذلك، واخترنا مسرحية وطنية لسعد الدين وهبة، ومسرحية إسلامية لمحمد محمود شعبان، وبدأ عامر علي عامر يُعدُّ لإخراج الحفل.
    **
    *صوت خامس:
    ضحكت حنان، وأشرف يقرصها في خدِّها الذي احمرّ بلون التفاح الأمريكاني الذي يراه محمد معروضا في محلات الزمالك حينما يذهب لزيارة خالته "وداد"، زوجة المستشار التي لم تنجب، وتعده ابنا لها، وتقول له:
    ـ سأزوجك بنت الباشا!
    ـ هل مازال هناك باشوات يا خالة؟
    ـ نعم! الزمالك كلها باشوات
    قالت حنان:
    ـ سأقول لعمتك باتعة أنك تعاكسني!
    رفع يديه إلى فوق علامة التسليم، وكأنه بقول: أنا لا أقدر على أمك يا حنان!
    وأضاف في استسلام:
    ـ عمتي باتعة صعبة!
    *مشهد خامس:
    قال لنا الأستاذ محيي ـ حينما زارنا ليطّلع على بروفات المسرحية الإسلامية ـ وهو ناظر المدرسة الابتدائية بالقرية، وأكبر متحدث في السياسة والأدب والمجلات الخليعة التي تصدرها "بلاد برة" ولا يطلع عليها أحد في مصر، وأخو الشيخ محجوب شيخ الطريقة الصوفية في إقليمنا:
    ـ بدل الحفلة .. خلوا التليفزيون يشتغل؟
    ـ أي تليفزيون يا أستاذ محيي؟
    ـ التليفزيون المرمي في مخازن المجلس.
    ـ ولماذا لا يطلع من المخازن ويشتغل؟
    ـ لأن فيه عطلا فنيا ياسيدي؟
    (ولا ندري كيف يكون هناك "عُطل فني" وهو لم يُستعمل على الإطلاق! اللهم إلا إذا كان السيد أمين المخزن يدير الجهاز في المخزن، ويشاهده مع كافة محتويات مخزنه: من الأكياس، والكراسي، والأوراق، وصفائح العسل، والفئران التي تستطيع أن تأتي على مزروعات عزبة صغيرة ـ مثل عزبة الدكتور عبد الوهاب مورو المجاورة ـ في ليلة واحدة!)
    **
    *صوت سادس:
    ضحكت حنان وأحمد يشد يديها، ويتحسس شعرها، وينظر بشهوة من فتحة الفستان ليرى منابت ثدييها:
    ـ سأقول لأشرف أخيك!
    قال في صوت واهن:
    ـ أشرف مشغول ببنت الباشا التي ستزوجها خالتي له!
    وشد يدها مرة ثانية، ولواها ـ وهي تقول ـ:
    ـ لن أجيء إلى بيتكم مرة ثانية!
    *مشهد سادس:
    … بدأنا حملةً لتمويل الحفلة التي سندعو إليها المحافظ، ورئيس مجلس المدينة، وأمين منظمة الشباب، واقترحتُ أن نأخذ من كل أسرة ـ بإيصال ـ خمسة قروش.
    وحينما بدأنا عملية تمويل الحفل، قال لنا الفلاحون والطلاب والموظفون والنساء والأولاد الذين لم يخرجوا من البيضة بعد ـ في نَفَسٍ واحد ـ:
    ـ خلوا التليفزيون يشتغل.
    وقال لنا طلاب المعهد الديني بالزقازيق:
    ـ كل القرى المجاورة للزقازيق تليفزيوناتها تشتغل، والناس يشوفون النشرة، وحلقات المسلسلات، ومصارعة محمد علي كلاي، وخطب جمال عبد الناصر، ورقصات نجوى فؤاد!
    وقال لنا الأهالي والمسؤولون ـ وكأنهم على اتفاق ـ:
    ـ متى سيشتغل التليفزيون؟ ..
    وعملنا اجتماعاً مع رئيس المجلس القروي، ووكيلته، وحمل رئيس المجلس التليفزيون في سيارة المجلس إلى ديرب نجم، وعاد في آخر النهار ليُفاجئنا بالخبر المثير: إن إصلاح الجهاز سيتكلف عشرين جنيهاً.
    **
    *صوت سابع:
    أحمد متوهج المشاعر، يحب كل شيء في حنان. صوته يجلجل في أذنيها دائما، ويقول حكايا لا نسمعها لنكتبها هنا، وأشرف بعيد .. بعيد عند خالته "سامية" التي ستزوجه بنت الباشا في الزمالك ..
    حنان تستجيب لأحمد، وأحمد صغير "على قدِّها".
    قالت باتعة للشيخ محجوب:
    ـ أشرف طار منا إلى قصور الزمالك.
    ـ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين!
    ـ أحمد ولد حبُّوب!
    ـ ربنا يحفظه بفضله وكرمه..
    صمتت برهة، ثم قالت بصوت خافت:
    ـ أحمد فيه البركة .. أشرف ابن أمه!
    أفاقت على صوت الشيخ محجوب:
    ـ ماذا تقولين؟
    قالت وهي تقوم، وتنفض ثوبها من بعض الغبار الذي علق به:
    ـ خالة أشرف ـ زوجة المستشار العاقر ـ تقول إنها ستزوجه بنت السلطان!
    *مشهد سابع:
    أحست حنان ـ مع أحمد ـ أنها تخطّت الزمان، والمكان .. أصبحت نجمة تحلق في الشفق البعيد، أو نسمة حرة تنطلق في ملكوت الله، وكانت تعود بعد العشاء فلا يسألها أبوها: لماذا تأخرت؟
    **
    صوت أخير:
    كنا قد جمعنا من الأهالي خمسة عشر جنيها، وقال لنا الأستاذ محيي:
    ـ الحفلة ليست مهمة يا أساتذة. الأفضل إصلاح التليفزيون!
    ورددت القرية ما قاله الأستاذ محيي:
    ـ الأفضل أن التليفزيون يتصلّح!
    وتطوع بعض الزملاء لجمع خمسة قروش من كل طالب إعدادي، أو ثانوي، أو جامعي، ويقال إن بعض الفلاحين دفعوا عشرة قروش، وبعضهم أقسم بالله ألا يدفع، وألا يُشارك في منكر، واعتبرناها حجة لعدم الدفع بالتي هي أحسن!.
    *مشهد أخير:
    ابتسم المصور رافعا قبعته، فبدت رأسه الصلعاء كبيرة، وبيضاء، ولامعة، وهتف أحمد أبو سليمان بحرارة "يحيا مصطفى بيه الجندي"، وأظهر الشيخ محيي مجلة مليئة بالصور العارية التي تظهر فيها ****************** والأرداف بدون ورقة التوت، وتوقفت حنان عن الكلام المباح، فلن تسعفها الكلمات لتصف كيف أحست وقع أول قبلة من أحمد في فمها، كان صوت أبيها ينشد مواجيده التي تترقرق عذبةً في الفضاء العالي، وكانت تحس أنها تحتوي العالم كله في صدرها، وكان خدر غريب يسري في أطراف جسمها، وكان جمال عبد الناصر يقول إن اليهود وصلوا إلى قناة السويس، وإنه سيتنحّى لمن يقدر على إدارة الصراع في هذه الفترة، وخطب الشيخ إبراهيم حمزة (الإخواني القديم) قائلاً: إن اللعنة تطاردنا لأنا ابتعدنا عن منهج الله!، وادّعى (الأخوة المسيحيون) أن العذراء تظهر في الزيتون، وظهرت في قرية مجاورة واحدة قيل إنها حملت بدون زواج وقالت إن هتلر أتاها وبشرها بالنصر على اليهود، وأنها ستلد طفله! وكان التليفزيون يعرض رقصة مجنونة لواحدة تفتح ما بين ساقيها حتى أقسم الشيخ عبد المقصود أن هذا إفك قديم، وأنها تُظهر مالا يحق لأحد غير زوجها ـ إن كانت متزوجة ـ أن يراه، وولدت "معزة" عبد الجواد صاعد خمسة توائم، قيل إن أحدها يحمل رأس إنسان، وادّعى خليل أبو مبروك أن "أم محسن" التي ماتت وهي تلد في الحرام على يدي حلاق القرية أنها قالت إنها حملت من جني نصراني كان متلبسا بها! وكان طلق ناري يخترق الظلام!
    وحمامة بيضاء تسقط في الظلال الباهتة مضرّجة بالدماء!
    وجهاز التليفزيون ينفجر، كأنه قنبلة، ويعم الظلام كل شيء.

    المساء ـ 23/9/1970
    رد مع اقتباس  
     

المواضيع المتشابهه

  1. النص الكامل لمجموعة «عندما تكلم عبد الله الصامت!» لحسين علي محمد
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى مكتبة المربد
    مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 12/09/2008, 07:50 PM
  2. النص الكامل لمجموعة «الدار بوضع اليد!» لحسين علي محمد
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى مكتبة المربد
    مشاركات: 18
    آخر مشاركة: 01/06/2008, 11:26 PM
  3. النص الكامل لديوان «الحلم والأسوار» لحسين علي محمد
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى مكتبة المربد
    مشاركات: 21
    آخر مشاركة: 23/12/2007, 10:56 AM
  4. النص الكامل لديوان «حدائق الصوت» لحسين علي محمد
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى مكتبة المربد
    مشاركات: 94
    آخر مشاركة: 30/04/2007, 06:28 PM
  5. النص الكامل لمجموعة «الدار بوضع اليد!» لحسين علي محمد
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى القصة القصيرة
    مشاركات: 16
    آخر مشاركة: 23/04/2007, 11:36 PM
المفضلات
المفضلات
ضوابط المشاركة
  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •