الملاحظات
الرد على الموضوع
صفحة 1 من 4 1 2 3 4 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 12 من 37

الموضوع: النص الكامل لرواية «شغل الليل والنهار» لثروت مكايد

  1. #1 النص الكامل لرواية «شغل الليل والنهار» لثروت مكايد 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    صدور رواية «شغل الليل والنهار» لثروت مكايد
    .................................................. ........

    صدرت رواية «شغل الليل والنهار»، وهي الرواية الأولى لثروت مكايد عبد الموجود، الأديب والناقد المعروف. وهي رواية سياسية تتناول المشهد السياسي في مصر في تاريخها المعاصر.
    صدرت الرواية في دورية «قصص قصيرة»، العدد الرابع.
    صدر لثروت مكايد من قبل:
    1-نحو أدب إسلامي: قراءة في رواية "الحب يأتي مصادفة" للدكتور حلمي محمد القاعود.
    2-مسافر ليل: دراسة في فن القصة القصيرة عند الدكتور حسين علي محمد.
    3-ثلاثية نجيب محفوظ: دراسة نقدية.
    رد مع اقتباس  
     

  2. #2 رد: النص الكامل لرواية «شغل الليل والنهار» لثروت مكايد 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    الإهداء

    " كأنما قُدر للدنيا أن تنوء بأصحاب القامات الشامخة ، فتروح تعذبهم وهم على ظهرها .. وقد يستمر العداء للعظمة حتى بعد أن يوارى أصحابها فى الثرى . إنه كلما زاد نصيب المرء من العظمة زاد حظه من عداء السوقة وجهل الجهلاء "
    ثروت مكايد
    رد مع اقتباس  
     

  3. #3 رد: النص الكامل لرواية «شغل الليل والنهار» لثروت مكايد 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (1)
    لم يكن لي أن أختار مهنتي .. ولا حتى زوجتي. لست حزينا لهذا .. غير أنى لست فرحا أيضا . ربما كان من الأفضل أن أختار .. لكنني لا أعرف ماذا كنت سأختار لو كانت لي حرية الاختيار. كل هذا لا يهم .. فالاختيار يتطلب الحرية، والحرية وليدة معرفة بالبدائل حتى يكون للاختيار معنى ، وكي يكون دقيقا .. وأنا لا أملك المعرفة المؤهلة للحرية ومن ثم فلا معنى للاختيار.
    عموما فزوجتي جميلة .. هذا لا يهم .. المهم أنها تملك شقة واسعة، ولم يكلفني ذاك قرشا واحدا .. وهى بعد مثقفة .. يخيل إلى أنها مثقفة جدا ، فالكتب فى كل مكان فى الشقة حتى تحت السرير يوجد عدد من الصناديق المحكمة الغلق، ومدون على غطاء كل صندوق منها ما فى جوفه من كتب ومراجع .. رأيت ذلك بنفسي أثناء ذهابها للسوق، غير أنى لم أسألها عن كل هاته الكتب ، ولم أر مبررًا لسؤالي هذا . والحق أنني لم أضبطها وهى تقرأ .. وهذا لا يعنى أنها لا تقرأ خاصة وأنا أتغيب عن البيت فترة ليست بالقصيرة. عموما .. كل هذا لا يهم. أما ما أعجب له فإنه إعجابها الشديد بى حتى كادت أن تطير فرحا عندما علمت برغبتي فى الاقتران بها كما أخبرني بذلك زميلى الأستاذ عباس المصرى .. وقالت :
    - أحقا تحبني كما أخبرني زميلك الأستاذ عباس المصري؟
    قلت مرتبكا :
    - ربما ..
    - ماذا تعني؟
    وزادت حيرتي، ونطقت بلا وعي:
    - هذا لا يهم ..
    ولما وجدت للحيرة مجالا فى وجهها، أردفت:
    - نعم .. نعم أحبك ..
    وتابعت بعد لحظة صمت مشحون بالارتباك والحيرة :
    - إذا كان ذلك يرضيك فأنا أحبك ..
    زادت دهشتها وطفح ارتباك بدد صفاء عينيها، وابتسمت, لتخفى دهشتها تلك بينما تابعت أقول:
    - حقا .. أنا أحبك ..
    قالت تخرج من ذلك النفق الضيق :
    - الأستاذ عباس المصري أخبرني أنك من تلاميذ الشيخ عبد السلام النمل، وأنك جئت إلى هنا أكثر من مرة ، لتلتقي بالشيخ .. حاولت تذكرك .. لكنك تعلم أن المدينة كلها تلاميذ للشيخ .. وأحبابه فى كل مكان .
    لم أنبس. فما رأيتها من قبل، ولا أعرف شيئا عن الشيخ عبد السلام النمل . نعم .. سمعت اسمه فى أكثر من مناسبة، وعلمت بنبأ وفاته الذي تناقلته وكالات الأنباء غير أنى لم أهتم بمعرفة شيء عنه. والحق أنه مذ ماتت أمي لم أهتم بموت أحد أو بحياته.
    ولعنت الأستاذ عباس المصري فى نفسي، وتساءلت دهشا:
    - لِم قال هذا !
    - إنه صاحبك ..
    وأردفت بعد صمت لم يطل:
    - إذاً فأنت من تلاميذ الشيخ ..
    قلت شارداً:
    - ربما ..
    كانت تنظر إلىَّ نظرتها إلى كائن عجيب لم تلتق بمثله من قبل، مما كان يزيد حيرتي. خطر ببالي أن أقوم وأنهى هذا اللقاء الثقيل رافضا الزواج، وأن أعترف لها بأنني لا أعرف الشيخ عبد السلام، ولا أحب أن تعرفه .. ولا أحبها وإنما ورطني الأستاذ عباس المصري تلك الورطة .. وقلت:
    - حقا .. أنا .. أنا أحبك ..
    وابتسمتُ ابتسامة بلهاء. لعلها تقول فى نفسها الآن: "يا له من أحمق غريب الأطوار !" .. وتابعت أقول:
    - سيدتي أنا أحبك بالفعل، كما أحب الشيخ النمل أيضا ..
    خُيل إلىَّ أن تلك هي النهاية .. نهاية المطاف، وأنها ستقوم لتطردني من شقتها المكتظة بالكتب .. وقالت:
    -عموماً فالأستاذ عباس أخبرني أنك إنسان تحب الصمت، وأنك خام لم تكن لك صلة بامرأة قط ، وهذا يفسر لي كل شيء، كما أنه يسعدني بطبيعة الحال.
    وعدت ألعن عباس المصري فى نفسي، وقلت:
    - وأنا يسعدني الاقتران بك، ومواصلة مشوار الحياة معك كما أخبرك الأستاذ عباس المصري.
    رد مع اقتباس  
     

  4. #4 رد: النص الكامل لرواية «شغل الليل والنهار» لثروت مكايد 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (2)

    كان عملى فى المستشفى رتيبا مملا . تقدمت له بالشهادة الثانوية العامة . لم يعرف أحد فى المستشفى أننى حاصل على ليسانس الحقوق .. ولا يهمنى أن يعرف أحد هذا . والحق أننى ما ندمت على شئ فى حياتى قدر ندمى على دراسة القانون وإضاعة العمر فيما لا جدوى من ورائه ولا مجال . ظهر الفساد فى البر .. والقانون هناك على الرف كتحفة جميلة غير أنه بين الحين والآخر يبدو لأمثالى أنا .. هذا كله لا يهم . المسألة أن ممرضة أعجبت بى وعرضت علىَّ أن أشاركها طعام العشاء ، فقلت :
    - لا مانع عندى ..
    وكأنها لم تكن تتوقع هذا الرد منى ، مما عقد لسانها لحظة ثم قالت :
    - حقاً !!
    - إذا كان هذا يرضيك ..
    وقالت تكسر حاجزا صنعته هى من قبل :
    - لم أكن أتصور أن تلبى دعوتى لك بكل هذه السهولة !
    - ليه ؟
    - لأنك .. لأنك ..
    - ماذا ؟
    - عدو النساء ..
    لم أناقشها فى ذلك ، فقد علمتنى التجربة أن الإنسان هنا يتهم وكفى دون أن تكون هنالك دواعٍ لذلك الاتهام ، وعليه التسليم وكفى ، فأى محاولة لرد الاتهام محاولة فاشلة ، لذا قلت بلا مبالاة :
    - لا يهم ..
    وأشارت إلى لحيتى قائلة :
    - وهذه !
    أكانت تعبث إذاً ! .. أم تراها تمنت رجلا وكفى ، فصارعتها نفسها إلى أن وصلت معها إلى حل وسط .. تقبل هى على رجل شريطة أن يرفضها هذا الرجل ، ولما كانت تعتقد انى عدو للنساء ، فلابد أن أرفضها .. وعندما قبلت ذُهلت غير أنها سرعان ما ألقت بالأمر كله على الأقدار ، وإذاً فلا مبرر للانزعاج .. وقلت :
    - ماذا فى لحيتى ؟
    تمتمت :
    - كنت أحسبك من آل ..
    - ممن ؟
    - من الإخوان .
    وأردفت بعد صمت لم يطل :
    - لكن حمداً لله أنك لست منهم .
    وكأنما بعثت فى قلبى الوراء ، فارتعدتُ وتغير وجهى وتصبب العرق من جبينى ومددت يدى إلى لحيتى أتحسسها . أما هى فلم تكن أقل حزنا منى وذلك ما أثارنى .. وجالت بعينيها العسليتين فى سقف الحجرة الباهت . كانت تميل إلى السمنة فى غير بدانة ، وذات عينين واسعتين فى وجه بيضاوى برونزى اللون يزينه أنف دقيق يعلو شفتين عجفاوتين .. قلت :
    ـ ماذا بك؟
    ردت شاردة : - كان زوجى منهم ..
    - ألكِ زوج ؟
    وابتسمت عن أسنان ناصعة إذ لم تكن تتوقع سؤالى هذا, وربما لم تكن تحسبنى بكل هذه السذاجة مما شجعها وأزال قلقها ، وربتت على كتفى النحيل وقالت : ـ نعم مجرد حطام .
    وتنهدت قائلة :
    - إنه الآن يدور فى البلدان .. يدعو ..
    - لكنه حطام ..
    - نعم ..
    واهتزت ، وكأنما أرادت أن تنفض عنها الذكرى ، وأردفت ضاحكة :
    - لِم لم تسألنى عن اسمى ؟
    - نعم ..
    - أنا متأكدة أنك لا تعرفه رغم عملك فى شئون العاملين ..
    _ هذا حق .
    _ أنا لطيفة .
    - هذا واضح ..
    - لطيفة إبراهيم .
    وتناولنا العشاء معاً ، وعرضت علىَّ أن أشاركها الفراش فى تلك الليلة ، فلم أمانع .
    رد مع اقتباس  
     

  5. #5 رد: النص الكامل لرواية «شغل الليل والنهار» لثروت مكايد 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (3)

    كانت زوجتى نحيفة ، مائلة للطول _ فى مثل طولى تقريبًا _ وذات وجه حالم يأسرك إلى عالمها بما فيه من غموض . وكأنها تكنز فى داخلها سراَ تنوء بحمله، فتراها فى كثير من الأحيان قلقة ، غير أنها توارى هذا كله بابتسامة دافئة تقابلك بها، وتدلف بك إلى عالم أسطورى .. وكأنك وأنت معها فى قلب حلم. لم أكن أخرج من البيت بعد عودتى من العمل : لا للصلاة أو لتلبية دعوة لطيفة إبراهيم .. كانت هى التى تحدد الوقت ولم أكن لأتأخر عن موعد قط ، كما كنت محافظاً على أداء الصلوات فى أوقاتها .. تلك عادتى مذ كنت فى الجامعة . لم أستطع أن أتخلف عن حضور صلاة الجماعة يوما _ اللهم إلا فى الظروف القاهرة _ رغم ما كنت أعانيه من شرود أثناء أدائها مما سبب لى الكثير من الضيق ثم تعودت على ذلك الشرود ولم أعد أفقه منها إلا قليلا .. أووه .. لم يعد هذا يؤلمنى .. المسألة أننى أجد لذة فى ذلك الشرود . لذة أتعذب بها وعذاباً يفرحنى ، لذا لم أتخلف عن الحضور للجماعة . كنت أذهب إلى المسجد وقت الصلاة دون تفكير ، وأتوضأ ثم أصلى ركعتين تحية للمسجد وأقعد منتظراً صلاة الجماعة .. ولو فاتتنى صلاة جماعة _ إن كان ثمة ظرف قاهر _ لا أقضيها وهذا شئ محير ، لكنى لم أقف لأفكر فى مثل هذا الأمر .. عموماً فالصلاة قربتنى من زوجتى أو قل قربت منى زوجتى إن أردنا الدقة .. وقالت : المرأة تطمئن فى ظلال الرجل الملتزم ..
    قلت : ربما ..
    ـ ماذا تعنى ؟!
    ـ لا شىء ..
    ولذت بالصمت وهززت رأسى . لا أعرف لماذا هززت رأسى ! ..ربما لأدفع عنها الخواطر .. أى خاطر مهما كان . لا أريد أن أفكر فى شىء .. أى شىء مهما كان .. وربما .. أووه .. لا .. لا .. لا يمكن .. أأهزها كما يهز كلب ذيله حين يلقى صاحبه .. وددت لو أنظر فى المرآة فى تلك اللحظة ، وهممت بالقيام بحثا عن المرآة لكن لم أفعل . تحسست وجهى بيدى ، وكانت هى تنظر إلىّ دَهِشة مما أثارنى ، فقلت لها : ماذا حدث ؟!
    ـ لا شىء ..
    قالتها وهى تبتسم . قمت من فوق السرير جامد الوجه بحركة سريعة ، وكأنما أردت الهرب من نظراتها المسلطة علىّ و تبعتنى .. تَمتمت :
    - ماذا بك ؟
    قلت : لا شيء بي ..
    قالت شاردة :
    - أنت شخصية تثير التساؤلات وتبعث على الحيرة !
    - ربما ..
    - أنا لا أعرف عنك أي شيء ، وما أخبرني به الأستاذ عباس المصري لم يرو غلتي .. من أنت ؟
    - عبده .. عبده إسماعيل ..
    وضحكت عن أسنان نضيدة بدت من فمها الدقيق ، وقالت تغالب ضحكاتها :
    _ أنت إنسان طيب للغاية .
    رد مع اقتباس  
     

  6. #6 رد: النص الكامل لرواية «شغل الليل والنهار» لثروت مكايد 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (4)

    توتر وارتخاء .. ذلك أدق تعريف للحياة وصلت له . غير أن التوتر فى حياتى ظاهرة ، أما الاستقرار فما إن يلوح فى الأفق حتى تنقض عليه سباع الطير تنهشه نهشا .. وزوجتى تصر على فتح خزانة الأمس ذلك الوراء البغيض .. وددت لو أننى بلا أمس ولو اجتثتنى الريح ، وابتلعنى الإعصار ، فأمسى جهنمى وما إن يمر بخاطرى حتى يحيلنى إعصاراً فى زجاجة والزجاجة فى كهف مظلم كئيب .. وقالت وكأنها مكلفة من قبل الشياطين ببعثرة ما أنشده من هدوء وسكن :
    - لا أعرف عن ماضيك أى شئ !
    فقير ابن فقيرة .. وهذا لا يعنى سوى الغرق فى الظلم حتى الثمالة . أمى ماتت تحت أقدام اللئام . وقيل إن أبى ضربه ثرى حتى ذهبت روحه ولم تعد إلى سجنها الكريه . أما أنا فأكره الدنيا وقد بصقت عليها يوم ماتت أمى . أقصد يوم علمت بموتها . وجئت إلى هنا فاراً من أمسى النكد ، غير أنك تصرين على بعث العفن وقلت لها :
    - لا أحب نبش القبور .
    - أتسمى ماضيك قبرا !
    - ليس فيه شئ يسر ..
    - ذلك يثير فضولى ..
    قلت ساخطاً :
    - لا أحب أن أذكره ..
    - ألهذه الدرجة !
    أشحت بوجهى عنها وتمتمت :
    - تباً للنساء !
    وأردفت بتحدٍ :
    - لن نتحدث فى ذلك ثانية و إلا ..
    اختلجت شفتاها وتمتمت :
    _ أنت إنسان غريب .
    قلت بامتعاض :
    - هذا حق .. ولا شىء يثيرنى غير بعث الماضى الذى مات ولا أريد له أن يعود .
    رد مع اقتباس  
     

  7. #7 رد: النص الكامل لرواية «شغل الليل والنهار» لثروت مكايد 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (5)

    " إنسان بلا وراء جثة هامدة " ... قالها عباس المصرى وهو ينهض بعد أن قصصت عليه ماجرى بينى وبينها بالأمس . كنت جافَا معه لدرجة أدهشته . وقلت أرد عليه قبل أن يصل إلى الباب :
    - لكن الوراء إذا كان سماً كله ، فيجب أن نجتثه ، كيلا يسرى فى أوصال الحاضر فيدمره تدميرا .
    رمقنى ساخراً وقال :
    _ ليس الفقر عيباً يشين الرجال ..
    وأردف بأسى :
    _ إذا كانوا رجالاً .
    قلت :
    _ لكن الفقر فى غيبة القانون ذل .
    وتفصد جبينى بالعرق . عاد إلى مقعده وقد شبك يديه من وراء ظهره .. وأردفت :
    - ذلك الوراء حولنى إلى شبح .. إلى كائن لا حياة له . كائن مسجون حتى بعد أن خرجت من السجن . وأوووه .. أنت لا تعرف .. فى وسع أى جندى حقير لم يقرأ فى حياته كلمة واحدة أن يجرك من قفاك ويسب أباك وأمك ، ويضربك بحذائه بل يجعلك تقبل حذاءه ..
    - أنت الآن حر ..
    صرخت فى وجهه :
    - لا .. لست حراً .. لا أحد هنا حر حتى الطغاة هذه أرض العبيد .. أرض الرعب . أنا أدرك هذا .
    وغبت لحظات عن الوعى لست أدرى ما كان يجول بخاطرى ، أما هو فأسند ذقنه العريض إلى قبضة يمناه ، وأردفت :
    - أنت لا تدرك لأنك لم تجرب .. لم تقع تحت وطأة الظلم .. الظلم ..
    وتوقف عقلى . وجعلت أردد كببغاء لفظ " الظلم " .. نعم .. جعلت أردد الكلمة حتى قام عباس وهزنى .. هزنى بعنف وهززت رأسى ، وتذكرت الكلب ، وتحسست وجهى بيدى ، وقلت :
    - أنا درست القانون وأستطيع أن أخبرك بحق أننا نحيا فى بلد لا يعد للقانون مكاناً يليق به .. هنا .. القانون سيف فى يد سادتنا . هم صانعوه .. وهم يرفعونه شعاراً لهم فى وجه الدنيا وفى نفس الوقت يغمدونه فى صدورنا نحن ..
    وتلون وجهى ، وجعل العرق يتصبب منى بغزارة ، وتمتم :
    - اهدأ ..
    لطمت الجدار بيمناى وزادت دقات قلبى , وقلت بصوت أقرب إلى العواء :
    - ذلك القانون لم يأخذ بثأر أمى .. أمى المصابة بداء القلب حين سقطت فوق الأرض لما ضربها جندى حقير جاء إلينا باسم " القانون " .. لا .. لا .. لا أريد أن أنبش قبراً كم حاولت ردمه ونسيانه .
    - لست وحدك ..
    - ذلك أدعى للعذاب .
    - ما وراءك بالضبط ؟
    أشحت بوجهى عنه بينما أردف مُصراً على بعث الوراء :
    - من أنت ؟
    - كافر ..
    وارتجف كمن لدغه عقرب ، وقام مشدوها وكأنما عقدت الدهشة لسانه .. تمتم بعد فترة صمت غلى فيها داخله كمرجل :
    - ماذا تقول ؟!
    - لقد كفرت بالإنسان ..
    وكأنما عادت إليه الحياة ، فابتسم ابتسامة باهتة واحتضننى قائلاً :
    - أنت ترعبنى حقاً ..
    - قلت لك لا تسألنى عن الأمس . أنا ابن اليوم بل ابن اللحظة .. ليس لى أحلام وما ينبغى لى هذا .. القدرة على الحلم تعنى الحياة ، و لست حياً . ذلك مناخ غير صالح للحياة .
    وأردفت بعد لحظة ثقلت على قلبينا :
    - زواجى كان محاولة فاشلة للهرب من الأمس .. أردت أن أغرق نفسى فى عالم المرأة المحدود ،لأنسى .. آه .. أنسى .. لكنى أخطأت الطريق ..
    - أخطأتَ الطريق !!
    - كنت أريد السكن ..
    ساخراً قال عباس المصرى :
    - ولم تجده ..
    - دعك من تلك النبرة الساخرة ..
    - وماذا أقول لك ؟
    - تنصحها بالصمت ..
    - إنها لا تعرفك ..
    - وتريد ذلك بعد أن تزوجتنى ..
    - من حقها ..
    - ومن حقى أن أسكت ، أن أبلع لسانى حتى الموت ..
    وأردفت حانقاً :
    - لم أكن أريد الزواج .. أنت السبب .. نعم .. أنت .. حتى بعد أن رأيتها كنت أتمنى أن ترفضني.
    - لِمه !
    - لن تفهمنى ..
    - أنت تُعَقد الأمور وتـ ...
    قاطعته بعصبية :
    - هبنى أنجبت ..هه ..
    وضرب عباس كفا بكف وقبل أن يتفوه بحرف أردفت :
    - ما ذنب طفل يأتى حياة لا أمان فيها .. نعم .. أنا أمشى فى الطرقات خائفاً ، وعندما ألمح شرطياً أزوغ منه كفأر حقير .. ولِم لا وفى استطاعته أن يجرنى ويسحلنى .. بل فى استطاعة أى حقير أن يبلغ عنى ، لأنى لم أبتسم فى وجهه وأهلل له ، وساعتها سألقى من الهوان ما تهون معه الحياة ..
    وطفح الوراء فتدفَّقَتْ الدماء إلى رأسى وارتعشت وتابعت أقول دون أن أرى عباس المصرى :
    - وربما أخذوها .. زوجتى .. كما ضرب حقير أمى ولم يرحم أناتها
    - . هنا لا ضمان لشئ .. هِه .. كيف بعد هذا أدفع بكائن إلى هذا العالم القذر !
    - الغد فى يد الله ..
    ها هى ذى الصورة عادت لكن .. متى يخرس ذلك الصوت .. وقلت :
    - هذا العالم من صنعنا نحن ..
    - لن يدوم حال مهما طال .
    - لكننا سنطحن إلى أن يتغير شئ ..
    - بتفكيرك هذا لن يتغير شئ ، لأن التغيير رهن بنيتنا نحن بالتغيير وعلى قدر ما نسعى لامتلاك الحياة توهب لنا الحياة .. لم أكن لأتصور أبداً بـ ..
    قاطعته وأنا أشيح بوجهى عنه :
    - لم أخبر أحداً بأننى المهدى المنتظر .
    - ما آسف له أنه زواجك منها .
    - وأنا أكثر منك أسفاً .
    وخرج ساخطا يضرب كفاً بكف ، وتساءَلت شارداً :
    - ترى ماذا كان يظننى ؟ .
    رد مع اقتباس  
     

  8. #8 رد: النص الكامل لرواية «شغل الليل والنهار» لثروت مكايد 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (6)

    دنيا بلا طعم ولا رائحة . وأمك تناديك فى حلمك الرهيب . ولا أمل فى خلاص وهى تريد نبش الماضى وقفٍش الأمس الكئيب وعباس كان يحسبك إماماً , وربما ظنك من الإخوان . أما الشيخ عبد السلام النمل فما تسمعه عنه مجرد أساطير . وحين صرخت تستدعى قانونك الذى درست ، بصق فى وجهك جندى وقال : انا القانون وقلتُ : صدقتَ . وبصقت فى وجه الدنيا .
    دنيا بلا طعم ولا رائحة .. ولا أمل فى خلاص ، فلم لا تموت ؟ .. لِم لا تدفن الحاضر والغد أيضاً ؟ .. والإنسان فى غيبة الحق أكثر ضراوة من ذئاب الجبال ، ولا حق ثمة .. وعباس يحلم . وكنت تريد أن تدفن الأمس وتعيش اللحظة وكفى .. ذلك محال , فالحاضر البائس ينعش الأمس الحزين . فى كل شبر مظلوم وظالم ، وفى كل زاوية سجن .. ولا أمل فى خلاص . ها هى ذى يتفجر الدم من وجنتيها ، فماذا حدث ! .. وقلتُ لها :
    - عندى لكِ خبر لا أدرى كيف أنقله لكِ ..
    أحاطتنى بذراعيها ، وطبعت فوق رأسى قبلة ، وقالت هامسة :
    - وأنا ..
    - ماذا ؟
    - عندى لكَ خبر سار .
    - لا شئ عاد يسر .
    ردت :
    - لن أتحدث عن الماضى ثانية كما أمرتنى ..
    قلت ساخراً :
    - لِمه !
    - من الواجب علىَّ أن أطيعك ..
    وأردفتْ :
    - وأعتذر لك عما سلف منى .
    وهمت بتقبيل رأسى مرة أخرى ، فابتعدت عنها ، وتابعت تقول :
    - عموماً .. ما عندى من أخبار سيجعلك تقبل رأسى ..
    ولما لم أنبس . أردفت فرحة :
    - أنا حامل .
    وتجمد الدم فى عروقى وتمتمت :
    - كيف !!
    قلتها ذاهلاً وقد طار لبى ، وارتعدت فرائصى ، وتلاشى ما فى عقلى من قدرة على التماسك . حامل .. ذلك محال .. وقلت :
    - كيف حدث هذا ؟!
    ردت ذاهلة :
    - ألا تعرف كيف حدث هذا ؟!
    - لا أريد أطفالاً ..
    - الله يفعل ما يريد .
    - لم أكن أتصور أنك بكل هذه القسوة ..
    - ذلك عالم قذر .
    - لا شئ يستمر إلى الأبد ..
    - إلا هنا ..
    - يا لله ! .. أبلغ بك اليأس ذلـ ..
    ودق الباب دقات متلاحقة عنيفة . وتطلعت إلى الوراء وكأنما أنظر من طاقة فانخلع قلبى .. نفس الدقات ، ونفس الجو الكئيب ، وهى حامل . وأمى كانت عجوزا . تكورتُ فى جانب السرير ، ونظرتْ متسائلة ، فقلتُ :
    - ألم أقل لك ذلك عالم قذر ؟!
    رد مع اقتباس  
     

  9. #9 رد: النص الكامل لرواية «شغل الليل والنهار» لثروت مكايد 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (7)

    لم تكن هذه أول مرة يتم فيها القبض علىّ . كانت المرة الأولى أثناء دراستى فى كلية الحقوق . هاجموا الحجرة التى أقطنها مع أمى بأسلحتهم وعصيهم .. عدد لا يحصى من الضباط والجنود يخيل إليك وأنت تراهم أنهم ذاهبون إلى معركة كبرى ، أو أن عدواً قد استولى على أرضنا فهزتهم المصيبة حتى قاموا على قلب رجل واحد .. فى أعينهم إصرار ، وفى قلوبهم عزم على تخليص الأرض من ذلك المعتدى الغشوم , لكن الخيال يتطاير حين يحاصرون البيت بالرشاشات , ويزرعون السلم بالمدافع والقنابل , وتلتهب الحناجر بالسباب .. كل ذلك كان من أجلى أنا طالب الحقوق المعدم الذى أنهكه الفقر والمرض .
    جو من الأساطير لا دنيا من البشر .. ولم يسفر التحقيق عن شئ . اتهامات لا أساس لها وقرائن واهية , ولا شئ غير قانون طاش لبه فراح يضرب ويعارك فى غير ما معترك . ظللت فى السجن خمس سنوات خرجت بعدها شبحاً .. لا شئ فى صورة شئ . مر ذلك بخاطرى وهم يقودوننى إلى المعتقل ، وعاودتنى صورة أمى أثناء الطريق أكثر من مرة , فما زاد من وطأة الزمن علىَّ , وشعور بالإحباط واليأس .. كانت محتقنة الوجه , دامعة العينين , وحين سألتْ احد الجند : لِمَ تقبضون عليه ! رفَسها فى صدرها بحذائه الثقيل ، فألصقها بالحصيرة الممزقة التى فرشت بها أرض الحجرة ، وتناثر الدم من فيها , فغامت الدنيا فى عينى , وسقطت كراهية القانون فى قلبى .. ولم أر أمى من بعدها . يالها من ذكرى ! .. ها قد خرج ما اجتهدت فى سجنه مع دقة الباب فى الفجر , ومع سير العربة إلى أن وصلنا إلى المعتقل . رمونى فى زنزانة ذات رائحة عطنة . لم أكن وحدى فقد كان بها شاب فى نحو الثلاثين من عمره ، اصفر الوجه .. نعم .. كان وجهه شديد الشحوب لدرجة واضحة بل لدرجة أذهلتنى لحظة عما أنا فيه ، وما أساق إليه . وكانت له لحية سوداء طويلة .. بدا كل هذا فى الضوء الشاحب الذى تسلل إلى الزنزانة وهم يرمون بجثتى داخلها .. اقترب منى ، وهمس :
    - أهلاً بك على الطريق ..
    وتراءت لى وهى تقول : "أنا حامل" ، فتأوهت . حامل ! .. كيف لى أن أنجب مظلوماً آخر فى عالم امتلأ عن أخره بهم .. عالم قذر . وكنتُ أمنى النفس بالخلاص , فأبت الأقدار ، وجاء من يحمل ذراتك ، وجئتَ أنت إلى هنا , ويقول لك أهلاً .. لا أهلاً ولا سهلاً بل العذاب كل العذاب . وجعلت كلمة "الطريق" تتردد فى أذنى مما أثارنى حتى كدت أن أضرب رأسى فى جدار الزنزانة التى تسلل إليها ضوء النهار الوليد عبر طاقة صغيرة فى أعلى الجدار المواجه لباب الزنزانة , لكنه أمسك بى واحتضننى قائلاً :
    - تصبر ..
    - لا شأن لك .
    قلتها حانقاً . وتراءت لى بقع الدماء المتناثرة على الحصيرة المهترئة , فهاج قلبى وتساقطت من عينى دموع غزيرة .. وقال الشاب :
    - عليك أن تتماسك ..
    ولما لم أرد ، أردف :
    - أعلم أن المسألة صعبة .. أنت لم تجرب هذا من قبل .. يبدو هذا من .. لا باس .. الإنسان ابن العادة .. فى وسع المرء أن يتحمل الجحيم فى الدنيا إن وضع فى ذهنه أنها فترة وستمر .. لكل شئ فى الدنيا نهاية .. أنا عندما يشتدون علىَّ أتذكر جحيم الآخرة فيهون على كل عذاب .
    ونظر إلى الطاقة فى أعلى الجدار وأردف :
    - ها هم فى الخارج .. خارج هذا المعتقل قد اعتادوا الظلم والذل و .. الصمت . نعم .. لكل طريق تبعاته .. مهما كان هذا الطريق .. ولو كان تافهاً .. ولو بدا لا شئ . لقد آثروا الصمت خارج القضبان ، فباتوا فى الذل والظلم ..
    تركت أذنى له . ودوت فى أرجاء نفسى : "الظلم والذل .. والصمت" ، فاهتززت . لم يكن ينظر إلىَّ .. وتابع يقول :
    - لا راحة ثمة فى الدنيا حتى لملوكها .. حتى لمن يعذبك ..
    واقترب منى . أمسك بكتفى الأيمن وهزه هزة خفيفة وقال :
    - إن ثباتك اشد وقعاً على قلوبهم من سياطهم على جسدك . السجن اكتظ بنا .. بخيرة شباب هذا البلد .. يوجد هنا معنا ثلاثة من الشباب . هم الآن فى غرفة الإنعاش . إنعاش الذاكرة كما يقولون . سوف تراهم وتسمع لهم . إنهم من خيرة شباب هذا البلد البائس كما قلت لك .. منهم الأديب والعالم والمفكر .. سوف تراهم . إنهم يعرفون غاية طريقنا ، لذا فلا صعب .. ما بالك بطريق غايته الجنة وصحبة المصطفى ..
    واقترب منى .. إنه لمنبسط الأسارير وعلى وجهه الشديد الشحوب تسبح سكينة ، وفى عينيه البراقتين أمل رغم الجحيم .. نعم .. أمل ! . ويحدثنى عن غرفة الإنعاش ، ولا يدرى أنى زرتها مرات ومرات ، ونهشتْ فيها الكلاب لحمى ، وصعقتنى الكهرباء . وبقع الدم المتناثرة فوق الحصيرة المهترئة تتراءى لى وهم فى سعارهم يلهثون . وقالت لطيفة : إذا لم تكن منهم ، فلِم لَمْ تحلق لحيتك ! . لكننى حين أمسكت بالموسى وأسندت المرآة إلى الجدار ، تراءت لى بقع الدماء ، فكسرت المرآة وأدميت يدى .. وقال الشاب الشاحب الوجه :
    - ما يفعله هؤلاء متوفع .. بناء الحضارة لا يقوم إلا على أكتاف رجالٍ صهرتهم الشدائد . من يثبت وقت الشدة إنسان ذو عقيدة .. ذلك ما نريده . إنسان قوى .. أقوى من السلطان حين يُمكن له فى الأرض .. ألست معى فى هذا ؟
    وقبل أن أرد أردف هو :
    - أنا إسمى رأفت .. رأفت منصور ، فما اسمك أنت ؟
    - عبده ..
    - تصبر يهون لك الصبر تلك نصيـ ..
    وقطع حديثه فتح باب الزنزانة عن صوت دونه نهيق الحمير ، ينادى :
    - عبده إسماعيل ..
    ولما لم أرد ضربنى بقدمه فى صدرى ، وعوى :
    - أنت أيها المعتوه ..
    وتراءت لى أمى والجندى يرفسها ، وقمت نحوه فجرنى بعنف إلى الخارج ، واقفل باب الزنزانة . ساقنى جندى آخر غليظ الملامح وكأنه من خزنة جهنم ، إلى حجرة فى نهابة الردهة .. كانت متسعة ، يتوسطها مكتب بيضاوى يجلس خلفه رجل فى نحو الأربعين من عمره ، يرتدى بذلةً سوداء ، ورباط عنق أحمر .. وله وجه ضخم ، وصوت غليظ ، وشارب كث يرقد أسفل أنف اتسعت فتحتاه ، كما يربض كلب أمام قبر . كانت عيناه كسهمين يصوبهما لمن يقف أمامه ، فيزيده ارتباكاً ، ويحيل ثباته اضطرابا . وعن يساره يقعد كاتب فى قميص رصاصى وبين يديه أوراق كثيرة .. وتنهد الرجل قائلاً ببرود :
    - أنت مرة أخرى ..
    - ربما ..
    وكأنما ألجمه ردى لحظة .نظر إلىَّ نظرة رادعة وقال دهشا :
    - ماذا تعنى بـ ( ربما ) هذه !
    - لا شئ ..
    - بم اتهمت فى القضية الأولى ؟
    - لا أدرى ..
    - قضيت خمس سنوات فى المعتقل ..
    - ربما
    وعاد ينظر إلىَّ نظرته الرادعة الحبلى بالارتياب .. وقال :
    - ماذا تعنى ؟
    قلت :
    - لا يهم الوقت ..
    - ماذا تعنى ؟
    - لا قيمة للوقت مادمت بلا قيمة .
    ونفخ . نظر إلى الكاتب قائلاً :
    - لا تكتب شيئاً حتى آمرك .
    وعاد يسلط عينيه على وجهى .. وقال :
    - لقد اشتركت فى مظاهرات تنادى بعودة الأحزاب فى البلد ..
    - لم أشترك فى مظاهرات .
    - لكن التحقيق اثبت أنك كنت رأس الحية ..
    قلت :
    - ربما ..
    - ماذا تقصد ؟
    - لم أعد أذكر شيئاً ..
    وسكت لحظة . كان يتفرس فى وجهى بعينيه السوداوين ، ودق على المكتب بإصبعه .. وقال :
    - لِم تزوجت من أرملة الشيخ عبد السلام النمل ؟
    - ذلك قضاء الله .
    قال ولم تزل عيناه مسلطتين على وجهى الهلع :
    - نعم .. ذلك قضاء الله .. أن تتزوج أرملة الشيخ ، وبذا تحتل مكانه فى بيته ومن ثم مكانته فى المدينة , وفى قلوب الناس .. ذلك تفكير جهنمى .
    إن إخطبوطاً يلف أذرعه حول عنقى وإلا فما معنى ما يقوله هذا الرجل ! ، وقلت أدفع عن نفسى ذلك الاتهام الخطير :
    - انا لا أعرف الشيخ عبد السلام ..
    رد ساخراً :
    - لو سألت حجراً من أحجار مدينتنا عن الشيخ عبد السلام النمل ، لأطلعك على سيرة حياته من الألف إلى الياء ..
    - صدقنى ..
    - صدقنى أنت .. أى محاولة للإنكار لن تنفعك . أنت داهية .. ما كان إبليس نفسه ليطمع فى تحقيق ما حققته أنت فى ضربة واحدة .. تتزوج وتصبح زعيماً دون أن تدفع من جيبك مليماً واحداً .. أنت داهية .. صدقنى .. لم أر مثلك من قبل .
    - لم يخطر لى هذا الذى تقوله على عقلى قط ..
    - لقد أنكرت فى المرة الأولى علاقتك بجمعية إسلامية تدعى أنها تحيى التراث .. أليس كذلك ؟
    أووه .. أى شيطان لعين يعبث بهذه المدينة ! . وكنت تريد طمس الوراء بما فيه .. ها هو ذا يعود سافراً رغماً عنك .. وبالكرباج .
    وأردف المحقق :تكلم ..
    - أنا .. أنا ..
    - ماذا ؟
    - أنكرت طريقة عمل الجمعية ثم تركتها ..
    - لِمه ؟
    قلت :لم يكن أحد منهم يعمل للإسلام أو للتراث ..
    - وما الفرق بين الإسلام والتراث فى نظرك ؟
    - تركت كل هذا من زمن ..
    - لكن أقوالك التى سجلتها محاضر جلسات الجمعية تصرح بذلك الفرق ، وتدل على أنك كنت تريد أن توجه الجمعية وجهة لم يرض عنها أحد ، لذا رحبوا بتركك الجمعية .. بل دفعوك لأن تتركها ، فما قولك ؟
    - واشتراكك فى المظاهرات .. لقد أنكرت ثم اعترفت عندما وجدت أن القرائن كلها ضدك .. لا تراوغ ..
    - لم أشارك فى أية مظاهرات ..
    وأردفت شارداً :
    - ما حدث .. نعم .. لقد تظاهر الطلبة وكنت موجوداً .. لم يتم القبض علىَّ ساعتها بل بعد أسبوع من حدوث المظاهرة ..
    وسكتُ ، فحثنى على الاستمرار بيده .. وتابعت أقول :
    - لم أكن أعرف لِم يتظاهر الطلبة ، فقد كانت أمى مريضة ، ولم أجد ثمن الدواء .. كان كل تفكيرى قائماً على كيفية الحصول على نقود حتى أننى فكرت ساعتها فى السرقة .. نعم .. السرقة . وظللت أسبوعاً كاملاً منهك الجسد ، خائر النفس إلى أن قبض علىّ ..
    قال المحقق ساخراً :
    - قصة مؤثرة بالفعل .. ما أكثر القصص المؤثرة لديكم ! .. ألم توقع على عريضة الاتهام ؟
    قلت :
    - لم يكن بد من التوقيع على العريضة
    - آه .. أنت تتهم الـ ...
    قاطعته قائلاًَ :
    - أنا لا أتهم أحداً .
    - أنت لا تذكر شيئاً ، ولا تتهم أحداً ..
    - هذا حق .
    كان ينقر على المكتب بإصبعه ، وكان ذلك يثيرنى مع وقع نظراته المسلطة على وجهى ، وقال :
    - كان من الممكن أن نتركك وشأنك .. ومن الممكن ذلك بطبيعة الحال شريطة أن تخبرنا بكل شئ ..
    - لا شئ فى حياتى غامض .
    - ما علاقتك بعباس المصرى ؟
    وارتعش جسدى فجأة لدى سماعى السؤال . إننى لم أذكر أن عباس المصرى كان سبباً جوهرياً فى زواجى من أرملة النمل ، خوفاً عليه . تُرى أى نشاط يقوم به ؟ .. وقلت فى نفسى ساخراً من بلاهتى : "لكن أى نشاط تقوم به أنت !" . وقلت أرد عليه وقد بدا نفاذ صبره :
    - زميل ..
    - توطدت علاقتك به منذ قدومك إلى المدينة ..
    - كان أول من استقبلنى .
    - لِمه ؟
    - لا أفهم سؤالك ..
    - لماذا هو بالذات أول من استقبلك ؟
    - ذلك شئ طبيعى إذ لا بد من وجـ ...
    قاطعنى نافخاً :
    - أتنكر أنه خطط معك للإيقاع بأرملة شيخك حتى تتزوج منها ومن ثم تسير الخطة كما رسمها معك ؟
    - صدقنى أنا لا أعرف شيئاً عن الشيخ عبد السلام ..
    - كذب ..
    - صدقنى ..
    - صدقنى أنت .. لن تستطيع الروغان هذه المرة . أنت متهم بإشاعة الفتنة بين الناس ، تمهيداً لقلب نظام الحكم .
    وقعت كلماته على صدرى وقع الرصاص . فتنة .. نظام الحكم .. أنا أشيع الفتنة وأقلب نظام الحكم !! . خُيل إلىّ للحظة أنه يريد إثارتى وكفى .. لكن وجهه كان صارماً ، وكان الكاتب يكتب حين يشير إليه ، وكان يكتب ساعتئذ .. أيمكن أن يكون النظام بهذه الهشاشة حتى يتهمنى بمحاولة قلب النظام ! . ما دخلى أنا بنظام الحكم أو بأى نظام على وجه الأرض ! . كنت طالباً مجتهداً ، لأنى كرهت الفقر ، ووجدت فى نجاحى سلماً للإفلات من شبحه المخيف . وكان همى - كل همى – أن يتوفر الدواء لأمى ، لتستمر فى عملها البسيط كبائعة خضر ، لأتم تعليمى .. حتى الجمعية التى اشتركت فيها كنت مرغماً على القبول . نعم .. كان بوسعى أن أرفض من البداية ، لكننى لا أحب الجدال وكثرة النقاش ثم وجدت اجتماعاتهم مجرد ثرثرة ، وقد صرحت بذلك أمامهم ، لذا رحبوا بخروجى . أما أن أخطط لقلب نظام الحكم فتلك نكتة . نعم .. إنه يريد إثارتى أو .. لا أدرى ، فلا أستطيع أن أستشف شيئاً من هذا الوجه الجامد الثقيل . وتابع يقول :
    - ما رأيك فيما هو منسوب إليك ؟
    لم أنبس . كنت أنظر إليه نظرة حائرة , كما كنت أنظر إلى الكاتب الذى لم يرفع عينيه عن الأوراق التى أمامه . وضغط على جرس فجاءه جندى على الفور ، وقال له :
    - أنعش ذاكرته .
    وجرنى الجندى . أيتها اللعنة هذا أوان تنزلك ، فأين أنت ! كيف تأتى للإنسان أن يصير بهذه الوحشية ! . ووجدتنى فى حجرة واسعة .. كل شئ هنا مقلوب . شباب معلق من قدميه فى السقف ، ورؤوسهم إلى أسفل . عرايا .. وتأوهات تشق الأفق ودماء تتطاير هنا وهناك . فى كل زاوية من زوايا الحجرة المتسعة كلب وشرطى .. كلب يعوى والآخر يصيح ويضحك . لعل الكلب يحتج على تلك الصورة المزرية التى يراها للإنسان بينما يتضاحك الجند وكأنهم يشاهدون أو يشاركون فى حفل للألعاب النارية وربما حسبوه "السيرك" نصبوه ، وراحوا فى عبثهم يضحكون ويصرخون . كانت الأرض ملطخة بالدماء .. بالدماء الساخنة والأظافر والشعر . والسياط تتساقط متتابعة على الأجساد العارية المنتفخة ، والأيدى المتدلية المنهارة كأيدى الموتى , وأصوات منهكة تئن من وقع السياط , وصعق الكهرباء التى يتسلى بها الجند ، وأعينهم تفيض سروراً . دفعنى الجندى إلى الداخل .. إلى داخل الأتون المشتعل . تمتمت أستعطفه :
    - سوف أعترف بكل شئ .. بكل ما تريدونه منى .
    قهقه الجندى ، ولطمنى بكف ثقيل ، كادت أسنانى أن تقع فى حلقى من قوتها ، وقال بصوت خلع قلبى :
    - ليس قبل أن تتعشى يابن الزانية ..
    وأسر إلى الجند الممسكة بالسياط بشئ وتركنى لهم . ووجدتنى فى لا وقت معلقاً فى السقف عرياناً .. يا رب السماء لِم سمحت لهم أن يفعلوا بخلقك هذا ، وأنت يا جبار تراهم ! . وتقول حامل .. آ .. ه . وتلاطمت الآهات والأنين ، وصرخات الجند الملتهبة فرحاً مع لسعات السياط ، والدماء الساقطة فوق الأرض ، ونباح الكلاب , لتسطر مأساة لم يكن إبليس ليحلم أن يراها يوماً فى عالم الإنسان الذى رفض السجود له ممثلاً فى شخص أبيهم الكبير آدم .
    رد مع اقتباس  
     

  10. #10 رد: النص الكامل لرواية «شغل الليل والنهار» لثروت مكايد 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    ( 8 )
    لا أدرى كم من الزمن مر علىَّ وأنا معلق فى سقف الحجرة الجهنمية .. ولا أدرى أية خواطر خطرت لى ساعتها ، أكنت أصرخ ؟ .. تلك منطقة مظلمة فى عمرى . كل ما أذكره أننى وجدتنى ثانية أمام المحقق نفسه . كان يفرك يديه ، وتلمع عيناه بمعنى غريب لم استطع أن أتبينه . كما أنى لاحظت تطاير أظافرى ، وتساقط جلدى .. ياللهول ! . "إن شيئاً فظيعاً حدث لى" .. هذا ما أكدته لنفسى وأنا أتمايل يمنة ويسرة فقد كانت قدماى منتفختين حتى أننى كدت أسقط لولا وجود جندى ورائى يحمل سوطاً يضربنى به كلما مِلت ، فأعتدل رغماً عنى .. وقال المحقق :
    - أنت متهم بالانضمام إلى جماعة محظورة ، والقيام بأعمال من شأنها أن تثير الفوضى فى البلاد ، وتهدد الأمن العام ، وذلك تمهيداً لقلب نظام الحكم ، ومتهـ ..
    قاطعته دون وعى :
    - أنا !
    - لا تقاطعنى يابن اللئيمة ، ولا تتكلم إلا إذا أذنت لك .
    وأردف بعد صمت لم يطل :
    - يبدو أن ذاكرتك لم تنعش بعد ..
    - بل أنعشت بما فيه الكفاية .
    قلتها وأنا أمد يدى أمامى وكأنما أدفع عنى خطراً أعرفه .. ورد
    ساخطاً :
    - لا ألعب معك .
    - سوف أعترف بما تريده يا سيدى ..
    - ليس قبل أن تقلـ ....
    قاطعته متوسلاً :
    - سيدى .. سيدى .. سيد .. دى ..
    لم أدر ما يقول . غير أن ذهنى شرد لحظة وأنا أردد لفظ " سيدى "
    حين وقعت عيناى على عينيه ، ولمحت ذلك الطرب الذى أحدثته هذه الكلمة فيه ، وبان لى الحق جليا : نحن بالفعل سادة وعبيد .نعم .. عبيد لا نملك أى شىء .. لا نملك إنسانيتنا . حاولت أن أطرد هذه الفكرة من رأسى ، وكان من السهل علىَّ ذلك خاصة والمحقق قد أكمل ما قطعته أنا من حديثه ، فهزنى بعنف حيث قال :
    - ليس قبل أن تقلد نباح الكلاب .
    - سيدى ..
    - دعنا نتسلى قليلا ، فقد أجهدتنى .. هيا اركع وانبح كما تنبح الكلاب .
    وأشار إلى الجندى الذى يقف خلفى ، فضربنى بقبضته على ظهرى ، ووجدتنى على الأرض ، ووضع حذاءه فوق رقبتى قائلاً :
    - نفذ الأوامر ..
    وقلدت الكلب وهم يضحكون ، وصرخ الجندى :
    - ارفع صوتك ، ليسمعك الباشا جيداً ..
    وانخرطت فى بكاء لم أستطع أن أمنع نفسى منه . لم أكن أريد أن أبكى . ولعنت الدنيا وتذكرت قولها لى بأنها حامل ، فلعنتها هى الأخرى . وحين نهضت تراءى لى رأفت منصور ، وبريق الطرب فى عين الباشا المحقق ، فبصقت على رأفت ، وتناثر اللعاب على وجه الباشا مما زاد من هياجه ، ولكمنى الجندى بعنف فتناثر الدم من فمى وأنا أسقط ، وقمت مسرعاً نحو الباشا ، لأمسح الرذاذ الذى أصاب وجهه ، لكنى لم أصل إليه لأن الجندى عاجلنى بلكمة أخرى ، وتراجع الباشا إلى الوراء .. وقال ساخطاً :
    - خذوه إلى جهنم ..
    - لقد قلدت نباح الكلاب ياسيدى .
    - لم تصن النعمة !
    - لم أكن أقصدك أنت يا سيدى..
    وجرنى الجندى إلى قاعة حمراء . أرضها عبارة عن قرص يدور بسرعة رهيبة ، ومن فوقه جثث ملقاة تئن .. كانت منتفخة . رمانى الجندى فوق القرص ، وضغط على زر فى الحائط ، فارتفع القرص حتى السقف ، وهبط بسرعة وعاد إلى الارتفاع فالهبوط ، والجثث تصطدم بالسقف ، فتشق تأوهاتها الواهنة المختلطة بالدم والهم أعتاب الأكاذيب المدعاة ، لتدين الدنيا بأسرها .. هنا لا زمن ولا حياة .لا أدرى كم من الوقت مر ونحن نصطدم بالسقف ونتهاوى إلى القاع ، فقدت الوعى .. الوعى بكل شىء ، غير أن أمى كانت تبدو لى بين الحين والآخر . كانت محتقنة الوجه ، والدم يسيل غزيراً من فمها . وبدا لى بطن زوجتى وقد انتفخ ، وتدلت منه رأس طفل .. وكان الدم يسيل غزيراً من فمه هو الآخر . وانتفضت فجأة فوجدتنى فى حوض ماء شديد البرودة ، وعلى حافته يقف عدد من الجنود بأيديهم سياط وعصى ، وكلما اقتربت من حافة الحوض ، ضربنى جندى بسوط أو عصا . لم أكن وحدى فى الحوض .. وبعد حين لا أستطيع تحديده جرنى جندى إلى حيث يجلس الباشا خلف المكتب البيضاوى ، وسألنى :
    أنت الآن مستعد للتحقيق أم ....
    - تمتمت لا هثاً :
    - مستعد يا سيدى..
    - أنت لست مثلهم ولكن القرائن كلها ضدك .. نعم .. إنهم يفاخرون بانتمائهم لله وإلى تلك الجماعة التى....
    - لكنك لست منهم .
    - نعم .. نعم ياسيدى لستُ منهم .. لست منهم .. لم أكن يوماً منهم ..
    - لكن .. ما الحيلة ؟ .. أنت رجل طيب ووديع .. نعم ..
    - نعم .. نعم ..
    وأشار إلى الكاتب .. وقال :
    - وبمواجهة المتهم اعترف بما هو منسوب إليه من جرائم ، وبما اقترفه فى حق الوطن و .. كنت أنتبه على بعض الكلمات التى ينطقها المحقق ثم أغيب عنه . وعادت كلمة " الطريق " تدب فى أحشائى، ورأفت منصور يهز كتفى ووجهه الباهت يقطر ضعفاً ويقول : " لأنت بثباتك أشد عليهم من سياطهم على جسدك " .. وبصقت ثانية ، فهاج المحقق ، وأخذنى الهلع ، وقال :
    - يابن الزانية .. أنت متهم بمحاولة قلب نظام الحكم ..
    - نعم .. نعم .. نعم ..
    والتفت إلى كاتبه قائلاً :
    - إلى أين وصلنا ؟
    - بقى أن يوقع المتهم ..
    ووقعت أسفل الورقة ثم وجدتنى فى الزنزانة من جديد
    رد مع اقتباس  
     

  11. #11 رد: النص الكامل لرواية «شغل الليل والنهار» لثروت مكايد 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    ( 9 )

    لم أذهل مما كان يحدث كما فى المرة الأولى التى اعتقلت فيها وقت أن كنت أطلب القانون فى كلية الحقوق . نعم .. لم أذهل نعم التقدم الملحوظ فى وسائل التعذيب والتنكيل بالمعتقلين ، فالفكر الذى يحرك الإنسان عندنا لم يتغير بعد ، ولا أظنه سيتغير .. ربما استمر الحال هكذا آلاف السنين . كل شىء هنا يدعو لليأس . فى المرة الأولى خرجت بيقين ثابت بأن القانون وُضع للصغار .. للحشرات القذرة من أمثالى . ما أشبهه بإله العجوة ذلك الذى كان يصنعه كفار قريش ثم يأكلونه وقت الحاجة ، ورغم ذلك يلزمون عبيدهم بعبادته والسجود له . نعم . خرجت بهذا اليقين من معتقلى الأول . ولم أعمل فى المحاماة أو أى عمل يمت بنسب إلى القانون . وعندما أُعلن عن وظيفة تطلب حملة الثانوية العامة أو ما يعادلها تقدمت بطلب ونجحت ، وسرت فى الحياة سيرة حمار يُضرب ويلعن ويُسب وهو يمخر فى الهواء دون أن يبالى بشيء ... ماضٍ وددت لو أنساه كله .. لكن هيهات ! ، فالقرائن كلها ضدك . عباس المصرى والشيخ .. الشيخ عبد السلام النمل ! . ترى من يكون هذا الشيخ ؟.. تراها كتبه القابعة هناك تحت السرير ؟ . وكنت أحسبها ذات ثقافة .. المودودى ، وحوى ، وقطب ، ودراز ، وعودة ، والقاعود ، وهلم جرا من أسماء تدين حملة أفكارهم . جريمة رأى ! .. آ .. ه . ثم محاولة قلب النظام ! عبث فى عبث ولا أمل .. بل لا جدوى فى التعلق بأمل ما حتى ولو كان الأمل فى الموت نفسه . ياله من مأزق لن تخرج منه إلا بمعجزة .. وابتسمت . ربما كانت هذه أول مرة أبتسم فيها منذ .. منذ متى ؟ .. لست أدرى . ولأول مرة _ كذلك _ ألاحظ وجود ثلاثة أشباح حولى .. فى الزنزانة .. يالله ! . كأنهم تماثيل ! .. لكن .. أين ذهب ؟ .. قلت :
    - أين رأفت .. رأفت منصور ؟
    هز أحدهم رأسه ، وتمتم :
    - ذبحوه ..
    - مات ؟
    - بل استشهد ..
    - الكلاب .
    نطقتها بلا وعى ، وعندما شعرت بها ، تعلقت عيناى بباب الزنزانة وقلت لنفسى أزجرها : " لا شأن لك بشىء .. نعم لا شأن لك بشىء " . وارتعش جسدى ، و عادودتنى صورة المعذبين فى غرفة الإنعاش وفى القاعة الجهنمية الحمراء .. وقلت :
    - كيف علمت بهذا الخبر ؟
    - كنت معه .. رأيته وهو يلفظ أنفاسه تحت وقع السياط ؟ كان معلقاً من قدميه فى السقف ، وأصابه نزيف .. ظل ينزف من فمه حتى مات . نعم .. رأيته وكان ينظر لى نظرة ذات مغزى وكأنما يقول لى : سجل كل هذا الذى تراه علَّ جيلا يفيق .. وكان رغم الآلام متفائلاً حتى آخر لحظة . نعم .. حتى وهو يئن تحت وقع السياط .. نظراته نؤكد هذا .
    وقلت:
    - نعم إنه متفائل بالفعل .
    - أو تعرفه ؟
    - استقبلنى هنا وحدثنى عنكم .. لم يقل شيئا غير أنه ذكر لى أن منكم الأديب والعالم والمفكر الحر هو قال هذا ، وكان يبتسم مع شحوب وجهه وضعفه ..
    وغرقت فى الصمت . صمت كئيب ثقيل . وانخرطت فى بكاء حار .. لمْ أدر بالضبط لِم أبكى . وتراءت لى أمى وهى تحت الأقدام ، ورأيتنى وأنا راكع أمامهم أنبح كما ينبح الكلب . اقترب منى أحدهم وربت على كتفى .. وتمتم هامساً :
    - صبراً آل ياسر ، فإن موعدكم الجنة .
    - الجنة !
    قلتها دهشاً . لم يلحظ أحدهم دهشتى تلك ، ولعلهم لم يتصوروها ولم يخطر ببالهم أنى فى الدهشة غارق .. وقال محدثى أيضا :
    - أنا محمود .. محمود سعيد . طالب فى الدراسات العليا .. كلية الزراعة ..
    وأردف بعد لحظة صمت لم تطل :
    - ماجاء بك إلى هنا ؟ .. وشاية ؟ .. أم تراك فكرت فى استخدام عقلك يوما ًما ؟
    وقبل أن أنبس تدخل آخر فى الحديث قائلاً :
    - فى غيبة القانون لا تسل عن التهمة .
    - هذا حق .
    قلتها وأنا أهز رأسى ، وكأنما نطقت بها كل ذرة من ذرات جسدى ، بينما أردف هو يقول :
    - محدثك مدحت شكرى ، معيد بكلية الحقوق .. وهذا القابع هناك فى ركن الزنزانة ، عادل النمل .. كاتب قصة مغمور ، وابن خالة رأفت منصور الذى رأيته أنت .. قتلوه الكلاب .
    - بل استشهد ..
    قالها عادل النمل دون أن يرفع رأسه وقد كانت بين ركبتيه . وردد خاطرى اسمه مرات ومرات .. أهناك صلة قربى بينهما ؟ .. وقلت :
    - هل هناك صلة قربى بينك وبين الشيخ عبد السلام ؟
    أخرج بوزه من بين ركبتيه ،ونظر إلىّ ملياً وتمتم :
    - إنه معلمى ..
    - أقصد ..
    - سلمان منا آل البيت .
    - أقصد ..
    - نعم ..
    وعاد إلى وضعه الأول دافناً وجهه بين ركبتيه . كان عادل النمل طويلاً نحيفا ، كث الشعر ، غامق السمرة ، وفى عينيه حور .. وفيهما إرهاق . إرهاق الشارد أبداً بحثاً عن شىء ما .. عن شىء ما يكاد يضع يده عليه إلا ويفر من بين أصابعه ولما أعدت إليه عينى ، قال مدحت شكرى :
    - كانت صلته قوية بالمرحوم رأفت ، وقد رآه وهو يلفظ أنفاسه دون أن يكون فى وسعه صنع شىء له .. الإحساس بالعجز إحساس قاتل بالفعل ..
    ورفع يديه إلى السماء وهمهم بكلمات لم أتبينها ، غير أنى تبينت فى يده ما أذهل لبى ، وأصابنى برجفة هى بالزلزال أشبه .. وتمتمت مشدوهاً :
    - أنت .. أنت ..
    اقترب منىحين وجد الدهشة عقدت لسانى ، وربت على كتفى قائلاً :
    - لا تعجب .. نعم أنا مسيحى كما رأيت . نحن فى قارب واحد ، والحرية مطلب الجميع . لقد رحب أجدادنا بفتح الإسلام لمصر ،لأنهم أدركوا معنى الإسلام ورحابة سمائه وقوة نظامه .. أدركوا جيداً أنه ما جاء إلا ليحرر الناس من الناس ، وفهموا هذا فهماً جيداً حتى أن القبطى حين وجد من ابن العاص أمير مصر ساعتئذ ميلاً عن المعنى الذى فهمه من الإسلام ، طار لفوره إلى أمير المؤمنين فى المدينة ، ليقوم اعوجاج الفهم لدى عامله على مصر .. الإسلام يا صاحبى نظام عظيم يحارب من أجله كل صاحب دين , لأنه الضمان الأوحد لكل صاحب دين على دينه ,.
    قلت :
    - لحيتك .. ربما كانت السبب فيما جرى لك ..
    رد قائلا :
    - ليست لحيتى ، إنما هو الظلم الذى عشش فى أرضنا وباض وأفرخ .. والشعور بالمسئولية اتجاه كل إنسان وإن اختلف معى فى العقيدة .
    - لِمَ لَمْ تخبرهم !
    - من ؟
    - الذين ...
    قاطعنى قائلا :
    - التحقيق لم يزل مستمراَ ..
    ثم أردف بعد لحظة وهو يضرب كفاً بكف :
    - يحسبون أنها خدعة !
    - ياله من مأزق !
    كان مدحت متين البنيان , كبير الرأس , جاحظ العينين .. ويرقد فوق شاربه الكث أتف ضخم يميل لونه إلى الرماد ولولا اللحية التى ملأت وجهه لبدا التباين واضحاَ بين الوجه والأنف . ابتسم مدحت عن أسنان عريضة مائلة للصفرة , وقال :
    - هذه بلدنا .. وما يحدث هنا لم يكن ليتصوره عاقل . إنه أشبه بما كان يحدث من اضطهاد الرومان للمسيحيين القدماء .. وهذا دليل واضح على صحة الفكرة ثم هو لم يمنعها بحال وإنما يزيد من ظهورها وإلا فماذا فعل الرومان واليهود وقد صلبوا السيد المسيح ؟ .. لقد انتشرت المسيحية فى أرجاء الدنيا وتنصرت روما وماذا فعل كفار قريش وهم يعذبون أنصار محمد ؟ .. لقد انتصر محمد يوم دفعوه إلى ترك وطنه هرباً من بطشهم وظلمهم . الإنسان فى الحياة يحسب نفسه شيئاً إذا ملكه الله سلطاناً أو مالاً فيروح يعذب أبناء الله .. لكنه مخلوق ضعيف لا

    يعرف ولا يدرك أى شىء .. أى شىء ..
    قلت شارداً :
    - نعم .. هذا حق .. الإنسان مخلوق ضعيف .. ضعيف جداً .
    وقال محمود سعيد :
    - لكى لا تنبت البذرة فلابد من دفنها .. إن ذلك طريقها الوحيد إلى الإنبات ومن ثم الإثمار . والدعوات إن لم يقاس أصحابها ويلاقوا من الصعاب والشدائد ما يقوى من عودهم ، فلا استمرار لها . الشدة تصنع الرجال وتنفى الصغار عن الطريق .
    قلت :
    - نعم .. هذا حق .. البذرة لكى تنمو ، لا بد لها من أن تدفن فى الأرض .
    وقرأ محمود سعيد قول الحق :
    - " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ، ألا إن نصر الله قريب " .
    كان محمود سعيد ربعة ، رائق العينين وسيماً مع هم ظاهر أورث وجهه هيبة . وعجبت كيف تأتى للجند أن يعذبوا مثل هذا الوجه.
    رد مع اقتباس  
     

  12. #12 رد: النص الكامل لرواية «شغل الليل والنهار» لثروت مكايد 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (10)

    فى معتقلى الأول لم أر مثل هؤلاء .. كانوا طلبة . وبمعنى أدق كانوا عاطفة متأججة دون أن يمد هاته العاطفة فكر يحيل هياجها ثباتاً , وينفى عنها الدخان الكثيف الذى منع عنها الرؤية . والحق أننى لم أكن مهتماً بشئ مما كانوا هم يهتمون به من رفض للحكم الشمولى , والتدخل الروسى وهلم جرا من أشياء لم تكن تشغل حيزا فى نفسى .. كان همى كله ينصب فى الدراسة والتفوق حتى أنجو من شبح الفقر الذى خيم على حياتنا .. أنا وأمى . أعطنى مسكنا وطعاما وساعتها سأفكر فى هيمنة الفرد وتدخل الآخر أما أن أموت جوعا ثم أشارك هؤلاء فى غضبهم لأن الشرق أو الغرب يتدخل فى المنطقة فذلك لم يكن ليخطر لى على بال .. والحق أننى لم أحاول فهم قضيتهم .. حقائق كثيرة كانت غائبة عنى وعنهم أيضاً .أما هؤلاء فثوابت شامخة , لم ألتق بمثلهم من قبل .. حتى عباس المصرى .. أووه .. عباس المصرى . ربما كان ينظر إلىّ نفس نظرتى إليهم ويحسب أن صمتى هم بالوطن وتفكير فى كيفية الخلاص من ذلك الجمود والركود والتخلف ، ولما استبانت له حقيقة أمرى ، ركلنى .. نعم ركلنى حين سلطت الأحداث وهجها علىّ .. على ذلك التمثال الذى صوره له الوهم وحين أذابه الوهج يعض على يديه ندما .. وربما ذهب إليها ، ليبثها همه ، ويعترف لها بأنه خُدّع فىّ وأننى لا أعرف الشيخ عبد السلام ، وليس عندى مبدأ ولا وعى لدى ، وليس فى عقلى غير أوهام وشعور بالضعة والهوان . قطع على سبيل خواطرى قول عادل النمل يخاطب مدحت شكرى :
    - ما كنت لأتألم كل هذا الألم لو كنـ ...
    قاطعه مدحت قائلاً :
    - صدقنى ..لستَ السبب فيما يجرى لنا هنا ..
    - بل أنا السبب فيما يحدث لك .. صداقتى لك كانت وبالا عليك . والحق أن عائلة النمل صارت لعنة ..
    وقال محمود سعيد معاتبا :
    - إياك أن تذكر هذا ثانية . أنت مسلم .. والمسلم لا يأبه بالعواصف والأعاصير وإنما هو ثابت ثبات الجبال . لا أحب أن تنطق بذلك اللفظ الغريب على أسماعنا .. إنما اللعنة على الظالم وما نحن بظلمة وإنما أحرار بعبوديتنا لله وحده ولو كنا فى قاع سجن كئيب كهذا الذى نحن فيه .
    وقال مدحت :
    - نعم .. إنه حيث تتخلف الأسباب وتفترق عن المسببات يكون الخلل ، وحيث يوجد خلل , فلا تسل عن سبب أو حتى عن عقل تعقل به حدوث الأحداث ..
    وقال أيضاً :
    - إن أى اعتداء على حرية فرد فى دولة ما إنه اعتداء على كل من يقطن هاته الدولة ، ولو لم يشعر سكانها بهذا .. بل إن عدم شعورهم لدليل فاضح على التخلف والمرض .
    تمتمت هامساً :
    - لو أعلمتهم أنك مسيحى .. ربما .. ربما أخلوا سبيلك وتركوك .
    نظر مدحت إلىّ نظرة شك . ربما كان يقول فى نفسه : " ما هذا الأبله الذى يردد فكرة واحدة . ولم يفهم مما قلته شيئاً ! " .. وقال عادل النمل يرد علىّ :
    - إلى أن يثبت أنه مسيحى قد ..
    قاطعه دهشاً :
    - والصليب !
    - رمز .. إنهم يشكون فى كل شىء ، ويظنون أن كل علامة ترمز إلى خطة أو إلى شخص .. وقد يحسبونها خدعة عظمى اكتشفوها .. آه .. يالها من مهزلة ! ، لا أدرى كيف وصلنا إلى تلك الدركة من الانحطاط والفقر .. فقر النفس والعقل !!
    كنتُ أستمع لكلامهم والحسرة تأكل قلبى إذ كيف تأتى للطغاة أن يسجنوا هاته العقول النضرة ! والتى لو أُتيحت لها السبل – أساس بناء النهضات ودعامة العمران . والعجب كل العجب أن تصل درجة الوعى عند مسيحى مثل مدحت شكرى درجة أذهلتنى بالفعل .. بل إننى لم أفكر فى هذا من قبل وأنا الآخر دارس للقانون ومتفوق .. وقال مدحت وكأنما اخترق حجب اللحم والعظام حتى وصل إلى اللب :
    - إن الخلط بين الإسلام الدين والإسلام الدولة يؤدى إلى أن تعجب وأنت مسلم حين أدافع أنا المسيحى عن دولة الإسلام ، وأتحمل المعتقل فى سبيل إيمانى بضرورة قيام دولة للإسلام تظل العالم كله .. لكن ذلك العجب يزول حين تدرك الفرق بين الإسلام الدين والإسلام الدولة .. إن المسيحى وكل صاحب دين لن يجد حريته وما يصون له كرامته كفرد من أفراد الإنسانية إلا فى ظلال دولة الإسلام ، ذلك لأن من واجباتها التى هى قائمة لتحقيقها ! حفظ الدين .. حفظ دين المسلم ودين المسيحى ودين اليهودى بحيث لا يكرهه بشر مهما كان سلطانه على الدخول فى دين لا يرضاه , ولا يمنعه عن شعائر دينه .. ذلك من واجبات دولة الإسلام ، وإن لم تقم بهذا غيرت الأمة القائمين عليها , لكونها حكومة مدنية قائمة بأمر الأمة ، لحفظ الدين مع ما تحفظه للإنسان ليحقق أعلى درجات الصلاح فى الدنيا التى خلقه الله لعمارتها .
    وتابع مدحت يقول :
    - إن اليهودى حين كان محمد رئيسا لدولة الإسلام فى المدينة قبل أن يرهن درع محمد عنده مقابل ما أخذه قائد الدولة من شعير ليأكل .. لا بد أن نقف عند هذه النقطة طويلا ، ونستخرج منها فقه الدولة فى الإسلام وبذا تتهاوى ترهات القائلين بشق وحدة الصف حين ينادى منادٍ بضرورة عودة دولة الإسلام . إن دولة الإسلام ضرورة حيوية لوجود حضارة إسلامية عالمية يشارك فى صنعها كل من تظله هاتِه الحضارة من مسلم ومسيحى ويهودى ..
    ربت محمود سعيد على كتفه وقال :
    - يا لك من عقل كبير ..
    وأردف حين وجد صمتا :
    - ثم إنهم لا يعذبون من يدين بالإسلام كدين وكفى بل إن من لا يعترف بالإسلام الدولة له الصوت المرتفع والمكانة العليا .. وإنما يعذبون ويضطهدون كل من يقول بدولة الإسلام مع دين الإسلام . إن انتشار الدين فى العالم رهن بقيام الدولة .. ذلك شىء يقرره العقل , لكونها القوة التى تردع كل من تسول له نفسه انتهاك الحرمات ومنع الشعائر .
    (يتبع)
    رد مع اقتباس  
     

المواضيع المتشابهه

  1. ماذا أصابك يا وطن ـ النص الكامل
    بواسطة أنس الساهر في المنتدى الشعر
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 02/12/2009, 07:12 PM
  2. النص الكامل لرواية «صيد العصاري» للروائي الكبير محمد جبريل
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى مكتبة المربد
    مشاركات: 20
    آخر مشاركة: 04/08/2008, 03:12 PM
  3. النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى مكتبة المربد
    مشاركات: 24
    آخر مشاركة: 13/07/2008, 09:24 AM
  4. النص الكامل لمجموعة «ما لا نراه» لمحمد جبريل
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى مكتبة المربد
    مشاركات: 19
    آخر مشاركة: 25/01/2008, 08:26 AM
  5. النص الكامل لخطاب الدكتور بشار الأسد
    بواسطة طارق شفيق حقي في المنتدى قبة المربد
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 16/08/2006, 10:12 PM
المفضلات
المفضلات
ضوابط المشاركة
  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •