الملاحظات
الرد على الموضوع
صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 1 2
النتائج 13 إلى 19 من 19

الموضوع: النص الكامل لمجموعة «إيقــــاعات» للقاص الكبير محمد جبريل

  1. #13 رد: النص الكامل لمجموعة «إيقــــاعات» للقاص الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    *اغتيـــــــــال*
    ......................

    (إلى المناضلة الفلسطينية مروة جبر)
    لكزه الواقف إلى جانبه وهو يشير بامتداد ذراعه إلى المدينة فى أسفل :
    ـ أطلق الرصاص على أى شئ يتحرك ، ولا تشغلك النتائج ..
    وحدجه بنظرة محرضة :
    ـ هذه فرصة ممتازة للتدرب على الجسد الحى ..
    سأل فى دهشة :
    ـ أقتل ؟
    ـ من تتردد فى قتله سيقتلك ..
    ثم وهو يهز قبضته :
    ـ لا مجال للتردد فى مواجهة الموت !
    أسند البندقية على الساتر الرملى ، وتأمل المدينة فى أسفل . الشارع الواسع ، المسفلت ، تتفرع منه شوارع جانبية . البيت على اليمين ـ يفصله عن الساتر ساحة دائرية ، صغيرة ، على ناصيتها طابقين ، شيد من الطوب الأبيض ، وسقفه من القرميد الأحمر ، تسلقت لبلابة حافة النوافذ الخشبية ، العالية ، وكست الجدران ، وصعدت إلى السطح . تحت البيت دكان بقال يقف أمامه شاب فى حوالى الخامسة والعشرين ، يرتدى قميصاً طوى كميه ، وبنطلوناً من الجينز . فى طرف الرصيف شجرة تين تساقط معظم أوراقها . لم يعد إلا الفروع الجرداء ، المتشابكة . يترامى ـ من بعيد ـ صوت سرينة إسعاف ..
    معظم النوافذ وأبواب البيوت والدكاكين على جانبى الشارع المواجه ـ مغلقة ، أو تطايرت ، البنايات مشيدة من الحجارة و الطوب الرملى المتداخل بتكوينات من الخشب .
    ثلاثة دكاكين فقط ظلت مفتوحة . البقال ، ومخبز ، وصيدلية ، ومقهى تجاورت فى داخله كراسى ذات قيعان مجدولة من الخوص ، حول طاولات قديمة مختلفة الأحجام . رواده ثلاثة ، ثبتت عيونهم ـ من وراء النافذة الزجاجية المفتوحة ـ على بقايا البيت المتهدم ، وولدان أمسكا بخيط طائرة ورقية ، يتابعان ارتفاعها فوق البنايات . وإلى جوار الرصيف كومة زبالة ، تعبث فيها قطة ، والسماء ملبدة بالسحب ..
    ظل المعركة التى دارت ـ قبل ساعات ـ بين الجنود والفلسطينيين المسلحين ، امتص حركة الطريق . المارة قليلون ، خلت الشوارع . تناثرت آثار المواجهة : دماء متخثرة على الجدران والأرصفة وفوق أسفلت الطريق ، طلقات رصاص فارغة ، مزق ورقية متطايرة ، زجاجات ، علب صفيح وكرتون ، غيمات التراب ـ بفعل القصف ـ غطت واجهات البيوت ، كومات الحجارة تناثرت أمامها ، تشى بأنها سقطت من فترة قريبة .
    لم يشاهد المعركة ، وإن تابع تعليقات زملائه . رفض الفلسطينى أن يسلم نفسه . رآه الجنود وهو يقتحم الباب ، ويتركه ـ باللهفة ـ مفتوحاً . وقف الجنود والبولدوزر أمام البيت ذى الطوابق الثلاثة . علا صوت الميكروفون يدعو السكان إلى إخلائه . انطلق الرصاص من النافذة العلوية . دارت المعركة فى دقائق ، ثم تهاوت الطوابق الثلاثة . لم تذكر التعليقات إن كان من فى المنزل قد فازوا بحياتهم ، أم ماتوا بين الأنقاض .
    طالت مناقشات الضباط .. الأخذ والرد ، الأسئلة والأجوبة . هل من الأجدى فرض حظر التجول ؟.
    حسم القائد الأمر بالقناصة ، وتسيير الدوريات . وقفته ـ وراء الساتر ـ لإطلاق الرصاص على من يلمح ، ولو مجرد سيره أمام البناية . إطلاق الرصاص بلا تردد . اصطياد من تلتقطه الشبهات سهل ، إن أغلقت المدينة أبوابها على الفارين ، وظلت الأبواب مفتوحة ، وأطل الناس من النوافذ والشرفات ، وجلسوا على المقاهى ، وأمام الدكاكين ، وداخل البيوت ..
    أمر نقله من صحراء النقب إلى مدن الضفة الغربية ، فرض توقعاً طيباً . تصور فى الحياة بين الناس ما يطرد الملل . يطل ـ فى وقفته ـ على صحراء ممتدة ، اختلطت فيها الرمال ومساحات الخضرة والبنايات الصغيرة المتباعدة والمعسكرات . أربكته نظرات السكان العرب ، التقط منها ما لم يستطع تحديده ، وإن غاب عنها الود والألفة . لم يكن يستطيع أن يرد النظرات المتطلعة ناحيته ، تحدق فيه ، تحاصره . حرص على ما ألزمته به الأوامر . كن قريباً من القوة لتحتمى بها . يشكل ـ داخل المدن ـ مجموعة مع جنديين أو ثلاثة ، يحتفظون بكامل الأسلحة ، يقيسون المسافة مع نقاط التفتيش والحواجز والعربات المصفحة والدبابات ..
    تركت له الأوامر تحديد الهدف . يضغط زناد البندقية على ما يثير الريبة . يقتل قبل أن يستوضح ، أو يسأل ، أو يتأكد . الأوامر الصريحة تساعده . لا تحدق فى ملامح من تصوب إليه . الشك يكفى للضغط على الزناد . هذا هو الهدف ، فاطلق رصاصاتك عليه ، لا تتردد ، إذا ترددت فى قتل عدوك ، فسيبادر هو بقتلك . إما أن تتركه حياً ، أو تفقد حياتك . ظل إسقاط المسئولية فى القتل الخطأ بلا معنى . قانون الحرب لا يعرف المشاعر الطيبة ..
    ترامى هدير سيارة . بدت مقدمتها فى انحناءة الشارع الجانبى . توقفت فى موضع محطة الباصات . خلفت عجوزاً يرتدى العباءة والعقال والكوفية الفلسطينية . أسند راحته على قبضة العصا . جال بعينيه فيما حوله ، كأنه يتوقع أحداً فى انتظاره . تأكد من إمساكه بالعصا جيداً ، وعبر الطريق إلى الشارع المقابل ..
    أحس برغبة فى أن يسدد بندقيته إلى موضع ما ، أحد ما ، يضغط على الزناد . لا يرفع إصبعه . أصدر صوتاً من بين شفتيه : تك ، تك ، تك . تظاهر بالضغط على الزناد . ثم أرخى ساعده ..
    هز رأسه يطرد النوم ، فرك عينيه . أغمضهما ، وفتحهما . ثم أعاد النظر إلى الواقف بجانبه ، وإلى الطريق والبنايات أمامه ..
    تحسس البندقية وهو يرمق مسلحاً يعبر المسافة بين تقاطعات شارعين . قبل أن يلتقط البندقية من فوق الساتر ، كان المسلح قد اختفى ..
    قرب جهاز اللاسلكى من أذنه ، يستمع إلى اختلاط المكالمات والملاحظات والأوامر ، ربما يكون بينها ما يأمره بفعل شئ . يحدد له الهدف الذى ينبغى أن يصوب إليه رصاص بندقيته ..
    أغلق الجهاز ..
    ركز نظرته على الجسد الأنثوى ، يبين عن قسماته فى العباءة السوداء . قدمت من شارع جانبى ناحية دكان البقال ..
    خمن من تلويحة يد الشاب أنه ينتظرها ..
    اطمأن ـ بنظرة جانبية ـ إلى زميله خلف الساتر الرملى ، قرفص فى إغفاءة بين جوالين . أسند البندقية على الساتر أمامه . ثبت النظارة المكبرة على مدخل الدكان . وقف أمامه الشاب والفتاة . الحاجز الخشبى فوقه رخامة تحتل معظم مساحة الواجهة ، ماعدا مساحة صغيرة سدت بباب ذى مفصلات ، ينفذ منها إلى الداخل ..
    مد يده لها بالمصافحة . استبقى يدها فى يده ، وضغط عليها بكفه . لما ربتت صدره بيدها ، حدس أنهما يعرفان بعضهما . ما يراه ليس أول لقاءاتهما ..
    تابع إشارة الشاب ناحية البناية المتهدمة . قال كلاماً كثيراً ، أضاف إليه تعبيرات يديه . مرر جانب يده على رقبته دلالة الموت ..
    أزاحت العباءة عن مقدمة الرأس ، فبرزت خصلة من شعرها . أظهرت التأثر فى إسناد ذقنها على قبضة يدها ، وإعادة النظر إلى المكان بعينين متأملتين ..
    رفع الشاب رأسه وذراعيه إلى السماء ، وقال ما لم يتبينه ، ثم مسح براحتيه على وجهه ..
    قال الشاب ما فطن إلى معناه فى اتجاه نظرة الفتاة إلى الناحية المقابلة ..
    التفت ـ بتلقائية ـ إلى مصدر ترامى هدير سيارة . مد عنقه ، وزوى عينيه . تبين عربة مصفحة ، بداخلها ضابط وثلاثة جنود . مالت إلى الشارع الجانبى أسفل الساتر الرملى ، واختفت ..
    قرن الشاب كلماته بإيماءة إلى الدكان : هل يدعوها إلى الدخول ؟
    كان الدكان من الداخل معتماً ، لم يستطع تبين ما إذا كان خالياً ..
    تحركت شفتا الشاب كمن يهم بالكلام ، ثم سكت . لزم صمتاً ، واكتفى بالنظر إلى قدميه ..
    نبهته إلى أنه وضع زرار القميص العلوى فى العروة الثانية . اتجه إلى الناحية المقابلة . تأكد من وجود الأزرار فى مواضعها ، وعاد إليها بابتسامة معتذرة ..
    ظل صامتاً ، وإن استحثته بنظرة مشجعة على الكلام ..
    شوحت بيدها ، وابتعدت خطوات . لحقها . مد ذراعيه . أعادها إلى وقفتها أمام الدكان ..
    أزاحت خصلة الشعر المتهدلة على جبينها ، وواجهته بنظرة متسائلة . انتفضت لسقوط ورقة يابسة من فوق الشجرة . طفرتها بطرف إصبعها . تأمل نثارها على الأرض ، وداست عليه ..
    خبط جبهته علامة التذكر . اتسعت ابتسامتها ـ رد فعل لما قاله ـ فتوضحت الغمازتان فى وجنتيها ، والتمعت أسنانها البيضاء . قربت فمها من أذنه . قالت ما أضحكه حتى ضرب ركبته ..
    أخفضت عينيها ، فحدس أنه قال ما أربكها . أشاحت بوجهها حتى لا يفطن إلى ما قد تعبر عنه عيناها ..
    لو يعرف ماذا يقولان ؟ ماذا يقول لها ؟ ماذا تقول له ؟ . التخمين صعب ، وإن حرك الشاب يده بما يشى أنه قال ما لديه ..
    ظلت أصابعها على ظهر يده ، كأنها استراحت إلى هذا الوضع . داعبت ظهر كفه بظفرها . عاد إلى احتواء أصابع يدها بين راحته ، يضغط عليها بآخر ما عنده ، وهى تضحك . وضعت سبابتها على شفتيه ، دلالة أن يصمت . تظاهر بأنه سيعض إصبعها . احتضن الإصبع ، ورفع إلى شفتيه ، وقبله . تراجعت بأعلى كتفيها ، وأعادت خصلة الشعر المتهدلة بهبة هواء مفاجئة ..
    أحس بتوتر يتولد داخل نفسه ، لا يدرك بواعثه ، وتملكه إحساس بالمحاصرة . لم يستطع السيطرة على انفعاله . اختلطت المشاعر فى داخله . تداخلت ، وتشابكت . غاب حتى إحساسه بالزمان والمكان . حاول أن يتجه بنظراته إلى أعلى ، حتى يعود إلى نفسه ..
    كانت الشمس قد مالت نحو الغروب . انحسرت عن الأسطح وأعلى البيوت ، وتقلصت الظلال . تناثرت سحب كثيفة تشى بمطر وشيك ، ودارت أوراق الشجرة المتساقطة فى دوامة بتأثير الهواء المندفع من تلاقى الشوارع الجانبية .
    تأكد من وجود رأس الشاب فى دائرة التلسكوب ..
    ضغط على الزناد .
    رد مع اقتباس  
     

  2. #14 رد: النص الكامل لمجموعة «إيقــــاعات» للقاص الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    *الثورة*
    ............

    حين وصل إلى نهاية الرواية ، كان مصير الفتاة يشغله تماماً . بدا الظلم أشد مما يستطيع احتماله ، كأنه الموت ، أو أقسى ..
    أغلق الكتاب بعنف ، ونزل إلى الطريق ..
    رد مع اقتباس  
     

  3. #15 رد: النص الكامل لمجموعة «إيقــــاعات» للقاص الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    *الإستاكوزا*
    ..................

    ـ 1 ـ
    البحر حصيرة ..
    تابع سرباً من غربان البحر يحلق فوق الخليج ، يحرك أجنحته ، ويطير بلا صوت . أعاد النظر إلى السمكة فى قاع الطراحة . ليست من الأنواع التى اعتاد صيدها فى المينا الشرقية وخليج الأنفوشى . المرجان والبورى والمياس والبربونى . شكلها ما بين الجمبرى والكابوريا ..
    تفحص المعلم محمود الطويل السمكة . قلبها فى يديه :
    ـ هذه استاكوزا ..
    علا صوت زناتى حلبو متسائلاً :
    ـ الأنفوشى لا يعرف الإستاكوزا .. إنها صيد خارج البوغاز.
    قبل أن تهلك السمكة فى وقت الأسئلة ، قذف بها المعلم محمود الطويل إلى الماء . قال لنظرة الدهشة فى عينى زناتى :
    ـ فلنعطها فرصة للتكاثر فى مياه الأنفوشى !
    جرت الإستاكوزا ـ بسرعة مذهلة ـ فى اتجاه البحر .
    ـ 2 ـ
    طالت قعدة صياد السنارة محروس الشاطبى على المصد الأسمنتى . النفايات فى أسفل تعلو برائحة نفاذة . الصمت يعمقه أزيز لف بكرة السنارة ، وصوت موتور يتناهى من وراء قلعة قايتباى . أرهقه الملل ، فمضى . نشر صيادو الجرافة شباكهم ـ يحدها إطار الفلين ـ على دائرة واسعة . لم يكن فيها ـ بعد جرها إلى الشاطئ ـ سوى صغار الأسماك ـ تساقطت من الثقوب ـ والطحالب والأعشاب .
    تكرر إلقاء الطراحة ، وسحبها . لم يكن فيها إلا كميات من الإستاكوزا . أنستهم غياب الأسماك الأخرى التى اعتادوا صيدها . نزع القشرة المتغضنة ، والتلذذ بطعم قطع اللحم الوردية اللون . لمحها الرجال تتخلل أعشاب البحر الطافية فوق المياه ، تزحف فوق الرمال ، وبين الأصداف والقواقع والطحالب وبقايا الأعشاب وزيوت المراكب والقناديل الميتة . تتخلل الأحجار الصغيرة والحصى والجحور والصخور المدببة بالخضرة اللزقة ..
    ـ 3 ـ
    تكاثرت الإستاكوزا . تقافزت فوق المياه . لامست الأجساد . زحفت فوق رمال الشاطئ . تسللت إلى ورش المراكب والكبائن ما بين الحجارى وسراى رأس التين ..
    أدرك الرجال أن الإستاكوزا تأكل ما تصادفه من بيض السمك . اختفى البيض من أماكن الفقس والتوالد . اللحم الشهى ـ مخلوطاً بالأرز ـ على موائد الطعام ، دفع الرجال إلى إهمال نصيحة إمام أبو العباس بصيد الإستاكوزا ..
    ـ 4 ـ
    حين تبين الرجال تحرك الإستاكوزا على المتبقى من غزل الصيد وقطع الفلين والقصبات والإسفنج والحبال والأشرعة ، أهملوا تصورهم بأن جزر البحر مضى بالطحالب والأعشاب إلى الأعماق . التهمت الإستاكوزا ـ الآلاف من الأجساد الصغيرة ، المتحركة ـ ما صادفته من الغزل والفلين والطحالب والأعشاب . حتى مخلفات المراكب لم تعد تطفو فوق الأمواج ، ولا يقذف بها المد على الشاطئ ..
    أكلت الإستاكوزا كل ما بلغته أقدامها الصغيرة ، الكثيرة ..
    لم يعد إلا الرمال المنداة بالمياه .
    ـ 5 ـ
    اختفت البلانسات واللانشات والفلايك وبلوطات الخشب من الورش المتلاصقة . اختفت حتى السفن الغارقة فى مياه الخليج . حتى المعدات الخشبية تآكلت . لم يعد إلا أخشاب متكسرة ، وبقايا فلايك ، وهياكل بلانسات متآكلة ..
    قبل أن يظهر أهل الأنفوشى إشفاقهم على مصير الكبائن من الحجارى إلى سراى رأس التين ، كانت أسراب الإستاكوزا قد زحفت إليها . علتها ، تسللت إلى داخلها ، انشغلت بالتهام أبنيتها الخشبية . رمقت الفئران المتقافزة فوق قطع الحجارة الضخمة ما يحدث . اختبأت فى الشقوق ..
    ـ 6 ـ
    خلا البحر والشاطئ تماماً . لا أسماك ، ولا طحالب ، ولا أعشاب ، ولا سفن ، ولا كبائن . رفرفت الأعلام السوداء فى مواقع متناثرة على امتداد الشاطئ ، تحذر من النزول فى المياه . ألقى المد بأعشاب البحر الخضراء ، الداكنة ، على الشاطئ . اختلطت بزيت البواخر الضخمة ومخلفات البلانسات والقواقع والرمل وقطع الأخشاب وبقايا الأطعمة . ضرب الموج صخور الشاطئ بعنف . تعالى الرذاذ ، وارتمى على امتداد الطريق . نعقت غربان البحرـ وهى تحوم فوق القارب ـ وصرخت ..
    عانى الناس حيرة التوقع ..
    زاد تكاثر الإستاكوزا . لم تعد فى حجمها القديم . بدت أكثر امتلاء وقدرة على الحركة . زحفت ، وتقافزت ، وعلت أصواتها بصيحات وحشية . غطت المياه والرمل بكتلة من الرءوس ، كأنها تلاصقت ..
    نفض زناتى حلبو ساقه من الإستاكوزا العالقة بها ..
    صرخ لرؤية الإستاكوزا فى الأجساد التى قتلها الخوف ..
    رد مع اقتباس  
     

  4. #16 رد: النص الكامل لمجموعة «إيقــــاعات» للقاص الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    *حصار الأسئلة*
    ........................

    (إلى محمد الحديدى)

    زوت الراهبة ما بين عينيها ، تحاول أن تتذكر :
    ـ أنت ؟
    تأمل الزى البنى المنسدل إلى ما فوق الصندل والجورب الأبيض ، وغطاء الرأس الأبيض المنشى ، أحاط بالوجه ذى الملامح الدقيقة ..
    قال :
    ـ زكى .. شقيق محرم السلامونى ..
    هزت رأسها دلالة التذكر :
    ـ زرته مرات مع أبيكما ، ثم أصبح الأب يأتى بمفرده ..
    لم يجد سوى الكذب وسيلة لمواجهة نظرة التأنيب فى عينيها :
    ـ عدت بعد فترة سنوات من العمل فى الخارج ..
    قالت وهى تمضى داخل الطرقة الطويلة ، فوق أرضيتها مشاية بنية تمتص وقع الأقدام :
    ـ حالته متقدمة ..
    ثم وهى تبتعد :
    ـ زياراتك ستفيده كثيراً ..
    الطرقة المستطيلة ، تتوسط جدارها صورة للمسيح جالساً على العرش ، فى داخل المركبة السماوية ، تحيط برأسه هالة نور ، ويحمل كتاباً فى يده اليسرى . تمتد على الجانبين أبواب غرف متقابلة ، مقفلة ، تنسدل عليها ستائر من القطيفة الداكنة الحمراء ، الحائلة اللون . كل ستارة مفتوحة من الجانبين ، على مقابض معدنية ، وتمتد ـ أمام الأبواب ـ سجاجيد صغيرة ، لها شراشيب كثيرة بألوان متداخلة ..
    كان قد أطال الوقوف إلى جانب الكشك الخشبى ، انشغل فى داخله العجوز ذو البشرة التى كساها البهاق بصف علب السجائر والمناديل الورقية وأكياس الشيكولاتة والبسكويت ..
    حدجه العجوز بنظرة متسائلة :
    ـ هل تريد شيئاً ؟
    ـ لا ..
    وأشار إلى المبنى الحجرى الصامت ، أغلق بابه ونوافذه :
    ـ لم أتصور أن الدار تغلق هذه الساعة ..
    قال العجوز :
    ـ موعد الافتتاح من التاسعة صباحاً إلى التاسعة مساء ..
    تطلع ـ بتلقائية ـ إلى الظلال التى بدأت تنسحب من أعلى البنايات المقابلة ، وقال فى لهجة تسليم :
    ـ سأنتظر .
    حين علا صوت المفتاح فى رتاج الباب الحديدى الضخم ، كانت الظلال وانعكاسات الضوء تفترش المكان . حدس أن المبنى صمم بحيث يسمح للهواء بالمرور فى الحجرات المتقابلة ..
    ظلا صامتين ..
    أنحف مما انطبع فى ذاكرته ، وتداخل البياض والسواد فى رأسه ، وسقطت من فمه سنة علوية ، وبدت عيناه أميل إلى الجحوظ ، وإن لم تفقدا وجهه ما به من وسامة ظاهرة ..
    تردد مع أبيه لزيارته فى الدار الحجرية ، ذات الطابقين . الحديقة الترابية ، تسلقت سورها الحديدى الأسود فروع اللبلاب وست الحسن . تديرها الراهبات للعجائز من الرجال والنساء . وكان أبوه يحرص ـ فى كل زيارة ـ على أن يضيف إلى الإعانات التى تنفق منها الدار .
    ثمة عجائز ـ أربعة أو خمسة ـ جلسوا على كراسى متناثرة ، تحت أشجار الكافور فى جوانب الحديقة .
    شك من نظرته المتسائلة أنه يعرفه ..
    قال :
    ـ أنا زكى .. أخوك ..
    ـ أين ضحى ؟
    ـ فى بيتها ..
    ـ لم تعد تزورنى ..
    ثم وهو يتجه ناحيته بنظرة غاضبة :
    ـ أنت أيضاً لا تزورنى ..
    ـ وماذا أفعل الآن ؟
    ـ كان أبى يزورنى مساء كل خميس .
    قال وهو يغالب التأثر :
    ـ هذا ما سأفعله . قد أزورك فى الأسبوع أكثر من مرة ..
    حل الصمت ثانية ..
    انشغل بشروده ، وعدم قدرته على التركيز ، وبطء فهمه ، وكلماته التى بلا معنى . استعاد ملامح واضحة ، ويغلفها الشحوب : طريق المقابر خلف القلعة ، الليلة الأخيرة فى مولد الحسين ، زحام شارع الموسكى ، ترقب أمه لصنع القهوة فوق السبرتاية ، جلسة أبيه إلى أصدقائه فى مقهى الكورسال ، وشيش التليفزيون بعد انتهاء السهرة ، صياد يجذب الحبل ليرسى قاربه على الشاطئ ..
    لا يذكر متى أدرك أنه قد مضى زمن على حياته بمفرده . ألف الحياة دون أن يشاركه فيها أحد .
    داخله سأم لا يعرف بواعثه . يردفه حنين إلى ملامح وأماكن طال غيابها ، فبدت كأطياف . أحس أن هناك ما ينقصه ، وأنه فى حاجة إلى من يجعل لحياته معنى .
    قال الطبيب :
    ـ الحالة مستقرة وإن كانت لن تشفى ..
    أظهر القلق :
    ـ هو مريض إذن ؟
    ـ طبعاً ..
    وهمس :
    ـ نوع من التخلف العقلى ..
    لم يتصور هذه الحالة التى صار عليها أخوه . لم يكن ينتبه إلى كلمة واحدة مما يدور حوله . يبدو غائباً عن الدنيا . يحدث أشخاصاً وهميين .
    قال :
    ـ هل الرعاية جيدة ؟
    أطلت من عينيه نظرة غير فاهمة ..
    قال :
    ـ هل يقدمون لك طعاماً جيداً ؟ ملابس نظيفة ؟ تشاهد التليفزيون ؟ ..
    قالت الراهبة :
    ـ نحن نعطى ذوى الظروف القاسية من التبرعات التى نحصل عليها .
    قال :
    ـ ظروف أخى النفسية وحدها هى السبب ..
    وحرك أصبعين فى دلالة :
    ـ أترك له فى الأمانات أكثر من حاجته .
    لمح فى عينيه انبثاق دمع ، وهو يديرهما إلى الناحية المقابلة :
    ـ أريد أبى .
    ـ أنا الآن أبوك . اطلب ما تريده منى ..
    ـ لا أريد إلا أبى ..
    وعلا صوته بنشيج :
    ـ أريد أبى .
    شرد محرم فيما لا يتبينه . جاراه فى الصمت ..
    فاجأه بالسؤال :
    ـ هل حضر أحدكم الغسل ؟
    ـ أسامة زوج ضحى ..
    ـ وما يدريك أن الميت هو أبوك ؟
    ـ رأيته مكفناً . أعرف تكوين أبى الجسدى ..
    لم يكن الموت مما يشغله ، لكن الخوف من الموت اقتحمه للمصير الذى ربما يواجهه محرم : من يدفع له إيجار الدار ؟ من يزوره ، ويطلب عرضه على الأطباء ، ويحاول استثارة ما فى نفسه من ذكريات ؟..
    تنبه إلى أنه خلف البيت وراءه ، ثم عاد إليه .
    المدخل غارق فى رمادية خفيفة . لاحظ تآكل السلالم الحجرية ، وتكسر الدرابزين . تحسس طريقه بالتساند على الحائط ، مطلى بالجير ، عليه رسوم أحجبة وأكف وباخرة يتصاعد الدخان من مدخنتها ، وخيوط زرقاء تمثل أمواج البحر ، ورسوم للكعبة ، وجمل ..
    آخر زيارة إلى البيت مع أبيه منذ ثلاثة أعوام ، ربما قبل ذلك بأشهر . اتصل به أبوه ليصحبه إلى بيت شقيقته . طلبت تدخل الأب لحل خلافات لا تنتهى مع زوجها . اعتذر بمشاغله . بدا صوت الأب في التليفون محملاً بالغضب :
    ـ كيف أطمئن إلى تحملك المسئولية من بعدى ؟
    وداخل نبرته توجس :
    ـ هل قررت الانسلاخ بحياتك ؟!
    الجدران متآكلة ، تقشر طلاؤها ، فصنع أشكالاً وتكوينات ، وسرت الرطوبة بالصدأ فى النافذة الحديدية المطلة على المنور الخلفى . السجادة تتوسط مساحة الصالة ، تغلب عليها النقوش الزرقاء ، فوقها ـ لصق الجدار ـ كنبتان متقابلتان ، مستطيلتان ، من الخشب ، بمساند ، و كراسى وطاولات تعلو منها رائحة القدم ، عليها فازات فى نهاياتها زهور صناعية ، وقبالة الباب مرآة هائلة ، أكل الصدأ حوافيها ، وتخللها ، تغطى معظم مساحة الجدار . وفى الجدار المقابل صورة فوتوغرافية كبيرة للكعبة الشريفة . وتدلت من السقف نجفة من الزجاج الملون المقلد للكريستال . وثمة صرصار ـ فى الزاوية ـ انقلب على ظهره ، بدا من توالى حركة أقدامه أنه حى ..
    اختارت الجلوس فى زاوية الكنبة . فتش ـ فى ملامحها ـ عن الصورة القديمة التى أحبها . كأنه يودعها ذاكرته ، يختزن ما بدده توالى الأعوام .
    لم تتبدل الملامح كثيراً ، وإن ران على التصرفات ما أثار إشفاقه . كلماتها لا تزيد عن الهمس ، وتتجه بنظراتها إلى الأرض . أضافت الأعوام شعيرات بيضاء تسللت إلى الرأس ، ودوائر من التجاعيد الخفيفة حول العينين والفم . أهملت الزغب الأصفر الخفيف فوق شفتيها . ترتدى جلباباً واسعاً أشبه بجلابيب الرجال ..
    داخلته عاطفة حقيقية ، لعلها غابت منذ سنوات طويلة . شعر أنها قريبة منه ، أنها تنتمى إليه ، وينتمى إليها ..
    لماذا لم يفعل ـ من قبل ـ ما يريد أن يفعله الآن ؟ لماذا تأخر عن زيارتها ؟ ما الذى شغله عن الزيارة ؟
    لم يستطع ـ بينه وبين نفسه ـ أن يصل إلى إجابة . كرر إرجاءه للأمر ، حتى أهمله تماماً ..
    لاحظ نظرتها المتأملة ..
    هل ما تزال على عادتها القديمة فى محاولة قراءة مشاعره ؟ هل يبدو ارتباكه ، وعجزه فى البحث عن الكلمات المناسبة ؟
    أومأت برأسها ناحية الزوج الجالس فى الزاوية المقابلة :
    ـ أنت لم تلتق بزكي من أعوام ..
    ران على قامته ذبول ، وبدا أقصر مما كان . هل هو تقدم السن ؟
    غاب الجسد المتماسك ، والضحكة المقهقهة ، والصوت العالى . مالت كلماته المرحبة إلى البطء ، ووضحت الثاء بدلاً من السين فى النطق . خمن أنه ركب طقما للأسنان . ترهل جفناه ، ومال بياض عينيه إلى الصفرة . مشط شعره الخفيف بامتداد الرأس ليدارى صلعته ، وتناثرت فى وجهه بقع من الشعر المختلط السواد بالبياض . أكثر من لعق شفتيه بلسانه ، فأدرك أنه يعانى السكر . ارتدى جلباباً من الكشمير ، وترك قدماه حافيتين ..
    حل صمت مفاجئ . عانى ارتباكاً لم يدرك بواعثه . بدا أنها تعانى الشعور نفسه ، وإن لم يفسره على نحو محدد . هل لمفاجأة الزيارة ، أم أنه استدعى ما كانت قد أهملت تذكره ؟
    نادى على الولد الواقف خلف الباب الموارب . تلقاه بذراعين مفتوحتين . تعلق الولد بعنقه ، وأسلم له خديه يقبلهما ..
    قالت ضحى فى لهجة محايدة :
    ـ هذا مرتضى .. لم تره منذ ولادته ..
    وأومأت إلى مرتضى :
    ـ قبل خالك .
    أضافت لنظرة الولد المتسائلة :
    ـ هذا خالك .
    أجلس الولد الأصغر على ركبته . قبل خده ، ومسح بيده على شعره ..
    قالت ضحى بلهجتها المحايدة :
    ـ محيى .. انقطعت زياراتك قبل ولادته ..
    لاحظ أنها تضع فى معصمها ساعة أبيه ، وتدير أصابع يدها على المسبحة التى ظل أبوه ممسكاً بها حتى وفاته .
    وضع انفعاله فى تقبيل الولد :
    ـ شاطر فى المدرسة ؟
    اكتفى محيى ـ دلالة التأكيد ـ بإيماءة من رأسه ..
    ماذا ورث الولد منه ؟
    أخفق ـ حين أعاد تأمله ـ فى التعرف على الملامح المشابهة ، وإن حدس أنه ورث عن أمه امتلاء الوجه ، والعينين المسحوبتين ..
    لو أنه تزوج !.. ربما أنجب أبناء يماثلون الولدين فى العمر ، وربما كانا أكبر منهما ..
    وهو ينزل الولد من تحت إبطيه إلى الأرض :
    ـ هل تزورين محرم ؟
    قالت :
    ـ إن زرته .. لابد أن أحمل معى هدية ..
    وهو يدارى انفعاله :
    ـ أتكفل بدفع مصاريف الدار ..
    ـ لن أذهب بيد ورا ويد قدام ..
    ـ ربما زرته غداً ..
    رمقته بنظرة مستنكرة :
    ـ ألم تزره حتى الآن ؟ ألم تزره منذ وفاة أبينا ؟
    غلبه الصمت والارتباك . هل تلمح ضحى بأنه هو السبب فيما يعانيه محرم ؟ هل هو المسئول ؟
    قالت وهى تربت فخذه :
    ـ أنت الآن أخونا الكبير .. وأبونا ..
    تمنى لو أنها تخلت عن كلماتها الملمحة . لو أنها أظهرت غضبها ، ولامته على غيابه الطويل .
    يدرك أن الإجابة لن تقنعها . حين أدار الكلمات فى ذهنه ، لم يقتنع هو نفسه .
    المشاغل !.. كلمة بلا معنى فى توالى السنين .
    قال أسامة فى لهجته المتباطئة :
    ـ أبوك كان ينعى همنا ..
    وسكت .
    ومضت القامة الطويلة ، والكتفان العريضتان ، والبشرة السمراء ، والعينان اللتان تحتويان من يحدثه.
    استعاد ما روى عقب وفاته . هل مات ميتة ربه ؟ أو دس له السم فى الطعام ؟ أو قتل فى ظروف رفضت الشرطة أن تخبرهم بها ؟
    قتله الإحساس باليتم ، وإن عانى توالى المشكلات ـ فيما بعد ـ وانفضاض أقاربه وأصدقاء أبيه . باعد العجز بينه وبين ضحى ومحرم . قلت زياراته ، ثم انتهت ..
    شعر ـ وهو يهبط السلم ـ بنظراتها تتبعه من وراء ظهره . لما وصل إلى البسطة ، استدار ، ورفع رأسه . كانت تستند بصدرها على الدرابزين . لوحت بيدها وهى تقول :
    ـ لا إله إلا الله .
    قال :
    ـ محمد رسول الله .
    أشفق على محرم مما يعانيه ، كأنه يمضى إلى دنيا غير الدنيا .
    بدا أمام خيارين : إما أن يفعل شيئاً ، يدفع نقوداً زائدة ، أو يهدد ، أو يتوسل حتى ، لتصير معاملة الدار لأخيه على ما هى عليه ، أو أن يصحبه إلى البيت ، وهو ما لن يستطيع تدبره ، ولا يعرف كيف يتولى رعايته بمفرده .
    أزمع ألا ينصرف حتى يطلب محرم الطعام . يعيد قطعة الجبن والبيضة وحبات الزيتون . يصر على الخضار واللحمة والأرز . يجلس معه حتى يفرغ من تناول الطعام . يصحبه إلى حجرة نومه . يفرد الغطاء فوقه . يطمئن إلى نومه ..
    مضى داخل الحجرة وراءه ..
    التفت محرم ناحيته مستغرباً . ثم تجاهله . اتجه بالكلام إلى ما لا يتبينه . لا تتصل جملتان بمعنى محدد ، فالكلمات غامضة ، مختلطة ، لا يفهم ماذا يعنى محرم ، ولا إلى أين يتجه بكلماته . تمنى ـ بينه وبين نفسه ـ أن يتبادل مع أخيه حواراً كالذى يتبادله الأخوة ، كالذى يتبادله الناس . يسأل ويجيب ، يأخذ ويعطى ، يفض عما بنفسه ..
    أطال إليه النظر ..
    تملكته الحيرة فلم يدر كيف يتصرف . هو يريد أن يفعل شيئاً ، لكن ما يراه يبدو أقسى من أى تصرف . كان يحرك ذراعيه ، ويهز رأسه ، ويوجه حديثه إلى من لا يراه .
    ظلت الكلمات غير مترابطة ولا مفهومة ، مجرد كلمات متقطعة ، متناثرة ، لا تعبر عن معنى محدد ..
    لو أنه استطاع أن يستعيد أخاه ، ينتزعه مما هو فيه ..
    واجهه محرم بنظرة مؤنبة ، وهو يشير إلى الفراغ :
    ـ هذا أبونا .. لماذا لا تكلمه ؟!
    رد مع اقتباس  
     

  5. #17 رد: النص الكامل لمجموعة «إيقــــاعات» للقاص الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    *التحليق بلا أجنحة*
    .............................

    اقتحمه شعور بالغربة ..
    لم يعد يدرى لماذا هو فى هذه المدينة ؟ وإلى أين تمضى الشوارع ؟ وإلى أين يتجه ؟
    هذه ليست أولى رحلاته إلى الخارج ، لكنها أولى رحلاته إلى لندن ..
    حين استقل الطائرة ، كانت المدينة ـ فى مخيلته ـ مجرد تصورات . لا قسمات محددة : بنايات وساحات وميادين وشوارع وأسواق وجسور وتماثيل وأبراج كنائس وحدائق .
    أدرك أنه يعرف شوارعها ، وإن عانى الغربة . انطبعت ملامحها فى ذهنه من أحاديث مرجريت وقراءات الصحف ومشاهد التليفزيون . اعتاد أسماء الوست إند وبيج بن وكوفنت جاردن والمتحف البريطانى وهايد بارك وقصر باكينجهام ..
    تأمل مبنى المطار . صالة هائلة يتفرع منها العديد من الأروقة والردهات والسلالم المتحركة ، وإعلانات النيون تعلو الجدران ، وصفوف الكراسى ، وكاونترات الجوازات وشركات الطيران ، وعربات نقل الأمتعة ، ووجوه المسافرين .
    أزمع أن يقضى ليلته فى فندق . ينتظر طلوع النهار ، ثم يبدأ البحث ..
    ***
    أحس ـ وهو يغادر الفندق فى غبشة الصباح الباكر ، أن اليوم كله أمامه .
    ترك حقيبته فى الحجرة ، حقيبة واحدة ، متوسطة . استعان بخريطة سياحية ، تعرف فيها على الأماكن المهمة . نقاط ينطلق منها إلى الميادين والشوارع وضفتى التايمز . يستطيع أن يتنقل فى أحياء المدينة الواسعة ، يبحث عن الشقة فى أكثر من عنوان ، فى أكثر من حى .
    تلاشى الحنين الذى كان يناوشه إلى المطارات والفنادق والمدن والأسواق والبشر الذين لم يلتق بهم من قبل . همه أن يرى الولد أمامه ..
    شرد فى صورة مرجريت . فرضت عليه ـ فى هذه اللحظة ـ نفسها : السحنة ، والتصرفات ، وطريقة الكلام ..
    قال :
    ـ تربية الطفل مسئولية أبيه وأمه ..
    قالت :
    ـ هذا صحيح .. لكنها مسئولية الأم أولاً ..
    ـ دعينا من الأولويات . إنها مسئولية الوالدين ..
    تخبطت علاقتهما . بدا الانفصال نهاية مؤكدة . ما حدث ليس شرخاً فيسهل التئامه . إذا تكسر الشيء ، تحطم ، يصعب أن يعود إلى ما كان عليه . وجد فى الإرجاء ما قد يأتى بالحل . تغاضى عن إصرارها على مضايقته . أهمل المعايرة ، والتلميز ، والعبارات المفعمة بالتورية ..
    التقيا ـ للمرة الأولى ـ فى رحلة للأقصر . رافقها فى زيارتها لمعابد الكرنك ، ومعبد الأقصر فى البر الشرقي ، والمعابد الجنائزية ، ومقابر وادى الملوك والملكات ، ومقابر الأشراف فى البر الغربى ..
    بدت مسحورة وهى تجيل النظر فى ما حولها . هذه مدينة المدائن الأثرية . لو أتيح لى الاستقرار فيها . لو تحولت إلى نخلة تطل على طريق الكباش ..
    قبل أن تبدأ فى إعداد حقائبها ، همس :
    ـ هل تتزوجيننى ؟
    حدس ـ من دائرة السحر التى تعيش فيها ـ أنها ستوافق . لكن المفاجأة أخذته لموافقتها . لم تناقش الأمر ، ولا تحدثت عن ظروف من أى نوع ..
    لم يعد يتردد على الشقة إلا لتغيير ملابسه ..
    حاول ـ بكل طاقته ـ أن تظل الأمور على تماسكها . تفادى الرياح والنوات والزلازل والأعاصير ..
    أذهله قرارها ..
    قال :
    ـ لن تخرجى !
    علا صوته بما لم يعهده فى نفسه . شعر أنه لابد أن يكون سيد نفسه للمرة الأولى . يناقش ، ويقبل ، ويرفض ..
    دفعته بيد غاضبة ، وخرجت . اكتفى ـ فى ذهوله ـ بمتابعتها ، وهى تقفز فى نزولها على السلم ..
    حين ضغط على الجرس ، ترامى الصمت من الداخل . خبط على الباب بقبضة غاضبة ..
    ظل الصمت سادراً ..
    أدار المفتاح فى الباب .
    كان دولاب حجرة النوم مفتوحاً ، وخالياً من ملابسها . بدا السرير خالياً ، ومرتباً . لا آثار نوم فوق الوسادة ، أو فى الفراش . حتى طيات الأغطية ظلت فى موضعها ..
    عرف أنها تركت البيت .
    أجهده البحث . تنقل بين أحياء القاهرة . يسأل من كانت تعرفهم ، ومن عرفهم بها . حتى من لم يجاوز تعرفها إليهم حفل الزفاف ، سألهم عنها . طالعه هز الرأس ، مط الشفتين ، القول من خلال الدهشة المتسائلة : لا أعرف . لا يشعر بالتعب إلا حين يسلم جسده إلى الفراش .
    تعددت الشوارع التى سار فيها ، والسلالم التى رقاها ، والأبواب التى طرقها ، والسحن التى طالعته . هزة الرأس دلالة النفى تغنى عن القول : لا أعرف . لا أحد يعرف البيت ، أو مرجريت . حاول ـ برسم الكلمات ـ تقريب الصورة فتنشط الذاكرة ، وتتجسد الملامح . لكن نظرة النفى جدار يصد ما يفعل ..
    تكرر النفى ، ففرضت التوقعات القاسية نفسها . شعر أنه غير قادر على مواجهة الموقف . تنامت فى داخله هواجس خمن بواعثها . فقد الرغبة فى الحياة . لم يعد لها أى معنى ..
    لم يعد أمامه سوى احتمال أن تكون قد صحبت الولد خارج مصر . لا يدرى كيف ولا متى أعدت أوراقها وأوراق الولد ، ولا من الذى ساعدها حتى طارت به . سيطرت عليه فكرة السفر إلى لندن . بدا السفر وسيلة وحيدة لرؤية الولد . يعرف العنوان من مراسلاتها لأمها ، لكنه لا يعرف موضعه إن كان فى قلب المدينة ، أم فى ضاحية لها ، أم فى مدينة إقليمية ..
    سار دون أن يعرف جيداً موضع الشارع الذى يقصده .
    الفجوة واسعة بين ما كان يتصوره وما يراه . حدثته عن الشقة فى شارع أوكسفورد . قالت إنه يمتلئ بالعرب . الملامح العربية كثيرة . يذهبون للتسوق فى الشارع . الشقة فى الطابق الثالث من بيت تتوسطه . تحدثت عن المقهى فى أسفل البيت ، تضطر للسير بين الكراسى المشغولة حتى تصل إلى الباب الخارجي . خطر له أن يسأل رجل على ناصية الطريق . عانى التردد ، ثم واصل السير .
    حدّس أنه يدور فى دوائر . ينتهى إلى النقطة التى بدأ منها . يدرك أنه سبق له رؤية المكان ، فلا معنى للبدء من جديد ..
    مضى نحو مكان لا يعرفه .
    المدينة الهائلة غابة من البنايات والشوارع والميادين والبشر واللافتات وإعلانات النيون والحدائق والتماثيل والأبراج .
    تجول بلا هدف ، لا يدرى إلى أين يتجه ، ولا المكان الذى يريده . ثمة هاتف ـ لا يدرى كنهه ـ يجتذبه إلى مكان ما . يطيل الوقفة ـ دون تأمل حقيقى ـ أمام واجهات المحال ، يغسل وجهه فى نافورة تتوسط ميداناً ، على ناصيته لافتة باسم ميدان " ترافالكار " ، يجلس فوق مقعد خشبى بحديقة عامة . يستعيد يوم صحب الولد إلى خارج البيت ـ لأول مرة ـ ليرى الشمس ، لحظة بصق طعم البن من ثدى أمه ليفطم ، أخذه إلى الحلاق ليصفف شعره بعد أيام من ولادته . يدفعه الشوق لرؤيته ، يراه ، يحتضنه . إذا لم يعثر على الولد ، فلن يكون لديه شىء يصنعه . لو أن عناء البحث ـ باليأس ـ انتهى ، ستصبح الحياة بلا معنى ..
    مال إلى شارع إيدجوير الواسع . طالعته اللافتة الزرقاء على ناصية الشارع . هو بالقرب من شارع أكسفورد . الشارعان ، المنطقة كلها ، تمتلئ بالعرب : المطاعم اللبنانية والشرقية . الشاورما والطعمية والحلويات الشرقية واللافتات المكتوبة بالعربية ..
    حدّس أنها هنا . ستطالعه فى لحظة ما قد لا يتوقعها ، لكنها موجودة فى شقة ما ، فى هذه البنايات المتلاصقة التى تفصلها الشوارع والحدائق والميادين ..
    لندن مدينة كبيرة ، متشعبة ، هى واحدة من الملايين التى تسكن فيها . لا يعرف أين على وجه التحديد ، لكنه يثق من وجودها ، ويثق أن الولد يعيش معها . هى فى بيت من هذه البيوت المتلاصقة أمامه ، من حولها حدائق ، تعلوها أسقف القرميد المائلة ..
    أدرك أنه من الصعب أن يمضى فى قلب المدينة ، دون أن يركب سيارة عامة ، تصل إلى أماكن محددة ، يعرف أنها تصل إلى المكان الذى يقصده ..
    هذا هو الحى كما وصفته . نسى اسم الشارع ، ورقم البيت . لكن ذاكرته احتفظت باسم الحى ، ربما لسهولته . يتأمل ملامح النساء . يطيل تأمل من يجتذبه الشبه بينها وبين مرجريت . خطواته لا تتبعها ، لكنها تبحث عن الولد ..
    صرخ لاختطاف الحقيبة الجلدية الصغيرة من يده . جرى وراء الشاب الزنجى بآخر قوته . سبقه . وضع قدمه فى طريقه ، فسقط الشاب من طوله ..
    رد له الشاب الحقيبة . قال وهو ينفض نفسه :
    ـ أخف الحقيبة . لن تجرى وراء كل من سيخطفها !
    ***
    توالت أيامه فى المدينة ، دون أن يفقد الأمل . طرد الخاطر بأنه لن يستطيع لقاءها فى هذه المدينة الواسعة ، الغامضة ، الغريبة .
    كشف باب المقهى المفتوح والنوافذ الزجاجية عن قاعة واسعة ، صفت فيها موائد ، تتقابل حولها الكراسي .
    مال ـ بالتعب ـ إلى الداخل ..
    النافذة الزجاجية المغلقة ، بامتداد الواجهة ، جلس وراءها ، يتابع حركة المرور ، ويلمح الداخلين والخارجين .
    تشاغل بتأمل المكان ..
    ثمة رجال ونساء تقابلوا على الموائد ، وامتلأت الكراسى العالية ، أمام الطاولة الرخامية فى الوسط ، من ورائها أرفف فوقها زجاجات متباينة الألوان ، وأغنية بالفرنسية تترامى من مسجل فى موضع قريب .
    تنبه إلى رائحة عطر أنثوى .
    التفت بتلقائية . لم يلحظ متى جلست المرأة على الكرسى المجاور ، لكنها كانت تتجه ناحيته بنظرة تعد بما استطاع فهمه ..
    تملكه شعور أنه التقى بها من قبل . لا يدرى أين ولا متى . رآها فى مكان ما ، ولعله رآها فى حلم . زادت من المساحيق فى وجهها ، فلم يتعرف ـ من النظرة السريعة ـ إلى ملامحها ..
    عاود التطلع إليها .
    لاحظ العينين الخضراوين ، عمقتا من خلال الرموش الطويلة والكحل ، والأنف الصغير ، والشفتين المصبوغتين بحمرة قانية زادت من غلظتهما ، ووضعت شامة صغيرة ، مستديرة ، على خدها الأيمن . أدرك من صفرة إصبعيها حول السيجارة ، والسواد فى أسنانها ، أنها تكثر من التدخين ..
    عاد إلى تشاغله بتأمل المكان : الأضواء الشاحبة ، والنداءات ، والأغنية الفرنسية الكلمات ..
    سحب قدمه من ضغطة حذاء متعمدة . بادرته بالحديث بصورة مفاجئة :
    ـ هل أنت آسيوى ؟
    ثم وهى تزوى ما بين حاجبيها :
    ـ هندى .. باكستانى ..
    قاطعها :
    ـ مصرى .
    ـ جئت للسياحة ؟
    ـ لا أمتلك رفاهية السائح .
    وهز رأسه فى تأثر :
    ـ جئت لحل مشكلة !
    روى لها الأمر من بداياته .
    وضعت متابعتها فى نظرة ثابتة ، اتجهت بها إليه . هو يروى ، يفض ما بنفسه ، يتهدج صوته بالتأثر ، يغمض عينيه لاستعادة ما مضى . هى تهز رأسها .
    ***
    صحا على ضوء الشمس يقتحم عينيه .
    انتفض . تلفت حوله ..
    الحجرة الخالية تختلف عما يتذكره حين قدم مع المرأة أول الليل . لاحظ تهدج صوتها ، ونظراتها الداعية . هتف فى داخله صوت يشجعه على المغامرة ، الاستجابة إلى التعبيرات والإيماءات المحرضة . تملكه إحساس أنه يفلت فرصة ربما لن تعود . واتته جرأة لم يتوقعها فى نفسه . لامس يدها المسترخية على الطاولة . لم تسحبها . صحبته إلى شارع جانبى . استقلا المصعد إلى الطابق الخامس .
    الشقة الواسعة تسبح فى إضاءة خفيفة ، علقت على الجدران أقنعة إفريقية ، وأقواس ، وسهام ، وفرش على الأرض جلود حيوان . على الطاولة ـ وسط الصالة ـ سلة كبيرة مليئة بالفواكه ، وشمعدانان متجاوران ، وفى الأركان أصص الزهور تصاعدت منها نباتات حلزونية .
    استأذنت لتبدّل ثيابها ..
    عادت ـ بعد دقائق ـ حافية ، ترتدى قميص نوم من الشيفون الأسود ..
    ماذا حدث له فى أثناء الليل ؟
    يذكر صحوه ، لكنه لا يذكر ما حدث فى النوم ..
    هبط إلى الطريق .
    استقبلته الشوارع والساحات والميادين والبنايات وتقاطعات الطرق والأشجار وجلسات المقاهى والوجوه التى لا تعرفه . تشاغل بقراءة لافتات الطريق والمحال ، يحاول استعادة المكان . حتى البنايات الهائلة ، لا يتذكر أنه رآها من قبل . اقتحمه شعور أن كل ما رآه ـ فى الليلة السابقة ـ لم يحدث ، وأن المرأة لا وجود لها ..
    واصل السير .
    لم يعد يدرى مقصده . نسى ما يريده ، ما يبحث عنه ..
    أخذته الشوارع . تقاطعت الطرق ، وتفرعت . اختلطت ـ فى عينيه ـ السحن والقامات والأزياء والأصوات . أدرك أنه فى مدينة غريبة ، لم يرها من قبل ..
    طالعه فى أفق الطريق ما يشبه الغلالة التى تتخلل المرئيات . بدا المارة ـ من ورائها ـ كأطياف ، أو كأشباح . يتعالى وقع الأقدام على الأرض المنداة ، دون أن يستبين الأجساد ، ولا الوجوه . حتى أضواء الشوارع والمحال ، غلفها الشحوب . تلاحقت الغلالات ، تشابكت ، تحولت إلى موجات من الضباب المتكاثف . تصاعدت موجات الضباب حتى غطت البشر والأبنية وأسفلت الطريق ..
    لم يعد يعرف من هو ، ولا فى أية مدينة يعانى التلفت ، لا يعرف شيئاً مما يتحرك حوله ..
    لماذا هو فى هذه المدينة ، وإلى أين يتجه ؟
    اشتد الضباب ، فغابت الرؤية .
    رد مع اقتباس  
     

  6. #18 رد: النص الكامل لمجموعة «إيقــــاعات» للقاص الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    *ارتحال السكون*
    .........................

    طرف الخيط يصعب التقاطه . وصل النتائج بأسبابها ربما ساعد على توضيح ما غمض . أتابعك وأنت تميلين من ناحية شارع سيدى داود إلى شارع الحجارى . لا أحاول اجتذابك إلى حديث بسؤال ، أو ملاحظة . أكتفى بهزة الرأس . أظهر التأثر لرؤيتك وأنت تفتحين الباب الزجاجى ، وتعيدين ترتيب البضائع على الأرفف ، وفى الفاترينة ، وتكنسين داخل الدكان وخارجه . حلوى من كل الأنواع . علب الشيكولاتة والبسكويت ، وأقراص المشبك والكعك والمعمولة ، ومكعبات الزبدة والكيك والجاتوه، والمرطبات والمياه الغازية ، والدولاب الزجاجى على أرففه قطع التورتة بتكوينات مختلفة ، وصينية الهريسة تعلو النيران الهادئة ..
    لم يعد فى حياتى قبل ولا بعد . خلت مساحة الصورة إلا منك . لم أعد أرى فى الدنيا فتاة أخرى . أضع اهتمامى ـ بالساعات ـ فى وقفتى وراء النافذة . أتابع كل ما تفعلين . ألحظ حتى التصرفات العفوية . أخمن الكلمات التى ترافقها ابتسامة وجهك ، فى بيع الحلوى للزبائن . أرهف سمعى كأنى أريد التقاط الهمسات المتبادلة بينك وبين مدحت شاهين . أهمل حتى مواربة ضلفتى النافذة عندما تقتحم الشمس الشقة ، بعد أن تتجه إلى الناحية المقابلة. ذلك ما كنت أحرص عليه ، أو أغلق النافذة تماماً ، منذ الظهر إلى ما بعد المغرب ..
    أذكر متى ظهر مدحت شاهين فى حياتك ، فى حياتنا . هز المفتاح فى يده وهو يتجه ناحية دكان أدوات الصيد الملاصق لدكان الحلوانى الذى تعملين فيه . القامة طويلة ، والبشرة نحاسية ، والعينان تشيان بنظرة مقتحمة . تابعت انشغاله بترتيب كومات الغزل والحبال وقطع الفلين والإسفنج وبراميل القطران والبوص والسنارات والسكاكين والخطافات وطعم السمك .
    لاحظت ـ من وقفتى فى النافذة المطلة على ناصية شارع الحجارى ـ أنه قدم نفسه فى اللحظة الأولى ، كأنه قدم للتعرف إليك . تحولت هزة الرأس المحيية ـ فى الأيام التالية ـ إلى مناقشات ، وأخذ ورد ، وملاحظات . اعتدت وقوفه بعيداً عن دكان أدوات الصيد ، ووقوفه أمام دكانك . بدا كشيطان برز فى حياتنا ليفسدها . يشغلك حتى عن نفسك ، ويقتلنى بالتوتر ..
    حين يقرر المرء أن يحب ، فهو يبحث عمن يبادله العاطفة . تصورت ظهوره فى حياتك بداية علاقة جميلة تأنسين إليها . ألمح التماع عينيك البنيتين ، وارتعاشة أنفك الدقيق ، والحمرة التى تغطى وجنتيك . تابعت لهفتك وأنت تنظرين إلى دكان الصيد المغلق . التوتر ينطق فى ملامحك وتصرفاتك . لما عاد ـ فى اليوم السابع ـ على شفتيه ابتسامة فقدت المعنى ، حدست أن غيابه ليعرف ما فى نفسك ، ليزيد من شوقك للقائه ، وإيلامك .
    كنت أضيق ـ أحياناً ـ بسكوتك عن تصرفاته ، وقبولك ما لا ينبغى أن تقبليه . أتململ فى وقفتى وراء النافذة لرؤية تطور العلاقة بغير ما كنت أتوقعه . يناوشنى الفضول ، والرغبة فى المتابعة . يداخلنى شعور بالضيق ، وربما الغضب ، لصمتك أمام ما يقوله ، أو يفعله . تؤلمنى نظرة الرضا فى عينيك . تتصاعد فى أعماقى موجات غضب تجاه تصرفاته فى مواجهة عجزك الواضح . تثيرنى قدرته فى السيطرة على حياتك : الثياب ، ومفردات الكلام ، وطريقة المشى ، والجلوس . حتى ما تضيفينه إلى جسدك أو تختزلينه من كيلو جرامات . كأنه أخطبوط يقيد تصرفاتك ، يمنعك من الحركة ، يعتصر حياتك ، تواجهين الموت لو أنك حاولت المقاومة ..
    فقدت صبرى تجاهك . أعانى ما يفعله . أرتجف للتصرف الذى يمليه عليك ، كأنى أنا المقصود بنصائحه وملاحظاته وأوامره . حتى الثياب التى أحدس أنه دفعك إلى ارتدائها ، تمنيت لو أنك رفضت نصيحته .
    بدا الأمر شخصياً . أحسست أنه يخصنى ، وأنك تخذليننى بصمتك عن تصرفاته . فى لحظة شعرت بميل إلى الغثيان . أرفض مجرد الإشفاق على ما بدت عليه العلاقة بينك وبينه . أفسد ـ بتصرفاته ـ صورتك الجميلة . غابت النظرة الطفولية الصافية . حل بدلاً منها توتر ينعكس فى ارتجاف أنفك وعينيك ، والارتباك الذى يسم تصرفاتك . تخفضين رأسك أمام عباراته القاسية ـ لابد أن تكون قاسية ـ وتكور قبضة يده بما يعنى التهديد .
    أحدس مشاعرك وما تعانين ، من تعبيرات يديك ، وملامح وجهك ، والدموع التى تمسحينها بكم البلوزة البيضاء ..
    لم تعد متابعتى فضولاً ، ولا حب استطلاع . شغلنى ما يحدث . أضيق بتصرفاته ، وأحزن لصمتك عما يفعل . تشغلنى توقعات أخشاها ، ولا تفطنين إليها ، وإن اكتفيت بالوقوف وراء النافذة ، وتأمل ما يجرى فى الناحية المقابلة .
    همس فى أذنك بما لم أتبينه . انعكست كلماته ضيقاً فى ملامحك ، وأشحت بيدك . عاد إلى أذنك بفمه . حدست أنه يهون عليك ، ويعتذر عما فعل . قال ما استدعيت له ابتسامة ، أدركت أنها لإنهاء الموقف ، أو للمجاملة . عرفت أنه لم تعد بينكما مساحة ود . تداخلت فى نفسى مشاعر غامضة ، لم أدر إن حزنت أم سررت لها ..
    أزمعت أن أفعل شيئاً ، وإن لم أدرك ـ على وجه التحديد ـ ما يمكن أن أفعله . أقاوم التردد ، وأطرده . أعبر المسافة بين البيت والدكان . أواجهه بما أكتمه فى نفسى ، وأتقبل النتائج . لكننى أعانى فقدان الرغبة فى مواجهته ، أو أنى كنت أخشى المواجهة . ما أراه من تصرفاته ، يتسلل إلى داخلى بأسئلة قاسية ، ولعله الخوف ..
    كنت دائم التخيل لمواجهتى له . أحاصره فى زاوية الدكان . أحذّره من تصرفاته القاسية مع أميرتى الجميلة . أصوب إليه من اللكمات ما يجبره على التدخل ..
    ناقشت الأمر بينى وبين نفسى : ماذا لو أنى وقفت أمامك ، وهمست شفتاى بالتحذير ، فواجهت الصدود ؟ هل أظل فى وقفتى ، أو أتمنى الموت
    هل فطنت إلى ارتباكى وأنت تطالعيننى بملامح الأميرة فى وقفتك أمام باب الشقة . تداخلت فى نفسى مشاعر كثيرة ، غامضة . ما أذكره أنى أخفقت فى استدعاء الكلمات التى أرد بها على قولك الهامس :
    ـ أستأذنك فى التليفون .
    اتسم رد الفعل فى تصرفى لعفوية لم أتدبرها . غمغمت بعبارة ترحيب لا أذكرها . أفسحت لك الطريق . تأملت الشقة بتوقع نظراتك لها . الصالة الواسعة ، تتوسطها طاولة خشبية الصغيرة مغطاة بمفرش من القطيفة الحمراء ، حولها أربعة كراسى . تحتها فروة خروف ، فرشت كسجادة . اللوحات على الجدران للكعبة وصور فوتوغرافية ، ولوحات تآكلت حوافها ، أو شحبت ألوانها بمرور الوقت . الأبليكان المتقابلان على الحائط . المكتب الخشبى الصغير ، فوقه أوراق تصدير واستيراد وكتب فى المعاملات التجارية ، النجفة الخالية إلا من لمبة واحدة ، الكنبة الاستانبولى ، المروحة المتدلية من السقف تصدر طنيناً خافتاً ..
    غالبت التردد لكى أنبهك إلى خطورة ما يفعله مدحت شاهين .
    ـ مدحت شاهين .. قريبك ؟
    التمعت عيناك البنيتان بتساؤل :
    ـ لا . هو المسئول عن دكان الصيد ..
    ثم فى نبرة التساؤل :
    ـ لماذا ؟
    ـ لا أرتاح له .
    وأنت تربتين صدرك :
    ـ أراه إنساناً لطيفاً ..
    ـ هذا رأيك .. لى رأى آخر .
    واتجهت بنظرى إلى الناحية المقابلة .
    أدركت أنك تهملين تصرفاته القاسية لأنك تخشين غيابه ، فقده . لا يشغلك سوى أن يظل فى حياتك . يأتى إلى دكانه كل صباح . يقضى فيه النهار . يحدثك ـ فى وقفته على الحد الفاصل ، أو أمام دكان الحلوى ـ وإن وجدت فى انعكاسات كلماته على ملامحك ما يسهل فهمه .
    ألزمت نفسى أن أظل هادئاً ، وأترك الأحداث تمضى كما هى ، هذه إرادتك . لا أتدخل على أى نحو .
    لم أعد أتردد على الدائرة الجمركية إلا لأوقّع فى الساعة . هأنذا أحرص على المجىء إلى عملى ، ثم أعود . ألزم موضعى وراء النافذة ، أرقب ما يحدث فى الدكانين المتلاصقين . يبدأ يومى عندما تقبلين من ناحية الموازينى أو رأس التين . تضعين المفتاح فى الباب الزجاجى . تتأكدين من ترتيب الحلوى ، أو تعيدين ترتيبها . أهملت ملابسى والقراءة ومشاهدة التليفزيون ونوم القيلولة . حتى الطعام أتناوله فى وقفتى وراء النافذة ، لا تتحول عيناى عن الموضع الذى اجتذب اهتمامى . إذا أغلقتما الدكانين ، أنسحب إلى الداخل . أرتمى ـ بالتعب ـ على السرير . أغيب فى النوم . أصحو على رنين جرس الباب . أضع الجريدة على الطاولة الصغيرة ، لا أحاول حتى مطالعة عناوينها . أمضى إلى الدائرة الجمركية ، وأعود . ألزم وقفتى وراء النافذة .
    أثارت الحقيبة الجلدية فى يدك دهشتى . أشرت إليه وأنت تتكلمين ، خمنت أن ما بالحقيبة يخصكما . لم تحاولى فتحها ، فأحاول تبين ما بها . حين أغلقتما الدكانين ، ورفع الحقيبة على كتفه ، وسرتما معاً ، انداحت فى داخلى مشاعر الضيق ـ أظن أنه لم يكن مجرد ضيق ـ حدست أنه يرافقك إلى مكان لا أعرفه ، وإن كنت لا أحب أن تذهبى إليه . تابعتكما ـ فى رمادية الغروب ـ تمضيان إلى نهاية الحجارى ..
    كانت الظلال قد تقلصت ، وانسحبت بقايا الشمس خلف البيوت وأعلى الجدران . لم تعد إلا ذؤابات أميل إلى الحمرة .
    تكرر ما حدث فى الأيام التالية . يدفعنى التوتر إلى خارج البيت . تتابعكما عيناى حتى تغيبان فى انحناءة الطريق إلى شارع رأس التين . أترك النافذة مفتوحة . أهبط درجات السلم . أتجه ناحية البحر ، تلازمنى أفكار مختلطة ، ومتشابكة ، لا حصر لها . تتأمل نظراتى ما لا أراه ، أو أتبينه ، التفصيلات الصغيرة تلح فى ذاكرتى : الكلمات الهامسة والزاعقة ، تكور قبضة اليد ، توبيخه المتكرر لك ، دون مقدمات ، وبلا سبب ..
    أدركت أن مراقبة ما يجرى من وراء النافذة ، خطأ ينبغى التنبه إليه . أزمعت أن أبادره بتصرفات العداء ، وأدفعه إلى ترك دكان الصيد ، والحى كله . تحاصره المضايقات ، فيذهب بلا عودة . هو غريب عن بحرى ، وإن لم أعرف إن كان من الإسكندرية أم من خارجها . لا أذكر أنى التقيت به فى جامع ولا شارع ولا مقهى . بدت سحنته غريبة حين رأيته ـ أمام الدكان ـ للمرة الأولى ..
    فى غبشة الصباح الباكر ، عبرت مسافة الطريق بين البيت ودكان الصيد . دلقت الماء الوسخ على بلاط الرصيف ، أمام الدكان . صبغت بابه بالشحم وبوية الزيت وما شوهه . كتبت على الجدار عبارات التهديد والشتم . دسست فى أسفل زيق الباب عملاً يذهل الشاب عن نفسه . تغيبين عن عينيه وذاكرته ، وعن حياته .
    ظلت علاقتكما ـ فى الأيام التالية ـ على حالها . لم تتأثر بما صنعته . قاومت الاستياء حين رأيته يكتفى بتأملك ، وأنت تكنسين الماء الوسخ ، وتزيلين الصبغة من الباب ، وتقذفين العمل فى فتحة البالوعة لصق الرصيف .
    كان الشارع ـ وقت الظهر ـ خالياً ، ودكان الحلوى بلا زبائن ، ودكان الصيد مغلقاً بلا سبب أعرفه .
    لم أطل مناقشة ما اعتزمت . اندفعت إلى الناحية المقابلة ..
    ـ هل استغنى صاحب الدكان عن مدحت شاهين ؟
    علا حاجباك بالدهشة وأنت تنفضين يديك من بقايا الفانيليا :
    ـ ما شأنك ؟
    ـ الدكان لم يغلق منذ فترة طويلة ..
    أشرت إلى صدرك بأصابع مضمومة :
    ـ لا شأن لى ..
    ورمقتنى بنظرة غاضبة :
    ـ ولا شأن لك .
    حاولت أن أتكلم ، لكن نظرتك الزاجرة ، أعادتنى إلى حيث كنت .
    ***
    أذهلنى ما رأيت .
    كان يدفعك بقبضته فى كتفك ، وهو يتكلم ، وأنت تتراجعين إلى الوراء ، وتتألمين . أومأت بعينك إلى الطريق ، تنبهينه إلى الأعين التى ربما تلحظ ما يفعل . رفعت يديك تحمين وجهك من ضربته المتوقعة . قاومته . حاولت أن تتملصى من يديه ، تفلتى بجسدك ، لكنه جذب شعرك ، لفه حول يده ، خبط رأسك فى الحائط . خلت ملامحه من التوقع ما إذا كانت الضربات ستجرحك ، أو ـ ربما ـ تقتلك . ألقى بك على الأرض ، لا يأبه بصراخك ، ولا انحسار الفستان عن ساقيك إلى أعلى الفخذين . توقعت ، تمنيت ، أن تردى ضرباته . لا تهملين جسدك بين يديه ، يضربه بآخر قوته ، دون أن يعبأ بتألمك وصراخك ..
    انبثقت من كتفيه أذرع كثيرة ، امتدت الأصابع الخمسة فى كل يد . أحاطت بكل جسدك ، لم تترك جزءاً دون أن تصل إليه الضربات . تحولت إلى دمية يمارس فيها العنف .
    تبدلت المرئيات . تحولت إلى أشكال لم أفهمها ، وفقدت الملامح معانيها .
    لم يكن أمامى وقت حتى لمجرد التفكير فيما يحدث . تصاعد من أعماقى ما غطى حتى على قدرتى فى التفكير . علا فى صدرى ما يشبه قرع الطبول ..
    ينبغى على المرء ـ فى لحظة ما ـ أن يتخذ قراراً يتصل بحياته ، وحياة من يهمونه . زايلتنى القدرة على الوقوف فى موضعى وراء النافذة ، والاكتفاء بالمتابعة . أزمعت أن أتصرف بحيث يعرف مدحت شاهين أن لك أصدقاء يقفون إلى جانبك ، ويدافعون عنك .
    هبطت الدرجات القليلة المفضية إلى الطريق . عبرت الزحام والسيارات والنداءات والصيحات والعبارات المتسائلة .
    واجهته بملامح غاضبة ..
    لم يشغلنى رد الفعل ، ولا ما إذا كان يستطيع رد ضرباتى . لكننى ضربته بكل الترقب والمعاناة والغل والغضب والتحدى . لم أتدبر أين اتجهت ضرباتى ، أضرب ، وأضرب ، وأضرب ، ضربته بآخر قوتى .
    حين تنبه إلى ما فعلت ، انتفض كعملاق ، وواجه ضرباتى بما لم أتوقعه ، ولا قدرة لى على مغالبته .
    أهملت التخاذل والتهاوى . لم يشغلنى حتى الدم الذى انبثق من جبهتى ، ولا الآلام التى صرخت فى كل جسدى . دفس ركبتيه فى صدرى . توالت صفعاته وركلاته ، دون أن أقوى على مجرد الرد .
    تماوجت ملامحه ، واهتز الواقفون والمارة والجدران وأسفلت الطريق والسيارات والنوافذ والشرفات وأعمدة النور . شعرت بما يشبه الدوار ، والميل إلى الإغماء ، وأن روحى آخذة فى التلاشى ، لكننى تماسكت فى وقفتى ، وتساندت على إفريز الجدار . حاولت أن أستجمع قوتى . أرد على ضرباته الموجعة بما وسعنى . مجرد أن ألامس رأسه أو وجهه أو ساقيه .
    كنت أدافع عنك . كنت أدافع عن نفسى .
    رد مع اقتباس  
     

  7. #19 رد: النص الكامل لمجموعة «إيقــــاعات» للقاص الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    *الحَرّاتـــــــون*
    ........................

    أدركت أن هناك من سبقنى إلى دخول الحجرة ..
    لم أكن جاوزت الباب عندما بدا الأثاث القليل فى غير المواضع التى تركته عليها : السرير المعدنى الصغير لصق الجدار ، نزعت الملاءة عن المرتبة الإسفنجية ، وما كان على المكتب ـ فى الناحية المقابلة ـ من كتب وأوراق وملفات ، تناثر على الأرض . حتى لوحة المنظر الطبيعى المعلقة على الجدار ، انتزعت من مكانها ، واختلطت بالأوراق المتناثرة على الأرض ، وطوح بالكرسى ناحية الباب ..
    بدا ما حدث رسالة تؤكد أن من سبقنى لدخول الحجرة ، أراد إبلاغى رسالة بقدومه ، وأنه قدم لمهمة لم أعرف إن كانت قد تحققت ..
    تسلمت مفتاح الحجرة فى اليوم الأول لنزولى الفندق ، لكننى كنت أتركها مفتوحة . ينفض عبد الرحمن ما يهب عليها من الأتربة ورمال الصحراء ـ فى تلك الأيام من يونيو 1975 ، الشديدة السخونة ـ يعيد تسوية الفراش ، ربما استبدل الملاءة وأغطية الوسائد إن تبين فيها رائحة العرق ..
    تخلى عبد الرحمن عن نظراته الصامتة وتجهمه :
    ـ جاءوا فى الصباح ..
    لم أكن أقوى على مواجهة نظراته . شىء ما لم أتمكن من تحديده ، يثيرنى فى صمته ونظراته الساكنة ، هى نظرات تجمع بين الغضب والرفض والكراهية . أتعمد ، فلا أنظر إليه مباشرة ، حتى لا يفطن إلى ارتباكى . لا أكرهه ، ولا أتعالى عليه ، وإن حرص على أن يقيم ـ بتصرفاته الصامتة ـ جداراً بينى وبينه . ينصت ، ويجيب عن الأسئلة ، وينفذ الأوامر ، دون أن يغادر الجمود ملامحه ..
    قلت :
    ـ أنت تثيرنى بتصرفاتك ..
    قال :
    ـ لا أتأخر عن مطالبك ..
    ـ ليس هذا ما أعنيه . أنت تقيم جداراً بينك وبينى ..
    ـ أنا خادم .. أنت السيد الذى يأمر ..
    ـ أنا ضيف ، لا شأن لى إن كنت خادماً أم سيداً ..
    ـ عملى أن أظل فى خدمتك ..
    أطلقت أف مستاءة :
    ـ تصر على مضايقتى .
    بدا لى أن العداء هو ما يربطه بى . لا تشغله محاولاتى لاجتذاب صداقته . يتحصن بالصمت حتى وهو ينظف القاعة والحجرات ، ويرتب الأثاث ، ويعد القهوة أو الشاى . ألتقى بأعضاء من مجلس النواب . أسألهم ، وأسجل أجوبتهم فى أوراقى . ربما تواعدت معهم على لقاءات خارج الفندق . أعرف أنه وضع لى صورة لا تختلف عن صور النواب الذين يترددون على الفندق . هم السادة ، وهو الحرتانى .
    كنت أشعر نحوه بمودة ، لم أحاول تفسيرها . شغلنى إبداء تعاطفى ناحيته . تمنيت أن يقابل مشاعرى نحوه بما يساويها ، بمشاعر مماثلة . ضايقنى أنى لم أفلح فى الاقتراب منه ، أو تحريضه على الاقتراب منى . تصورت أن النظرة إليه هى التى تملى عليه تصرفاته . لم يكن يتحدث عن شىء يضايقه ، وإن اكتفى بالملامح الساكنة والنظرة المتجهمة . تبينت ـ بجولاتى ولقاءاتى ـ أن الفروق الاجتماعية لا تشكل ظاهرة ، ولا هى لافتة للنظر . يحيونها باعتبارها وسيلة الحياة ، السادة والحراتين . لا ينطقون الكلمتين ، وإن مارسوا الفعل . السيادة على ما يملكون من عبيد ، حراتين ..
    واجهته بنظرة متسائلة :
    ـ من ؟
    قال :
    ـ لا أعرف . إنهم يأتون دائماً للبحث عن أوراق ..
    أردف :
    ـ هذا ما يفعلونه دائماً فى كل حجرات الفندق !
    ـ حتى حجرات النواب ؟
    هز رأسه دلالة التأكيد ..
    حين أوفدتنى منظمة اليونسيف إلى نواكشوط لدراسة مشكلة الحراتين ، قصرت تحركى بين فندق البرلمان ـ حيث أقيم ـ وخيام الحراتين ، فى الطريق إلى أكجوجيت .
    رائحة النوم تسود الفندق ذى الطابق الواحد ، والصالة الواسعة ، والحجرات على الجانبين ، اسودت أجزاء الجدران السفلية بتوالى التبول عليها . يتناثر فى الأركان براز يشى سواده بمدته الطويلة ، ومياه راكدة ، وعطن .
    حدست أنه من الصعب أن يقيم فى الفندق من يترددون عليه . هو مكان فلإقامة الطارئة ، لأيام تطول أو تقصر ، من الصعب أن تمتد لفترة طويلة .
    البناية متسقة مع البنايات المطلة على الشارع المتقاطع مع الشارع الرئيسى المفضى إلى القصر الجمهورى . حتى مكاتب شركات الطيران والمؤسسات الحكومية فى امتداد الشارع ، لم تكن تعلو عن طابقين ..
    أقف فى الشرفة المطلة على الطريق المفضى إلى المحيط . يترامى ـ عبر الظلمة الحالكة ـ هدير الأمواج . أخترق الصحراء ـ بمفردى ـ فى سيارة لاندروفر ، يقودها سائق سنغالى ، ينطق العربية بلكنة متعثرة . وضعتها حكومة موريتانيا تحت تصرفى . الصحراء الواقعة بين المحيط الأطلسى والنيجر والسنغال ، لم تعد كما كانت . هى جزيرة صحراوية ، تتناثر فيها المدن والقرى والخيام والزراعات والمراعى والجدب .
    تنقلت بين المدن والقرى والمعسكرات ، حتى روسو على ضفة نهر السنغال . ربما سافرت إلى مدن : قاعدى ، نواذيبو ، كيفه ، زويرات ، أكجوجيت . التقيت بأفراد وجماعات من قبائل الفولانى والتكرور وساراكوللى وولوف . نزلت ضيفاً على قبائل أولياء الله الصالحين ، والقبائل المحاربة ، وقبائل الموالين ..
    البيوت ذات الطابقين مغلقة . إلى جوارها خيام ، ربما بالمساحة نفسها . حركة الناس فى داخلها وأمامها ، تشى بأنها هى مكان الإقامة ..
    لماذا البيوت مغلقة ؟ ولماذا يسكن الناس فى الخيام ؟
    رفض أفراد طائفة التنوروبى ، طائفة النبلاء الأشراف ، استقبالى ، أو حتى الرد على أسئلتى المكتوبة .
    قال الشيخ الممتلئ الجسد ، المربد السحنة :
    ـ هذه فرية لا أنصحك بتصديقها ..
    قلت :
    ـ لا أصدق ولا أكذب .. أنا أبحث عن الحقيقة ..
    ـ الحقيقة هى ما تراه ..
    ثم وهو يشيح بيده :
    ـ الحراتين جزء من الماضى .
    ***
    كيف عرف الرجل ما جرى بينى وبين شيخ طائفة التنوروبى؟
    لم أكن قد التقيت به من قبل . ولد البشير ، قدم نفسه مسئولاً بوزارة الخارجية ..
    ـ أنتم الذين نشرتم الفوضى فى الحجرة ..
    فوت ملاحظتى المتسائلة . افتعل ابتسامة :
    ـ نحن نعطيك تقريراً واقعياً ..
    شعرت بالارتباك . حاولت أن أثبت نظرى على شىء ما ، أتظاهر بأنى أتأمله ، حتى أعود إلى نفسى ..
    ـ لن أذكر فى تقريرى سوى الحقيقة ..
    ـ الحقيقة أبلغك بها شيخ التنوروبى ..
    واتجه ناحيتى بملامح غاضبة :
    ـ حكومتى لن توافق على معنى آخر ..
    بدا الموقف أعقد من أن أتخذ فيه قراراً سريعاً . قال الرجل ما قال ومضى . أحسست بالخطر . توقعت ما لا أدركه ، حتى فى الهواء الذى أتنفسه ..
    قال عبد الرحمن :
    ـ الحراتون حقيقة لن يلغيها كذب الرجل ..
    أردف لنظرتى المتسائلة :
    ـ أستأذنك فى أن تكون ضيف قبيلتى ..
    اجتذبتنى رنة الصدق فى صوته . تأملت بشرته الداكنة السمرة ، وشعره الأجعد ، وعينيه الواسعتين الصريحتين ..
    صحبنى إلى خارج نواكشوط ، بالقرب من المحيط . مئات الخيام ، وأكواخ الصفيح ، فوق الأرض الرملية ، سدت أبوابها وثغراتها بالحصير ، والستائر المجدولة من قطع القماش الملون . يتخللها أولاد يلعبون ، وباعة ، وقطط ، وكلاب ، ونفايات ..
    قال :
    ـ هؤلاء هم الحراتون ..
    لم يضف إلى قوله ما يعيننى على الفهم ، وإن بدت الظروف القاسية فى غير حاجة إلى شرح من أى نوع ..
    قلت :
    ـ لماذا يقبلون ؟
    ـ العبودية ملغاة .. لكن الفقر موجود ..
    أردف :
    ـ يعودون إلى العبودية بإرادتهم !
    قبائل الحراتين . يشكلون بالفعل قبائل كبيرة العدد . جلست إلى أعداد من طائفة الماتشوبى . الملامح الزنجية ، الشعر الأكرت ـ التصرفات المتذللة ، الأعمال التى تكاد تقتصر عليهم . عبيد استردوا حريتهم . صاروا خدماً ، وإن حظوا بمجالسة أسيادهم . ذابت الفواصل إلى حد يصعب إزالته ، يعيشون على التقاليد والعادات المستقرة . حتى المال لا قيمة له عندهم ، سيظل الحراتيون كذلك . ليسوا من الماضى . لم يعودوا كذلك .
    أحسست فى رفقته بألفة لم أشعر بها من قبل . زال كل ما كان بينى وبينه من حواجز غير مرئية . نشأت بيننا رابطة ، مشاعر صداقة . الملامح المتجهمة أشبه بقشرة تخفى نفساً طيبة . بدا مطمئناً إلى حياته : يعيشها ، فيعبره الناس . لا يهتمون به . لا يعنون بمشاعره ، ولا ماذا يفكر فيه ، أو يفعله . اعتاد العيش فى ظروف قاسية ، فرضت عليه . يكتم الأحاسيس المتنامية فى داخله ، بالتمرد أو الرفض ..
    تكلم إلى حد الثرثرة . فندق " مرحبا " فى شارع جمال عبد الناصر يقتصر ـ إلا فى النادر ـ على الفرنسيين والسياح الأجانب . أقصى إمكانية أمن تطلبها حفلات الغناء والرقص ـ تحضرها زوجة رئيس الجمهورية ـ فى ليال متقاربة داخل الفندق .
    شكا لى من أن كل ما بفندق البرلمان ، المخصص لنواب المدن البعيدة ، مسئوليته وحده : المسح والكنس وترتيب الأثاث وغسيل الملابس . قد يعد الطعام والشاى والقهوة . النظرات الغاضبة ترفض مجرد إشارته إلى ما يفعله الأطفال . لا يتركون شيئاً فى حاله . ابتلع ما كان قد تهيأ لقوله حين علا صوت الرجل فى غضب :
    ـ أنت خادم فى المكان ولست صاحبه ..
    بدت عليه الدهشة لسؤالى المفاجئ :
    ـ ألا تخشى من أن يرونا معاً ؟
    ـ من هم ؟
    اكتفيت بالإشارة إلى موضع غير محدد ..
    قال :
    ـ لأول مرة أشعر بحريتى فى تصرف وأنا أصحبك الآن ..
    أردف :
    ـ جميل أن تنفذ ما تريده لا ما يملى عليك ..
    وأنا أتجه إلى حجرتى مددت يدى لأصافحه . بدا عليه تردد . أدركت أنه لم يتوقع أن ألامسه ..
    ***
    لا أعرف من حصل على التقرير . وضعته داخل الحقيبة . لم أتصور أنه سيختفى ، ولا إن كانت الحكومة يشغلها الاطلاع على التقرير .
    حدثنى ولد البشير عن الأماكن التى أزورها . أشار إلى زياراتى لضفة نهر السنغال ، ترددى على الحى الإدارى ، ومبانى الوزارات المتلاصقة ، وعلى دار السينما الوحيدة ، تقدم عروضاً متواصلة بلا رقابة ، شراء احتياجاتى من السوق الشعبى على اليسار ، فى نهاية شارع جمال عبد الناصر ، وقفتى ـ فى الليل ـ على الشاطئ ، أترقب النسائم القادمة من المحيط الأطلسى تلطف سخونة النهار . حتى تأملى لأذان الصلاة فى أى موضع من الطريق . مجرد أن يقف المرء فى مواجهة القبيلة ، ويكبّر ، ويبدأ الصلاة .
    أدركت أنه يريد أن يكشف حتى تحركاتى الصغيرة ، وما لم أتصور أنه موضع رقابة ..
    قلت :
    ـ كتبت فى تقريرى ما رأيته ..
    أردفت :
    ـ ليس هناك أقسى من أن يكون الإنسان حراتياً ..
    ـ الحراتون ينتمون إلى الماضى ..
    ـ هل ادعى من قابلتهم بأنهم حراتون ؟
    بدا عليه غضب :
    ـ نحن لا نوافق على هذا التقرير ..
    قلت مدفوعاً بما يشبه التحدى :
    ـ وأنا أصر عليه ..
    ـ من حق حكومتى أن تعتبرك شخصاً غير مرغوب فيه ..
    أهمل نظرتى المندهشة ، ومضى .
    اقتحمنى شعور أنى وحيد . أواجه العالم بمفردى .
    فاجأنى عبد الرحمن بالقول :
    ـ أعرف ما حدث ..
    رمقته بنظرة متسائلة ، دون أن أتكلم ..
    قال :
    ـ جاء السيد ولد البشير إلى الفندق هذا الصباح . أصدر أوامره بأن أعد حقيبتك لترحيلك إلى المطار فى أى وقت ..
    ـ هو الذى قال هذا ؟
    قاوم الارتباك :
    ـ كنت أؤدى عملى . استمعت إليه بالمصادفة ..
    ـ وهل أعددت الحقيبة ؟
    ـ موجودة فى الحجرة ..
    ***
    فارقنى موظف وزارة الخارجية عند الباب المفتوح . تلاصق فى جانب قاعة المطار " كاونتر " الجوازات ، وثلاثة لشركات الطيران . أعداد القادمين والمسافرين قليلة ، تناثروا فى القاعة المستطيلة ، المزينة بالنقوش والمقرنصات . غطيت أرضيتها بالأسمنت ، وتسربت من ثقوب النوافذ ذات القضبان الحديدية ، تقاطعات ضوء وظل ، فوق الأرض ، وعلى الجدران .
    حين هممت بدخول الصالة الداخلية ، لامست يدى جيبى ، أطمئن إلى أوراق قدمها لى عبد الرحمن ، وأنا أتهيأ لترك الفندق ، والبسمة المعتذرة تملأ وجهه :
    ـ معلومات ، ربما أضفتها إلى تقريرك .

    ............................
    (انتهت المجموعة)
    ............................
    رد مع اقتباس  
     

المواضيع المتشابهه

  1. النص الكامل لرواية «صيد العصاري» للروائي الكبير محمد جبريل
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى مكتبة المربد
    مشاركات: 20
    آخر مشاركة: 04/08/2008, 03:12 PM
  2. النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى مكتبة المربد
    مشاركات: 24
    آخر مشاركة: 13/07/2008, 09:24 AM
  3. النص الكامل لمجموعة «أحلام البنت الحلوة» لحسين علي محمد
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى مكتبة المربد
    مشاركات: 21
    آخر مشاركة: 28/02/2008, 06:21 AM
  4. النص الكامل لمجموعة «ما لا نراه» لمحمد جبريل
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى مكتبة المربد
    مشاركات: 19
    آخر مشاركة: 25/01/2008, 08:26 AM
  5. النص الكامل لمجموعة «الدار بوضع اليد!» لحسين علي محمد
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى القصة القصيرة
    مشاركات: 16
    آخر مشاركة: 23/04/2007, 11:36 PM
المفضلات
المفضلات
ضوابط المشاركة
  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •