الملاحظات
الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 11 من 11

الموضوع: قراءة في معالم الخطاب النقدي للدكتور محمد بن سعد بن حسين

  1. #1 قراءة في معالم الخطاب النقدي للدكتور محمد بن سعد بن حسين 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    قراءة في معالم الخطاب النقدي للدكتور محمد بن سعد بن حسين
    { الأدب الحديث في نجدْ أنموذجا }
    ***

    بحث مقدم إلى
    ملتقى النقد الأدبي في المملكة العربية السعودية
    الدورة الأولى
    " الخطاب النقدي في مراحله المبكرة "
    25-27/3/1427هـ / 23-25/4/2006م
    [ النادي الأدبي بالرياض ]


    إعداد
    أ . د / صابر عبد الدايم
    * أستاذ الأدب والنقد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
    بالرياض – كلية اللغة العربية
    وعضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية
    بسم الله الرحمن الرحيم
    قراءة في معالم الخطاب النقدي للدكتور / محمد بن سعد بن حسين
    { الأدب الحديث في نجدْ أنموذجا }
    د / صابر عبد الدايم
    أستاذ الأدب والنقد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

    " محاور البحث "
    يتناول البحث عدة محاور تلقي الضوء على بعض ملامح الخطاب النقدي في مراحله المبكرة في المملكة العربية السعودية ممثَّلة في رَصْد جهود أحد رواد الحركة الأدبية والنقدية في هذه البلاد المباركة مهاد الفُصْحى .. ومشرق الحضارة الإسلامية – والتي شرفها الله عز وجل بالحرمين الشريفين – حرسها الله وجعلها دائما معقلا للغة القرآن وأدب العرب .
    والمحاور هي :
    أولا : أضـواء على شخصية د / محمد بن سعد بن حسين ، وإنجازاته ومعالم ريادته في
    النقد الأدبي ، والحركة الأدبية عموما .
    ثانيا : من معالم فنون الأدب الحديث في نجد ، والجمع بين المنْهجين : التاريخي والفنِّي .
    ثالثا : أهم القضايا الأدبية والنقدية التي أثارها د / محمد بن سعد بن حسين في كتـاب
    " الأدب الحديث في نجد " .
    المحور الأول :
    أضواء على شخصية د / محمد بن سعد بن حسين ، وإنجازاته ومعالم ريادته في
    النقد الأدبي :
    يعد أ . د / محمد بن حسين من رواد الحركة الأدبية والنقدية في المملكة العربية السعودية ، وهذه الريادة ليست ادعاءً تنقصه الأدلة والشواهد ، ولكنها حقيقة يشهد لها المنصفون الذين يعرفون أقدار الرجال ، ويُدْركون أن صورة هذه البلاد الحضارية السامقة الآن لم تكن طفرة مفاجئة ، ولكن تضافرت في تشكيلها وتكوين ملامحها المضيئة جهود المخلصين النابهين من القادة والعلماء والمفكرين والأدباء والنقاد والمبـدعين : كلٌّ في ميدانه ومع فُرْسانه ، يجول ويصول ، يكرّ ولا يفرّ ، يُقْبل ولا يُدْبر ، يقول ويفعل ، يعد فيوفي وينجز .
    ومن الذين شاركوا في تأسيس الحركة الأدبية والنقدية في هذه المرحلة المبكرة : الشاعر / عبد الله بن إدريس في كتابه " شعراء نجد المعاصرون " و " عبد السلام الساس " في كتابه " شعراء الحجاز المعاصرون " و " عبد الله عبد الجبار " في كتابه " التيارات الأدبية الحديثة في قلب الجزيرة العربية " القاهرة 1959م و " عمر عبد الجبار " في كتابه " " سير وتراجم بعض علمائنا " في القرن الرابع عشر للهجرة عام 1358هـ و " محمـد سـرور الصبـان " في كتابه " أدب الحجاز " عام 1958م و " محمد حسن عواد " في كتابه " تأملات في الأدب والحياة " عام 1950م ، وخواطـر مصـرحـة ط 2 1345هـ 1961م و " إبراهيم هاشم فلالي " في كتابه " المرصاد " عام 1956م .
    و د / " محمد بن سعد بن حسين " من هذه الكوكبة التي أخلصت لدينها ووطنها وتراثها ، وإنجازه في ميدان الحركة الأدبية والنقدية آثاره شاهدات على تواصله الإيجابي ، ومشاركاته البناءة المثمرة في فعاليات الحركة الأدبية والنقدية المعاصرة .
    ويقول عنه أ . د / عبد السلام سرحان : أستاذ الأدب والنقد بجامعة الأزهر ، وأحد علماء الأزهر الكبار منوِّها بمكانته العلمية والنقدية منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاما ، ومشيداً بكتابه " الأدب الحديث في نجد " الذي أنجزه المؤلف وفرغ من تأليفه عام 1373هـ / 1963م (1)
    يقول د / عبد السلام سرحان [ ومما لا شك أن المؤلف يمتاز بأسلوب جدّ ساحر ، وبمنطق يأسر الخواطر ، وبآراء لها من الرصانة والزكانة والفطانة : ما يدفعها إلى أعلى المكانات ، وقد تحدث في محاضراته الزاخرة حديث العالم المتمكن في علمه ، المتثبت من كلمه ، وقدَّم بين يدي هذه المحاضرات ما يدل على سعة باع ، وطول ذراع ، وقوة ابتداع ، وكان إلى التجديد أقرب منه إلى التقليد والتقييد ، بمعنى أن آراءه كانت بنت بحثه ودرْسه ، ووليدة جهده في يومه وأمسه ، ولم تكن من بنات أفكار أحد سواه، وجاءت دراسته صورة من الإنتاج الفكري الدقيق ، القائم على المنطق والحجة والبرهان .
    والكتاب باكورة طيبة في وضع الموازنات الناقدة ، وصنع الآراء المسدَّدة .
    [ " مقدمة الكتاب " " شعبان 1391هـ - أكتوبر 1971م ]
    والدكتور / محمد عبد المنعم خفاجي .. الناقد الموسوعي المعروف يُقدِّم شهادته المنصفة ، ويُعْطي لجهْد د / محمد بن سعد بن حسين قَدْرَه وقيمتَه .. ويعلن عن دوْره المبكر في المسيرة الأدبية والنقدية فيقول معلقاً على ما قدَّمه ابن حسين من جهْد أدبي ونقدي .. وذلك في خاتمة الكتاب :
    " دراساتٌ طويلةٌ شائقة مرهقة فيها خصوبة وجدّة وثراء ، وفيها أضواء كاشفة لمعالم الأدب الحديث في نجد في شعره ونثره لابد للدارسين أن يستضيئوا بها لكشف الطريق ومعرفة الأبعاد ، وإيضاح الصور ، ومن ثم كان لابن سعد فضل وأي فضل بما قدَّم لقراء العربية ، وآدابها من زاد خصب ودراسات مفيدة ، وأشْهدُ للمؤلف بجمال الأسلوب ، وحسن الذوق ، وسعة الإدراك ، وعمق الفهم للقضايا التي درسها في كتابه ، وهو مُنْصف في كثير من أحكامه ، مجيد في كثير من جوانب دراسته ، متأنٍّ غاية التأني في إبداء الرأي .. حتى يقدم له الحجج ، ويمهد له الأسانيد ، وأعده مفخرة من مفاخر الأدب المعاصر في نجد ، وأحد الخريجين الممتازين من كلية اللغة العربية بالرياض ، وهي كلية تخدم اللغة العربية والأدب العربي بكل ما تستطيع ، وتربي أجيالا من العلماء الذين سوف يكون لهم أثر صدقٍ في بناء النهضة ، وتكوين الأمة ، وخدمة الإسلام والمسلمين "
    [ القاهرة : أول رمضان 1390هـ - أكتوبر 1970م ] خاتمة الكتاب ]
    رد مع اقتباس  
     

  2. #2 رد : قراءة في معالم الخطاب النقدي للدكتور محمد بن سعد بن حسين 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    والدكتور / محمد بن سعد بن حسين .. متجدد العطاء ولا يحصر عطاءاته العلمية داخل قاعات الدرس الجامعي ، ولا يكتفي بما يقدمه في إطار وظيفته الأكاديمية ، ولكنه يتجاوز هذه الدائرة الضيقة ، ويتفاعل مع حركة المجتمع في نهضته الثقافية والفكرية التي بدأت مسيرتها منذ منتصف القرن الرابع عشر الهجري ، وقد حاز قصب السبق في ميادين متعددة خدمةً للوطن وتفاعلا مع نهضته الحديثة .
    - فهو أول من حاضر عن الأدب السعودي في المملكة العربية السعودية وذلك عام 1484هـ .
    - وهو أول من دُعي إلى تدريس الأدب السعودي في المعاهد والكليات التابعة للرئاسة قبل أن تصير جامعة ، وهي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، ثم حذت حذو هذا العمل جامعات المملكة .
    - وأول من أسس مدرسة لتعليم المكفوفين وذلك عام 1376هـ ، وهو أول شخص في المملكة تعلم طريقة " برايل " وإلى جانبها تعلم الضرب على آلة المبصرين في عام 1373هـ . (2)
    وجهود د / محمد بن سعد بن حسين : في مجال الدراسات والتأليف تتعدد مجالاتها .. وتتنوع محاورها ومنها :
    1- الدراسات الأدبية والنقدية : وكتبه متعددة في هذا المجال .. ومن هذه الدراسات كتاب " الأدب الحديث في نجد " ، و " الشعر الحديث بين المحافظة والتجديد " و " الأدب الحديث : تاريخ ودراسات " .
    2- تحقيق الكتب والدواوين : ومنها : " تحقيق ما تقارب سماعه ، وتباينت أمكنته وبقاعُه للشيخ محمد بن عبد الله بليهد " ، و " صفة جزيرة العرب للهمداني : تحقيق الشيخ محمد بن عبد الله بليهد ؛ وتصحيح وتقديم د / محمد بن سعد بن حسين .
    3- رصْد معالم الحركة الأدبية المعاصرة : وقد تجلى هذا المحور في كتابه " كتب وآراء " وهو جزآن ، وهو رصْد تذوقي تأثري محايد لكثير من الكتب الأدبية والدواوين الشعرية ، والمجموعات القصصية .
    4- النقد القصصي : وفي كتابه " وقفات مع بعض القاصين " تتجلى آراؤه النقدية في هذا الميدان .
    5- النقد الشعري : وفي كثير من كتبه يقدم آراءه النقدية في هذا المجال ، ومن هذه الكتب [ حافظ إبراهيم : نظرات في شعره ] ، [ الأدب الإسلامي بين الواقع والتنظير ] و " الشاعر حمد الحجِّي " .
    6- الإبداع الشعري : وقد قدّم للساحة الأدبية ثلاثة دواوين شعرية ومنها : " أصداء وأنداء " .
    7- الفكر الديني : ويشرق في هذا المجال كتاب " زاد المتقين من كلام سيد المرسلين " وكتابه " الرسالة والرسول "
    المحور الثاني :
    من معالم فنون الأدب الحديث في نجد .. والجمع بين المنهجين : التاريخي والفني :
    أولا : مدخل : في رصد معالم " الأدب " في منطقة نجد .. ، حرَص " د / محمد بن سعد بن حسين " على تحليل ملامح الفنون الأدبية التي حفلت بها منطقة نجد ... ، وهذه الفنون كان يَجْهلها دارسو الأدب ونقاده في العالم العربي .. ويقول د / محمد عبد المنعم خفاجي : " قرأت كتاب " الأدب الحديث في نجد " في نسخته الخطية المعدة للطبع ، ولقد أكبرت جهد المؤلف وما بذله فيه من دأب ومثابرة وحرص ، على أن يفي تاريخ بلاده الأدبي حقه من البحث والدراسة ، والكتاب في كثير من موضوعاته جديد ، وبحوثه في أغلبها غير مطروقة ، وهو يضيف إلى تاريخنا الأدبي الحديث إضافات غنية توضح صورة الأدب العربي في بيئة من أكبر وأقدم بيئاته ، وهي بيئة نجد العربية الخالصة ، " ص 282 " الأدب الحديث في نجد "
    والفنون الأدبية التي رصد الكاتب أهم معالمها في سياق الحقبة التي ظهرت فيها ، وفي سياق الثقافة السائدة ، والتقاليد والأعراف .. والمؤثرات الاجتماعية والسياسية والدينية التي لم يغفلها المؤلف ..، هذه الفنون تتمثل في الشعر ، وفن الخطابة ، وفن الكتابة ، وفن القصة ، وفن المقال ، وقد عُني المؤلف بفن الشعر .. وفن الخطابة ، ورصد مظاهر تطور هذين الفنين ، وكذلك احتفى بفن الكتابة ، وحرص على رصد مظاهر الارتقاء والانحدار في الفن الكتابي .. ومنه " فن المقال " ؛ وكذلك فن القصة الذي لم يحظ بعناية المؤلف حيث لم توجد النماذج الفنية الجيدة في هذه المرحلة المبكرة .
    وأهم سمات الأسلوب التي اصطبغ بها منهج د / محمد بن سعد بن حسين في هذا الرَّصد لمعالم الأدب الحديث في نجد بفنونه المتعددة " شعراً ونثراً " :
    أ - يغلب على أسلوب الكتاب طابع المحاضرات ، حيث يصوغ د / محمد بن حسين عباراته صياغة أدبية جيدة ، تجمع بين الحقيقة العلمية والحس الجمالي الفني ، وهذا المسلك يقترب من نهْج د / طه حسين في كتابه " حديث الأربعاء " ولذلك يخْلو الكتاب من الحواشي والهوامش والنقول الكثيرة لأن المؤلف يتعامل مع النصوص .. تعاملا قائما على التقويم والتحليل والموازنة والاستنباط ، وقد قدم المراجع والمصادر مجملة في آخر الكتاب .
    ولم يقسم المؤلف الكتاب إلى أبواب أو فصول ، وإنما قسمه إلى أربع محاضرات ، والقسم الأخير من الكتاب : ألقى فيه المؤلف الضوء على دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب وأثرها في أدبنا الحديث ، ومهد لهذه القضية بتاريخ موجز للأمير / محمد بن سعود ؛ وهذا المهاد التاريخي قُدِّم في صورة مقالة . وأشار المؤلف أنها نشرت في مجلة راية الإسلام بالرياض 1379هـ ولكن الجزء الخاص " بأثر دعوة محمد بن عبد الوهاب " في أدبنا الحديث : تركه المؤلف بلا تحديد : هل هو محاضرة أم مقالة ، أم تتمة للكتاب ؟!! وهذا مخالف لسياق الكتاب الشكلي التنظيمي .
    ومما يُنْبئ عن طبيعة الأسلوب في هذا الكتاب أن د / عبد السلام سرحان .. وصف ما قدمه د / ابن حسين بأنه " أمال طريفة " ، وقال المؤلف نفسه في مقدمته للكتاب ... ( وبعد )
    " فهذه مجموعة محاضرات ألقيتها في مواسم مختلفة ، وفي سنوات متعددة " وفي المقـدمة التـاريخية .. يقول المؤلف مؤكدا طبيعة أسلوب المحاضرات " نَجْدُ – أيها السادة الكرام – اسم خالد يصحبه في سمع كل إنسان نغم جميل "
    ويفتتح موضوع " الشعر في نجد بقوله : أيها السادة الكرام " ؛ ويمهد لهذا الموضوع بلوحات أسلوبية مشرقة – وصور أدبية بليغة ، وتجسيد فني للمراحل التاريخية والاجتماعية التي مرّت بها نجْد من خلال خيالات الشعراء وتجاربهم المتنوعة ، وأغراضهم المتعددة .
    ب - الجمع بين الحقيقة العلمية والحس الجمالي الفني في عرض وتحليل القضايا الأدبية والنقدية :
    وحديثه عن الشعر والشعراء ، وتصويره لخصائص وسمات الأغراض الشعرية يترجم هذا المنحى الأسلوبي ويمثله خير تمثيل .. يقول " د / محمد ابن سعد بن حسين " مازجا بين دقة الناقد وصياغة الأديب البيانية [ إن الحـديث عن الشعر والشعراء حديث عن الفن والجمال ، والسحر والخيال ، حديث عن الفن الرفيع والتصوير البديع لكل ما هو كامن في خفايا النفوس البشرية من أحاسيس ومشاعر مختلفة .. امتدت إليها ألسنة سبقت وفاقت ريشة الرسام في جمال تصويرها ، وفتنة سحرها .. ألسنة تقتدّ ألفاظها من الصخور تارة ، وتغرفها من الغدير المشمول تارة أخرى ، فتضعها في ثياب العواصف والأعاصير العاتية ، أو تستعير لها قميص النسيم الهادئ العليل ، أو تختطف معانيها من الوجوه المتقلبة لصور الحياة المختلفة المملوءة بالمفاجآت والأحداث ، فأخرجت تلك المشاعر والأحاسيس مرة في صور غاضبة مكفهرة كالهجاء والوعيد ، وأخرى مترفعة ، تتهادى إليك متبخترة ، تحوطها هالة من الكبرياء والخيلاء ، وتلك صورة الفخر والمديح والإطراء ، ثم تظهر لك على خشبة المسرح صور كلها أناقة وظرْف ورشاقة وخفة ، صورة توردها لواعج الشوق ، وتلوح على شفتيها ابتسامة اللقاء ، وتظللها إشراقة الأمل ، وتلك هي صورة الغزل والآمال في المستقبل .
    وقد تبدو لك صورة باكية حزينة تذيب القلوب بنار الحزن والألم ، فتُسيل أناتها دموع العين ، وتقد حسراتها العبرات في الصدور ، وتلك هي صورة الرثاء والحب المعقد المقيد بالظروف والملابسات ؛ أو تظهر لك الصورة في ثياب الناصح أو الزاهد القانع ، وذلك هو شعر الحكمة والزهد، وقد تقوم الصورة مقام الرسام ، فتصور لك شيئا من جوانب الحياة حتى ترى فيها من الأشياء ما غاب عنك ، وذلك هو شعر الوصف .
    صـور أجمـل من الجمال ، وأي جمال بعد التلذذ بالجمال إن لم يكن هو ؟!! [ ص ( 14 -15 ) الأدب الحديث في نجد ]
    والجمع بين الدقة العلمية والحس الجمالي الفني الذي يوحي ولا يصرح .. يتجلى في رؤية الناقد " د/ ابن حسين " حين يرسم صورة الأديب الحقيقية ثم يردفها بالصورة المزيفة التي خُدِع بها المجتمع فأقبل عليها .. وتناسى الصورة الحقيقية ..؛ يقول " ابن حسين " " فالأديب : ليس براهب ولا متصوف يعيش على ما يجود به مجتمعه ، وهو ليس بآلة تصهر الحديد وتفتت الصخور ، ولا بعامل يضرب بالمطرقة ويمسك بالمحراث .. ويغرس البذور .. وإنما هو ذلك كله .. لأنه خليط من المادية والروحانية ، ككل إنسان استوت فيه هذه الكلمة .. إلا أن الله اصطفاه من بين بني جنسه ، بأن جعله مصدر الإشعاع الذي يضيء بفكرته الصائبة طريق الحياة لأخيه الإنسان ، فمن ذلك الأديب ؟ هل كل من كتب قصيدة أو قصة أو مقالة أديب ؟
    إن عيب مجتمعنا أنه لم يعد قادراً على التفريق بين الأدباء وبين المرتزقة في سوق الأدب ، فاستوى عنده الأدب السامي في هدفه ، المتين المستقيم في خلقه ، الأصيل الفصيح في لغته وفي أسلوبه ؛ والأدب الهادم في فكرته .. الساقط في عبارته ، اللّحانة في لغته ، فرحم الله مجتمعا هذه صفته ، وعزاء لأدبائه الذين تجنَّى عليهم مجتمعهم .. فأشرك معهم في رسالتهم من أفسد عليـه أمرهم ، فأسِن نبعهم بعد عزوف الواردين ، وهنيئا للمرتزقة المتكسبين .
    [ ( ص 217 – 218 ) الأدب الحديث في نجد ]
    والجمع بين المنهجين : التاريخي والفني .. من سمات الخطاب النقدي للدكتور محمد بن حسين ، وفي تصويره لآفاق التجربة الشعرية .. ورصده لأغراض الشعر ، وكذلك في رؤيته لطبيعة الأديب وشخصيته ، وفي تحديد موقفه من التناقضات في الحياة الأدبية ، وقد صور هذه التناقضات في بعض ملامحها بأنها " سوق التسول في الأدب " ، .. هذه الآفاق قدمها " ابن حسين " في صياغة أدبية جمالية ؛ ولكنه في رصد تطور الظواهر الأدبية اتكأ على معالم " المنهج التاريخي " وهو يعنى بتطور الظاهرة الأدبية ، وينقب عن تأثرها بالأحوال السياسية والاجتماعية وظروف العصر التاريخية ، وكذلك تأثيرها فيما يستجد من ظواهر ، مع عدم إغفال العوامل البيئية وأثرها في تحديد ملامح الظاهرة الأدبية .
    " ود / ابن حسين " في اتكائه على معالم المنهج التاريخي قد تلافى العيوب التي تصاحب هذا المنهج حيث لم يهمل الجانب الفني المتعلق بالقيم الشعورية والتعبيرية والجمالية ، وهو لم يهمل النوازع الفردية ، والفروق الشخصية بين الأدباء حسب مواهبهم وملكاتهم ، وهو لم يعمم الأحكام العامة على كل أدباء نجد سلبا وإيجابا ، ضعفا وقوة .
    ومن مخاطر " المنهج التاريخي " التي تشوب جهود بعض النقاد والباحثين ، الاستقراء الناقص ، والأحكام الجازمة ، والتعميم العلمي ، وإلغاء قيمة الخصائص والبواعث الشخصية في النتاج الأدبي . (3) ، (4)
    ثانيا : الفنون الأدبية ومعالم تطورها :
    1- فن الشعر :
    ورصد الناقد د / محمد بن سعد بن حسين تطور الشعر في نجد من منتصف القرن الثاني عشر إلى منتصف القرن الرابع عشر الهجري في محاضرته الأولى .. وفي هذه المحاضرة قدم تحليلا لأهم أغراض الشعر بعد مقدمتين : جغرافية وتاريخية ، وقدم تحليلا موضوعيا وفنيا لأهم مشاهير الشعراء في هذه الحقبة ومنهم الشيخ محمد بن عثيمين ، والشاعر الشيخ / محمد بن بليهد .
    وتمشيا مع معالم المنهج التاريخي نجد الناقد المؤرخ في محاضرته الثانية يقدم صورة واقعية محايدة للشعر في نجد بعد منتصف القرن الرابع عشر الهجري ، وفي هذه الحلقة أبرز د / محمد بن حسين مظاهر التطور والتجديد في الشعر السعودي ، وانفتاحه على مدارس التجديد في العالم العربي ، وعُني المؤلف في هذه المحاضرة بالموازنات والقضايا الكثيرة التي تشغل الساحة الأدبية والنقدية إلى الآن .. ومنها ماهية التقليد والتجديد في الأدب، وقضية الشعر الحر ، وقضية الشعر المنثور ، وتحليل بعض النماذج الشعرية تحليلا فنيا جيدا ، وتقديم ملامح موضوعية وفنية من سيرة أعلام الشعراء في هذه الحقبة .
    ومن أهم الرؤى التي قدمها الناقد في هذه الحقبة : وهو يرصد ملامح الشعر ومسيرته الفنية :
    أ?- تصنيف الشعراء من حيث درجة التقليد والمحاكاة ، وقد صنف الشعراء إلى ثلاثة مستويات ينبئ عنها هذا النص من محاضرته :
    " أيها السادة : ومهما قلنا عن الشعر في تلك الفترة من تاريخ النهضة في هذا الربع من بلادنا ، وما بلغه أربابه من إحكام وتجويد ، فإنا لا نستطيع أن ننكر أنه كان شعر محاكاة وتقليد في جملته ، إلا أن أولئك الشعراء – رحمهم الله – تباينوا تباينا ظاهرا في ذلك التقليد فكان منهم من أشبه شعره عهود التخلف .. كابن سحمان ، ومنهم من أشبه شعره شعر الفحول في عصور الازدهار كالشاعر الكبير ابن عثيمين ، ومنهم من كان وسطا بين ذلك مثل ابن بليهد ، لكن أحدا لا يستطيع – أيها السادة – أن ينكر أن أولئك السابقين كان لهم في تقليدهم من الفضل على الشعر في هذه البلاد ما قد يفوز به مُدّعو التجديد في تجديدهم ، فلقد فتحوا – رحمهم الله – للشعر المعاصر في هذه الربوع أبوابا كانت مستحكمة الحلكة والسواد ، وجدّدوا له من السبل الدوارس والمعالم الروامس ، والسنن المعطلة ، والمرابع المهملة ، ما سما بهم إلى مصاف الباعثين المجددين " .
    ب- التقويم الموضوعي المحايد لنتاج كبار الشعراء :
    في سياق تقويم تجربة ابن عثيمين الشعرية ، نجد ابن حسين يحكم على هذه التجربة حكما موضوعيا محايدا بعيدا عن المجاملة ، وبمنأى عن التشويه وإغفال القيمة الأدبية والدور الذي قام به ابن عثيمين في المرحلة التي عاصرها ، وفي ضوء السياق التاريخي والاجتماعي ، ومراعاة لمعطيات البيئة، وملامح الشخصية ، واحتكاماً إلى القيم الدينية .. وانطلاقا من هذه الفضاءات التي تحركت فيها شاعرية ابن عثيمين .. نجد الناقد والمؤرخ الأدبي " محمد بن حسين " يقدم هذه الرؤية الناقدة التي ترصد ما قدمه ابن عثيمين في تجربته من خلال أغراض شعره ، يقول ابن حسين :
    " فأما الغزل والنسيب فميدان تجانبه بيئته ، ويتحرج من مقارفته معاصروه خاصة طلاب العلم والعلماء ، من هنا وجدنا شاعرنا الشيخ يسلك فيه مسلك السابقين ، فيأتي به في مطالع قصائده عرضا ، وغير مقصود .
    وأما شعر الفلسفة ونقد النظم الاجتماعية ، فإنما يجد البيئة الصالحة ، والمنبت الخصب ، في المجتمع المتقدم فكريا وحضاريا ، حيث توجد العقلية الفكريـة الناضجة ، وحيث تتعقد الحياة الاجتماعية نتيجة للتقدم الحضاري .
    وبيئة شاعرنا ابن عثيمين بيئة بدائية ، أقرب إلى البداوة منها إلى الحضارة ، فالسهولة الميسرة طابعها في كافة مجالاتها .
    أما الحكمة / فمبثوثة في ثنايا شعره ، لا يجمعها نظام ، ولا يؤنسها التئام ، فهي أبيات مبعثرة هنا وهناك ، تأتي عرضا ، ولا تقصد غرضاً .
    وأما الوصفة فقد حاكى ابن عثيمين فيه السابقين ، يحذو حذوهم ، وينهج نهجهم ، شأنه في جميع مناهج شعره ، فوصف السحاب والمطر ، والقفار والأسفار ، والإبل والخيل ، على نهج وبأسلوب لو نزعت منه اسم ابن عثيمين وأثبت مكانه اسم شاعر جاهلي أو إسلامي قديم لما شك ناظر في صدق هذه النسبة .
    وعلى الرغم من هذه الوقفة النقدية المحايدة مع نتاج ابن عثيمين .. فإننا نجد د / محمد بن حسين يعد بدراسة الشاعر دراسة مستوفية لجوانب شخصيته وشعره ويصفه بأنه : الرائد الأول والإمام المتبع في سنة الشعر في عصره الحديث على بساط أم الشعر ومرضعته الأولى " نجد " [ ص 46 " الأدب الحديث في نجد " ]
    رد مع اقتباس  
     

  3. #3 رد : قراءة في معالم الخطاب النقدي للدكتور محمد بن سعد بن حسين 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    جـ- " شعر العلماء " في ميزان ابن حسين النقدي " :
    لقد تأمل ابن حسين نتاج العلماء الشعري ، ولم يرفضه رفضا تقليديا متبعا المقولة الشائعة بأن " شعر العلماء ليست له قيمة فنية " ولكنه .. مهد لتصوره وحكمه بأن هؤلاء العلماء طرقوا الشعر مدفوعين ومدافعين عن الدعوة ضد بعض الملحدين من الشعراء الذين تناولوا الدعوة بالقدح والتعريض بها وأئمتها ، وقد كانوا من العازفين عن الشعر تورعا ، فتجشموا مسلكه الوعر ، ثم حدد الناقد موقفه من الأغراض الشعرية التي استأثرت باهتمام العلماء ، ومن هذه الأغراض : الشعر التعليمي : حيث اقتصر العلماء في نظمهم على بيان أصول الدعوة وفروعها المستمدة من المنبع الصافي الذي فجره للإنسانية خاتم الرسل المصطفى عليه الصلاة والسلام دون ما غلو أو تطرف ، بل منهج وسط بعيد عن التفريط والإفراط ؛ :
    ونبلُ المقصد ، وسموُ المعنى وجدّتـُه ..لم يقف حائلا أمام موقف د / ابن حسين الفني ، فليس كل كلام موزون مقفى يعد شعرا ، وإنما الشعر له شرائط ومعالم لابد منها في تكامل جوانب التجربة الشعرية لفظا وصياغة وصورا وأساليب وإيقاعا وعاطفة ومشاعر ورؤية ثاقبة متأملة .
    ويرى ابن حسين .. أن مثل هذا النمط من النظم " أي الشعر التعليمي " لا يمكننا القول بأنه شعر إذْ لم تتحقق فيه جوانب التعريف جميعها .
    ثم يقول مؤكدا رأيه ومدللا على ما يقول منتصرا لجماليات الكلمة وشاعرية النص ، " صحيح أنه كلام موزون مقفى ، ولكن ليس هذا هو كل التعريف عند علماء العرب ممن يعتد برأيه ، إذ أنهم يعرفون الشعر بقولهم : ( هو الكلام الموزون المقفى المنبعث من عاطفة ، والمثير لعاطفة ممتزجا بالخيال ) .
    وبناء على هذا التعريف " يرى ابن حسين " أن ما قاله الكثير من أولئك العلماء ، إنما هو من قبيل النظم .. لا الشعر ، لكونه يفتقر إلى جزء هـام من التعريف هو عبارة " المنبعث من عاطفة والمثير لعاطفة ممتزجا بالخيال " [ ص 27 " الأدب الحديث في نجد " ]
    ويرى " ابن حسين " أن العلماء الشعراء في موقفهم من " الغزل " كانوا في مأزق وحرج حيث وضعوا وحوصروا بين عاملين قويين متضادين .. وهما : طبيعة العالم ومتطلبات الدعوة التي لا تحتمل التفرغ ، ولا تترك للداعية الحرية القولية ، والعاطفية ، بدافع الالتزام وعدم الإقدام على فعل أو قول يسبب له الحرج واللوم .
    وأما العامل المضاد الآخر فهو طبيعة الشعر والشعراء التي تميل إلى كل ما يهز النفس ، ويطرب القلب ، ويفسح مجال الخيال للتلاعب بشتى صور الجمال .
    وهذه المفارقة التي صبغت موقف الشعراء العلماء .. وضاعفت حيرتهم ، وأضعفت نتاجهم الشعري .. "يرى ابن حسين " أنها جعلت الشعراء يبحثون عن مخرج من هذا الموقف وتلك الحيرة ، ووجدوا في المسلك الفني لكعب بن زهير في مطلع قصيدته " بانت سعاد " مخرجا لهم .. فأكثروا من الغزل في افتتاح قصائدهم "وجالوا فيه وصالوا ، حتى بلغ من إكثارهم فيه أن الناظر في شعرهم ، غير المتأمل لأحوالهم ، يخيل إليه أنه غرض مقصود عندهم لذاته " ، وهو في الحقيقة " نسيب قصد به محاكاة الأقدمين " .
    وإنني أتفـق مع التخريج الأخير لمسلك العلماء الشعراء في شعر الغزل : وهو تقليد الشعراء الأقدمين في العصر الجاهلي .. والأموي ، والعباسي .. حيث كانوا يبدأون قصائدهم بالغزل أو الوصف .. ، وهذه سمة عامة .. اتبعها " كعب بن زهير " في قصيدته ، ولكن هذه البدايات كانت مرتبطة بالجو النفسي للتجربة الشعرية وليست منفصلة عنها ، أما الغزل في بدايات قصائد العلماء الشعراء .. فكان متكلفا وغير متوائم مع الجوّ النفسي للتجربة .. وإنما هو محاكاة للتقاليد الشعرية المتوارثة التي أبدعها الشعراء الأوائل ، واتسمت تجاربهم بالأصالة والإبداع والابتكار .
    وأشار " ابن حسين " إلى قلة شعر الفخر عند " الشعراء العلماء " ولكن لم يعلل هذه الظاهرة ، مثلما علل لندرة الهجاء عندهم حيث رأى بأنهم ربأوا بأنفسهم عن أن تنحط إلى دركه ونزهوا ألسنتهم عن أن تتلوث بأدرانه ؛ وقد نبه إلى ظاهرة فنية في هذا السياق وهي أن " الهجاء إذا قاله العلماء الشعراء نجده يأتي في صورة التعريض والتلميح لا التصريح " .
    د - " الاحتفاء بالتيار الرومانسي ، والمبالغة في تقدير شاعرية حمد الحجي "
    وهذا الاحتفاء تجلى في تخصيص المحاضرة الثالثة من الكتاب لرصد تجربة شاعر شاب هو " الشاعر حمد الحجي " .. وجاءت دراسته لتجربة الحجي ممتزجة بالموازنة بينه وبين شاعرين من كبار شعراء العربية وهما أبو العلاء المعري قديما ، وأبو القاسم الشابي حديثا " وفي بداية المحاضرة صرح بأنه " لم يَرَ لحمد الحجي " نظيرا في شعراء العربية سوى " طرفة بن العبد " على الرغم من الفوارق البيئية الزمنية منها والاجتماعية بين الشاعرين ؛ وهذه الصورة التضخيمية تجسيد للمبالغة في تقويم شاعرية الحجي .
    ثم يقول الناقد مبالغا في الإشادة بشاعرية " الحجي " ومقدما تقويما نقديا شاعريا عاطفيا ، " أما الشابي فلم يبلغ شعره من الفحولة والتجويد هذا المبلغ الذي بلغه شعر شاعرنا هذا "؛ ثم يرى الناقد أن الحجي شاعر فحل يهز دوحة البلاغة ، فتتهادى دررها مشرقة على بساط شاعريته ، ليتنخل من فوائدها أغلى خرائده ولآلئه ، فتجيئ قصائد تذري بنفائس العقود ، وتهزأ باللؤلؤ المنضود ، ... تشع من أعطافها أنوار الأصالة ، وتفوح من أردانها طيوب الفصاحة فتأسر الألباب ، وتنعش الكتاب ، وتؤنـس الأغراب ، في عالم الفكر المبهم الدروب .. أما إنسان العصر الحديث ، عصر الاختراع والابتكار ، عصر الذرة وغزو الفضاء ، واكتناه مجاهل الوجود " ص 125 الأدب الحديث في نجد "
    والشاعر / عبد الله بن إدريس .. كان في تقويمه لشاعرية " حمد الحجي " أقرب إلى واقعه النفسي والفني حين قال " شاعر أصيل يمتاز بالجزالة والرواء ، والتناسق في البناء العضوي للقصيدة ، إلا أن شيئا جوهريا في العمل الفني ينقص شاعرنا هذا .. وهو التركيز ، فلو توفرت لديه أداة التركيز في العمل الفكري والتصويري غير المشوش لما شُقَّ له غبار في الميدان التأملي .(5)
    وفي سياق التأصيل للتيار الرومانسي .. يُقوَّم " ابن حسين " تجربة الشاعر خليـل مطران ، ويضعه وحده ممثلا للتيار الرومانسي في بيئتنا العربية ، وقد أثر تأثيرا فنيا في المدارس الأدبية التي ذاع صيتها وهي : مدرسة أبولو ، ومدرســة الديـوان ، ومدرسـة المهجر ، وتحت عنوان " مدرسة خليل مطران " يقول " لقد فتح " خليل مطران " باب التجديد ، بدعوته التي أطلقها عام 1328هـ ، والتي تتلخص في الدعوة إلى التجديد في مضمون القصيدة ، ووحدة البناء ، ونبذ شعر المناسبات ، وتحرّر الشاعر من التبعية للقصر ، والاهتمام بشعر الذات "
    وتأثير مطران في شعراء الاتجاهين " الديوان ، وأبولو " واضح .. ولكن تأثيره في الأدب المهجري ليست له دلائل واضحة ، ولا معالم ناطقة إلا الاتفاق في النهج العاطفي .. والتأثر بالتيار الرومانسي في الغرب .
    ويتفق د / ابن حسن مع د / طه حسين في رؤيته الفنية لشعر خليل مطران ودوره في التجديد حيث يقول طه حسين : " وثار " مطران " على القديم منذ مطلع هذا القرن الميلادي ، وآمن بوحدة القصيدة ، وآثر العناية بالمعنى على الاحتفال باللفظ البراق ، ونظم القصة الشعرية الرمزية والتاريخية والمتخيلة في وقت كان هم رصفائه فيه التهالك على المديح المصطنع ، وتقليد القدامى فيما أتقنوه من الحفاوة باللفظ " .
    ويؤكد " أبو شادي " رائد مدرسة أبولو تأثره بالمعالم الفنية التي أرسى دعائمها " خليل مطـران " والتي أشار إلى بعض ملامحها د / محمد بن حسين ، و د / طه حسين : يقول " أبو شادي " " جاء مطران بمذهب الحرية الفنية الصحيحة التي تحترم شخصية الشاعر ، واستقلال الفن عن الصناعة والبهارج والأناقة الزخرفية ، وكل ما يفرض العبودية على الفن من ألفاظ وقيود اتباعية ، لا يحتملها الجمال المطبوع وأصالة الفن ، ودعم وحدة القصيدة ، وشخصية الشاعر ، وفتح له باب الحياة على مصراعيه ، كما أفسح له آفاق الخيال ، وأبرز له كل شيء في هذا الوجود .. صغيراً كان أم كبيراً – [ كموضوع ] شعري خليق بعنايته وأهل للتناول الفني "
    وخليـل مطـران يؤكد هذه المعالم في مقدمة ديوانه الشعري .. ديوان " الخليل " فيقول : " هذا شعر عصري ، وفخره أنه عصري ، وله على سابق الشعر مزية زمانه على سالف الدهر .
    وشعر هذه الطريقة هو شعر المستقبل ، لأنه شعر الحياة والحقيقة والخيال جميعا . (6)
    و د / محمد بن حسين يتوافق مع الآراء السابقة في سياق رصده لأثر التيار الرومانسي في شعراء نجد .. وخاصة تجربة الشاعر حمد الحجي ، وتجربة الشاعر الأمير عبد الله الفيصل في ديوان " وحي الحرمان " ؛ ولكنه يُخرج من دائرة " التيار الرومانسي " بعض الشعراء الذين لم تتشكل خصائص الرومانسية في نتاجهم الشعري كله ، ومنهم " محمد سليمان الشبل ، وعبد الله القرعاوي ، ومحمد الفهد العيسى ... وكثير غيرهم " .
    ويقول مخالفاً الناقد الأستاذ / عبد الله عبد الجبار الرأي حيث أدرج هؤلاء الشعراء في إطار التيار الرومانسي في كتابه .. التيارات الأدبية في قلب الجزيرة العربية ، "غير أن سريان هذا التيار أو ذاك في شعر أحدهم لا يعني التزام هذا المذهب أو ذاك ، ولا يجوز الحكم على شاعر بمذهب من خلال قصيدة أو قصيدتين كما فعل بعضهم [ مثل .. عبد الله عبد الجبار ] في الحكم على هؤلاء الشعراء الثلاثة بقصائدهم التالية " ؛ وأثبت د / ابن حسين .. ثلاثة مقاطع من قصائد هؤلاء الشعراء .
    رد مع اقتباس  
     

  4. #4 رد : قراءة في معالم الخطاب النقدي للدكتور محمد بن سعد بن حسين 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    وفي سياق الاحتفاء بالتيار الرومانسي ، والتمسك بضرورة تمثل الشاعر لخصائص المذهب في جل نتاجه الشعري من خلال استقراء هذا النتاج وتقويمه ، يقدم " ابن حسين " وجها من وجوه التناقض في تصنيف الشعراء من قبل النقاد . ولكنه قد يكون تناقضا ظاهريا أو اختلافا في الأسماء .. التي قد يجمع الترادف بين مدلولاتها ، والشاعر الأمير عبد الله الفيصل نموذج لذلك ، ويقول " ابن حسين " : ألحق الأستاذ / عبد الله بن إدريس شاعرنا الأمير بالرومانتيكية ، وأما الأستاذ عبد الله عبد الجبار فقد ألحقه بالرومانسيين ، والأستاذ الدكتور طه حسين يرى أن الأمير رمزي ، كما أنه يربط بينه وبين الشعراء العذريين السابقين ككثيِّر عزة ، وجميل بثينه .
    ويجسد " ابن حسين " رفضه لهذا التصنيف المذهبي في تساؤله الرافض .. حيث يقول : " ومن يدري ؟ فقد يخرج علينا من يقول : إن عبد الله الفيصل واقعي ، أو كلاسيكي ، أو غير ذلك "
    [ ص 109 " الأدب الحديث في نجد ]
    وكما أوضحت آنفا – نجد أن الخلاف بين عبد الله عبد الجبار وابن إدريس خلاف لفظي – لأن الرومانتيكية – هي " الرومانسية " ، والخلاف ناشيء من الترجمة ، والجذر اللغوي للكلمة ، وقد قصد الرومانسيون باختيارهم هذا اللفظ عنوانا لمذهبهم إلى المعارضة بين تاريخهم وأدبهم وثقافتهم القومية أي الرومانسية .. وبين التاريخ والأدب والثقافة الإغريقية واللاتينية القديمة . (7)
    والتسمية الأخرى هي " الرومانتيكية " تقترب من هذا المفهوم ، فالكلمة ترجع في هذا الاشتقاق إلى المصطلح الألماني " رومانتيك " وهي في الإنجليزية والفرنسية والأسبانية والإيطالية يختلف نطقها لكنها تدل على مفهوم واحد .
    وبقي للكلمة إلى جانب معناها المذهبي شيء من معناها الاشتقاقي .. فكانت تدل على الإنسان الحالم ذي المزاج الشعري المنطوي على نفسه ، ثم امتد معناها إلى ما يشمل شبوب العاطفة ، والاستسلام للمشاعر ، والاضطراب النفسي ، والفردية ، والذاتية . (
    ويخلص الناقد " ابن حسين " إلى نتيجة اقتنع بها وهي أن التجربة الوجدانية في ظل الاتجاه الابتداعي العاطفي هي التي سيطرت على الشاعر في ديوانه " وحي الحرمان " ويرى أنه تأثر باثنين من شعرائنا المعاصرين خاصة ، وهما " علي محمود طه " و " إبراهيم ناجي " وتأثير هذين الشاعرين في شعر هذا الديوان أظهر من أن يحتاج إلى دليل .
    ويناقش " ابن حسين " رأي د / طه حسين : الذي يرى أن الشاعر الأمير اتخذ التصوير الرمزي وسيلة إلى الشكوى من الحرمان ، والتبرم به ، والتمرد عليه أحيانا .
    ويعلق ابن حسين على هذا الرأي موضحا أن التصوير الرمزي المشع بالإيحـاء غير الرمز المستغلق ، قائلا " إن الرمزية يستر الشاعر فيها مقصوده ، بستار آخر غير مبهم إبهاما .. كذلك الذي يوجد في الرمزية لدى المتأخرين ، أما الرمزية الحديثة التي تحيل الأدب إلى رموز وطلاسم وألغاز ، والتي من شروطها ألا يتفق فيها على مفهوم النص اثنان ، فنوع من العبث أرجو أن يكون شعراؤنا منه بمنجاة .
    [ ص 110 " الأدب الحديث في نجد ]
    ورؤية " ابن حسين " النقدية للرمز في شعر " الأمير عبد الله الفيصل" صائبة تدرك طبيعة التجربة الشعرية في ديوان " وحي الحرمان " ، حيث يوظف الشاعر الطبيعة في الإفصاح عن مشاعره ، وهو لا يترك الرمز ملغزاً ، بل يضيئه بالموازنة بينه وبين ما في الطبيعة من حالات مماثلة ، وهو يخالف الرومانسيين والرمزيين في اندماجهم الكلي بالطبيعة والفناء في مشاهدها ، فهو يتمتع بسكينة وجدانية يمليها عليه إيمانه بعقيدته التي تحرص على التوازن النفسي للمسلم ، فهو – كما يقول " صلاح لبكي " في مقدمته لديوان " وحي الحرمان – لا يشغلك بفلسفة ، ولا يجهدك باستقراء لتفسير معالم الكون ، وأحداث الحياة وأسرارها ، فهو مطمئن إلى عقيدة راسخة ، مرتاح إلى إيمان عميق ، لا يرقى إليه شك ، ولا تضطرب معه النفس ، لا ثورة على قدر ، ولا تجديف ولا غضب ، إذا حل المقدور وناء بكلكله استجار منه به ولاذ بالرضا مستعينا بالذكرى مما أضاع من أمل ، وفقد من حب ورغد وهناء . (9)
    2- فن القصة وسمات التقليد والمحاكاة :
    إن هذا الجانب لم ينل حظه اللائق به في خطاب د / محمد بن حسين النقدي .. حيث لم يقدم عنه إلا قرابة نصف صحيفة ، وربما يرجع ذلك إلى قلة النتاج القصصي في هذه المرحلة المبكرة ، إضافة إلى عدم جودته ، ولذلك يدلي الناقد بشهادته الموجزة قائلا : أما القصة فما زلنا نلمح سمات التقليد والمحاكاة فيها، وما زلنا نحسُّ أنها تعيش في أجواء وآفاق غريبة على البيئة التي كتبت فيها ومن أجلها ، وإن كانت في بعض جوانبها الفنية قد بلغت مبلغا لا بأس به ، وقد اختلفت حظوظها في ذلك ، وخير مثال لذلك القِصص التالية التي كتبها الأستاذ الأديب إبراهيم الناصر .. وهي [ أمهاتنا والنضال ، و " ثقب في رداء الليل " ، و " أرض بلا مطر " ]
    وبعض النقاد يضفي سمة فنية على نشأة القصة تميزها عن البلاد العربية الأخرى ، حيث لم تكن تعريبا كما كان شأن القصص الأولى في البلاد العربية الأخرى ، إنما كـانت عربية البذار والأرومة ، نسْغُها ونسيجها مستمدان من الشمس العربية ، والأرض السعودية ذاتها " . (10)
    ومن الذين كتبوا القصة في هذه المرحلة المبكرة سعد البواردي وعبد الله عبد الجبار وأحمد السباعي ، وحامد دمنهوري ومحمد بن أحمد النفيسة ، وغالب أبو الفرج .
    ويلاحظ أن كتاب القصة في مراحلها المبكرة كانوا في منطقة الحجاز أكثر منهم في منطقة نجد وفي المناطق الأخرى ؛ وهذا الواقع دفع د / محمد بن حسين في ختام تحليله لأنواع الكتابة في نجد ومنها " القصة " إلى القول بأننا مع ما أحرزناه من تقدم عظيم في مجال الأدب عموما والكتابة خصوصاً ، مانزال نشعر أننا لم ندْنُ من الهدف في كتابتنا ، ومازال كتابنا في جملتهم كتاب صحف وليسوا بأدباء ، ولكـن النـاقد يستثني بعض الأدباء الكبار من هذا الحكم مثل " عبد الله بن خميس " ، و" الشيخ حمد الجاسر " ؛ ثم يرى أن حكمه هذا الذي ارتآه منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاما ناشئ من وصف الواقع .. وليس له صفة الاستمرار أو العموم .. ويضع الناقد ثقته في شباب الأدباء الذين أصبحوا أعلاما وروادا بعد ذلك .. فيقول : " وعزاؤنا في ذلك أن العهد لم يطل بهم ، وأن البراعم حديثة التفتح ، فالمستقبل أمامهم أكثر رحابة وانفتاحاً "
    [ ص 213 " الأدب الحديث في نجد ]
    رد مع اقتباس  
     

  5. #5 رد : قراءة في معالم الخطاب النقدي للدكتور محمد بن سعد بن حسين 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    3- الكتابة في نجد بين التقليد والفن والعلم :
    يمهد د / ابن حسين لهذه القضية بإثارة الفجوة الهائلة الممتدة التي تراكمت خلالها عوامل النسيان على منطقة نجد ... ويرى أنه بعد ما مضى عهد الفتوح .. كان عهد نسيان التاريخ قد بدأ ، ثم يقرر أنه من التكلف أن نحاول البحث عن أي نوع يستحق الذكر من الكتابة في ماضي نجد المنتهي بقيام الإمام المجدّد محمد بن عبد الوهاب .
    واتباعا لمنهج مؤرخي الأدب ونقاده – يقسم " ابن حسين " الكتابة إلى ثلاثة أقسام [ 1- الكتابة الديوانية 2- الكتابة العلمية 3- الكتابة الفنية ]
    فأما الكتابة الديوانية :
    فيرى الناقد أنها تسير في أسلوبها ولفظها على نهجين متباينين كل التباين ، فتارة تلمح فيها الأسلوب العلمي ، واللفظ الفصيح ، وفي كتابات أخرى نجدها تجنح إلى العامية في لفظها وأسلوبها .
    وينبه الناقد " ابن حسين " إلى ظاهرة تجسد هذا التباين حيث تجتمع الظاهرتان في عمل واحد حيث يعمد بعض العلماء إلى ركوب العامية ، في محاولة إيصال الغرض المقصود إلى ذهن المخاطب العامِّي . (11)
    وأما الكتابة العلمية :
    فقد تعاطف معها الناقد وأنصف رجالها وهم من أئمة الدعوة المباركة ، ولكنه نبه إلى بعض سمات الضعف في كتابات العلماء ، وبعد تأمل كتاباتهم قال :" إن من يدرس مؤلفات أئمة الدعوة وأبناء عصرها لابد أن يخرج بالنتيجة الآتية :
    أ?- أن أسلوب تلك المؤلفات يحدد بوضوح نوع ثقافة مؤلفيها ، وذلك باتباعهم في أساليبهم وأفكارهم لأمامين جليلين هما : شيخ الإسلام ابن تيمية ، وابن القيم .
    ب- استطاع بعض هؤلاء العلماء التخلص من ذلك العمق الموغل المفضي إلى التعقيد والإبهام الذي اتسم به غالبا أسلوب الإمام ابن تيمية .
    جـ- تظهر في مؤلفات هؤلاء العلماء آثار من لغة مؤلفات عصر المماليك .
    د?- بعض العلماء كان يميل إلى استخدام اللغات الضعيفة التي يزدريها النحاة مثل لغة " أكلوني البراغيث " على حد تعبير النحاة .
    ويعترض د / ابن حسين على ازدراء النحاة للغة أكلوني البراغيث ، وذلك لأنها وردت على لسان أفصح العرب في بعض أحاديثه ، ويتساءل في دهشة واستنكار : فكيف يجور لنـا ازدراؤها ، وقد وردت على لسان أفصح العرب ؛ ويتمثل في قوله صلى الله عليه وسلم : " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل .. وملائكة بالنهار .." الحديث
    وينبّه " ابن حسين " إلى قيمة الكتابة العلمية بعد ذلك حيث اتسعت الـمدارك ، وتنوعت الثقافات .. ويرى أن هذا الجيل الذي يمثله " حمد الجاسر " والمؤرخ عثمان بن بشر ، والشيخ سليمان بن سحمان ، والدكتور يوسف الحميدان ، هؤلاء الكتاب في كتاباتهم العلمية استطاعوا أن ينجوا بأساليبهم مما وقعت فيه الأساليب القديمة من أخطاء كتكلف السجع ، والإكثار من الحشو ، وكذا الضعف اللغوي .
    وأما الكتابة الفنية في نجد :
    فيرى الناقد " د / محمد بن حسين " بأنها لم يكن لها وجود في هذا الجزء العزيز من بلادنا " نجد " إلا بعد منتصف القرن الرابع عشر الهجري بعشرة أعوام ، ... وقد قسم الكتابة الفنية إلى رسائل ومقالات وقصص ، وهذا التقسيم مألوف ومعروف لدى النقاد والباحثين ، ولكن الناقد لم يجد من النتاج القصصي ما يكفي للحكم على هذا الفن وتواجده في هذه الحقبة المبكرة قبل منتصف القرن الرابع عشر الهجري .
    وأمـا فن الرسائل .. فقـد حدد تاريخ نشأتها على يد فضيلة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن الملقب بالأزهري حيث قال : إن بذور الرسائل الإخوانية ، قد رميت قبل " 134 " عاما تقريبا .. وحدد ذلك التاريخ بعودة منشئها عام 1264هـ إلى نجد في عهد الإمام فيصل بن تركي ، ويسوق الناقد الشاهد والدليل على ذلك حين يقدم نموذجا لهذا اللون الفني متمثلا في رسالة بعث بها الشيخ عبد اللطيف الأزهري إلى الشيخ ابن عتيق . (12)
    والناقد " د / ابن حسين " لا يتكلف في أحكامه ، ولا يبالغ في ادعاء وجود الكتابة الفنية في نجد في القرن الثالث عشر الهجري .. ولكنه يتأمل .. كم خلّفه الآباء من هذا الإرث الفني في هذا الميدان .. فلا يجد ثمرة نافعة يتباهى بها .. فيقرر في حياد وموضوعية .. وفي أسلوب بياني مشرق ممزوجا بالأسى ، حيث لم تستكمل المسيرة الفنية رحلتها ، ولم تجد البذرة مناخا صحيا للنمو واستمرار الحياة .. فيقول :
    " غير أنه قد مضى على رمي تلك البذور قرن وثلث تقريبا ، فما الذي أضيف إلى عمل الشيخ عبد اللطيف ؟ ... لا شيء مطلقا .. فلقد بقيت نجد قفرا من الكتابة الفنية ، خلاء من فنونها وبدائعها ، حتى نهاية الستينات من هذا القرن حيث بدأت طلائعها تطل في شحوب وضمور ، شأن كل فن يبدأ من عدم مهين . (13)
    وفي سياق تقويم الكتابة الفنية يرى " ابن حسين " أن ذلك التقدم الباهر الذي أحرزته الكتابة في نجد إنما كان داخل إطار المقالة وما أشبهها .
    ويعلل هذا النضج الفني في كتابة المقالة إلى تأثر أقلام شباب الأدباء بما كان يكتبه الرافعي وطه حسين ، وأحمد أمين ، وعباس العقاد .. وأمثالهم من كبار الكاتبين .
    ويلاحظ أن الناقد لم يُعْن برصد أنواع المقالة ، ولا الأساليب الفنية للمقالة ... ، وربما لم يجد النماذج المتنوعة التي تدلل على تنوع المقالة عند أدباء نجد وكتابها ومنها :
    [ المقالة الدينية ، والمقالة الأدبية ، والمقالة النقدية ، والمقالة الاجتماعية ، والمقالة السياسية ] وبعض النقاد رصد أطوار فن المقالة وأنواعه .. والأساليب الفنية لهذا الفن ليس في منطقة نجد وحدها ولكن في المملكة العربية السعودية كلها .. وفي جميع مناطقها . (14)
    ومما يؤكد إقرار الأدباء بتأثرهم بنهضة الكتابة وأعلام الكتاب والأدباء في العالم العربي قول الكاتب والشاعر محمد حسن عواد في كتابه " خواطر مصرحة " : حيث يقول مؤكدا نزعته التجديدية " إعجابي بالكتبة العصريين أو الكرام الكاتبين ، يكاد يكون مختصرا في أمثال ولي الدين يكن ، والمنفلوطي ، وأمين الريحاني ، والعقاد ، ومي زيادة ، وسلامة موسى ، وهيكل ، والمازني ، من الكتبة الأحرار ، وهؤلاء مع أعضاء الرابطة القلمية جبران ، ونعيمة ، وعريضة ، وأبي ماضي " .
    ويتلمس " ابن حسين " مواطن الضعف ومكمن الداء في هبوط مستوى بعض الكتابات الفنية .. ويرى أن العلة تكمن في انصراف الناشئة عن الأدب الرفيع ، وكل ما من شأنه رفع المستوى الفكري عامة ، والأدبي خاصة .. في أمة مازالت في بداية الطريق لتكوين شخصيتها الأدبية ، وإيجاد مجتمع يتمتع بمستوى فكري تام " [ الأدب الحديث في نجد ص 214 ]
    4 - فن الخطابة : ملكة وموهبة .. وليس مقالات تلقى من فوق المنابر .
    يرى د / محمد بن حسين أن الخطابة من فنون الأدب .. والخطيب مثل الشاعر والقاص ، وكاتب المقال .. ، ولابد للخطيب من أن تكون ملكته ثابتة متأصلة عنده ... ، شأنه في ذلك شأن أي صاحب موهبة إبداعية في كتابة الشعر والقصة .. والرواية والمقال .
    والنقاد في العصر الحديث أغفلوا فن الخطابة .. ، ولم يرصدوا ملامح تطوره وتجدده ، ولم يعنوا بهذا الفن عنايتهم بفنون الأدب الأخرى ..، وهذا قصور وإهمال متعمد لأن الخطابة فن أدبي يقصد به إلى التأثير في نفوس المتلقين عن طريق مخاطبة قلوبهم ، وعقولهم ، وللخطيب أدوات تأثيرية في مقدمتها التفنن في جذب انتباه السامعين ، وإيقاظ ضمائرهم ، وإثارة مشاعرهم ، بما يلقيه الخطيب من عبارات لها إيقاعها المؤثر ، وفي صياغتها ، وفي نسيج كلماتها وحروفهـا ، وفي إلقائها ، وفي تلوين الصوت جهرا وهمسا ، وعلوا وانخفاضا، وغير ذلك من وسائل تأثيرية متعددة . (15)
    وانطلاقا من الخصائص الفنية للخطبة الناجحة يتوجه د / ابن حسين بهذا النقد الساخر إلى الخطباء الذي لا يتقنون فن الخطابة أداءً وتأثيرا وإقناعا ومراعاة لمقتضى الحال ، حيث يرى أن " الكل يكتب مقالا ثم يأتي فيلقيه من على المنبر كخطبة !!! "
    ثم يقول رافضا هذا الأسلوب في تقديم الخطبة [ ولو جاز لنا أن نقول .. عن أمثال هؤلاء : إنهم خطباء .. لوجب علينا أن نقول عن المحاضر ، والمدرس، وكتـاب الإذاعات ، والصحف والمجلات : إنهم خطباء ...!! ولم يقل بذلك أحد .
    ويقدم الناقد السمات الفنية التي تضمن للخطبة التميز والتأثير ، وللخطيب المهارة والتفوق ؛ ومن هذه السمات والخصائص التي يجب أن تعلن عن موهبة الخطيب وملكته البيانية [ فصاحة اللسان ، وجهارة الصوت ، وسرعة الاستحضار لمخزون الذاكرة ، وسرعة الخاطر ، وحضور البديهة ، والتحكم في الانفعالات النفسية وتكييفها حسب ما يقتضيه الموقف والمقام ، والثروة اللغوية المُمِدة بكثير من الضروريات في مثل هذا المجال ، ويرى الناقد أن في قصر الخطبة مصلحة متعددة الجوانب للجمهور المخطوب فيهم . (16)
    وينْعى د / ابن حسين على الخطباء تماديهم في إطالة الخطبة ، وهم يتسابقون في ذلك ويقول موجها " النقد الساخر " لهذه الظاهرة ، ويفرق بين رأي الفقهاء ورؤية علماء اللغة والأدب ، يقول " ولقد تكاثر المتسابقون في حلبة التجديد ، تجري بهم أقلامهم وألسنتهم ، حتى بلغ بهم التمادي في الإطالة إلى أن يقف الواحد منهم يوم الجمعة على المنبر ثلث أو نصف ساعة أو يزيد ، ليتلو على المصلين ذلك المقال الذي قام بإعداده ، ثم تدوينه في البيت ، وربما حفظه عن ظهر قلب ، وعلى المصلين أن يمكثوا هذه المدة سواء منهم من استعد لذلك ، ومن هو في وهج الشمس أو مس البرد ، ومن هو صحيح أو عليـل ، والخالي وذو الحاجة ، فهل يجوز لنا أن نقول عن هذا القول : إنه خطابة ؟
    في الاصطلاح الفقهي : نعم ، أما في مفهوم اللغة والأدب .. فلا ... ، "
    وهذا التصور الذي قدمه الناقد جاء في سياق تقويمه للخطابة الدينية ، وما يعتريها من الضعف في بعض الأزمنة ؛ ولكن هذا الحكم ليس عاما وليس مطرداً . لأن النص المكتوب إذا كان من إبداع كاتبه الخطيب ، واتسم بأسلوب عربي صحيح ، وصياغة أدبية مقنعة تجمع بين الشاهد العلمي المقنع .. والعبارة الجمالية المؤثرة ، ولا تكتمل مقومات الخطبة الصحيحة إلا إذا توجها الخطيب بإلقاء فني صحيح يجمع بين التأثيرات الصوتية ، ومراعاة أحوال المستمعين ، وإيراد الأدلة النقلية والعقلية التي تجمع بين الإمتاع والإقناع ، وخطب العـرب في جميـع العصور مدونة .. وقد أشاد الجاحظ في كتابه " البيان والتبيين " بخطابة العرب ، وأكد أن العرب تفوقوا على الفرس واليونان في هذا المضمار .
    وأرسطو ترك تراثا وافيا لهذا الفن في كتابه " الخطابة " وكتاب " جمهرة خطب العرب " الذي جمعه " أحمد زكي صفوت " مصدر نفيس لهذا اللون العـربي الأصيل ، الذي دونت متونه مثلما دونت الأشعار ، والوصايا والأمثال .
    فكتابة الخطبة وتدوينها ليست سمة الضعف ، وإنما الضعف ينشأ من ضعف عدة الخطيب المعرفية .. واللغوية ، وكذلك ضعف الإلقاء ، وضعف التأثير في المستمعين ، وبناء الخطبة وأسلوبها غير بناء المقال ، فإذا صاغ الخطيب الخطبة في صورة مقال .. ولا هـم له إلا أن يقوم بقراءة ذلك المقال ، فخطبته غير ناجحة ، وليس لها ثمرة فنية في عرف دارسي الأدب ونقاده – كما قال الناقد د / ابن حسين - .
    ولذلك نجده يشيد بالخطب التي يتجلى فيها قرب تناول اللفظ ، وسهولة مأخذه ، والبعد عن الغريب النافر عنه ، والنزوع بالتركيب عن أسباب الغموض والخفاء .
    رد مع اقتباس  
     

  6. #6 رد : قراءة في معالم الخطاب النقدي للدكتور محمد بن سعد بن حسين 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    المحور الثالث :
    أهم القضايا الأدبية والنقدية التي أثارها د / محمد بن سعد بن حسين وقدمها في كتاب " الأدب الحديث في نجد "
    - تتعدد مناهج النقد الحديث ، وتتعـدد تياراته ، مثلما تعددت مدارس الأدب ومذاهبه ، ومناهج البحث الأدبي هي : الطرق التي يدرس بها الأدب أو الأديب بحيث تستظهر خصائصه ، وما يتصل بنتاجه من بواعث ومظاهر وجوانب مختلفة تكشف عن حقيقة الشيء الذي يبحث فيه كشفا واعيا .
    - ومناهج البحث .. ومذاهب النقد لم تعد محصورة في الاتجاهات والمناهج المألوفة .. المتمثلة في المنهج التاريخي ، والفني ، والنفسي ، والاجتماعي ، والمنهج المتكامل كما عبر عنه " ستانلي هايمن " في كتابه " النقد الأدبي ومدارسه الحديثة " .
    وقفزت إلى الساحة عدة مناهج تمثل اتجاهات النقاد في تحليل الأعمال الأدبية ومنها : النقد التكويني ، والنقد الموضوعاتي ، والنقد التحليلي النفسي ، ونقد النص . (17)
    - ويقدم " ستانلي هايمن " في كتابه النقد الأدبي ومدارسه الحديثة عدة اتجاهات للنقد الأدبي تمثل في رأيه مدارس ، ولا يلغي بعضها البعض الآخر ، ومنها : النقد الاتباعي ، والنقد المعتمد على السيرة ، والنقد القائم على الموروث الشـعبي ، والنقد النوعي ، والنقد بالتفسير ، والنقد المتصل بالعمل الرمزي ، " والمذهب النقدي المتكامل " .
    - وتوالت موجات النقد الحداثي من البنيوية إلى التفكيك ، ولها روادها .. في العالم الغربي ولها أنصارها في العالم العربي ، ولها أيضا خصومها والذي قوموها ، ويعبر د / عبد العزيز حمودة عن موقفه من أصحاب هذا المنهج حين يقول : إنهم أحالوا النص المنقود إلى غابة متشابكة من البيانات والجداول الإحصائية ، والرسومات المعقدة من الدوائر والمثلثات والخطوط المتوازية والمتقاطعة والساقطة .
    ويقول " ليتش " في دراسته عن التفكيك " إن التفكيكية المعاصرة باعتبارها صيغة لنظرية النص والتحليل تخرب كل شيء في التقاليد تقريبا ، وتشكك في الأفكار الموروثة عن العلامة ، واللغة ، والسياق ، والمؤلف ، والقارئ ، ودور التاريخ ، وعملية التفسير ، والأشكال الكتابية ، النقدية ، ومن قبل التفكيكية فشلت البنيوية ، وقد أقر بذلك بعض نقاد الغرب وعدد من المفكرين الفرنسيين . (1
    و د / محمد بن حسين .. لم يحدد المنهج الذي اتبعه في رصده لمعالم الأدب الحديث في نجد ، وذلك لأنه تعامل مع عدة أجيال تباينت توجهاتها ، وتعددت مشاربها ، فمنهم " التقليديون " ومنهم " الإحيائيون " الذين يستشرفون معالم التجديد في حذر ، ومنهم الرومانسيون المتفتحون على آفاق التجديد ، ومنهم كذلك " الخطباء " وكتاب المقالة ، وكتاب القصة .
    وقد تعامل د / محمد بن حسين مع نصوص المبدعين تعاملا فنيا نابعا من المنهج الذوقي التأثري .. وهو في كل محاضرات الكتاب وفي جميع القضايا مزج بين المنهجين : التاريخي والفني .. وهذا النهج لم يتعمده الناقد ، ولم يحدد معالمه في مقدمة الكتاب ـ ولكنه قال : [ هذه مجموعة محاضرات ألقيتها في مواسم مختلفة ، وفي سنوات متعددة يجمعها موضوع واحد هو : " الأدب الحديث في نجد " أقدمها لك أيها القارئ كما هي دون تبديل أو تعديل ، وإن كانت النفس تنازع إلى إضافة أشياء وأشياء ] .
    وأهم القضايا الأدبية والنقدية التي أثارها ابن حسين .. هي :
    1- قضية إهمال الرواة والعلماء لأدب نجد منذ بداية القرن الثالث للهجرة حتى قيام الدعوة الإصلاحية في القرن الثاني عشر الهجري ، وظاهرة ضياع المخطوطات والمكتبات التي توضح بجلاء معالم هذه الحقبة ، وهذه القضية يجب أن يتنبه لها الباحثون ، وأن يجدّوا في البحث عن معالم هذه الفترة الضائعة ، لأنها امتدت حوالي " ثمانية قرون تقريبا " ويصور ذلك " ابن حسين " ويشاركه كثير من الكتاب والمفكرين هذا الرأي ، حيث يقول : " هناك فترة من تاريخ نجد – ليست بالقصيرة – أحاطها الغموض ، واكتنفها الظلام من كل جانب ، حتى بدا منبت الفصحى ، وكأنه من المجاهل التي لم يعمرها الإنسان . وهذه الفترة هي الواقعة ما بين العصر الأول من الحكم العباسي ، وقيام المصلح الكبير الإمام محمد ابن عبد الوهاب في منتصف القرن الثاني عشر .
    ويرى " د / محمد بن حسين " أن التسليم بهذه الحقيقة أمر مرفوض ، وواقع لا يجب الإقرار به ، ويستدل على هذا بأن الشعراء في كل العصور أشادوا بنجد ومعالمها ، وقد جمع بعض الباحثين ما قيل عن نجد من قبل الشعراء في كل مراحل التاريخ العربي .
    وينبه المؤلف كذلك إلى أن طلاب ورواد المعرفة كانوا يؤمون تلك البقعة من نجد ليحصلوا منها على الكتب والمخطوطات النفيسة ؛ ويؤيد موقفه هذا حينما يذكر أن المستشرق " عبد الله فلبي " في كتابه " تاريخ نجد " أشار إلى هذه القضية حينما قال : " ومن الغريب أن لدينا عن سدير تفاصيل تاريخية واسعة لأن معظم المؤرخين والفقهاء في تاريخ السعودية كانوا من سدير نفسها ، أو من البلاد المجاورة لها " .
    ويتساءل " د / محمد بن حسين " في دهشة مستنكرا ، ومستثيرا همة الباحثين والآثاريين " فأين هي تلك المخطوطات الضخمة الكمية التي ذكرها فلْبي ، إن لم تكن يد السرقة والإهمال قد عبثت بها ، ثم يقـدم المؤلف هذه النتيجة التي تلقي على كاهل الباحثين عبء المسؤولية ، وضرورة الجد في البحث والتنقيب عن آثار هذه الحقبة المجهولة ، حيث يؤكد المؤلف أن نجداً لم تكن مقفرة من الأدب ، خالية من الشعر في تلك الفترة التي أهملها فيها التاريخ ، لكن رواة الخبر ومسجِّلي الأثر هم الذين أغفلوا ذكر نجد ، حتى بدت وكأنها من مجاهل إفريقية التي لم يكن لها في التاريخ نصيب [ ( ص 20 ) الأدب الحديث في نجد ]
    2- إهمال العلماء للشعراء ، والعداوة بينهم أحيانا :
    وهذه القضية عرض " د / محمد بن حسين " أسبابها .. وحلل بواعثها .. ولكن العداوة لم تدم لأن الشعراء اضطروا بعد ذلك لنظم الشعر في الرد على خصوم الدعوة الإصلاحية ، وبعضهم أجاد ، وبعضهم أخفق .. ولم ينظم إلا معلومات ومعارف لا صلة لها بالشعر .
    وبالكشف عن بواعث هذه الخصومة بين العلماء والشعراء .. يرى المؤلف أن تعريض القرآن بالشعر ، وبعض الأحاديث الواردة في ذم الشعر أدت إلى هذا الموقف الرافض لفن الشعر ؛ وأرى أن الأمر ليس بهذه السهولة . فللعلماء الثقات آراؤهم حول الشعر المقبول والشعر المرفوض ، وقد جمع القرطبي في تفسيره أقوال المفسرين الأوائل واللغويين في تفسير قول الله تبارك وتعالى : " وما علَّمناه الشعر وما ينبغي له . إن هو إلا ذكر وقرءان مبين " وقالوا : " وإنما الذي نفاه الله عن نبيه عليه السلام فهو العلم بالشعر وأصنافه وأعاريضه ، وقوافيه والاتصاف بقوله ، ولم يكن موصوفا بذلك بالاتفاق .
    ومن الذين استشهد بهم القرطبي الشيخ أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي في كتابه " الزينة " ، وأبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا في كتابه " الصاحبي : في فقه اللغة " ، والسيوطي في كتابه " الإتقان في علوم القرآن " شارك في هذه القضية وقدّم رأيا فنيا صائبا ، والقاضي : أبو بكر الباقلافي فصّل القول في هذه القضية ، ونصّب نفسه للدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    ويقدم " ابن حسين " مخرجا لموقف العلماء من الشعراء .. وهو مخرج مقنع وغير مبالغ فيه : فيقول " إن كثيرا ممن طرقوا سبيل الشعر ، وامتهنوا القول فيه كانوا من المتطرفين المتساهلين في جانب الخلق والدين كأبي نواس وبشار بن برد ، وحماد عجرد وأترابهم . (1
    ومما يؤكد إهمال العلماء للشعراء عنايتهم بالخطابة والكتابة في الطور الأول من أطوار الدعوة الإصلاحية .. ، وهذه العناية كانت بعد عصور من الجدْب والجفاف في ميدان الخطابة والكتابة .. ، ونَجْد – كما يقول د / ابن حسين – التي رزئت في شعرها وفصاحة لسانها ، رزئت كذلك في خطابتها .. لكن متى ؟ وكيف كان ذلك ؟ .. لا أحد يعلم . فنجْد في فصول تاريخ عصور الإسلام الوسطى كبلاد الأساطير .. ماضٍ عامر ، وحاضر مجهول ، غير أنه لابد من أن تكون قد أصاب خطابتها ، ما أصاب خطابة أقاليم العربية الأخرى ، من إجداب في المعنى وإمحال ، مع تكلف وتصنع في المقال ، وركون إلى المدونات بعد العجز من البديهة والارتجال . [ الأدب الحديث في نجد ص 193 – 194 ] .
    3- معالم النهضة الأدبية في نجد والتأثر بالاتجاهات الجديدة :
    وهذه المعالم يتصدرها تأثر الشعراء في نجد وفي المملكة بصفة عامة بالمدارس والمذاهب الأدبية الجديدة في الثلث الثاني من القرن الرابع عشر الهجري ، وهذه المدارس هي : [ الديوان ، والمهجر ، وأبولو ] والاتجاه الرومانسي عند خليل مطران .
    ويسوق الناقد ابن حسين عدة أحكام " استطرادية " لا يؤيدها الواقع .. في موقفه من بعض الاتجاهات أو المدارس ، ومنها مدرسة الديوان .. فيقول منتصرا للاتجاه المحافظ عند شوقي ونظرائه ، حيث يقول عن مصير مدرسة الديوان :
    " غير أن تلك المدرسة لم تعمِّر طويلا ، فقد خربت بأيدي أهلها ، وعاد بعضها يأكل بعضا ، بعد أن أجهدت نفسها في النيل من عمالقة المدرسة التقليدية فعجزت عن تحقيق النصر ، لأن هدف الحملة كان مشبوها ، وذلك أمر غير معروف !!!
    ولا أدري سرَّ الحملة التي قادها العقاد وزملاؤه ضد شوقي وأنصاره ، وهي تكمن في الاختلاف الثقافي والفني ، وفي إدراك وظيفة الشعر ودوره بين الفريقين ، وكلا الفريقين على صواب .. لأن النتاج الشعري يصور رؤية الشاعر وموقفه من الحياة ، ويرسي " ابن حسين " قاعدة تمثل منهجه ورؤيته لتطور الظواهر الأدبية ، ومازال يتبنى هذا الموقف وهو أن التقليد هو الطريق إلى التجديد في كافة مجالات الحياة لدى كل أمة من الأمم ، ويدلل الناقد على رأيه بما يؤكد أنه يتبنى المنهج التاريخي ، مع الإشارة إلى التاريخ الطبيعي الذي يربط بعض ظواهر تطور الفنون الأدبية بمثل تطور الكائنات النباتية والكائنات الحية عموما حيث يقول " يشبه العلماء العلوم والفنون بالكائنات الحية ، في كونها تبدأ حياتها ضعيفة هزيلة ، ثم تأخذ في صعودها سلّم التدرج الطوري حتى تبلغ الذروة بعد أن تتم فيها الضروريات ، وتأخذ بنصيبها من الاكتمال ، عندئذ يجد البحث فيها عن التجديد ، حتى إذا ما استنزفت أدوات الترف والكماليات في حياتها صارت إلى المخالفات لكل ما هو مألوف .
    وإنما يكون ذلك على يد هواة التجديد والشهرة .. ممن ليسوا من أهل ذلك ، ويقدم " ابن حسين " تحليلا فنيا ورصداً نقديا لعدة شعراء مجددين ومنهم [ سعد البواردي ، وحمد الحجي ، والأمير عبد الله الفيصل ] .
    ومن الشعراء المحافظين التقليديين الذين أشاد بهم [ حمد الجاسر ، وخالد الفرج ، وعبد الله بن خميس ، وعبد الكريم الجهيمان ، ومحمد المسيطير ] .
    ويرصد المؤلف الرؤى الموضوعية التي أنتجتها قرائح الشعراء في هذه الحقبة المائجة بالأحداث ومن هذه الرؤى المواكبة لإيقاع العصر .. وأحداثه :
    1) الحنين إلى الوطن : ولا يكتفي الناقد بتجارب الشعراء الجدد ، ولكنه يستطرد ويورد أشعارا من الشعر القديم ، في الحنين إلى نجد ، وكذلك من الشعر المعاصر آنئذٍ .
    2) الشعر الوجداني : ويورد نماذج شعرية مع التعليقات الفنية الراصدة لأسرار التجارب في هذا المضمار ، واحتفى بتجربة الأمير الشاعر عبد الله الفيصل ، وناقش كثيرا من القضايا في هذا السياق .
    3) القضايا الوطنية : ويفسر المؤلف ظاهرة خلو تجارب الشعراء من الشعر السياسي ، ويعلل ذلك تعليلا صحيحا حيث يشير إلى سلامة البلاد وطهارتها من رجس الاستعمار الأجنبي ، إذ لم يكن للأمم الاستعمارية فيه أدنى نفوذ .
    4) القضايا العربية :
    وشارك الشعراء في قضية فلسطين ، وثورة الجزائر ، والاعتداء الثلاثي على مصر ، وقضية عمان ، وقضية السلام ... إلخ
    4- قضية الشعر الحر ، والشعر المنثور .. وموقف " ابن حسين " من هذين اللونين :
    رد مع اقتباس  
     

  7. #7 رد : قراءة في معالم الخطاب النقدي للدكتور محمد بن سعد بن حسين 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    إن هـذه القضية كثر حولها الجدل .. ومازال الجدل قائما حتى الآن ، ومن كبار النقاد الذين يرفضون هذين اللونين د / زكي نجيب محمود ، و د / الطاهر مكي ، و د / أحمد هيكل ، و د / محمد زغلول سلام ، و د / يوسف خليف ؛ ومن أقطاب الشعر المقفى أو شعر الشطرين " عمر أبو ريشة " ، و " محمد مهدي الجواهري " ، وصالح جودت ، ومحمد التهامي ، وعبد الله شمس الدين .
    ويرى د / زكي نجيب محمود أن ما يسمى بالشعر الجديد هو محاولة أن تكون هذه التجربة شعرا لكنها لم تبلغ أن تحقق لنفسها ما أرادت ، والفرق عندئذ لا يكون فرقا بين شعر قديم وشعر جديد بل يصبح الفرق فرقا بين الشعر وما ليس بشعر على الإطلاق .
    وبعض النقاد يرفض مصطلح قصيدة " النثر " وهم كثيرون ، ولكنهم يؤيدون كل أشكال الشعر الحر .. وفي مقدمة هؤلاء : نازك الملائكة ، و د / محمد النويهي ، و د / علي عشري زايد ، و د / إحسان عباس ، ود / حسن ظاظا ، ود / محمد مندور .
    ود / محمد بن حسين يعارض الشكلين " الحر " أو شعر التفعيلة ، والشعر المنثور أو قصيدة النثر ، وله أدلته التي تؤيد موقفه ، وهو ليس الرافض الوحيد .. لكنه ينضم إلى أسماء عديدة وكبيرة لها حضورها وتأثيرها في الساحة النقدية والأدبية ، ولا يكتفي " ابن حسين " بالرفض .. بل يطلق صيحته الجريئة والصادمة ويجعلها عنوانا موضوعا أعلى الصفحة في صفحتين من الكتاب ص 270 و 271 ويقول : الشعر الحر ليس شعراً عربيا ، ويردف هذه العبارة بعبارة تالية وهي [ الأسباب الفنية لهذا الحكم ] ، ثم يقول : " إنه لا يجوز لنا أن نعتبر ما يسمى بـ " الحر والمنثور " شعرا عربيا لأسباب عديدة من أهمها : فقدان الخصائص الذاتية الآتية :
    [ 1- الموسيقى الخارجية 2- الموسيقى الداخلية 3 – الاستقلال الكياني ]
    وحين ننظر فيما يسمى " بالشعر الحر والمنثور " لا نجد فيه من ذلك شيئا ، اللهم إلا ظلالا من الموسيقى الداخلية توجد في بعض مقطوعاته .
    ويتهم كذلك الشعراء الذين ينظمون في قالب الشعر الحر بالتكلف واللف والدوران والتكرار ، لمحاولة إبراز المقصود ؛ وكأنما الشاعر وهو يكتب قصيدته يعاني عملية ولادة مستعصية .
    أما الموسيقى الخارجية والتميز والاستقلال الكياني : فيقرر " ابن حسين " أنه لا نصيب لهذا الدعي فيهما ، وهو يقصد بالدعي هذا اللون من الشعر أو الشاعر الذي أنتج هذا اللون الدعي ، ويبالغ في الحكم ويرى أن الهدف هو العمل على هدم هذه القيمة الفنية بدافع من عوامل عديدة ، بعضها من ذات الشاعر المغمورة بمركب النقص ، وأخرى هدامة مخربة وجهته شعر أو لم يشعر إلى مصير سحيق .
    * وهذه الرؤية الرافضة لشعر التفعيلة تحتاج إلى مناقشة وتحليل ، ولكن لكل وجهته ورؤيته شريطة أن لا يرفض الآخر .. وإنما يظل الخلاف حول الشكل والقالب الشعري .
    وأقدم رأي د / محمد مندور : وهو من أعلام النقاد في العصر الحديث ، في سياق الرد على د / زكي نجيب محمود .. وعلى كل من يرفض هذا الشكل الشعري الذي فرض وجوده على الساحة الأدبية ، وتشعبت طرائقه ، وتعددت أشكاله .. وتجاربه : يقول د / محمد مندور [ أبدأ فأؤكد للدكتور زكي .. بأن ما نسميه شعرا جديدا اليوم يكاد يكون الخلاف بينه وبين الشعر التقليدي الذي لا يزال يصدر عن الذاكرة أو من التوليدات الجافة العقلية ، ويكاد يكون الاختلاف بينهما اختلافا في الطبيعة لا في نسبة الشاعرية وحدها ، وهو اختلاف لا يقتصر على الشكل الموسيقي للبيت والقصيدة ، بل يمتد أيضا إلى المضمون الشعري في شكل البيت وشكل القصيدة إنما ينبع من تغير الذوق الجمالي وحده ، بل ومن تغير المضمون الشعري وطرائق التعبير والتصوير أيضا . (20)
    وقد آثرت أن أقدم نص د / محمد مندور ، في هذا السياق لأنه قيل مبكرا .. وكانت حركة الشعر الحر مازالت في بدايتها ..، وكذلك قال د / محمد بن سعد بن حسين .. رأيه في زمن قريب في عقد الستينات من القرن العشرين ، وبعض النقاد يغير من آرائه أو يعدل بعد ذلك ، ويلاحظ أن د / ابن حسين .. قدم رأيه في سياق تقويمه لشعر الشاعر السعودي سعد البواردي ، والشاعر التونسي الهمامي ، وأراد أن يدلل على رفضه لهذا اللون التفعيلي ، فأتى بنموذج من نثر الأستاذ / محمد فريد وجدي ، ونموذج من شعر الطاهر الهمامي ، ونص " الهمامي " من الشعر المنثور وليس من شعر التفعيلة ، وقد فضل الناقد نثر محمد فريد وجدي على النص الشعري التونسي .
    وقد تعاطف الناقد مع تجربة " سعد البواردي " .. ولم يرفضها ولم يكل له الاتهامات ، ولكنه قرر بأن قوالب أعماله الشعرية جلها من الشعر العمودي ، وينعته بأنه من الرواد الأوائل الذين تركوا بمجهوداتهم العلمية والأدبية أثرا بالغا على صحافتنا ، ثم يقول : فكل مأخذ عليهم مغتفر في جنب ذلك السبق .
    ومما يدل على أن هجوم ابن حسين على قالب الشعر الحر بدأت تقل حدته ، أنه قدم نموذجا شعريا للشاعر / سعد البواردي .. ووصفها بأنها مما يسمونه " الشعر الحر " وقال : " والحق أنه من أجود ما كتب في مثل هذا : قصيدة بعنوان " ابتهال "
    يقول الشاعر / سعد البواردي :
    رباه ...
    كم يتعاظمون على مشيئتك الكبيرة
    فيسرقون .. ويهدمون ..
    .. ويبطشون .. بدون خشية
    ويقوضون بنغمة الأحقاد آمالا فتيّة ... إلخ القصيدة
    5- أثار د / ابن حسين قضية الشعر الفصيح ، والشعر " النبطي " الشعبي ، ونوّه في إعجاب بخصائص الشعر العامي عند " ابن بليهد " وأقر بفنية هذا اللون وتأثيره في أذواق الناس ، وهو في الوقت نفسه يرفض " الشعر الحر " والشعر المنثور وهما فصيحان !!
    ويقول في هذا السياق : غير أن هناك مسألة تجدر الإشارة إليها ، وهي أن الناظر في شعر الشيخ " ابن بليهد " يتبين أن شعره العامي في مجاله أقوى من شعره الفصيح في مجاله . [ ص 59 ، 60 ]
    ويؤيد الناقد المؤرخ " ابن حسين " موقف " ابن بليهد " حين يتهم رجال الأدب بالخروج على المعايير الصحيحة في تقييم الأدب ، لأنهم وصموا الشعر الشعبي بالسطحية والقحولة والجفاف ، وهذا الموقف يؤكد تعاطف " ابن حسين " مع الشعر الشعبي وقائليه ، لأنه يصور البيئة ، ويرصد أحوال الناس ، ويجسد عواطفهم ، وينحت خيالاته من الطبيعة التي تشاركهم حياتهم .
    6- ومن معالم الخطاب النقدي والأدبي لدى د / ابن حسين [ الموازنات النقدية والأدبية :
    وهذه الموازنات عقدها بين اتجاهات بعض الشعراء السعوديين وتجارب بعض الشعراء العرب المتأثرين بالمذاهب الأدبية الحديثة ، مثل الموازنة بين حمد الحجي والشاعر المهجري إيليا أبي ماضي ، والموازنة بين الحجي وأبي القاسم الشابي ، ورصد أوجه التلاقي بين الحجي وأبي العلاء المعري .
    وإذا كانت هذه الموازنات قائمة على رصد أوجه التشابه بين " الحجي " وهؤلاء الشعراء فإن المؤلف بالغ في تقديره لشاعرية الحجي في بعض المواقف وفضله على جميع شعراء العربية ما عدا طرفة بن العيد ، ولكنه لم يدلل على المشابهات والخيوط الفنية بين الحجي وطرفة ، مثلما دلل على ذلك حين عقد الموازنات بينه وبين الشعراء الآخرين ، ولكنه لا يجزم بأن الشاعر قرأ شعر إيليا أبي ماضي أو شعر الشابي ، ومع ذلك يسوق وجهين من أوجه التلاقي بين أبي ماضي والحجي .. وهما :
    1) الأصالة والعمق في اللغة والتعبير والفكرة والأسلوب .
    2) الانسياق وراء الأفكار التأملية إلى ما وراء المألوف .
    ويعقد " ابن حسين " الموازنة الكاملة بين الحجي والشابي حيث يقدم أوجه الاتفاق وأوجه الاختلاف وهي موازنة فنية جيدة ويجدر بها أن تفرد بدراسة نقدية مستقلة من أحد الباحثين الجدد .
    فأما أوجه الاتفاق .. فهي كما أوردها " ابن حسين " ولكنه لم يقدم الشواهد التطبيقية عليها :
    1- صفاء الديباجة ، وتأجج العاطفة ، وصدق التعبير .
    2- النظرة المتشائمة .. المتبرمة بالناس .
    3- الطموح ونشدانه ما هو أفضل وأكمل .
    4- تلاحم الصور والمعاني ، وأخذ بعضها بحجز بعض .
    5- السن والشاعرية المبكرة .
    وأما أوجه الاختلاف فهي متعددة تشمل النشأة وظروف الحياة والبيئة والصحة والحالة الاجتماعية والنفسية .
    7- رصد ملامح تطور الخطابة والكتابة في العصر الحديث في نجد ، والموازنة بين خـطب الإمام محمد بن عبد الوهاب وغيره من خطباء الجيل السابق .
    رد مع اقتباس  
     

  8. #8 رد : قراءة في معالم الخطاب النقدي للدكتور محمد بن سعد بن حسين 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    والموازنة هنا أكثر إقناعا من الموازنة بين الشعراء في القضية السابقة ، حيث يقدم الناقد نصين : أحدهما يمثل الوجه التقليدي للخطابة بكل مظاهر الضعف والتكلف ، والآخر يمثل الوجه المتطور والمتجدد للخطابة ، ورصد ابن حسين سمات التميز وأطلق على هذا الصنيع " الطريقة المدرسية "ومن أهم هذه السمات التي توشحت بها خطابة الإمام محمد بن عبد الوهاب [ وضوح القصد ، قصر الخطبة ، قصر الفِقَر ، السجع غير المتكلف ، وحدة الموضوع غالبا .. إلخ ]
    ويضع " الناقد " احتراسا .. وقيدا لهذا التميز .. فهو ليس على الإطلاق أسلوبا وفكراً وصوراً وتأثيراً فيقول : وهي في نظري الخطابة المطابقة لمقتضى الحال إذا ما أخذنا في اعتبارنا نوع ثقافة المجتمع الذي قيلت فيه ، والبيئة الخاصة التي تحيط بالمجتمع ( ص 197 الأدب الحديث في نجد ) .
    1- ومن القضايا التي أثارها د / محمد بن حسين .. والتي تعد معلما من معالم خطابه النقدي .. ويثيرها دائما في مجالسه الأدبية ، ومناقشاته للرسائل العلمية ، وأحاديثه الإذاعية .. وهي تتمثل في رصد ملامح الـضعف الأسلوبي ، والتكلف في الكتابة العلمية لبعض العلماء والكتاب ، وينبه الناقد إلى ظاهرة أسلوبية توحي برحابة صدره ، والبعد عن التشدد في تمسكه بقواعد الفصحى وذلك في ضوء القاعدة البلاغية " مراعاة مقتضى الحال " وقاعدة " لكل مقام مقال " .
    فيقول : "وقد يعمد بعض العلماء ، إلى ركوب العامية ، في محاولة إيصال الغرض المقصود إلى ذهن المخاطب العامي " وهذه رؤية عصرية لدور اللغة في إقناع الجماهير ورفع مستواهم وعدم تنفيرهم من اللغة ، والحرص على تقديم الخطاب الأدبي والديني والتربوي سهلا يسيرا في أسلوب مشوق مرغِّب .
    2- قضية الضعف اللغوي .. وهي من القضايا التي أثارها " ابن حسين " في سياق رصده لفن الكتابة في نجد ، وبحثه عن الأسباب التي أدت إلى هبوط مستوى كتاب نجد .. وعدم تطورهم الفني .
    ويرى الناقد أن بعض المؤسسات التي من شأنها أن تكون وسائل قوة وتجديد وتطوير غدت وأصبحت من أسباب ضعف الكتابة وهبوط مستوى الكتاب في نجد ، وهي مصدر ذلك الداء : وهي تتمثل في [ المدرسة ، الصحافة ، المكتبات التجارية " حوانيت الكتب " ، والإذاعة والتليفزيون ... ] لأنه هذه المؤسسات لم تقم بدورها المنشود والمنوط بها ، وهناك عاملان آخران وهما : غلاء الكتاب العربي ، وعدم اشتداد المعارك والخصومات الأدبية التي كانت تنشأ بين كبار الأدباء من أمثال الرافعي والعقاد وطه حسين .
    وهذه الرؤية ارتآها الناقد منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاما ، وربما تغيرت الظروف الاجتماعية ، والفكرية والثقافية ، ولهذا التغير أثره في تنشيط الحركة الأدبية والثقافية مع التوسع في إنشاء الجامعات والمعاهد العلمية المتخصصة ، وكثرة الصحف والمجلات الثقافية ... ، كل هذه الظواهر يمكـن أن تمثل مخرجا من الأزمة الفكرية العنيفة التي أشار إليها " ابن حسين " في سياق تحليله لظاهرة الضعف الفني واللغوي ، والبحث عن العوامل التي تساعد على الخروج من دائرة التقليد والمحاكاة والضعف .
    3- نقد النصوص والموازنة بينها ، وتحليلها في ضوء المنهجين التاريخ والفني .. تحليلا ينبئ عن ذائقة أدبية نقدية متطورة تنبع من التراث ، وتواكب المعاصرة ، وتنزع إلى التجديد في حذر ، وقد عُني ابن حسين بشعر الحـجي عناية خاصة .. وتناول بعض قصائده بالتحليل الموضوعي والفني ، ولكن العناية بالمضمون كانت أوفى من العناية بالتشكيل الفني بكل جوانبه ، ومع ذلك نراه يقوم في بداية هذا التحليل النصي تقويما فنيا مجملا للقصيدة ولكل نتاج الشاعر فيقول : والجميل أنك تقرؤها حتى آخرها فلا تحس بها كلمة قلقة ، أو قافية مضطربة ، فكل كلمة – قافية كانت أو غير قافية – قد استقرت في مكانها هادئة مطمئنة ، شأنها في ذلك شأن جميع شعره ، قصاره وطواله في ذلك سواء . [ ص 150 الأدب الحديث في نجد ] .
    4- رصد معالم أثر دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب في فنون الأدب الحديث في نجد ، وفي مناطق المملكة الأخرى ، وتقويم إيجابيات هذا الأثر وسلبياته في ضوء الشواهد الدالة على ذلك .
    ويؤكد ابن حسين في خطابه الأدبي والنقدي أن أدب الجزيرة له طابع خاص ينبع من تأثير الدعوة الوهابية على الرغم من تأثره بالمذاهب الأدبية الجديدة .. ويصور ذلك قائلا " إن الدعوة سيطرت سيطرة كاملة على موضوعات الأدب منذ نشوئها إلى بعيد منتصف هذا القرن تقريبا ، حيث بدأ التجديد في الموضوعات الأدبية " .
    والتأثر بالمدارس الجديدة – كما يقول المؤلف – كان في الموضوع والأسلوب دون الألفاظ وبعض الفكر الممقوتة ، وذلك جانب من جوانب أثر الدعوة في أدبنا في المملكة العربية السعودية ، وهذا الأثر الذي أحدثته الدعوة في الأدب – كما يقـول المـؤلف – أثار كوامـن المشاعر ، ونبه غوافل الخواطر ، وأنطق الشعراء بالشعر الشاعر ، والبيان الساحر ، وفتح لهم آفاقاً يسبح فيها الخيال ، ويتسع المقال ، وأبدى لهم من الروائع .. ما وصلوا به قديم الشعر بحديثه ، وطريفه بتليده ، إلى ما فتحوا به في الشعر من ميادين ، ساووا فيها السابقين ، وبذُّوا فيهـا النـاهضين .
    ( ص 237 الأدب الحديث في نجد ) .
    ومن الشعراء الذين اندمجوا في الدعوة ، وأشادوا بتعاليمهـا الشاعر " أحمد بن مشـرف " وشعره في بعض التجارب كان نظما لتعاليم الدعوة ، وهو أشبه بالمنظومات التعليمية ، ومن هذه التجارب قصيدته " الشهب المرمية على المعطلة والجهمية " ومن الشعراء الذين شاركوا بشعرهم في مسيرة الدعوة " عبد العزيز بن طوق " و " علي بن حسن العـسيري " و " أحمد إبراهيـم الغزاوي " وهو شاعر حجازي و " عبد الله عمر بالخير .
    ولم يكتف د / ابن حسين بإظهار أثر الدعوة في الشعر ، ولكنه قدم عدة مقالات يتوج مضامينها بأنفاس الدعوة الإصلاحية التي تتجه إلى إصلاح الواقع الإسلامي في جميع أنحاء العالم .
    ولا أدري لماذا أقحم المؤلف عدة قصائد بين المقالات ، ولعله أراد أن يمزج الفنون الأدبية ، ويوحد فيما بينها في سياق إظهار أثر الدعوة في الأدب الحديث .
    وأضـاف الناقد مظهراً جديد من مظاهر تأثير الدعوة في الأدب وهو : إثراء المكتبة الأدبية بما دفعته أقلام كل من المـؤيدين لها والنافحين عنها ، والمعاندين والمعارضين لهـا ؛ واندلعـت حـرب كلامية صال فيها وجال كل من الفريقين – ما بين ناثر وناظم – استخدما ما أوتياه من فصاحة لسان وقوة بيان لتجلية ما لكل منهما من حجة وبرهان .
    وخير شاهد ختم به د / محمد بن حسين : قصيدة جيدة السبك ، سامقة المعنى ، فخمة اللفظ ، مشرقة الديباجة وهي قصيدة " شموس من التحقيق " للشاعر محمد بن عثيمين ومطلعها :
    شموس من التحقيق في طالع السعد تجلت فأجلت ظلمة الهزل والجد
    وبعد : فهذه قراءة أولى لمعالم الخطاب النقدي الذي قدمه د / محمد ابن حسين ، وهي ليست قراءة شاملة لكل ما قدمه الرجل ، ولكنها محاولـة لاستكشـاف الخطـوات الأولى للجهـد الذي قدمه هذا العالم الأديب ، والشـاعـر الناقـد الـذي تعامـل مع المنتج الأدبي تعامـلاً مباشـراً ذوقيـا تأثـريا ، ولم يعتمد على النقول الكثيرة ، وقدم رصدا وجهدا طيبا في تجلية بواكير النهضة الأدبية في منطقة نجد مهاد الفصحى ، ومنبع الإبداع العربي الأصيل .

    والله الموفق



    ...............................................

    الهوامش والإضاءات – كما وردت بالبحث –

    حسب ترتيب الصفحات :

    1- انظر : الأدب الحديث في نجد : تأليف الشيخ / محمد بن سعد بن حسين – المدرس بالمعهد العلمي بالرياض – تقديم وتعليق د / عبد السلام سرحان : مطبعة الفجالة الجديدة بالقاهرة ط 1 1971م ، وقد أفاد أ . د . محمد بن سعد ابن حسين بأنه فرغ من تأليف هذا الكتاب في عام 1373هـ - 1963م .
    2- انظر : البحث الأدبي .. د / محمـد بن سعـد بن حسين [ السيرة الذاتية للمؤلف ] ط 1 1422هـ - 2001م دار عبد العزيز آل حسين للنشر والتوزيع .
    3- انظر : النقد الأدبي : أصوله ومناهجه : سيد قطب .
    4- انظر : مناهج البحث الأدبي بين القدامى والمحدثين / د / صابر عبد الدايم ، ود / محمد داود ط 4 1425هـ - 2004م .
    5- انظر : شعراء نجد المعاصرون – عبد الله إدريس ص 201 ط 1 1380هـ - 1960م – النـادي الأدبي بالرياض ط 2 1423هـ - 2002م .
    6- حول الرومانسية العربية وخصائصها .. وأتباعها تنظر الكتب الآتية :
    أ – ديوان الخليل : تأليف خليل مطران .
    ب- خليل مطران : د / محمد مندور ( جـ ) شوقي وحافظ : د / طه حسين .
    د - دراسات في الأدب العربي الحديث ومدارسه د / محمد عبد المنعم خفاجي .
    هـ - الأدب العربي في العصر الحديث بين التقليد والتجديد د / صابر عبد الدايم ( و ) الأدب الحديث في نجد د / محمد بن سعد بن حسين .
    7- انظـر : الأدب ومذاهبه د / محمد مندور ص ( 59 – 60 ) .
    8- انظر : " الرومانتيكية " د / محمد عنيمي هلال ص ( 5 – 6 ) .
    9- انظر : " مقدمة صلاح لبكي لديوان : وحي الحرمان
    وانظر التجربة الإبداعية في ضوء النقد الحديث : لكاتب البحث [ دراسة من ثمرات الحرمان في شعر الأمير عبد الله الفيصل ]
    10- الحركة الأدبية في المملكة العربية السعوديـة ص 463 د / بكري شيخ أمين ط 1 1972م – 1392هـ .
    11- انظر : شاهدين للظاهرتين : في رسالتين تمثلان نوعي الكتابة الديوانية ص ( 203 – 205 ) .
    12- انظر : نص الرسالة في " الدرر السنية " ص 3 وانظر الأدب الحديث في نجد ص 211 .
    13- انظر : الأدب الحديث في نجد ص 212 .
    14- انظر الحركـة الأدبيـة في المملكـة العربية السعودية د / بكري شيخ أمين .
    15- انظر : الحديث النبوي : " رؤية فنية جمالية " لكاتب البحث : دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر : الإسكندرية 1999م .
    16- انظر : الأدب الحديث في نجد ص 200 – 201 د / محمد بن سعد بن حسين .
    17- انظر : المناهج النقدية المتعددة في كتاب " مدخل إلى مناهج النقد الأدبي : لمجموعة من المؤلفين " ترجمة د / رضوان ظاظا – عالم المعرفة بالكويت عدد 221 .
    وانظر : مجلة فصول " عدد خاص عن : اتجاهات النقد العربي الحديث " .
    18- يرجع في هذه القضية إلى " المـرايـا المحـدبة : د / عبد العزيز حمودة – الفصل الرابع " . التفكيك والرقص على الأجناب .
    19- انظر : تفسير القرطبي " الجامع لأحكام القرآن " .
    و انظر دراسات في أدب الدعوة الإسلامية د / محمود زيني / مكتبة الخانجي القاهرة .
    وانظر لمزيد من التفصيل الكتب الآتية :
    1- الزينة لأبي حاتم الرازي .
    2- الصاحبي في فقه اللغة لأحمد بن فارس .
    3- الإتقان في علوم القرآن للسيوطي .
    4- إعجاز القرآن لأبي بكر الباقلاني .
    20- انظر : مجلة " المجلة " بالقاهرة عدد نوفمبر 1961 م ، وكتاب " ثقافتنا بين الأصالة والمعاصرة / جلال العشري وكتاب محمود حسن إسماعيل بين الأصالة والمعاصرة : لكاتب البحث ص 283 – 287 دار المعارف بالقاهرة 1984م .
    21- انظر : تفصيل ذلك في " الأدب الحديث في نجد ص 145 – 165 " .
    (انتهى البحث)
    رد مع اقتباس  
     

  9. #9 رد: قراءة في معالم الخطاب النقدي للدكتور محمد بن سعد بن حسين 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    للـــــــرفع
    رد مع اقتباس  
     

  10. #10  
    بارك الله بك أستاذنا الكريم.
    كنت أبحث عن هذه المادة النفيسه من المؤسف عدم الانتباه لها .
    هل صارت إلى كتاب كبير نطلبه؟
    ولكم الشكر
    رد مع اقتباس  
     

  11. #11 رد 
    غير مسجل
    زائر
    بل قولي رحمه الله
    رد مع اقتباس  
     

المواضيع المتشابهه

  1. ( ما بعد اللقاء ) للدكتور محمد غنيم
    بواسطة عبد المنعم جبر عيسي في المنتدى الشعر
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 23/05/2012, 08:00 PM
  2. طبعة جديدة من كتاب «مُراجعات في الأدب السعودي» للدكتور حسين علي محمد
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى مكتبة المربد
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 28/02/2008, 06:24 AM
  3. «في الأدب السعودي الحديث» كتاب جديد للدكتور حسين علي محمد
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى مكتبة المربد
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 28/02/2008, 06:04 AM
  4. قراءة في قصيدة «نبوءة» للشاعر الدكتور حسين علي محمد
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى قضايا أدبية
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 31/12/2007, 04:50 PM
  5. مقدمة قراءة جديدة للسرد القصصي في الخطاب القرآني
    بواسطة المساوي في المنتدى إسلام
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 18/05/2007, 01:30 PM
المفضلات
المفضلات
ضوابط المشاركة
  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •