الملاحظات
الرد على الموضوع
صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 12 من 19

الموضوع: النص الكامل لمجموعة «إيقــــاعات» للقاص الكبير محمد جبريل

  1. #1 النص الكامل لمجموعة «إيقــــاعات» للقاص الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    النص الكامل لمجموعة «إيقــــاعات» للقاص الكبير محمد جبريل

    --------------------------------------------------------------------------------

    النص الكامل لمجموعة «إيقــــاعات» للقاص الكبير محمد جبريل
    ***

    الإهـــداء
    إلى صديقي الشاعر حسين على محمد


    **********

    *غوايــــــة *
    .....................

    حين صعد الشبان الخمسة إلى عربة المترو ، كان يقرأ جريدة وهو واقف فى الزاوية بين ظهر المقعد والباب المغلق من الناحية المقابلة . كانت المقاعد ممتلئة ، وتناثر الوقوف فى المساحات الخالية . استأنف الشبان كلامهم فى وقفتهم بالقرب منه . تشاغل بقراءة الجريدة ، وإن عكست تعبيرات وجهه ما يبين أنه يتابع نقاشهم ..
    التقط ملاحظة الشاب المنمش البشرة عن انتصاف النهار دون أن يتناولوا طعاماً . أخرج من جيب الجاكت قطعة شيكولاتة . همس بلهجة مشفقة :
    ـ تصبيرة !
    تنبه الشبان إليه ..
    أطالوا التحديق في ملامحه وهيئته . في حوالى الخامسة والأربعين . يرتدى بدلة رمادية ، ورباط عنق من اللون نفسه . عيناه قلقتان لا تستقران بين أجفانه الضيقة ، فهو يطبق جفنيه ، ويفتحهما ، فى حركة عفوية ، سريعة ، ويكثر من رفع إصبعه ليعيد النظارة المنزلقة على الأنف إلى موضعها ، ويمسك فى يده منديلاً لتنشيف العرق المتصبب في وجهه ..
    قال الشاب الطويل القامة :
    ـ وأنا .. أليس لى قطعة شيكولاتة ؟
    رسم على وجهه ابتسامة واسعة ، وأشار إلى الشاب المنمش البشرة :
    ـ أعطيته قطعة كنت أحتفظ بها لنفسى ..
    التقط الشاب ارتجافة فى عينيه ، فقال :
    ـ لا شأن لى .. أريد شيكولاتة ..
    غلبه ارتباك . بدا منطوياً على نفسه ، ومتخاذلاً . رفع الجريدة بيده كمن يحاول الدفاع عن نفسه . تشجع الشاب الطويل فاختطف الجريدة . علت ضحكات الشبان . امتدت يد الشاب المنمش البشرة إلى الجيب العلوى . أخذ القلم ، وقذف به فى الهواء . التقطه . أعاد ما فعله مرات ، ثم قذف به من النافذة ..
    صرخ :
    ـ القلم !
    انعكست نظراتهم ارتجافة فى عينيه . وشى تلفته أنه يريد الابتعاد . تقدموا نحوه فى نصف دائرة . عاد بظهره إلى الوراء حتى التصق بالجدار . ظلوا يرمقونه بنظرات قاسية ، ويكورون قبضاتهم ، ويقتربون ، ويقتربون ..
    كان الشاب الممتلئ الجسد أقربهم إليه . صفعه بظهر كفه . تبعه الشاب الطويل ذو النظارة الطبية بلكمة . شجعهم تكوره على نفسه ، وملامحه الخائفة ، على معاودة ضربه . انهالت قبضاتهم وركلاتهم على جسده ، لا تتخير الموضع الذى تصيبه ..
    رد مع اقتباس  
     

  2. #2 رد: النص الكامل لمجموعة «إيقــــاعات» للقاص الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    *لحظــــــــة*
    .....................

    أعادت تأمل الشعرة البيضاء . لم تكن رأتها من قبل . تنظر إلى المرآة إذا وضعت المساحيق، أو مشطت شعرها ، أو وهى ترتدى الملابس. ربما تأملت وجهها، أو جسمها كله ، بلا مناسبة . هذه هي المرة الأولى التي تكتشف فيها الشعرة قافزة في الغابة السوداء خلف الأذن ..
    غالبت مشاعر متباينة، وإن غاب معناها الحقيقي. دارت بإصبعين كدوامة، حتى اطمأنت إلى اختفاء الشعرة تماماً. تأكدت من البسمة التي لم تكن تغادر شفتيها ..
    غادرت الشقة بخطوات بطيئة ..
    ثم بخطوات أسرع ..
    رد مع اقتباس  
     

  3. #3 رد: النص الكامل لمجموعة «إيقــــاعات» للقاص الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    *غراب البحــر*
    ......................

    لما صوب خضر أبوشوشة بندقيته إلى غراب البحر ، فى وقفته على صارى البلانس ، طلب الجد السخاوى أن يشق الرجال بطن الطائر ليروا ما فيها ..
    السمكات السبع فى داخل البطن أذهلت الرجال ..
    كانوا قد أهملوا نصيحة الجد السخاوى ـ عندما ظهر غراب البحر على شاطئ الأنفوشى ـ بأن يبعدوا الطائر عن الشاطئ . ألفوا رؤيتهم له بالقرب من الساحل . رفضوا أن يدقوا الطبول والصفائح الفارغة ، لتصاب أسراب الغراب بالتعب فتسقط فى المياه ، أو تبتعد عن أفق الخليج . أرجعوا نصيحة الجد السخاوى إلى خرف تمليه الشيخوخة ..
    لكن أعداد الطير حلقت إلى مدى النظر ، وتناثرت فوق الصوارى والقلوع والمآذن وأسطح البيوت ومناشر الغسيل وأعمدة النور وأسلاك التليفونات ..
    ناقش الرجال ما قاله الولد صبحى شحاتة عن رؤيته للأماكن التى يبيت فيها الطائر بالقرب من الشاطئ . قالوا : لن تتأثر أسماك البحر من قنص أسراب الطائر ، مهما تتكاثر أعدادها ..
    استعادوا نصيحة الجد السخاوى وملاحظة الولد ، لما طلعت السنارة والطراحة والجرافة بأعداد قليلة من السمك ، وعاد الرجال ـ أحياناً ـ بلا محصول . أدركوا أن الخطر أشد مما تصوروه . أربك محاولاتهم لقتله ، أو إبعاده ، أنه قادر على المناورة ، ويجيد الاختفاء والغوص ..
    تبادل الرجال نظرات الحيرة . زاد من حيرتهم صمت الجد السخاوى على تهامسهم بالسؤال : ماذا نفعل ؟
    رد مع اقتباس  
     

  4. #4 رد: النص الكامل لمجموعة «إيقــــاعات» للقاص الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    *انكسارات الرؤى المستحيلة*
    ............................................

    قال أحمد أنيس وهو يضع رزمة النقود على مكتبى :
    ـ ثلاث ساعات وأنا أتنقل بين البنك المركزى وبنط مصر وبنك فيصل ..
    أودعت رزمة النقود درج المكتب:
    ـ ما فعلته جزء من عملك ، فلم تشكو ؟
    رسم على وجهه ابتسامة معتذرة :
    ـ لم أقصد الشكوى ، لكننى أشرح ما حدث ..
    لما ضاق وقتى عن استيعاب مسئولياتى ، عهدت إلى أحمد أنيس بأن يقدم لى من وقته بدلاً من وقتى الذى لم يكن بوسعى أن أضيعه . مكانتى تفرض الحاجة إلى الوقت . أختلف مع ما يحتاجه أحمد أنيس . هو لا يريد إلا الأجر الذي ينفق منه على احتياجات يومه ..
    كنت أضيع الوقت فى انتظار المصعد، دوري أمام شباك السينما ، وفى مكتب شركات الطيران، وداخل البنك ، وصالة الاستقبال بعيادة الطبيب، والوقوف بالسيارة في إشارة المرور، والوقوف في طوابير وصفوف، انتظاراً لشيء أطلبه. واللقاءات الشخصية، وأحاديث التليفون، والتوقيع على أوراق مهمة، وبلا قيمة. وكان الطريق يبتلع أكثر من ساعة بين البيت في مصر الجديدة، والمكتب في المهندسين ..
    ماذا يحدث لو أنى لم أعترف بالوقت ؟ لو أنى أنكرت وجوده أصلاً ؟.. أصحو وأعمل وأنام. لا يرتبط ما أفعله بشروق الشمس ولا غروبها، ولا أيام السبت والأحد إلى نهاية الأسبوع . حتى الساعة انزعها من يدي، فلا يشغلني ما فات ولا ما أترقبه. لكن الآخرين يصرون على السنة والشهر والساعة واللحظة. يصرون على الوقت ..
    هذا ما أفعله بالضرورة ..
    الوقت الذى لا يضيع ، لا يمكن أن أسترده ، أو أعوضه . حرصت على أن أختصر من عاداتى ما يضيف إلى وقت الإنجاز . لم أعد أحلق ذقنى صباح كل يوم . ربما أخرت حلاقتها إلى صباح اليوم الثالث . تبينت أنه لم تعد الذقن غير الحليقة تليق بمكانتى . أوصيت على ماكينة كهربائية ، أستعملها فى الأوقات الضائعة ، فى جلستى وراء السائق . وكنت أرجئ تنفيذ بعض ما يجب إنجازه ، فأنهيه فى وقت واحد ..
    قرأت أن الوقت هو الرمز النهائى للسيادة، وأن هؤلاء الذين يسيطرون على وقت الآخرين لديهم القوة. من يملكون القوة يسيطرون على وقت الآخرين ..
    أريد أن أفيد من كل ساعة، كل دقيقة ، كل ثانية . لدى الكثير مما يهمنى أن أنجزه. الحياة قصيرة إن لم نحسن استغلالها . نضيف إليها وقت الآخرين، ما نحصل عليه من وقتهم . لن تمضى حياتى على النحو الذى أطلبه، ما لم تأخذ من حياة الآخرين . إنهم يجب أن يضيفوا إلى حياتي، يعملون لها ..
    أزمعت أن أحصل على الوقت الذى أحتاج إليه من رجل ، شاب ، عنده الفائض من الوقت ..
    أطلت الوقوف على باب الحجرة ، حتى رفع أحمد أنيس رأسه من الأوراق والملفات المكدسة على المكتب :
    ـ أفندم يا سعادة البك ..
    سعدت للذهول ـ وربما الخوف ـ الذى نطق فى ملامحه ..
    لم أتردد على مكتبه، ولا أى مكان فى المبنى . المرئيات ثابتة منذ الباب الخارجي، وصعودي السلمات العشر ، ثم الميل إلى اليمين، والسير فى الطرقة المفروشة بالمشاية الحمراء ، الطويلة ، على جانبيها لوحات أصلية ، وإضاءة خافتة . شندى الساعى ـ فى نهاية الطرقة ـ يسرع إلى فتح الباب. تطالعنى الحجرة الواسعة، المطلة على النيل: الأبواب والنوافذ ذات النقوش البارزة ، والزجاج المتداخل الألوان، والأرفف الخشبية رصت فوقها كتب وأوراق وأيقونات صغيرة وشمعدانات، والأرض فرشت سجادة تغلب عليها النقوش الحمراء، فوقها كنبتان متقابلتان ، يتخللهما طاولات وكراسى، والمكتب الضخم فى الوسط ، من الأبنوس والصدف ، وقبالة الباب مرآة هائلة تغطى معظم مساحة الجدار ، وتدلت من السقف نجفة كريستال هائلة ..
    بدا أحمد أنيس مرتبكاً ، لا يدرى إن كان عليه أن يظل فى وقفته أم يقبل ناحيتى ..
    أشرت إليه ، فلم يغادر موضعه . أهملت ما ينبغى على رئيس العمل أن يحرص عليه . يستدعى مرءوسيه ولا يذهب إليهم . تأتيه أخبارهم ، ويضع جداراً غير مرئى بينهم وبينه ..
    قلت :
    ـ أحيى إخلاصك ..
    ـ هذا هو عملي ..
    فاجأته بالسؤال :
    ـ هل المرتب يكفيك ؟
    وهو يغالب الارتباك :
    ـ أدبر نفسي ..
    ـ ما رأيك في عمل بعد الظهر ؟
    وشى صوته بالانفعال :
    ـ سيادتك ..
    ثم فى استسلام :
    ـ أنت الرئيس ومن حقك ..
    قاطعته :
    ـ لا شأن لهذا العمل برئاستى .. إنه عمل آخر .. إضافى ..
    رنوت إليه متملياً : القامة القصيرة ، المدكوكة ، الجبهة الواسعة ، الوجنتين البارزتين ، الأسنان التى اختلط فيها السواد والصفرة ، البشرة الدهنية ، دائمة التفصد بالعرق ..
    حدست السؤال الذى لابد أنه سيخاطب به نفسه : لماذا اخترته دوناً عن بقية الموظفين ؟
    فتشت عن الكلمات لأشرح له بواعث اختيارى . ثم تنبهت إلى أنه ليس من حقه أن يسألنى ، ولا أن يناقشنى فيما أختار ..
    تركت له معظم الوقت الذى كان يسرقنى . تحكم فيه بما أثار إعجابى ، وربما حسدى . أجاد كل ما أسندته إليه ..
    لم يكن يمارس عملاً واحداً ، هو سكرتير ، وسائق، وطباخ، وخادم. أدهشنى بما يعرفه فى الأبراج وعلوم الفلك وقراءة الطالع، وفهمه لقوانين الألعاب الرياضية ، وحفظه لفرق الوقت فى مدن العالم ، وللنكات الحديثة ، وإجادته تلخيص الروايات والمسرحيات والأفلام بما لا يخل بالمعنى، وتقديم المعلومة التى تعوزنى فى اللحظة التى أطلبها. ربما لجأت إليه فى أوقات الليل يسرى عنى بحكاياته الغريبة، المشوقة ..
    وفر لى النجاح فى استثمار الوقت ساعات أخرى : يعرفنى مفتشو الجمارك ، فيتركون حقائبى بلا تفتيش . لا يفتحون الحقائب أصلاً . يتعرف على التاجر ، ويعرفنى بنفسه ، يجرى لى ما لم أكن طلبته من خصم على ما اشتريته . وكان يخلص ـ بلا متاعب ـ أذون الشحن ، ويتذوق الطعام الجيد ، ويشير بالأماكن المريحة ، ويجيد تقليد الأصوات والحركات ، ويجيد اختيار الطاولة القريبة من " بيست " الملهى الليلي، ويحسن التصرف فى الأوقات السخيفة، وينقل فضائح المجتمعات الراقية، ويتحمل العبارات التى يمليها الغضب ..
    ما وصلت إليه من مكانة ، يدفع من ألتقى بهم إلى انتظاري، فلا يشغلنى انتظارهم. ينتظرون حتى الموعد الذى أحدده. من المسموح لى أن أضيع وقتهم، وليس من حقهم أن يضيعوا وقتى . أعتذر بالقول: أنا مشغول الآن .. هل يمكن إرجاء هذا الأمر إلى وقت آخر؟.. هذه المشكلة تحتاج إلى مناقشة ليس الآن مجالها .. سأحدثك عن ملاحظاتى فى فرصة قادمة .. أملى القرار ، لا أتوقعه، لا أنتظره ..
    عاودت النظر إلى ساعة الحائط . تثبت من الوقت فى ساعة يدى . يدخل الخادم بالصحف فى التاسعة صباحاً . أطالعها ، أو أتصفحها ، حتى التاسعة والنصف ..
    علا صوتى :
    ـ أين الصحف ؟
    ـ سألخصها لسيادتك ..
    لم أفطن إلى وجوده فى الفراندة المطلة على الحديقة الخلفية . اعتدلت بحيث واجهته :
    ـ لكننى أقرأها بنفسى ..
    ـ الأخبار المهمة سألخصها بنفسى ..
    ثم وهو يربت صدره :
    ـ هذا عملى ..
    تبادلت كلاماً ـ لا صلة له بالعمل ـ مع أصدقاء فى الكازينو المطل على النيل . أفيد من فائض الوقت، ولا أعاني قلته. تحدثنا فى السياسة ، والأغنيات الجديدة ، ومباريات الكرة، وتقلبات الجو ، وفوائد السير ـ كل صباح ـ على طريق الكورنيش ..
    لم يعد هناك ما يشغلنى . أحمد أنيس تكفّل بكل شئ . يتابع تنفيذ القرارات دون أن يستأذننى فى إصدارها. حتى المكالمات التليفونية يسبقنى إلى الرد عليها . يؤكد وجودي، أو يلغيه . يتمازج الإشفاق والود فى ملامحه:
    ـ نحن أولى بالوقت ..
    علا صوتى ـ بعفوية ـ حين دفع باب حجرة المكتب ، ودخل . تبعه ما يقرب من العشرة . يحملون كاميرا وحوامل وأوراق وأشرطة تسجيل ..
    أشار أحدهم ـ دون أن يلتفت ناحيتى ـ إلى مواضع فى المكتب يرى أنها تستحق التصوير ..
    لم أكن مشغولاً بقراءة ولا متابعة ، ولا أستمع إلى الإذاعة ، أو أشاهد التليفزيون. كنت أتأمل لوحة الجيوكندا، وسط الجدار ، أحاول تبين ما إذا كانت نظرة الموناليزا تتجه ـ بالفعل ـ إلى كل من ينظر إليها ..
    وضع فمه فى أذني:
    ـ هذا برنامج للتليفزيون .. عن مشوار حياتك ..
    ـ لكننى غير مستعد لهذا البرنامج .. لست مستعداً لأي شئ ..
    دفع لى بأوراق :
    ـ عليك فقط أن تتصفح هذه الكلمات ..
    وقلت له ـ ذات مساء ـ بلهجة معاتبة :
    ـ يفاجئنى الأصدقاء بالشكر على رسائل تهنئة وهدايا ..
    وهو يدفع نظارته الطبية على أرنبة أنفه :
    ـ عندى قوائم لكل المناسبات السعيدة للأصدقاء .. وأتابع أنشطتهم الاجتماعية جيداً ..
    مددت شفتى السفلى دلالة الحيرة :
    ـ أخشى أنهم يفطنون لارتباكى ..
    وواجهته بنظرة متسائلة :
    ـ لماذا لا تبلغنى بهذه المناسبات قبل أن ترسل تهانيك وهداياك ؟
    ـ وقتك أثمن أن تبدده فى هذه التفاصيل الصغيرة ..
    أعدت النظر إلى ما كنت أطلبه من أحمد أنيس .
    لم أعد أرفض قيامه بشىء ما دون أن يبلغنى به. كان يرد على الرسائل دون أن يتيح لى قراءتها، ويبلغ المتحدث على التليفون بما يرى أنها تعليماتي، ويبعث بالمذكرات إلى من ينتظرونها ، ويوافق على الدعوات التى يثق فى ترحيبى بها، ويرفض ما يثق أنى سأرفضه ..
    طويت الجريدة ، ووضعتها على الطاولة أمامى :
    ـ أنا لم أقل هذا الكلام ..
    بدا عليه ارتباك :
    ـ لكنه يعبر عن آرائك ..
    ثم وهو يرسم على شفتيه ابتسامة باهتة :
    ـ هل فيه ما ترفضه ؟
    ـ بالعكس .. لكنه ينسب لي ما لم أقله ..
    أحنى رأسه بالابتسامة الباهتة :
    ـ دع لى مسألة الحوارات والأحاديث ، لأنها تأخذ من وقتك ما قد تحتاجه للراحة أو التأمل ..
    وأنا أعانى إحساس المحاصرة :
    ـ إذن ناقشنى فى الأفكار التى ستقولها ..
    تهدج صوته بالانفعال :
    ـ هذا ما سأفعله حين يصادفنى ما أحتاج لمعرفته ..
    بدا لى أن العالم رتب أموره بدونى. لم يعد لدى ما أفعله سوى التأمل واستعادة الذكريات . مللت ما أحبه من أغنيات ، فأهملت سماعها . سئمت مشاهدة الأفلام التى وضعها فى الفيديو . فارقنى القلق والتوقع والتخمين . تنبهت لانشغال يدى بمسح زجاج المكتب بمنديل ورقى . رنوت ناحية الباب الموارب ، أتأكد إن كان أحداً قد رأى ما فعلت ..
    قلت :
    ـ أنت تأخذ قرارى ؟
    ارتعشت أهدابه :
    ـ أنا أحدس رأيك ..
    غالبت نفسى فلا يبين ما أعانيه :
    ـ ماذا أفعل أنا إذن ؟
    ـ أنت تخطط وتشرف .. وأنا أنفذ ..
    حدجته بنظرة تفتش عن معنى غائب :
    ـ هذا لم يعد يحدث ..
    حدثنى عما لم أكن أعرفه فى نفسى . أبتعد بنظراتى ، ولا أميل إلى المجتمعات ، ولا أصلح للخطابة ، أو التحدث فى اللقاءات العامة . لا يجتذبنى ما قد يثير الآخرين ، وأعانى التردد فى الاختيار ، وفى اتخاذ القرار ، والمجازفة ..
    أومأت على ملاحظاته بالموافقة . لم أحاول السؤال ، أو مناقشة التصرفات التى جعلتنى ذلك الرجل فعلاً ..
    أتابعه بنظرة ساكنة وهو يتحرك فى حجرات البيت . يرفع الصور واللوحات من أماكنها على الجدران. ينقلها إلى مواضع أخرى. لا يعنى حتى بأن يلمح ـ فى ملامحى ـ انعكاس ما يفعله . يبدى إشفاقه، فيغلبنى التأثر. يغادر الفندق ـ فى رحلاتى خارج البلاد ـ إلى الجولات الترفيهية، وزيارة أماكن السياحة والتسوق ..
    لم أعد أعرف القرار الذى يجدر بى أن أتخذه ، ولا ما يجب عليه هو كذلك . اختلطت الرؤى ، وتشابكت ، فلا أعرف إلا أنه ينبغى أن أسلم نفسى للهدوء ، وما يشبه الاستسلام . أكتفى بالمتابعة الصامتة ، الساكنة . لا أفكر ، ولا أتكلم ، ولا أقدم على أى فعل . حتى التصور لم يعد يطرأ ببالى . أحمد أنيس وحده هو الذى يفعل كل شئ ..
    رد مع اقتباس  
     

  5. #5 رد: النص الكامل لمجموعة «إيقــــاعات» للقاص الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    *إيقاعــــــــات*
    .......................

    خطرت الفكرة فى باله كالومضة . لم يكن ـ فى تلك اللحظة تحديداً ـ يفكر إلا فى اللقاءات التى تملأ أيامه الأربعة فى بيروت . محاضرتان ، وربما ثلاث ، فى اليوم الواحد ، وأحاديث فى وسائل الإعلام ، ولقاءات بمسئولين . لم يعد نفسه حتى لمجرد السير فى شارع الحمراء الذى يحب محاله ومقاهيه وصخب الحياة فيه ..
    ومضت الفكرة . استعادها . أزمع أن يخضعها للمحاولة . إذا جاوز الإخفاق ، فهو يستعيد الثقة الغائبة . وإذا لقيت المحاولة صدوداً فعليه أن يظل السر مقيداً داخل حجرته بالفندق ، القيد نفسه الذى خلفه فى حجرته بالشقة المطلة على نيل الزمالك ..
    قال الطبيب : التردد يؤدى إلى الحوادث . كان يقصد حوادث المرور ، لكنه لاحظ أن المعنى ينسحب على كل شئ ..
    تحسس ـ بعفوية ـ موضع العملية الجراحية فى صدره . كيف يواجه النظرات المشفقة ، أو المشمئزة ؟
    وبخ نفسه لأنه استدعى الفكرة ، وقلبها : يدعو المرأة إلى زيارته فى حجرته . يقضيان معاً وقتاً لم يستمتع بمثله من قبل ..
    خادمة الغرف ؟!.
    يفر من المشكلة الحقيقية ، فيثير مشكلات هو فى غنى عنها ..
    قضى موظف الاستقبال على تردده : هل يقدم نفسه باسمه الحقيقى ، أو يخترع اسماً يختفى وراءه ؟..
    طلب الموظف جواز السفر . تأمل البيانات ، وأودعه خانة مفتاح الحجرة :
    ـ سنعيده عند نزولك ..
    أضاف الموظف بلهجة مرحبة :
    ـ عدد الأيام ؟
    ـ ثلاثة أيام أو أربعة ..
    ثم وهو يتكلف ابتسامة :
    ـ مهمة عاجلة ..
    استشرفت نفسه حياة غير التى يحياها . غلبته الحيرة ، فهو لا يقدر أن يفعل شيئاً . ما يؤلمه أنه لا يقوى على البوح . السر فى داخله ، لا يكشف عنه . يقاوم الرغبة فى أن يتكلم مع أحد ، يفض عما بنفسه ، يحكى ، ويحكى ، لا يسكت حتى يهدأ . قيمة الصمت أنه يخفى ما نعانيه . لو أن الملامح أظهرت ما فى النفس ، ما قدم من القاهرة . العجز معه يصحبه إلى أى مكان يقصده . ليس فى جسده ، وإنما فى مواجهة الظروف التى تواجهه ..
    قالت فادية :
    ـ ماجد يستهلك نفسه فى إظهار الغضب ، لكنه لا يؤذى ..
    وعلت ضحكتها ، فاهتز صدرها :
    ـ ماجد كائن مسالم ..
    ينظر ـ فى استياء ـ إلى نظرتها المستخفة . تجيش مشاعره . يعلو صوته بما يمور فى داخله . يبدى رأيه ، ويعلن ما ينوى فعله . الابتسامة على شفتيها تزيد من إحساسه بالغضب . يغلبه ارتباك لا يفلح معه فى أن يقول شيئاً . يغمض عينيه . يروح فى عوالم يصعب عليه تبينها . خليط من المشاعر والذكريات والميل إلى الفضفضة . حتى المواقف التى لم تشغله فى وقتها ، ونسيها ، تستعيدها ذاكرته ، وتملأها ..
    أهمل النصيحة بأن يلغى سفره إلى بيروت ، أو يؤجله . تحدث على عبيد عن اتساع حرب الميليشيات ، والقتل على الهوية . داخله شعور لم يستطع تفسيره . كأنه التحدى ، أو الرغبة فى المغامرة . تأكيد ما يطمئن إليه فى نفسه ، ولا يراه فى أعين الآخرين . حتى ضابط الجوازات فى مجمع التحرير لم يوقع بالموافقة إلا بعد أن دفع إليه على عبيد ببطاقة التوصية ..
    أدار الولد النوبى الملامح مفتاح الحجرة ، ودفع جرار الشرفة الزجاجى . أطل من الطابق التاسع فى الفندق ذى الطوابق العشرة . فى أسفل طريق الكورنيش فى زاويته المطلة على صخرة الروشة ، كأنها ساقا عملاق فى قلب المياه ، وأكشاك الملابس والكاسيتات والطعام ، وعربات الفول والترمس والذرة متجاورة فوق الرصيف ، ويتقافز فى الزحام باعة الورد والفل والياسمين ، ومياه البحر تمتد إلى نهاية الأفق ، فوقها سماء صافية ، تتخللها سحب بيضاء ..
    تأمل وجهه فى مرآة الحمام ..
    التجاعيد دوائر أسفل العينين ، وحول الفم ، وتتباين مع شعره المصبوغ بالسواد ، والبشرة باهتة ، والوجنتان غائرتان ..
    استعاد الفكرة فى وقوفه أمام المصعد . حرص على أن يتجه بنظراته ـ فور خروجه من المصعد ـ إلى الناحية المقابلة لكاونتر الاستقبال . يفطن الموظف إلى مكانته ، فلا يهبه الفرصة كى يلقى أسئلة ، أو يعرض خدمات . هو واحد من نزلاء الفندق ، لا شأن له بأحد ، ولا شأن للآخرين به . لكن : كيف يجد ما يطلبه ؟ كيف تنشأ العلاقة ؟..
    لو أن موظف الاستقبال ، أو أى عامل فى الفندق ، فطن إلى ما أزمع فعله ، فستؤذيه الفضيحة بما لا يتصوره ..
    لحقه صوت عادل :
    ـ أريد نقوداً ..
    اتجه ناحيته بنظرة غاضبة :
    ـ أنا أنفق على البيت كله وليس عليك وحدك ..
    ـ أردت أن تصبح أباً .. لذلك ثمنه ..
    ثم وهو يطرقع أصابعه :
    ـ أريد نقوداً ..
    هز رأسه دلالة الرفض ..
    قال عادل :
    ـ إذا لم أحصل على ما أريد .. لن أضمن تصرفى ..
    تفجرت فى داخله رغبة فى الشتم ، أو فى العراك :
    ـ افعل ما تشاء !
    وهو يزيح شهادات التقدير والأوسمة والميداليات عن الأرفف والجدران ، ويقذف بها من النافذة المطلة على بقايا بناية متهدمة :
    ـ هذا ما أفعله ..
    اكتفى بنظرة الذهول تملأ ملامحه . فكر فى أن يمنعه ، يصرخ فيه أو يدفعه أو يصفعه ، لكن العجز شل تفكيره وتصرفه . خشى تصرفاً لا يتوقعه . ماذا يفعل لو أن الولد رد إليه أذيته ؟!.. يصفعه ، فيرد عادل الصفعة بمثلها . ينتهى كل شئ . لا أبوة ، ولا بنوة ، ولا أسرة . لا أى شئ . يتمنى الموت ..
    قال لنبرة الإشفاق فى قول على عبيد :
    ـ أنت لا تعمل حساباً للمستقبل ..
    ـ معى ما يكفى المستقبل ..
    وتلكأت الكلمات :
    ـ يهمنى أن أنفق ما أملكه فى حياتى ..
    ثم وهو يصر على أضراسه :
    ـ لا أريد أن يرثنى ابنى فى مليم واحد ..
    ـ أعطاك الله العمر .. لكن الحرص على ألا يرثك عادل يثير التأمل ..
    ـ لماذا ؟
    يقلب الكلمات فى ذهنه ، فلا يجد إجابة محددة . يرفض لأنه يريد ذلك . ما معنى أن أعمل وأكسب ، ثم يرث أى أحد ما ضيعت العمر لتدبيره ؟. يجب أن يعلم عادل وفادية أنه قادر على اتخاذ القرار . أنا أرفض وأقبل وأمنع وأعطى . اتخذ قرارى بكل الثقة . أملى إرادتى . لا تشغلنى ردود الأفعال . ما أفعله هو حقى ..
    اعتذر عن المرافقة بأنه يريد السير فى شوارع الكويت بمفرده . سأل عن السوق . استعاد التسمية :
    ـ واجف ؟..
    ـ إنها مجرد سوق شعبية ..
    أهمل التحذير ، وسأل عن الطريق ..
    مضى من ساحة الصفا . الأسقف الشبيهة بالقيساريات دفعت معظم المحال إلى إضاءة الداخل . غالبية البضائع قديمة ، أو مستعملة . فى الوسط طاولات خشبية ، فوقها ملابس نسائية ومفروشات وسجاجيد . استعاد زحام وكالة البلح ..
    قال الرجل :
    ـ أفهم ما تريد التعبير عنه ..
    ثم وهو يحدجه بنظرة تتوقع رد الفعل :
    ـ سأعد لك وصفة لا تخيب !
    غلبه الارتباك . أدرك أن الرجل خمن عكس ما يعانيه . قال :
    ـ أنا لا أشكو ضعفاً ..
    ابتسم الرجل بالحيرة :
    ـ ماذا تشكو إذن ؟
    كان يضايقه التقاط تلميحه بما يعانيه بمعنى لا يتغير . تقتصر الأحاديث على ما يضيف إلى حيويته . تقترن بالإيماءات والكلمات الملتفة بالغموض . ما يعانيه كائن فى داخله ، لا دخل له بمرض ، ولا يحتاج إلى شئ مما يشيرون عليه به . شئ لا يدرى مصدره ، وإن استقر فى داخله ، يثيره ، ويشقيه بالإحباط ، وبأنه غير قادر على التصرف ، وعاجز ..
    قال البائع فى شارع الحبيب بورقيبة :
    ـ أفهم ما تريد التعبير عنه ..
    أضاف وهو يقدم له حبة صغيرة :
    ـ خذ هذه .. تجعل ما تعانيه من الماضى ..
    وضع الحبة بين شفتيه . تبعها بجرعة ماء . تصاعد ـ فى اللحظات التالية ـ ما لم يخطر له ببال : خيالات ومشاهد ونشوة تقربه من الغيبوبة . سرى ما يشبه الخدر فى أعصابه . أغمض عينيه فى استسلام . تصور ـ بتأثير النشوة ـ أن أنفه طال ، فكاد يسد الطريق . أبطأ من خطواته حتى لا يصطدم بالمارة أو العربات . داهمه التوجس ، فعوج أنفه بأصابعه ليحقق انتظام المرور . خطر له أن يصرخ ، ويغنى ، ويرقص ، ويجرى إلى حيث تذهب به قدماه ..
    عبر الطريق إلى الناحية المقابلة . استبدل البائع شرائط كثيرة حتى هز رأسه بالموافقة . الصوت الأنثوى يتغنى بالعلاقة منذ بداياتها . يتعمد المط والتلكؤ والبحة المتحشرجة والأنفاس اللاهثة . مالت الرءوس ، وتقاربت الأجساد ، وتعالت الهمسات الصاخبة ..
    قال البائع وهو يقلب الشريط على الوجه الآخر :
    ـ أثق أن هذا هو ما تريده ..
    ابتسم للتعبيرات والتعليقات التى علقت على الدكاكين المجاورة للكاتدرائية بشارع الحبيب بورقيبة . دفع ـ فى زيارته الأخيرة إلى تونس ـ أربعة دولارات لكى يكتب له البائع أمنية على بطاقة مزينة بالورود . أطال التفكير فيما يتمناه لها . طلب البائع أن يترك العبارة ، الأمنية . استقبلته بما اعتاد من الجفاء ، فلم يتذكر البطاقة إلا عندما فتشت فى جيوبه ، قبل أن يبعث البدلة إلى المغسلة ..
    نسى حتى ما قدم من أجله إلى بيروت وهو يجلس فى كازينو لبنان ينصت إلى المغنية الصغيرة ، الممتلئة ، تردد أغنية فيروز : باحبك يا لبنان . وثمة آلاف النقاط الضوئية تفترش مساحات السواد فوق الجبل . حرص على تناول ما يميز الطعام اللبنانى : الكبة والتبولة والفتوش والحمص بالطحينة واللحم بالجبن وورق العنب والمحاشى والمتبلات . حتى الحلويات ـ رغم الضغط والسكر ـ أكل البقلاوة والقطائف وعيش السراية والعثمانلية وزنود الست ..
    عانى كثرة الحواجز على مفارق الطرق . مدرعات ، وسيارات جيب ، وبزات عسكرية ذات ألوان متباينة . والميكروفونات يتعالى منها التعليمات والأوامر ، والشعارات مكتوبة بالبويات الملونة والطباشير ، تملأ الحوائط ، وأسفلت الطريق ، وأبواب الدكاكين المغلقة ، وسواتر البنايات المتهدمة ، والملصقات على الجدران ، ولافتات القماش تصل ما بين أعمدة النور فى تقاطعات الشوارع ، تؤيد وتستنكر وتحيى وتبايع وتبشر بالخلاص ، وصور الزعماء والقادة معلقة على النوافذ والمشربيات ، والأعلام التى تنتمى إلى تنظيمات يسمع عنها ، أو لا يعرفها . أذهله الدمار فى وسط بيروت : سوق الطويلة ، وباب إدريس ، وساحة البرج . البنايات المتهدمة ، وفجوات الصواريخ ، وثقوب الرصاص ..
    أشار سائق التاكسى إلى النافذة التى كان يقف وراءها وبيده بندقية يصعد بها إلى من يحدده التلسكوب . لم يعد القتل على الهوية ، ولا بعد إلقاء الأسئلة . من يجرى بسرعة ، أو يمشى ببطء ، أو يتلفت ، يصوب عليه دون أن يتلقى أمراً ، أو يعطى إنذاراً ..
    استعاد التسمية :
    ـ قبرص ؟
    أعاد فاروق معوض القول :
    ـ قربص .. وهى غير قبرص ..
    ثم بلهجة محرضة :
    ـ بها نبع ماء ساخن يتدفق من الصخر . لو أنك أكثرت من الغطس فيها فالنتيجة مؤكدة ..
    أشفق من الارتفاع الهائل الذي بلغته السيارة على الطريق الصاعدة . بدا الوادى فى أسفل مفروشاً بالخضرة ، تنتهي بالشريط الساحلي . الجبل الصاعد المتعرج نفسه ، ارتقته السيارة فى قريات ، وإن تسربل الجبل العمانى بالصخور والوحشة ، واختلطت ـ فى الوادى ـ مساحات الصخور والرمال وبقع الخضرة القليلة ..
    المياه تجرى ، ساخنة ، إلى الدائرة الحجرية المتصلة بالبحر . تبلغ مستوى الركبة . تظل السخونة على ارتفاعها إلى خارج الدائرة ، ,على عشرات الأمتار فى اختلاطها بموج البحر ..
    ـ من أين تأتى هذه العين ؟
    ـ من الصخور . البداية لا يعرفها أحد ، لكنها تنبثق من الصخور ..
    دلى قدميه فى مياه الدائرة الحجرية . لسعته السخونة فرفعها . تشجع عندما أبقت الفتاة قدمها فى الماء . دلى قدميه ، وتحمل الحرارة ..
    تنبه على صيحة أربكته . كان الشاب ذو الأفرول الكاكى يتفحصه بنظرة مرتابة :
    ـ ماذا تريد ؟
    أدرك أنه أكثر من التلفت فيما يثير التأمل والأسئلة . غالب إحساسه بالارتباك :
    ـ أنا أتنزه ..
    وهو يزغده بكعب البندقية فى جنبه :
    ـ تتنزه فى منطقة عسكرية ؟
    المناطق متشابهة : الحواجز والمتاريس واللافتات والشعارات والميلشيات العسكرية ..
    تعمد ألا يواجهه بعينيه . يخشى أن يلمح التخاذل فى نظرته :
    ـ لم أكن أعرف ..
    لم يعد قادراً على الفهم ، ولا الاستيعاب ، ولا التصرف . ثمة شئ ينقصه ، وإن لم يدركه على وجه التحديد . عانى ما يشبه شلل الإرادة . اختلطت الرؤى ، والخيالات ، والأصوات التى يغيب مصدرها ..
    أعاد الشاب دفعه بكعب البندقية . تأوه وسقط . واصل الشاب دفعه وهو يزحف . اعتمد على راحتيه وركبتيه ، حتى توقفت الضربات ، وانحسر ظل الشاب . زم شفتيه ، وإن ظل على تألمه ، وهو يرقب الشاب مبتعداً ، فى وقفته المنعزلة وسط الميدان الصغير ..
    كان ذهنه قد خلا من كل شئ .
    رد مع اقتباس  
     

  6. #6 رد: النص الكامل لمجموعة «إيقــــاعات» للقاص الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    *مامــــادو*
    .................

    ـ 1 ـ
    أظهرت الدهشة ، وإن لم أعترض ، على أن يصحبنى الولد فى جولاتى داخل موريتانيا . فى حوالى الثانية عشرة ، قامته طويلة ، لا تتسق مع الطفولة البادية فى ملامحه . تلتمع عيناه الواسعتان فى بشرته السوداء ، وتعلو شفتيه ابتسامة دائمة . ترك لى وزير الزراعة أن أزور مناطق التصحر ، وأسجل ملاحظاتى .
    قال أرنستو مدير فندق مرحبا :
    ـ مامادو صغير .. لكنه يعرف الأمكنة جيداً ..
    أفسحت له مكاناً فى السيارة إلى جوارى ، وانطلقت ..

    ـ 2 ـ
    كنت قد وضعت فى حقيبة السيارة الجيب صندوقين ملأتهما بطعام وماء وأدوية ، وما تصورت أنى سأحتاجه فى الرحلة ..
    ما كادت السيارة تخلف البيوت القليلة ، المتناثرة ، وراءنا ، حتى طالعتنا الصحراء بآفاق من كل الجوانب . ليس ثمة ما يشى بحياة . لا أشجار ، ولا زراعة ، ولا بيوت ، ولا أكواخ . حتى الرمال تكونت فوقها طبقات كلسية ..
    قال مامادو :
    ـ كنت أمر فى هذه المنطقة قبل أن يتوقف المطر ..
    ثم وهو يفرد ذراعيه :
    ـ كانت الخضرة مفروشة على الجانبين .. ترعى فيها النوق والبقر والغنم ..
    أهمل مامادو الالتفات من النافذة . أسند رأسه إلى الكرسى ، وأغمض عينيه ..
    على الجانب الأيمن من الطريق تلال صخرية ، صغيرة ، وكثبان رملية ، ومن حولنا مساحات الأراضى القاحلة ، وألق السراب فى مدى الأفق ..
    تنبه على تغير صوت المحرك ، وتباطؤ سرعة السيارة . اعتدل فى جلسته ، وقال دون أن يلتفت:
    ـ قرية سيدى التيجانى ..
    اتجهت إليه بنظرة متسائلة :
    ـ هل زرت المكان من قبل ؟
    ـ السنيور أرنستو جعلنى مرافقاً لكثيرين .. جاءوا للسياحة ، أو لأبحاث أخرى غير سقوط المطر ..
    استطرد دون أن ينتظر رداً :
    ـ قال لى السنيور أرنستو إنك تدرس أسباب عدم سقوط المطر ..
    الخيمة من نسيج متقاطع الألوان ، وإن غلب عليه اللون الأخضر . على أعمدة تشدها أوتاد . سقفها لا يأذن بالوقوف ، فالداخل لابد أن يميل برأسه ، حتى يجلس على وسادة من المتجاورة فى نصف دائرة ..
    بدا الرجل فى حوالى الستين . أضافت الدراعة الفضفاضة إلى امتلاء جسده ، وشعره المهوش ، وعينيه النفاذتين ، والشارب المختلط السواد والبياض المنسدل على جانبى فمه ، واللحية المخضبة بحناء شديدة الحمرة ..
    حدثت الرجل عن المهمة التى أوفدتنى إليها منظمة الأغذية والزراعة . أهملت كلمات التصحر ، والجدب ، والجفاف ، وشح الموارد ، وغيرها مما قد يصرفه عن المتابعة . نصحنى أرنستو أن ألجأ إلى الرجل . يعرف الطريق ، ومواضع الآبار والعيون ، حتى التى أهملت ، واحتمالات الخطر ..
    أشار إلى ثلاثة رجال لمرافقتى ..
    قلت :
    ـ هذه جولة أولى .. يكفى أن يصحبنى مامادو ..
    لاحظ مامادو نظرتى الرافضة للوعاء المستدير فى حجم التصاق قبضتى اليد . قصعة بها الزريق الرائب ، أو المذق ، شراب محلى يتكون من اللبن والحساء ، مضافاً إليهما السكر . يدور على الحضور . يرتشف كل واحد ما يبل ريقه ..
    لكزنى فى جنبى :
    ـ لا ترفض !.. فهم سريعو التأثر ..
    وشد قامته ليقارب أّذنى بفمه :
    ـ التعلل بمغص البطن عذر مقبول ..
    وقال لى ونحن نعود إلى الخلاء :
    ـ مغص البطن يصيب الجميع ..
    دارت أكواب الأتاى ـ نوع من الشاى الأخضر ـ فشربتها . ثم تنقل عجوز أسود البشرة بمبخرة فوق الرءوس ، يتضوع منها رائحة لم أستطع تبينها ، وإن غلب عليها أريج المسك ..
    قلت وأنا أتململ فى جلستى :
    ـ المثل يقول : بعد العود لا تعود ..
    وأومأت إلى مامادو :
    ـ أظن أنه حان وقت انصرافنا ..
    اتجهنا ناحية الجنوب الغربى . آفاق الصحراء من كل جانب . الأرض مشققة ، رمادية ، لا هى حمراء ولا سوداء ، لكنها رمادية بلون التراب . لا آبار ولا عشب ، ولا أثر لنبات أو زرع ، ولا مواضع ظل . وكنت أبطئ ـ أحياناً ـ لوعورة الطريق ..
    لاحظ مامادو دهشتى من الهياكل العظمية لحيوانات تناثرت فى مساحات الأرض الخلاء ، تبين عن المعاناة التى افترستها قبل أن تموت . تحللت تماماً . لم يعد إلا هياكل بلا رائحة . تلاشت الرائحة فى أشعة الشمس ..
    قال :
    ـ كان الجفاف قاسياً هذا العام ..
    أدركت أن الحياة كانت موجودة فى الخرائب منذ فترة قصيرة . تشى بذلك النفايات وبقايا الخزف والزجاج وقطع الحديد والأخشاب والأعشاب والحشائش المتناثرة والأشجار البرية الخالية من الأوراق . وثمة نسور تحلق ـ متباعدة ـ فوقنا . خمنت أنها تسعى إلى رائحة دماء فى موضع قريب ..
    ـ ألا توجد عين ماء قريبة ؟
    ـ يوجد أكثر من واحدة ، لكن الرمال غطتها ..
    تكلم عن انحسار مياه البحيرات عن الشواطئ ، وابتلاع الرمال للقرى والأكواخ والأشجار والمزروعات ..
    وأنا أزيد ـ بتلقائية ـ من سرعة السيارة :
    ـ إذن نعيد حفرها ..

    ـ 3 ـ
    ألفت الطرقات الخافتة على حجرتى فى الفندق . يطالعنى مامادو بقامته الطويلة , وشعره الأكرت ، وبشرته السوداء ، وعينيه الواسعتين ..
    يدير جهاز التليفزيون ، أو يلتقط ثمرة فاكهة من فوق الطاولة ، أو يتصفح المجلات الفرنسية ، أو يطل من وراء النافذة الزجاجية على حركة المرور المتلكئة ، وتداخل الأسفلت والتراب فى شارع جمال عبد الناصر ، ومكتب البريد المواجه ، والبيوت التى لا تعلو عن طابقين ، والشارع المفضى إلى القصر الجمهورى ..
    يلحظ لملمتى للأوراق . يسبقنى إلى الباب :
    ـ أين نذهب ؟
    ألجأ إلى النوتة الصغيرة فى يدى ، وأذكر اسم المكان الذى أقصده ..

    ـ 4 ـ
    لم يعد إلا الصحراء ، والشمس ، والق السراب فى المدى . كأنى أخترق خيمة هائلة من الحرارة القاسية . الصهد يتكثف ، يتصاعد من الهواء الساخن . الأشعة الحارقة صبغت الأرض بالحمرة ، وإن تصاعدت شرائط متناثرة من النباتات والأعشاب بين التلال الحجرية ، والرملية ، المتلاصقة : كيف تنمو فى هذه الحرارة الملتهبة ؟
    طالعتنا ـ فى نهاية الصحراء ـ بنايات صغيرة ، وأكواخ من الخشب والصاج ، وخيام ..
    قلت :
    ـ هل تعرف السكان ؟
    ـ لا . إنهم مجرد رعاة ، لا يعملون ..
    وأشار إلى الناحية المقابلة :
    ـ مدينة روسو . على الضفة الشمالية لنهر السنغال ..
    شدنى اللثام على وجه الرجل يقف فى جانب الطريق . بادلنى النظرات ، وإن لم نتبادل الكلام ، ولا حتى إيماءة تحية ، ثم مضى ناحية النهر القريب ..
    قال مامادو لفضولى الواضح :
    ـ إنه طارقى ..
    وتحول الفضول دهشة ، فقال :
    ـ يعنى من الطوارق .. ألم تسمع عنهم ؟
    كنت قد التقيت ـ فى الأيام السابقة ـ بطوارق كثيرين ، على أقدامهم ، أو يمتطون الجياد . يخفى اللثام الوجه تماماً ، فيما عدا العينين . خمنت أن الناس اعتادوا رؤيتهم على هذه الهيئة ، فهم لا يتطلعون إليهم كما أتطلع . يظهرون ويختفون ، دون أن يتحدثوا إلا مع بعضهم ، كأن الآخرين ليسوا هنا ، كأن الأرض خلت إلا منهم . ربما وقفوا لشراء احتياجاتهم ، كلمات قليلة مع البائع ، لا أفهمها جيداً ، أو لا أفهمها على الإطلاق ، ثم يحملون ما اشتروه ، وينصرفون ..
    لاحظ مامادو تأملى للقوارب التى تحمل الناس والأشياء بين الضفتين ، والأشجار المتكاثفة كغابة فى الضفة المقابلة . أشار بيده :
    ـ أنا من هناك ..
    ـ من السنغال ..
    هز رأسه بما يعنى الإيجاب ..
    قلت :
    ـ ألم تولد فى موريتانيا ؟
    ـ أبى عربى .. من قرية على نهر السنغال
    ـ أين أبوك ؟
    ـ لم أعد أراه ..
    ثم وهو يتلفت حوله بنظرة غير مستقرة :
    ـ أنا بلا أسرة ..
    ـ والأسرة التى اشترتك ..
    ـ رحب بى السنيور أرنستو عندما جئت من أكجوجيت ..
    ودلك أنفه بعصبية :
    ـ هى المدينة التى جئت منها .. كنت عبداً لأسرة من البطارين ..
    استعدت التسمية :
    ـ البطارين ؟
    ـ إنهم يعملون بالتجارة ..
    وعلا صوته بضحكة منفعلة :
    ـ صاحبى أعطانى حريتى ، ولا شأن لأحد بى ..
    ـ لماذا ؟
    ـ بسبب اختفاء المطر ..
    كان يعبر نهر السنغال ـ بالقارب ـ إلى الضفة الأخرى . لا تأشيرات ، ولا جوازات . يقضى اليوم فى أعمال الزراعة ، ثم يعود . يساعده أنه تعلم الفرنسية من مرافقته لنزلاء فندق مرحبا .. لما تزايدت أعداد العابرين للنهر من الشمال إلى الجنوب ، ضاقت فرصة العمل ، فظل فى الفندق ..

    ـ 5 ـ
    ارتجفت عيناه . حدست أنه يريد أن يقول شيئاً . فاجأنى بالقول :
    ـ هل تريدنى عندك ؟
    اللهجة دغمت الكلمات ، ففهمتها بصعوبة ..
    وشى صوته بتأثره :
    ـ لا أريد نقوداً .. أعمل بطعامى ..
    تمعنت فى وجهه ، أتبين ما إذا كان يعنى ما قاله :
    ـ كما تعلم فأنا غريب .. وسأعود إلى بلدى ..
    رنا نحوى بنظرة مستغيثة :
    ـ خذنى معك ..
    ـ كيف ؟
    وهززت رأسى فى حيرة :
    ـ سفرك معى يحتاج إلى إجراءات معقدة ..
    ـ إذا انتقل العبد إلى سيد جديد فهو يغير اسمه ..
    ثم وهو يظهر التهوين :
    ـ هذا حقك ..
    ـ ألا تريد أن تظل حراً ؟
    ـ أريد أن أعمل لأعيش ..
    وتنهد :
    ـ مع سادتى لم أكن أعانى هم العيش ..
    ولجأ إلى التعبير بيديه :
    ـ كنت أعمل .. وكانوا هم يدبرون كل شئ ..
    ثم وهو يربت صدره براحته :
    ـ صحتى تهمه ليسهل بيعى !
    ـ لماذا لا تعود إلى السنغال ؟
    ـ الحراتين عرب وليسوا زنوجاً ..
    وعض شفته السفلى ، يحاول كتم مشاعره :
    ـ السنيور أرنستو يأذن لى بالنوم فى مطبخ الفندق .. ويعرفنى بالزوار لأنفق على نفسى ..


    ـ 6 ـ
    قال لى أرنستو :
    ـ ما أثق فيه أن سادة مامادو تنازلوا عنه ، ولم تساعده جمعية ما على الهرب ..
    أردف لنظرة الدهشة المتسائلة :
    ـ فى البلاد جمعيات سرية تساعد العبيد على الفرار من سادتهم ..
    ثم وهو يهز رأسه :
    ـ مهمة ليست سهلة كما قد تتصور . من الصعب على العبد الهارب ـ أو حتى المحرر ـ أن يجد عملاً ..
    وأشار ـ بامتداد ذراعه ـ إلى موضع لا أتبينه :
    ـ الرق فى موريتانيا يعود إلى التقاليد القديمة ..
    وارتعشت أصابعه بالسيجارة :
    ـ من الصعب أن يزول تقليد مضى عليه مئات السنين ..
    واستطرد فى تنبه :
    ـ أعرف أصدقاء من كبار المسئولين يملكون مئات العبيد ..
    حدثنى أرنستو عن الحراتين ـ مفردها حرتانى ـ كانوا أرقاء ، ثم حرروا . يتحدثون بالعربية وحدها ، يعتبرون أنفسهم عرباً . هم بيضان وليسوا زنوجاً ، رغم سواد البشرة ، ورغم أنهم ظلوا عبيداً لمن يصرون على انتمائهم إليهم ، وحدثنى عن السوق السوداء فى شراء الجوارى والعبيد ، موازية للأسواق العلنية ، القائمة ، فى مدن الداخل . العبد يعمل فى تربية الجمال والماعز ، وفى الحقول ، ومناجم الفحم والنحاس ، ويعتنى ببيوت الأسياد وخيامهم ..
    كان الصباح قد بدل نسمات الليل القادمة من المحيط ، بحرارة لاهبة ، فتبدل الجو تماماً ..


    ـ 7 ـ
    طال توقعى لطرقات مامادو على باب الحجرة ..
    انطلقت ـ بالتوقع ـ ناحية الجنوب ..
    كان الولد ـ على الضفة المقابلة من النهر ـ يتقافز فى مكانه ، ويلوح لى بيده ..
    أعدت التحديق .
    تأكدت أنه مامادو .
    لوحت له أدعوه للعودة ..
    رفع صوته بما لم أتبينه ، وإن حدست أنه سيظل حيث هو .
    رد مع اقتباس  
     

  7. #7 رد: النص الكامل لمجموعة «إيقــــاعات» للقاص الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    *الجســـــــر*
    ...................

    (إلى مريد البرغوثى .. تحية له ، ولرام الله)

    حين دخلت المقهى المطل على الميدان ، فلأنه بدا أقرب الأماكن إلى الجسر ، ولأنى كنت أريد أن أستعيد ما حدث .
    التفت ـ بعفوية ـ ورائى ، قبل أن أخطو داخل الجسر ، يسبقنى ويتبعنى العشرات . رجال ونساء وأطفال . يحملون الحقائب والأكياس ، أو يكتفون بحافظة ورق . يصدر عن وطء أقدامهم لخشب الجسر تلاغط طقطقة . أعرف أن المئات يعبرون الجسر كل يوم . عمان هى الترانزيت ، ميناء العبور من مدن المنفى وإليها . أحاذر فى خطواتى . الطقطقة المنبعثة من تحت القدمين تشى بقرب سقوطه ..
    لم أتبين من تقارب السحن والملابس ، وحتى اللغة العربية التى كان يتحدث بها الجميع ، من هم منا ، ومن هم من الإسرائيليين . شردت فى روايات أبى ، ونحن نجلس فى الشرفة المطلة على المنتزة ، عن جيرته لأسرة يهودية فى حى الظاهر ، أعوام دراسته فى القاهرة . فضلت أن ألوذ بالصمت والانطواء . لا أتكلم إلا إجابة عن سؤال ..
    قدمت أوراق أمنا وأوراقى إلى الضابط الإسرائيلى من كوة النافذة الزجاجية . أشار بيده إلى صفوف الكراسى فى الصالة المستطيلة . تنبهت من الشرود الذى أخذنى على النداء باسم أمنا ، واسمى . دفع الضابط بالأوراق من وراء الكوة :
    ـ المرأة تدخل ..
    ونقر بإصبعه على بقية الأوراق ..
    ـ حاتم عبد الهادي .. لا يوجد تصريح بالدخول ..
    دنوت ـ بعفوية ـ من الكوة الصغيرة :
    ـ أرجو أن تتأكد .. أنا من مواطنى رام الله ..
    دون أن يزايل هدوءه :
    ـ أنقل عن الأوراق وليس عن مزاجى ..
    غلبنى الارتباك . لم أعرف من ينبغى أن أتجه إليه ، فتكلمت إلى كل من أنصت لى . غلبنى اليأس ، فحاولت أن أتجنب الوداع الذى لم أكن أعددت له نفسى ..
    أومأت أمى إلى رأسها ، فحملت الحقيبة ، ووضعتها عليه . أشفقت لاهتزاز جسدها تحت ثقل الحقيبة ..
    حتى لا تتقابل عينانا ، تظاهرت بمتابعة الحركة فى نهاية الجسر . لم أكد أتابع سيرها البطىء ، حتى التفتت بكل جسدها ، كأنها حدست أنى أحتضنها بنظرتى ..
    لوحت بيدى ، فى مغالبة للارتباك ، وابتعدت ..
    ـ غريب أننا نستطيع لم شملنا فى باريس ، ولا نستطيع ذلك فى فلسطين ..
    كانت هذه المرة الأولى التى تغادر فيها أمنا رام الله . لم تغادرها حتى أيام الاحتلال ، ولا أيام السلطة الوطنية ..
    تصفح الضابط الإسرائيلى طلب التصريح لها بالخروج من رام الله . واتته الرغبة فى الدعابة . قال :
    ـ تريدين الالتقاء بأولادك فى باريس .. لماذا لا تقيمين هناك . إنها مدينة جميلة ..
    اكتفت أمنا بالقول :
    ـ رام الله أجمل !
    ربتت كتفها :
    ـ لا شئ يظل على حاله ..
    سافرت مع أمى من رام الله إلى عمان . سافر خالد من القاهرة . كنت ـ أنت ـ تنتظرنا فى باريس ..
    تنبهت إلى موضعك خارج مبنى المطار من صيحة أمنا :
    ـ نايف ..
    قلت وأنا أدفع إليك بالكيس البلاستيك :
    ـ هذه زجاجة زيت زيتون ..
    واحتضنت كتفك :
    ـ أردت أن أذكرك بزيتون رام الله ..
    التمعت عيناك بومضة حزينة :
    ـ هل تغيب رام الله عن بالى فأحاول تذكرها ؟
    وعلا صوتك بالانفعال :
    ـ أنا هنا أفتقد حتى الحجر الأبيض الذى بنيت منه رام الله ..
    قال خالد :
    ـ الطمى فى حياة المصريين من قبل أن يعيشوا فى الوادى .. لكنهم ـ فى الأزمنة القديمة ـ فضلوا أن يشيدوا البيوت والمقابر بالحجر وليس بالطوب اللبن ..
    استعدت نظرتى إلى البنايات المقابلة :
    ـ لماذا اخترت الإقامة فى هذا الشارع الخلفى ؟
    ـ لرخص الشقة النسبى ، ولأن البيت قريب من الحى الذى يقيم فيه العرب ..
    ثم وأنت تشير بامتداد ذراعك :
    ـ على بعد أقل من مائتى متر يوجد المسجد ومحال الأطعمة المغربية ومقهى أم كلثوم والمقاهى التى يتردد عليها العرب ..
    تحدثت عن حرصك ـ فى أيام إقامتك الأولى ـ على الانتقال بالمترو . شبكته الهائلة تغطى قلب باريس وضواحيها . وضعت خريطة المترو فى جيبك ، وتنقلت بين المترو الأحمر والمترو الأزرق . تجد نفسك فى المكان الذى تقصده . سافرت للعمل فى جمع العنب . كان الجليد قد حرق المحصول فى 1974 . تجولت ـ بلا عمل ـ فى المدينة . مضيت إلى الأماكن التى تقصدها من أسهم تشير إلى مسار الاتجاهات . الشوارع الواسعة ، والبنايات ذات المقرنصات والنقوش ، وتماثيل الميادين ، وأشجار المارون والبلانتين والكستناء ، وتنقل خطواتك فى الشانزلزيه وساحة الباستيل وأمام الأوبرا واللوفر وقوس النصر وعلى شاطئ السين ، ومربعات البازلت أمام كاتدرائية نوتردام . تتأمل الجداريات المنحوتة والتماثيل التى تتخلل البناء . لم تعد تخشى حتى الشرود ، أو الابتعاد عن المحطة ، أو فقدان الطريق . تعود بالمترو المقابل إلى محطة البداية . تلجأ إلى مكاتب الاستعلامات داخل المحطة ، أو تسأل رجال الشرطة بالإنجليزية . تتلقى الإجابة باللغة نفسها ..
    قال خالد :
    ـ المشكلة أن الفرنسيين الذين نطلب إرشادهم لا يتحدثون إلا الفرنسية ..
    هززت إصبعك فى الهواء :
    ـ قد يعرف الفرنسى لغة أخرى .. لكنه يعتز بلغته ..
    ثم وأنت تومئ إلى المدى خارج النافذة :
    ـ إذا تعرفت إلى الأماكن على الخريطة جيداً فلن تحتاج إلى من تسأله ..
    ورسمت على شفتيك ابتسامة مهونة :
    ـ من الصعب على المرء أن يتوه فى باريس حتى لو قرر هو نفسه ذلك . يكفى أن ينظر ـ على النواصى ـ إلى الشوارع ومحطات المترو ..
    أضاف خالد ملاحظة عن سهولة الإجراءات فى مطار أورلى . سريعة ، ولا تحتاج إلى الكثير من الكلام . يقدرون ـ ربما ـ أن السياح والزوار قد لا يعرفون الفرنسية . يلغون توقع الارتباك بوضع كلمات بالإنجليزية فى بطاقة الدخول . دقائق قليلة كان يقف ـ والحقيبتان فى يده ـ أمام باب المطار ..
    قلت :
    ـ تابع سائق التاكسى كلامنا ..
    وأشرت إلى أمنا :
    ـ تكلم بالعربية .. عرفنا أنه جزائرى ..
    أمنت بهزة من رأسك :
    ـ عدد كبير من سائقى التاكسى جزائريون ومغاربة ..
    وأشحت بيدك :
    ـ إذا كنا نعانى الاحتلال ، فالكثير من العرب يعانون استبداد الأنظمة ..
    وأنا أتأمل الشعرات البيضاء التى تسللت إلى مقدمة رأسك وفوديك :
    ـ يستطيعون العودة إلى بلادهم .. تظل أوطانهم .. أما نحن فالأمر يختلف ..
    تحدثت عن حبك للخضرة . ذلك ما ألفته فى رام الله . وضعت فى قلب السور المعدنى المتوازى أصصاً فخارية ، بها زهور وورود ونباتات تدلت أوراقها على الجدار . يهمك أن تطل ـ فى أى وقت ـ على الخضرة التى تفتقدها . ليست الخضرة المترامية فى أرض رام الله ، لكنها تذكرك بها . أحدس النشوة فى انفراج شفتيك عن أسماء الأحياء والشوارع والبنايات : البيرة ، المقاطعة ، ميدان المنارة ، شارع الإرسال ، شارع القدس ، قرية سردة ، مبنى المحافظة ، كنيسة الله ، جامع العين ، المكتبة ، مقر الرئيس عرفات ، حى المسيون ، تماثيل الأسود الأربعة المنحوتة فى حجر الورد ، جامعة بير زيت ، رام الله القديمة ، تلال جبال القدس ..
    حذرك الساكن فى شقة البناية المقابلة من أنه سيلجأ إلى الشرطة إذا لم ترفع أحواض الزرع من فوق كورنيش الشرفة ..
    ـ لاحظ أنها توسخ واجهة البناية ..
    وتداخلت فى صوتك دهشة :
    ـ المهم أنه يسكن فى بناية أخرى ..
    ثم بصوت هامس :
    ـ رفعت الأحواض حتى لا تتدخل الشرطة ..
    وأشرت إلى المدى خارج النافذة :
    ـ فى أيام الآحاد أزور فونتناليه على بعد 50 كيلو متراً عن باريس .. أحاول تعويض غياب خضرة رام الله ..
    قال خالد إن ألفة المكان لا معنى لها فى حياته . تنقل بين الكثير من المدن والشقق والفنادق . قبل أن يتم تعرفه إلى المفردات ، ينتقل إلى ما لم يكن أعد له نفسه ، باختياره ، أو بانتهاء الإقامة ، أو بإنهاء تصريح إقامته . يعتنى بما فى الحقائب أكثر من عنايته بما فى الأدراج . الحقائب تسعفه وقت الرحيل الذى ربما يكون مفاجئاً . أما الأثاث فيظل فى موضعه . اختلطت نوعيات الأثاث ، وألوانه ، وعدد الغرف ، وسحن الجيران ، والأماكن التى تطل عليها . تعرف إلى المئات فى المنافى . زهقوا من الخيام وعشش الصفيح واستمارات هيئة الإغاثة . أخذتهم القبور والمعتقلات والمدن القريبة والبعيدة ..
    ـ أنت تشاهد أفلاماً كثيرة فى قناة الدراما .. تختلط فى ذهنك الأحداث ، فتعجز عن تذكر أي فيلم !
    تكلم عن ظروف وفاة والدنا . كانا بمفردهما فى الشقة المطلة على ميدان الجيش . أسند رأسه إلى يديه ، ثم سقط الرأس واليدين ، وتهاوى الجسد كله ..
    أدرك أن شيئاً ما يهدد أبانا بالخطر ، شيئاً لا يستطيع أن يلمسه ، أو يراه ، وإن بدت أنفاسه قريبة . خمن أنه يعانى غيبوبة السكر . استغاث بالجيران والإسعاف ، لكن الحياة كانت فارقته ..
    غالبت أمى تأثرها :
    ـ ثانى مرة يفارقنى فى زواج أربعين سنة ..
    ثم وهى تغالب النشيج :
    ـ أصر على أن يقضى رمضان فى القاهرة ..
    التمعت عيناك :
    ـ أجله !..
    قالت أمى فى تأثرها :
    ـ يؤلمنى أنى لم أكن معه ، ولم أودعه ..
    قال خالد :
    ـ شعبنا كله فى قوائم الموتى الأحياء ..
    ثم وهو يهز المسبحة الصغيرة بأصابعه :
    ـ الموت فى ظروفنا روتين ..
    أضاف لنظرتى المتأملة إلى المسبحة فى يده :
    ـ لم تفارقنى منذ اشتريتها من خان الخليلى ..
    وهرش رأسه بطرف إصبعه :
    ـ من الأشياء القليلة التى اخترتها بذوقى ..
    تكلم عن الزيارات التى يجريها ـ عبر أسلاك التليفون ـ تناقش التقدم الدراسى ، والمشكلات الصحية ، وظروف الإقامة ، والهجرة إلى المنافى ، ومشروعات الزواج والطلاق ، ونبرات الحنين والشوق واللوم والعتاب والأسى والخوف والسأم والملل ..
    تكلف ابتسامة :
    ـ أظن أن مخترع التليفون كان يتنبأ بحاجة الفلسطينيين إليه بعد أن يشردوا فى الأرض !
    اتجهت ناحيتى بنظرة متسائلة :
    ـ حاتم .. ما أخبار رام الله ؟
    قلت :
    ـ مدينة تحت الاحتلال !
    ـ ماذا تفعل السلطة الفلسطينية ؟ ..
    ـ الحدود إسرائيلية والعملة إسرائيلية والجوازات كذلك ..
    ثم وأنا أظهر التململ :
    ـ كل شئ يخضع لسلطة الاحتلال !
    غابت أمى فى زحام الناحية الأخرى من الجسر . حملت الحقيبة ، وملت ناحية الضفة الشرقية . طالعتنى تقاطعات الشوارع والميادين وزحام المارة والسيارات . جلست على أول مقهى صادفته . أستعيد ما حدث . التفت ـ بعفوية ـ إلى رام الله الممتدة أمامى . البيوت المسقوفة بالقرميد ، المتدرجة على الجبل ، تتوسط مساحات الخضرة ، والشوارع المسفلته العريضة ، والشوارع الترابية ، والجبال ، والكهوف الصخرية ، والشعاب ، وحقول الزيتون وكرم العنب والتين واللوز والمشمش ، والتلال الخضر الممتدة إلى أفق البحر ، والقرى الصغيرة فوق رءوس التلال ..
    تلاشى التوقع ، وما يجدر بى أن أفعله . اجتذبتنى الحيرة : لا أدرى إن كنت سأبعث هذه الكلمات إليك ، وما عنوان المرسل الذى يجب أن أكتبه على مظروف الرسالة ، أو أتصل بأمنا فى رام الله ، أو بنايف فى القاهرة ؟
    اتجهت نظرتى إلى الجانب المقابل . تلال عمان السبعة ، والمخيمات . بدت طريقاً وحيدة ..
    لعل المشاركة تدلنى على خطواتى التالية ..
    رد مع اقتباس  
     

  8. #8 رد: النص الكامل لمجموعة «إيقــــاعات» للقاص الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    *فــــــــــراق*
    ......................

    فاجأتنا الفتاة بنفخ الكيس الورقى الملون ، الصغير . استطال فى لولبية ، وأحدث صفيراً ، وتقلص ..
    قال محيى معوض :
    ـ إنها تعاكسنا ..
    هززت رأسى فى عدم فهم . خمنت من حوارنا الهامس اختلافنا فى معنى تصرفها . أعادت نفخ الكيس ، فاستطال ، وأحدث صفيراً ، وتقلص ، ثم غمزت بجانب عينها ، وواصلت السير ..
    فتحت أمامنا عالماً مجهولاً من المغامرة : الفضول ، والتوقع ، والرغبة فى الاكتشاف ، والدهشة ..
    عانى الباص زحام الطريق ، فقال محيى معوض :
    ـ أثق أن السير فى هذا الزحام أفضل من ركوب الباص ..
    التصقنا فى مواجهة الزحام ، ولجأنا ـ لمغالبة الضوضاء ـ إلى إشارات الأيدى والأعين ، وإيماءات الرأس ..
    تركنا لأقدامنا سبيلها فى الشوارع المتوازية ، والمتقاطعة . نخلى أعيننا للمشاهدة والتأمل . نتعرف على السحن والبنايات والأسواق واللافتات والإعلانات والمطاعم والمقاهى وعازفى الأكورديون وراسمى البورتريهات على الجدران والسيارات واقفة على جانبى الأرصفة ، معظمها فيات . تلتقط العين كل ما تراه . تودعه الذاكرة . ما نراه ربما لن نعود إليه ثانية . أحتفظ بعنوان الفندق فى جيبى لأعود إليه إن تاهت خطواتنا . أزمعنا تأجيل الإحساس بالتعب حتى نعود إلى القاهرة . نعوض ما فات بالبقاء فى البيت يوماً كاملاً أو يومين ..
    بدت البيوت والشوارع ـ ربما لأنى أسير فيها للمرة الأولى ـ متشابهة . بنايات عالية ومتوسطة الارتفاع وأبراج كنائس ومساحات خلاء ومقاهى ومحطات أوتوبيس وترام وأفيشات أفلام ومسرحيات وبضائع ودعاية انتخابية ..
    واجهت الحيرة فى الأيام الأولى لالتحاقى بكلية الفنون الجميلة . بدت البنايات متشابهة ، وتقاطعات الشوارع ومساحاتها متقاربة . ثم فرض الاختلاف نفسه فى توالى ترددى على المبنى ذى الحديقة الواسعة . غاب التشابه ـ فى الأيام التالية ـ فغيرت طريقى بالتعرف على ما يحيط بالكلية من الشوارع والمحال والمقاهى ومداخل البيوت ..
    رأينا الفتاة ـ للمرة الأولى ـ فى شارع جانبى ، قلت فيه حركة المارة والسيارات ..
    أبطأت خطوات الفتاة ، تتظاهر ـ لابد أن هذا هو ما تفعله ـ برؤية ما بداخل الفاترينات . تظاهرنا بالتطلع إلى الصحف المصفوفة على الحامل الحديدى ، فى ناصية الشارع . نلتقط بجانب العين ما تفعله ، ونحدس الخطوة التالية ..
    ألقت علينا نظرة سريعة ، لم أجد فيها معنى محدداً ، وإن اعتبرها محيى تحريضاً على أن نسير وراءها ..
    حين استأذنت الدكتور رفيق صفوت أن يفتتح معرضى الأول ، احتضننى بنظرة ود :
    ـ معرض لاثنين .. أليس كذلك ؟
    حدست أنه يقصد محيى معوض . لم نكن نفترق فى المدرجات ، ولا فى قاعات الرسم ، وألفنا دغم أول الاسمين فى اسم واحد ..
    أومأت برأسى تصديقاً لحدسه ..
    ومض السؤال : ماذا نفعل لو أن الفتاة وافقت على التحدث إلينا ؟ وأين نذهب بها لو أنها وافقت على دعوتنا ؟ هل نستضيفها فى واحدة من عشرات المقاهى المتناثرة على امتداد الطرق ؟ أو نصحبها فى جولة على ضفة نهر التيبر ؟ وما هى العبارات التى أتصور أننا نتبادلها بعد مقدمة التعريف : محيى معوض ومحمد سامى ، من مصر . فلانة من إيطاليا . ثم ماذا ؟ هل تأذنين لنا بدعوتك إلى فنجان قهوة ؟ هل تأذنين لنا بدعوتك إلى مشروب بارد ؟ هل تأذنين لنا بدعوتك إلى جلسة فى مقهى ؟ . نكتفى بمحادثتها فيما يفد إلى خواطرنا . نتكلم ونتكلم حتى .. ماذا ؟ حتى تضغط اليدين على اليدين ، وتهمس الكلمات المودعة ..
    لماذا إذن كانت المطاردة السخيفة منذ البداية ؟
    قال محيى كأنه أدرك ما يجول بذهنى :
    ـ إنها تتصرف مثل الأطفال ، وربما يقتصر تصرفها على ما تفعل ..
    قلت فى حسم :
    ـ لماذا لا نعود ؟
    قال مدفوعاً بأمل لم أتبينه :
    ـ نحن نتمشى ، ولن نخسر شيئاً !
    قال الدكتور قاسم البحر وهو يمد يده بالمصافحة من وراء المكتب : لا يحتاج قسم العمارة إلا لمدرس واحد فقط . أجدركما ستختاره الكلية ..
    فرضت المناقشة نفسها من قبل أن نستقل الطائرة إلى روما . لم نحاول مجرد الإشارة إلى الثمرة التى لابد أن يلقفها أحدنا بمفرده . شغلتنا الدراسة فى الأكاديمية المصرية ، فأهملنا التوقع . محيى هو زميل الدراسة منذ السنة الأولى بالكلية ، وصديقى . مثلت الأمر نفسه فى حياته . أثق فى صدقه ، وإن يصعب ـ فى ظل طبيعته المرحة ، المشاكسة ، المندفعة ـ أن أحدس ما ينوى فعله . يضع عينيه فى عينى ويقول : سهل أن أعرف ما بداخلك من النظر فى عينيك ! . وكنا نتفاهم بالإشارة ، أو إيماءة الرأس ، أو تعبير العين عن المعنى المقصود ..
    سلكت الفتاة ـ ونحن نتبعها ـ شارعاً مرصوفاً بأحجار البازلت السوداء الصغيرة . على جانبيه فيلات ذات شرفات حجرية بنقوش وزخارف وثقوب طولية ومقرنصات ودعامات من تماثيل الرخام والمرمر ، وتتهدل على أسوارها الحديدية أغصان كثيفة تترامى منها رائحة الياسمين ..
    عبرت ميداناً تتضوع منه رائحة القدم . ثمة كنيستان متماثلتان ، ومسلة رومانية ، محاطة بأربعة أسود من الرخام ، تغطيها الأضواء غير المباشرة من الأحواض الرخامية ، ويحمل الهواء رذاذ الماء الذى ينبثق من أفواه الأسود . وفى الوسط نافورة ، ينبثق الماء من فتحاتها الإثنى عشر ، وينحدر على الأحجار والصخور ، إلى الحوض الرخامى المستطيل ..
    لاحظت خروج يده من جيبه بعملة معدنية . قلت :
    ـ لا تفعل !.. فى الدليل السياحى أنها تسحر من يشرب منها ولا يرمى فيها نقوداً ..
    ثم وأنا أغمز بعينى :
    ـ من يكتفى بالشرب منها يعود إليها ثانية ..
    ورحلت نظراتى إلى بعيد :
    ـ شئ يذكرنا بما يقال عن الذى يشرب من ماء النيل ..
    أطلنا الوقوف أمام ما بدا مسلة مصرية ، بجانبها نافورتان تنبثق منهما المياه ، فى ميدان تطل عليه كنيسة هائلة ..
    أشار محيى إلى شاب وفتاة يتبادلان القبلات فى ظل شجرة :
    ـ عقبى لنا !
    مضت الفتاة ناحية سوق هائلة تلاصقت فيها طاولات الخضر والفاكهة والأسماك واللحوم ، واختلط الزحام والروائح النفاذة والصيحات والنداءات والشتائم ..
    تباطؤ خطوات محيى وشى بإدراكه صعوبة اللحاق بها . قبل أن يهمس بالميل إلى طريق جانبى ، كانت قد اخترقت شارعاً موازياً ، يكاد يخلو من المارة ، على جانبيه بيوت لا تعلو على طابقين أو ثلاثة ، تتصل بها حدائق صغيرة ، كأنها فيلات تمتد أمامها أشجار الأكاسيا ..
    لاحظت انشغال محيى بتأمل مشيتها . شعرها المنسدل على كتفيها يهتز بخطواتها الطفولية ، وذراعاها تتطوحان ، ولردفيها الممتلئين استدارة واضحة تختلف مع الضمور النسبى للخصر ، وأعلى الصدر ، والجونلة الصغيرة تبين عن ساقين مخروطتين ..
    رفضت فكرة محيى أن ندور حول البنايات ، فنسبقها إلى تقاطع الطرق . ماذا لو أن المفاجأة أربكتها ، فتصرفت بما يؤذينا ؟
    تقلصت المسافة بيننا وبينها بما أتاح لى تبين ملامحها . فى حوالى الثامنة عشرة ، ذات شعر كستنائى ، وعينان خضراوان ، باسمتان ، وبشرة بيضاء أقرب إلى الحمرة ..
    اقترح محيى أن ننتقل من الفندق الصغير فى شارع جانبى ، إلى فندق خمسة نجوم . يعفى موظف الاستعلامات الداخلين إلى الفندق من السؤال السخيف : إلى أين ؟ الرواد يدخلون ويخرجون . يجلسون فى الصالة الواسعة . يتعاملون مع محال الخدمات فى الداخل . يتجهون إلى المصاعد . لا شأن لأحد بأحد . عمل موظف الاستعلامات هو الإجابة عن الأسئلة ، وملء الاستمارات ، وتسليم المفتاح ، واستلامه . لا شأن له بعد ذلك بشىء ..
    قلت لمحيى :
    ـ نحن فى مهمة دراسية .. بدل السفر الذى نتقاضاه يا دوب يكفى الأشهر الثلاثة فى روما ..
    وضغطت بيدى على ساعده :
    ـ لا معنى لهذه المطاردة ..
    وواجهته بنظرة مشفقة :
    ـ لو أنها رحبت بإقامة علاقة فسيصعب أن نصحبها إلى أى مكان ..
    شوح بيده :
    ـ خرجنا لرؤية المدينة .. أترك لها مهمة الدليل ..
    وطرقع بإصبعيه الوسطى والإبهام :
    ـ المثل يقول : إذا كنت فى روما .. افعل مثلما يفعل أهلها ..
    مضت فى طريقها ، لا تتلفت ، ولا تشير بإيماءة من أى نوع ..
    كنت ألجم اندفاع محيى بالتباطؤ . يبطئ بالعدوى ، وتظل المسافة على طولها بيننا وبينها ..
    لكزنى محيى بكتفه فى الظلمة وهمس :
    ـ دع لى مكانك !
    تسللت يد المرأة متشجعة بالظلمة ، وبعرض الأفلام المستمر . لاحظت التماع سواد البشرة ، وإن لم أتبين الملامح ولا تقاطيع الوجه . لم أفطن إلى متابعة محيى الأمر من بداياته ، حتى لكزنى وطلب أن نستبدل مكانينا ..
    اكتفينا بالمتابعة ..
    لم نحاول تجاوز الفتاة . المهم أن تكون أمامنا . نتبعها ، وتشعر بمتابعتنا لها ..
    ألقت نظرة سريعة ، ومالت إلى شارع جانبى ، هادئ ، مرصوف بمستطيلات البازلت الصغيرة . تظلله أشجار البانسيه والمارجريتا والباتونيا والفاولاكس ، وأسقف البيوت ـ على جانبيه ـ مغطاة بالقرميد . وألق الشمس يصطدم بالنوافذ الزجاجية على الواجهات ، فتبدو المرئيات ـ من ورائها ـ خيالات متحركة ..
    مرقت من باب حديدى ضخم . فى داخله ظلمة شفيفة تبين عن مكاتب متلاصقة ، يجلس عليها موظفون يرتدون زياً أزرق موحداً ، ومن ورائها صفوف من الصناديق الخشبية الهائلة ، المغلقة ، اختفت الفتاة فى تقاطعاتها ..
    غالب محيى الارتباك ، ثم عدل عن متابعة الفتاة إلى الداخل ..
    لزمنا الوقفة تحت شجرة على الرصيف المقابل ..
    حين عادت من الداخل ـ تلفتت بعفوية . خمنت أنها تنظر فيما إذا كنا قد انصرفنا ..
    بدا أن محيى قد أهمل ما يمكن أن تؤدى إليه متابعتنا للفتاة . أهمل حتى تخوفى من أن تقودنا إلى خطر لا نتوقعه . نمضى وسط المارة ، والبنايات الهائلة ، والميادين ، والشوارع ، والمقاهى ذات المقاعد والشمسيات التى احتلت الأرصفة . لا ندرك ـ ولا حتى نملك التخمين ـ ما وراءها . غرباء فى مدينة غريبة . تطالعنا الواجهة وحدها . حتى الذى نلتقى به نسأله ، ونناقشه ، ونأخذ منه ونعطى . هو مجرد مصادفة ، لحظة عابرة ، تمضى بلا قبل ولا بعد . مجرد واجهة متسائلة ، أو جادة ، أو مبتسمة ، أو رافضة . قناع يخفى الملامح الحقيقية ..
    وقفت الفتاة على باب المحل المغلق . واجهته من الزجاج ذى النقوش الملونة ، البارزة ..
    نفخت فى كيسها الورقى الملون ، ثم دفعت الباب ..
    حدجت محيى بنظرة متسائلة : هل نعود ؟
    أسند ظهره إلى عمود إنارة فى هيئة المتريث ، فتوقعت أن ننتظر خروجها من المحل ..
    قال الدكتور رفيق صفوت :
    ـ إن أردتم شراء شئ ، احرصوا على الفصال ..
    ثم وهو يهز إصبعه :
    ـ العادة أنهم قد يقبلون تنزيل الأسعار إلى النصف أو أقل ..
    واستطرد فى لهجة آمرة :
    ـ الفصال مهم !
    ابتسمت لتذكر قول عبد الله جعفر : أريد روائح روما ! ورسم بسبابتى يديه ما يعنى جسد امرأة . تقلصت التوقعات . انتهت إلى هذه الفتاة التى تداعبنا بالنفخ فى الكيس الورقى الملون ..
    غادرت الفتاة المحل . عبرت الشارع . اتجهت ناحية مبنى ضخم كالكاتدرائية ، أو الكنيسة ، أو المؤسسة الهائلة ..
    ظللنا فى وقفتنا على الرصيف المقابل، ننظر إلى المبنى من بعيد ..
    أطلت من نافذة صغيرة تطل على جانب الطريق . أومأت برأسها ، فأشار محيى إلى نفسه . أهمل ترددى ، ومضى ـ بطبيعته المندفعة ـ ناحية المبنى ..
    تشاغلت بقراءة عناوين الصحف المعلقة على جوانب الكشك المعدنى . تنبهت إلى ندائه على باب المبنى . أشرت إليه ، أنبهه إلى موضعى ..
    لوح بما لم أتبينه فى يده ، وتقدم ناحيتى . رمقته بما لم أستطع فهمه ، كأنى أراه للمرة الأولى أربكنى شرود عينيه ، والارتعاشة الواضحة فى ملامحه . داخلنى توقع بالشر . لم يعد هو محيى الذى أعرفه . الرفقة فى المدرجات ، وقاعات الرسم . التفاهم بالإشارة ، أو إيماءة الرأس . تساؤل الدكتور رفيق صفوت : معرض لاثنين ؟ . قول الدكتور قاسم البحر : أجدركما ستختاره الكلية ..
    تراجعت إلى الوراء ، أحاول السيطرة على نفسى من تأثير المفاجأة . تناوبتنى مشاعر غريبة ، غاب مصدرها . شلت الحيرة تفكيرى . تملكنى إحساس بالمحاصرة ..
    اتسعت المسافة بينى وبينه . أدرت وجهى بعيداً عنه ..
    ثم ملت إلى الطريق العكسية ..
    رد مع اقتباس  
     

  9. #9 رد: النص الكامل لمجموعة «إيقــــاعات» للقاص الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    *ثــــــــأر*
    ...............

    أحاطت بساعديها الطفلين ، واستندت إلى الجدار ..
    قال فى لهجة مشفقة :
    ــ لا شأن لك ولا للطفلين بما حدث ..
    قالت فى خوفها :
    ــ لكنك قتلت أباهم ..
    ــ إنه ابن عمى أيضاً .. وقد نلت ثأري منه ..
    أضاف فى لهجته المشفقة :
    ــ لا شأن للطفلين .. سيأتون إلى بيتى ليكونوا فى رعايتى .. فأنا ابن عم أبيهم ..
    اتسعت عيناها بالخوف .. والدهشة ..
    رد مع اقتباس  
     

  10. #10 رد: النص الكامل لمجموعة «إيقــــاعات» للقاص الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    *أصداء*
    ...........

    ألقى الرجل أوامره ..
    قال لنا :
    ــ لا تشغلوا أنفسكم .. فالقيادة مسئولة عن كل شئ !..
    كنت أعبث بالمقعد تحتى ، أكور الإسفنج ، وأقذف به إلى الأرض ..
    رد مع اقتباس  
     

  11. #11 رد: النص الكامل لمجموعة «إيقــــاعات» للقاص الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    *محطـــــة*
    .................

    صعدا فى المحطة نفسها . واحد من الباب الأمامى ، وواحد من الباب الخلفى . وقفا أمام المقعد الوحيد الخالى ..
    قال الأول :
    ـ من مواليد كم ؟
    قال الثانى :
    ـ 22
    قال الأول :
    ـ أنا من مواليد 21
    قال الأول :
    ـ أنا أكبر منك ..
    قال الثانى :
    ـ إذن من حقك أن تجلس ..
    وأخلى له الطريق .
    رد مع اقتباس  
     

  12. #12 رد: النص الكامل لمجموعة «إيقــــاعات» للقاص الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    *العصفور*
    ...............

    ـ 1 ـ
    صحوت على زقزقة عصفور فى داخل الحجرة .
    لمحته ـ وأنا بين اليقظة والنوم ـ فى زاوية السقف . بدا كحلم بجسده الصغير ، وزقزقته الجميلة ، وريشه المتداخل الألوان ..
    أسرعت بإغلاق الباب والنافذة .
    أرهقنى حتى استطعت أن أمسك به .
    ـ 2 ـ
    عدت إلى البيت ، وفى يدى قفص من الأسلاك الحديدية ، تتدلى من سقفه أرجوحة خشبية صغيرة .
    وضعت البرغل فى الدرج الصغير على الأرضية البلاستيك .
    دسست يدى تحت الصندوق ذى الثقوب الصغيرة ، فأمسكت به .
    أدخلته فى القفص ، وأغلقت الباب .
    ـ 3 ـ
    صحوت على زقزقة العصفور . بدت عالية ، متواصلة ، كالاستغاثة .
    كانت قطتى السيامية تحاول أن تصل إليه بمخالبها من خلال الأسلاك الحديدية ، والعصفور يتقافز داخل القفص ، ويطلق زقزقته المستغيثة .
    أعرف العداء بين القط والكلب، وبين القط والفأر . لم أتصور علاقة ما بين القط والعصفور .
    ـ 4 ـ
    علقت القفص فى جدار الشرفة .
    أغلقت الباب ، فلا تحاول القطة أذيته .
    ـ 5 ـ
    صحوت على صوت استغاثة العصفور فى موضعه داخل الشرفة ..
    كان الطائر الضخم ـ لعله صقر أو نسر ـ يحاول أن يمد منقاره ومخالبه من بين الأسلاك . تطاير ريش العصفور الملون فى أرضية القفص ، وعلى الأسلاك .
    ـ 6 ـ
    استبدلت بالقفص قفصاً آخر ، أسلاكه متقاربة ، فلا تصل إليه مناقير ولا مخالب الطيور آكلة اللحوم . اطمأننت إلى أن اقتراب الأسلاك يحول دون وصول أذى أى طائر إليه .
    ـ 7 ـ
    صحوت على استغاثة العصفور ..
    كانت " العرسة " تذوى جسدها اللين ، تحاول الدخول فى المساحة الضئيلة أسفل القفص .
    ـ 8 ـ
    وضعت القفص فوق الطاولة الصغيرة ، إلى جانب السرير .
    أحكمت تغطيته بقماش ، كى لا أخاف على حياته .
    ـ 9 ـ
    صحوت على أصوات العصافير تغرد فى الخارج .
    داخلنى اطمئنان بأن المخالب والمناقير لن تصل إلى العصفور ..
    رفعت الغطاء ..
    كان العصفور صامتاً ، لا يتحرك .
    رد مع اقتباس  
     

المواضيع المتشابهه

  1. النص الكامل لرواية «صيد العصاري» للروائي الكبير محمد جبريل
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى مكتبة المربد
    مشاركات: 20
    آخر مشاركة: 04/08/2008, 03:12 PM
  2. النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى مكتبة المربد
    مشاركات: 24
    آخر مشاركة: 13/07/2008, 09:24 AM
  3. النص الكامل لمجموعة «أحلام البنت الحلوة» لحسين علي محمد
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى مكتبة المربد
    مشاركات: 21
    آخر مشاركة: 28/02/2008, 06:21 AM
  4. النص الكامل لمجموعة «ما لا نراه» لمحمد جبريل
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى مكتبة المربد
    مشاركات: 19
    آخر مشاركة: 25/01/2008, 08:26 AM
  5. النص الكامل لمجموعة «الدار بوضع اليد!» لحسين علي محمد
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى القصة القصيرة
    مشاركات: 16
    آخر مشاركة: 23/04/2007, 11:36 PM
المفضلات
المفضلات
ضوابط المشاركة
  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •