الملاحظات
الرد على الموضوع
صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 1 2 3
النتائج 25 إلى 34 من 34

الموضوع: العلمانية

  1. #25  
    المدير العام الصورة الرمزية طارق شفيق حقي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2003
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    12,881
    مقالات المدونة
    156
    معدل تقييم المستوى
    10
    تعرف على العلمانيةالمصدر: جريدة التعاون
    بقلم: نور الدين



    الحرب الدائرة بين معسكرى العلمانية والإسلاميين حول قضية تطبيق الشريعة، يدعونا بشدة أن نعلم القارئ الحبيب ماهية العلمانية وبماذا يؤمن العلمانيون المناهضون لتطبيق الشريعة فى مجتمعنا المسلم التواق لها، ذلك أن القواميس الغربية والتى نشأت فيها العلمانية، عرفتها أن كلمة عملانى تعنى جاء هذا فى القاموس الانجليزى دنيوى أو مادي، وليس دينى أو روحاني، وليس بمترهب أى ليس رهبانيا، وجاء فى القاموس نفسه أن معنى كلمة علمانية هى النظرية التى تقول ان الأخلاق والتعليم يجب ألا يكونا مبنيين على أسس دينية.
    وفى دائرة المعارف البريطانية تعرف العلمانية، بأنها حركة اجتماعية تهدف إلى نقل الناس من العناية بالآخرة إلى العناية بالدار الدنيا فحسب، ودائرة المعارف البريطانية حينما تحدثت عن العلمانية، تحدثت عنها ضمن حديثها عن الإلحاد الذى قسمته إلى إلحاد نظرى وإلحاد عملي، وجعلت العلمانية ضمن الإلحاد العملي.
    ينبغى لنا أن نعرف أن العلمانية وجه آخر للماسونية اتبعه دهاة اليهود وفلاسفة المادية والإلحاد، ليجذبوا إليهم الذين اتخذوا موقفا حذرا من الماسونية والوجودية والشيوعية، وظهر الفكر العلمانى أول ما ظهر كفكر معاد للدين وعلمائه، كرد فعل لفساد القساوسة والرهبان فى الكنيسة الأوربية فى العصور الوسطي، حيث اضطهادهم للناس، وسلبهم أموالهم وأراضيهم، وكان أول من دعا إلى فصل سلطة علماء الدين عن السياسة والحكم الفيلسوف ديكارت ثم بيكون ثم سبينوزا ثم جون لوم وجميعهم ملحدون وتبعهم جان جاك روسو وفولتير الذى ألف كتاب «القانون الطبيعي» منكرا فيه وجود الله وأنه خالق الكون وناسبا الخلق والإبداع للطبيعة ذات القدرات الخارقة.
    ثم تبعه وليم جودين عام 1793م من خلال كتابه «العدالة السياسية» داعيا فيه إلى العلمانية والابتعاد عن الدين.
    ذلك معين العلمانيين البغيض الذى ينهلون ويغترفون منه سما زعافا يريدون نشره فى مجتمعنا المسلم الأبي. والحديث موصول بمشيئة الله وحوله وقوته.
    التعديل الأخير تم بواسطة طارق شفيق حقي ; 25/04/2018 الساعة 10:00 PM
    رد مع اقتباس  
     

  2. #26  
    المدير العام الصورة الرمزية طارق شفيق حقي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2003
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    12,881
    مقالات المدونة
    156
    معدل تقييم المستوى
    10
    فرنسا ومعركتها ضد الحجاب «العرفي» وليس الخمار «الاسلامي» (1-2)

    الاختلاف بين العقلانية الإسلامية والعلمانية الأوروبية

    تصغير الخطتكبير الخط
    محمد أبوالقاسم حاج محمد
    تدور معركة راهنة ومشهودة في فرنسا بين «الدولة» وما اصطلح عليه «بالحجاب الإسلامي». ومن ثم اتخذت المعركة طابع الصراع، ما بين «النهج العلماني» و«الأخلاق الدينية». وتطورت الى استهداف ما اصطلح عليه «بالأصولية الإسلامية». وتمت «المقاربة» ما بين هذه المعركة ومعارك «الفرنج/ الصليبية» ضد المسلمين العرب، والتي استمرت عبر سبع حملات طوال الفترة (بين 1095 و1270).
    ورُبط ذلك كله بالعولمة الأميركية التي أعلنها الرئيس جورج بوش (الأب) في جلسة الكونغرس بتاريخ 11 سبتمبر/ أيلول 1990م قبل عقد من الزمان على تفجيرات نيويورك بالتاريخ نفسه العام 2001.
    تفكيك دلالات المصطلحات أولا
    قبل أن نشرع في تحليل ابعاد هذه المعركة، علينا أن (نفكك) المصطلحات المستخدمة أولا. وذلك لفهم دلالاتها لنضع المعركة في إطارها المفهومي conception الصحيح.
    منذ أن أعلنت فرنسا في العام 1905 التزامها بالعلمانية، تأسيسا على مبادئ وروح الثورة الفرنسية في العام 1789 استبعدت الدولة الفرنسية «التمظهر الديني» داخل أروقتها «الرسمية» ولم تمنعه في المجتمع وفي الشارع والمدارس «الخاصة» ودور العبادة.
    فالعلمانية sacularism هي توجه سياسي ليبرالي (political liberalism) وليست عقيدة وفلسفة وجود (Antology). فالموقف العلماني الليبرالي الفرنسي وفي الحضارة الغربية عموما، مؤسس على الصراع ضد اللاهوت (Mythology) في الفكر الديني (البشري) المسيحي الكاثوليكي بالذات. وليس ضد الدين وضد هيمنة (السلطة الكهنوتية) الكنسية التي استلبت الارادة السياسية والحرية العقلية للإنسان. فالعلمانية الليبرالية هي اتجاه «الانسية» الانسان ( Humanism) بمعزل عن جميع أنواع الجبريات العقائدية Compulsive التي تمارس عليه باتجاه ايماني أو إلحادي.
    فالعلمانية الليبرالية بنزعتها (الانسية) هي ضد الثيوقراطية اللاهوتية. وفي الوقت ذاته ضد الدكتاتورية السياسية وليست ضد الدين. وهذا ما كان عليه موقف الفيلسوف الفرنسي فولتير (1694/1788) المؤسس الحقيقي للعلمانية الليبرالية. وقد توفي قبل عام واحد من اندلاع الثورة الفرنسية.
    وكان فولتير فيلسوفا مؤمنا بالله - سبحانه وتعالى - ولكنه ضد الحكم المقدس الملكي واللاهوت والثيوقراطية الكنسية. ودافع في كتاباته عن الدين والتدين وتصدى لفلسفة (سبينوزا) التي وصفها (بالالحاد) كما وصفه بالحماقة في كتابه «الفيلسوف الجاهل».
    وفولتير هذا نفسه كان يكره (الكهنة) وما صنعوه من لاهوت أو (وعي ديني زائف) يخرق ابسط مقولات العقل الانساني. ولهذا باتت قولته الشهيرة «إن اللاهوت هو ثمرة لقاء أول (كاهن محتال) بأول أحمق من البشر» ولهذا رفض الامتثال لطقوس(الاعتراف الكاثوليكي) لدى احتضاره بين يدي قسيس، وأملى بدلا عن ذلك العبارة الآتية:
    «أموت على عبادة الله ومحبة أصدقائي وكراهية أعدائي ومقتي للخرافات والاحكام والأساطير الدخيلة على الدين». وحررت الورقة مع تاريخ وفاته (28 نوفمبر/ تشرين الثاني 1788). ورفضوا دفن جثمانه في مقابر المسيحيين.
    وهذه النزعة الأنسية المماثلة لنزعة فولتير واضحة في كتابات الرواد في مدرسة العقلانية الإسلامية كالجاحظ (256هـ/ 869م) والتوحيدي (414 هـ/ 1023م)، وتفسيرات فخر الدين الرازي (609هـ / 1209م)، وواصل بن عطاء (131 هـ/ 749م)، والشيخ الرئيس الفيلسوف أبوعلي الحسن بن سينا (980 / 1037م)، وأبونصر الفارابي (874 / 950م)، ووليِّ الدين عبدالرحمن بن خلدون (1332/ 1406م)، وابن طفيل الأندلسي (1106/ 1184م)، وابن الصايغ محمد بن باجة المتوفى العام 1139م.
    أما أبوالوليد بن رشد (1126/1198م) الذي يعرفه الغرب الأوروبي باسم «أفيروس» فهو «القمة الكبرى» الذي دفع بفكر التنوير ضد اللاهوت واخترق أسوار أكاديمية فلورنسا حين غزاها فكره مطلع القرن الرابع عشر إلى الخامس عشر الميلاديين، كما اخترق فكره سياج الدغمائية اليهودية التراثية، فولدت بتأثيره مدرسة ابن ميمون وكتابه الشهير «دلالة الحائرين».
    والفرق أن روادنا المسلمين قد واجهوا اللاهوت الخرافي في مبتدأ التراث الإسلامي، مستعينين بالنص القرآني في داخل «النسق» الإسلامي، في حين أن الرواد الأوروبيين كفولتير عانوا من «اضطراب» النصوص الانجيلية، ولهذا مساق آخر.
    الوضعية ضد الدين وليست العلمانية:
    هناك خلط كبير في تداولنا للمفرادات والمصطلحات بين «العلمانية» و«الوضعية»، فالفلسفة الوضعية Positivism التي أسسها (أوغست كونت 1798 / 1875م) هي التي أحدثت «القطيعة المعرفية والفلسفية» مع الدين، إذ جعلت من الدين مرحلة ابتدائية وخرافية في تطوير العقل البشري، ثم تأتي بعده المرحلة الميتافيزيقية - التأملية، فوق قوانين الطبيعة، ثم تنتهي المرحلتان اللاهوتية الغيبية Theology / Mythology وما فوق الطبيعة Metaphysic لتحل محلهما المرحلة الوضعية. وعبر هذه المرحلة الوضعية تأتي ثنائية «الانسان والطبيعة» بمعزل عن الدين. فوضعية كونت هي الأب الشرعي لفلسفات الإلحاد والعدمية التي انتهت إلى المادية الجدلية. ولا علاقة لفرنسا وعلمانيتها بكل هذه الوضعية وفلاسفتها.
    فالعلمانية الليبرالية الفرنسية هي موقف يؤكد «الانسية» في التوجه الفكري. ويطلق حرية الإرادة والعقل الإنسانيتين، أي «جدل الإنسان» من دون أن يلغي «جدل الغيب الإلهي» أو «جدل الطبيعة وقوانينها». وهو موقف الرواد من فلاسفتنا مع اختلاف «النسقين» العربي الاسلامي والأوروبي المسيحي.
    الفارق بين ليبرالية الغرب العلمانية وعقلانية الفلسفة الإسلامية:
    في الوقت الذي يلتقي فيه رواد الفلسفة الإسلامية - من الذين ذكرنا بعضهم تحديدا كمثال - مع رواد الليبرالية والعلمانية الغربية كفولتير في استبعاد «السطة الثيوقراطية»، وتأكيد «الحرية الأنسية» فإن معالجة النص الديني في تختلف باختلاف النصوص نفسها بين القرآن والكتب الآخرى.
    فالليبرالية في الفلسفة الاسلامية تنطلق من «العائلة» وليس «الفرد»، فلا تمتد للإباحة خلافا لمنطق الموسوعيين الفرنسيين مثل «ديدرو» الذين جعلوا من الانسان مجرد «امتداد غريزي» أشبه بالبهيمي للطبيعة بكل نزواتها. فالفلاسفة المسلمون دافعوا عن الليبرالية بمنطق «الحرية»، ثم قيدوا الحرية إلى «الأخلاق الدينية» خلافا لليبرالية الغربية التي نزعت نحو الفردية.
    كذلك يلتقي رواد الفلسفة العقلانية الإسلامية مع نظرائهم الغربيين في «علمانية الدولة»، ولكن من مدخل آخر هو «رفض الاستبداد» وأوضحهم في تراثنا عبدالرحمن الكواكبي ومؤلفه «طبائع الاستبداد» وعلي عبد الرازق ومؤلفه «الاسلام وأصول الحكم» (1343/ 1925م). وهناك مقال ينشر للمرة الأولى لعلي عبد الرازق بعنوان «الديمقراطية والدين» تقديم نبيل فرج - مجلة «الديمقراطية» - السنة الثانية - العدد السابع - يوليو 2002م». ونفى فيه «أن تكون الخلافة من الدين في شيء وإنما هي «بدعة» لم يرد بها نص أو يرد لها ذكر في الكتاب والسنة».
    فعلمانية الدول لدى رواد العقلانية الإسلامية مدخلها تحقيق «العدل» و«الحرية». وفي إطار ذلك يتولى المجتمع «الرقابة» على الدولة وتقويم اعوجاجها عن النهج الإسلامي «بالنصيحة» في إطار «الشورى». فالعقلانية الإسلامية تقوم على «ثنائية» العلاقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع. ويدور الأدب السياسي الإسلامي في هذا الإطار ليمنع أية نزعة ثيوقراطية. فكلاهما علماني ليبرالي مع تفاوت النسقين العربي الاسلامي والأوروبي المسيحي. أما الإطار السياسي فهو واحد في الحالتين. وفي الكيفية نفسها التي وجد بها خصوم الليبرالية والعلمانية في أوروبا من لاهوت وكهنوت كنسي، كذلك وجد هؤلاء الخصوم في تاريخ الإسلام والمسلمين، حتى قيل إن المال هو مال الله - سبحانه - وليس مال المسلمين يتصرف فيه «الخليفة» كيف يشاء، وإن الخيرة الاتوقراطية في قريش، وان الخلافة هى تجسيد «للحاكمية الالهية» وبمعزل عن «حاكمية الكتاب». سادت هذه المقولات وتجذَّرت لاهوتيا بحكم سيادة الاستبداد في مختلف عهود التاريخ الإسلامي، في حين حُذف المفكرون والفلاسفة العقلانيون الذين ذكرناهم. ومازالت مناهجنا التربوية والدينية والثقافية تبعا لفقهاء السلطة الاستبدادية والصراع بين «الاسلاميين» و«المتشددين» في طهران خير دليل. وهو استبداد لا يسنده فقط «التخريج الانتقائي» من النص، كما فعل أبوالأعلى المودودي (1903/1979م) وسيد قطب (1906/ 1966م) حين قالا «بالحاكمية الإلهية» خلافا «لحاكمية الكتاب». وإنما تسنده مركبات الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والفكري ما قبل مراحل التطور الصناعي ونشوء الطبقات القادرة على إحداث الثورات والتغيير الجذري، كما حدث في المسار الأوروبي منذ القرن السادس عشر. فالمركب العربي/ الاسلامي طوال تاريخه هو مركب يعتمد على الإنتاج الطبيعي ما قبل الصناعي والعلاقات العشائرية، إذ يغلب العرف الاجتماعي والقيم الأخلاقية والثقافية على النص الديني، ويصادره بتأويلات شتى، ثم تقدس هذه التأويلات ويقدس الناطقون بها
    صحيفة الوسط البحرينية - العدد 542 - الإثنين 01 مارس 2004م الموافق 09 محرم 1425هـ

    رد مع اقتباس  
     

  3. #27  
    المدير العام الصورة الرمزية طارق شفيق حقي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2003
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    12,881
    مقالات المدونة
    156
    معدل تقييم المستوى
    10

    • الكتاب : موسوعة البحوث والمقالات العلمية
      جمع وإعداد الباحث في القرآن والسنة
      حوالي خمسة آلاف وتسعمائة مقال وبحث
      علي بن نايف الشحود
    العلمانية الجاحدة ثم الآن العلمانية المستترة
    الكاتب: الشيخ د.سعيد بن ناصر الغامدي
    العلمانية secularism :
    - ترجمتها الصحيحة = اللادينية ، لا علاقة لها بمصطلح العلم ، أو الدنيوية ، وهي دعوة إلى إقامة الحياة على غير الدين .
    - في الجانب السياسي ، اللادينية في الحكم .
    - تعريف العلمانيين للعلمانية . انظر : موسوعة السياسة 4/179 .
    تأسيسها وتطورها :
    1 - طاغوتية رجال الدين النصارى واستبدادهم بالدين والسياسة ( الرهبانية ، الفساد .... ، صكوك الغفران ) .
    2 - وقول الكنيسة ضد العلم والفكر المتحرر ، تشكيلها محاكم التفتيش لعلماء التجريب :
    أ - كوبرنيكوس : نشر عام 1543 م كتاب الأجرام السماوية ، فحرمت الكنيسة هذا الكتاب .
    ب - جردانوا : صنع التلسكوب فعذب وعمره 70 وتوفي سنة 1642 م .
    جـ - ديكارت : دعا إلى تطبيق المنهج العقلي في الفكر والحياة ( فلسفة الشك ) .
    د - بيكون : ظهر بمدئه التجريبي وطلب تطبيقه على كل شيء .
    هـ - سبنوزا : صاحب مدرسة النقد التاريخي ، كان مصيره الحرق .
    و - جون لوك : طالب بإخضاع الوحي للعقل .
    ز - جاليلو : استخدم التلسكوب فقتلته الكنيسة .
    3 - ظهر مبدأ العقل والطبيعة ، أخذ العلمانيون يدعون إلى تحرير العقل وإضغاء صفات الإله على الطبيعة .
    4 - نتيجة للصراع بين الكنيسة والحركات السالفة جاءت الثورة الفرنسية 1789 م ، أول حكومة لا دينية علمانية .
    مراحل الثورة وشخصياتها :
    أ - عصر التنوير الذي مهد لإرهاصات الثورة :
    [ جان جاك روسو ] سنة 1778 م ، ألف كتاب ( العقد الاجتماعي ) يعتبر الجيل الثورة .
    [ منتسيكو ] له ( روح القوانين ) .
    [ سبينوزا ] يهودي يعتبر رائد العلمانية باعتبارها منهجاً للحياة والسلوك ، له ( رسالة اللاهوت والسياسة ) .
    [ فولتير ] مؤلف كتاب ( القانون الطبيعي ) .
    [ كانت ] مؤلف كتاب ( الدين في حدود العقل وحده ) عام 1804 م .
    [ وليم جودين ] مؤلف كتاب ( العدالة السياسة ) 1793 م ، وفيه دعوة للعلمانية بصراحة .
    ب - [ ميرابو ] خطيب وزعيم فيلسوف الثورة الفرنسية .
    جـ - تحرك الماسون واليهود مستغلين أخطاء الكنيسة والحكومة الفرنسية المعتمدة على الكنيسة وركبوا موجة الثورة لتحقيق أهدافهم .
    د - سارت الجموع الغوغائية لهدم الباستيل وشعارها الخبز ثم تحول شعارها إلى [ الحرية والمساواة والإخاء ] ثم شعار [ تسقط الرجعية ] وهو شعار ملتوي يقصد به الدين .
    نضوج العقل العلماني في تصوراته ومشاريعه المستقبلية إلى عقود قادمة بعيدة :
    1 - الدفع بذوي النفوس المريضة والعقول الجاهلة لضرب الإسلاميين .
    2 - استغلال الجهل الحاصل بين الإسلاميين في شؤون العلمانية لتمرير أعمالهم .
    3 - المرأة والطفل .
    4 - المقررات الدراسية ، الدخول منها ، مثلاً الفاء السيرة من منهج التاريخ ، واستبداله بتاريخ العالم المعاصر : تاريخ أمريكا والثورة الفرنسية ، التأكيد على القيم النبيلة في العصر الجاهلي .
    5 - عداء الحركات الإسلامية والشخصيات المخلصة .
    6 - عمل المرأة وتهيئتها لذلك من خلال التعليم مثل الهندسة والإحياء .
    7 - تهوين المنكر لتمريره من خلال أن القضايا العميقة والمهمة هي التقدم المادي وأشباه ذلك .
    8 - أن أمتنا أمة حضارة وذوق ووجدان = كالرسم والموسيقى والنحت .
    9 - تشويه صورة الإسلام من خلال بدائل هزيلة وتشويه الشخصيات الإسلامية ، من خلال المؤلفات والمسلسلات .
    10 - العقلانية .
    11 - المجيء بحجج لتبرير عزل الدين = السياسة نجسة ، الاقتصاد الربوي ضرورة عالمية ، الأدب جمال وذوق ، الفكر العالمي ، إنسانية الثقافة .
    12 - تشويه التاريخ الإسلامي باسم الدراسة الموضوعية .
    13 - التشكيك في ثبوت السنة وصحة المصطلح وأصول الفقه ، والفقه .
    هـ - تغلغل اليهود باسم العلمنة وإذابة الفوارق الدينية وتحولت الثورة من ثورة على مظالم رجال الدين إلى ثورة على الدين نفسه .
    و - ظهرت نظرية التطور والارتقاء في أصل الأنواع لدارون عام 1859 م لتصبح هذه النظرية وسيلة لانهيار العقيدة الدينية ونشر الإلحاد .
    ز - ظهرت نظرية نيتشه ( السوبرمان ) وفلسفتهم على أن الإله مات وحل محله الإنسان الأعلى .
    ح - ظهرت نظرية دوركايم اليهودي المسماة العقل الجمعي جمع فيها بين حيوانية الإنسان وماديته .
    ط - ظهرت نظرية فرويد اليهودي التي تعتبر الإنسان حيواناً جنسياً ، الجنس أساس كل الدوافع .
    ي - ظهرت نظرية كارل ماركس اليهودي المادية الجدلية / التفسير المادي للتاريخ ، الاشتراكية ، أفيون الشعوب .
    ك - ظهرت نظرية سارتر الوجودية .
    ل - ظهرت نظرية كولن ولسن الوجودية الجديدة الداعية إلى الإلحاد .
    الأفكار والمعتقدات :
    1 - العلمانية العامة = فصل الدين عن الحياة الخاصة = فصل الدين عن بعض جوانب الحياة .
    2 - بعضهم ينكر وجود الله ، وبعضهم يؤمن بوجوده سبحانه ولكن لا علاقة بين الله وحياة الإنسان
    رد مع اقتباس  
     

  4. #28  
    المدير العام الصورة الرمزية طارق شفيق حقي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2003
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    12,881
    مقالات المدونة
    156
    معدل تقييم المستوى
    10
    العلمانية وما بعد العلمانية
    خالد ياموت (http://www.kalema.net/v1/?wri&cv=-1)



    يواجه الفكر العربي الإسلامي المعاصر في تناوله لمسألة العلمانية إشكالاً نظرياً عويصاً، يمكن تلخيص مضمونه في السؤال التالي: كيف ننطلق من مقدمات معرفية مختلفة للوصول إلى مرجعية معرفية موحدة؟
    ليست العلمانية من المقولات والمفاهيم البسيطة التي يمكن مناقشتها دون النظر العلمي إلى عامل التاريخ، الدين، الاجتماع الثقافي والسياسي والقومي المفرز لها، فالتعدد الواقع في علة الوجود، يجعل دائرة التناول المتمركزة حول السبب الواحد تبسيطاً لا يؤدي إلى أية غاية علمية مهما وفّرت لصاحبها من ارتياح نفسي. يتحتم علينا منهجياً ألّا نطلق أحكاماً جاهزة حول هذه القضية المركبة، لذلك سننطلق نظرياً من فرضية علمية، تؤكد أن تناول مسألة العلمانية ونقيضها، إنما ينبثق من البناء المعرفي الهوياتي الذي تنسجه العوامل المتعددة المشار إليها سلفاً. إضافة إلى هذا الجانب المعياري سنتابع إنجاز العلمانية في الواقع وتنظيرات علم الاجتماع الغربي حول هذه المسألة، لنتناول في الأخير المأزق المعاصر للعلمانية، وظهور تيار ما بعد العلمانية.
    العلمانية: التاريخ ومنهج طرح القضية
    لمعالجة مفهوم العلمانية معالجة جدية سنعتمد التعريف المعرفي للمصطلح بمعناه العريض، والذي يعني الكلي والنهائي، المقابل للجزئي. هذا البناء التصوري ميزة تنفرد بها الرؤية المعرفية/ الإبستيمولوجية، خاصة وأنها تعني توضيح المقولات القبلية في الفكر الإنساني(1)، مما يعني وجود قاعدة خلفية قيمية لجميع الأفكار، "ومن ثم فإن هنالك بعداً معرفياً كلياً ونهائياً في أي خطاب تحليلي، مهما بلغ من الحيادية والتجريدية والسطحية والمباشرة"(2).
    إن دراسة العلمانية تنطلق من هذه الرؤية، لذا فهي تحتاج إلى نموذج تفسيري جديد، يتجاوز النظرة الضيقة المعرِّفة لها بأنها فصل للدين عن الدولة.
    من أجل ضبط المصطلح لا بد من رده إلى أصله اللغوي، مع استحضار مستمر لعلاقته (بعائلة) من الكلمات تشترك معه في الجذر نفسه، وأكثرها أنتج في نفس فترة ظهور مصطلح العلمانية.
    ومن منطلق علم تاريخ الأفكار، فإن العلمانية (secularism) مشتقة من الكلمة اللاتينية (Seculum) التي تعني عصر أو جيل، لتتخذ مع القرون الوسطى معنى هو (العالم) أو الدنيا (في مقابل الكنيسة). وظل هذا المعنى في حياد تام في البداية، حيث قصد بعلمنة ممتلكات الكنيسة، نقلها إلى سلطة غير دينية - سياسية - أي الدولة.
    في فرنسا خلال القرن الثامن عشر، اعتبرت الكنيسة الكاثوليكية العلمانية، مصادرة غير شرعية لممتلكاتها، أما وجهة نظر فلاسفة التنوير الممزوجة بالمادية والإلحاد فقد اعتبروا نزع الملكية أمراً شرعياً. وبعد الثورة الفرنسية "نحت العلمانية الغربية منحى وسطياً يختلف بوضوح عن الاتجاه اللاديني ويدافع عن التسامح الديني، ولا تقوم العلمانية بهذا المعنى المعاصر على الفصل بين الدين والدولة كما هو شائع لدينا، وإنما على الفصل بين الكنيسة ونظام الحكم"(3).
    لقد خاضت العلمانية كحركة سياسية، معركة تحرير العقل الغربي من هيمنة اللاهوت والميتافيزيقية، والعزوف عن معالجة الأمور الدنيوية بالعقل والتجربة، فانعكس التطور الفكري الداعي إلى إشاعة العلم وإخراجه من يد الكنيسة وتحكمية رجال الدين، فظهرت المؤسسات الخاصة، وتمأسست قطاعات اقتصادية مهمة تشكل عصب المجتمع، فراعت العلمانية نفسها الشروط السوسيو-سياسية التي تطورت فيها، فحدث نوع من التوافق والمساومة بين الدولة الحديثة، والمعاصرة، مع المركزية الدينية المتمثلة في الكنيسة.
    فتمتعت الدولة بالهيمنة على الدنيوي (أزعم أن العلمانية هي سيطرة الدولة على الدين وليس فصل الواحد عن الآخر)، تاركة للكنيسة، والمؤسسات الدينية، إمكانيات واسعة للاشتغال داخل المجتمع، وفي نشاطها التبشيري الخارجي، دون أن يحدث هنالك أي تعارض مع الحريات التي رسخها التطور الديموقراطي الغربي(4).
    على المستوى اللغوي انتقلت الكلمة الفرنسية (لائيك/laïque)، التي تعني، خاص بجمهور المؤمنين المشكلين لطبقة متميزة إلى اللغة الإنجليزية. أما laïcisme فتعنى نظام سياسي يقصي نظام الكهنوتية عن الدولة. أما فعل laïcize فيعني نزع الصبغة الكهنوتية عن القانون، والتعليم خاصة. فيما تعني laïcization نقل وظائف رجال الدين إلى رجال لهم تدريب، وتكوين دنيوي لا علاقة له بالدين...(5)
    وعلى هذا النحو تطورت العلمانية الفرنسية المؤسسة على تعليم علماني، وبخصوصية بالغة ضمنت بقاءها وبقاء الثقافة السياسية لرجال الثورة، الشيء الذي يفسر اصطدامها المتكرر مع الدين إلى اليوم.
    الأنساق التصورية للعلمانية
    إن الخطوات المنهجية الموصلة لإدراك مفهوم العلمانية لا يقتضي استحضار علم تاريخ الأفكار، والمدلول اللغوي المتطور للمصطلح فحسب، بل إن فهم معنى العلمانية يتوقف على فهم تلك العلاقة القائمة في المجالات الدلالية لفعل Secular المتداخلة مع أفعال أخرى.
    وبناء على (الموسوعة البريطانية)، فإن هنالك عائلة من الأفعال في اللغتين الفرنسية والإنجليزية تبدأ بالمقطع de، وهذه الأفعال تصف التحديث العلماني. أول هذه الأفعال التي يتطرق إليه مؤلف مدخل التحديث في الموسوعة هو فعل deconstruct(6).
    أما فعل demystify، ويقصد به نزع السر عن الظواهر. فهو حسب المسيري "أن يقوم الإنسان بتفكيك الظواهر الإنسانية وردها إلى قوانين الحركة المادية العامة... وبذلك يتضح أن الإنسان إن هو إلا كائن طبيعي/ مادي"، وهذا التحوير المادي للإنسان يرفع عن داخله ما يحتويه من أسرار وغيب، ويلغي الجانب المحيط بالإنسان، ويجعل من هذا الأخير مركز الكون(7)، فيغيب الإله ويتأله الإنسان. ومن الأفعال القريبة إلى هذا المعنى فعل desunk (كشف حقيقة الأسطورة)، أي ما يشير عادة إلى تلك العملية الهادفة إلى تحطيم المثاليات والأحلام... النبيلة التي قد يشعر بها الإنسان، والغاية من كشف حقيقة الأسطورة(8)، هو ترك الإنسان يكتشف حقيقة دوافعه المادية.
    أما يعري ويكشف.. الذي يعبر عنه فعل denude، فيستهدف إيصال الإنسان إلى حقيقة باعتباره كائناً مادياً طبيعياً لا يختلف عن غيره من الكائنات الطبيعية، فهو خاضع للقانون الطبيعي، وليس له مجاله الخاص، وفكرة مركزية الإنسان هي محط افتراء ووهم لا أقل ولا أكثر(9)، حيث استندت إلى الزيادة الإنتاجية دون الاعتبار بالقيم الإنسانية، فأصبح المعيار المادي هو المركز والمطلق الذي به توزن جوانب الحياة العامة، لتصبح المرجعية العليا هي المادية المطلقة(10). وحين تصل إلى هذا المستوى ترفع أو بالأحرى تلغى جميع المحرمات، والحدود الموضوعة أمام السلوكات الإنسانية، أخلاقية كانت أم إنسانية، فنزع القداسة في هذه الحالة تصبح متتالية تتحقق تدريجياً، فتفرض الواحدية المادية على الكون ويُسرَّى قانون واحد على كل الأشياء، فتظهر الإمبريالية كنزعة للغزو، ويتحول العالم إلى مادة نافعة يجب توظيفها لحساب الإنسان الذي ينظر بدوره إلى المعرفة كأداة لزيادة عنصر التحكم(11).
    أما (dehumanization) "فتعني إنكار وقمع تلك الصفات والأفكار والنشاطات التي تميز الإنسان عن غيره من الكائنات، ومنع تحقيق الإمكانيات الإنسانية للإنسان (في مقابل خصائصه الطبيعية المادية التي يشترك فيها مع غيره من الكائنات)"(12) وهو ما يعني في النهاية طمس إنسانية الإنسان ومركزته مادياً، وإفقاده القدرة على تجاوز الحتميات الطبيعية. وهذا النمط من التفكير نجد له تعبيرات معاصرة مثل حتمية قانون السوق... حيث يصبح هذا الأخير يتحكم في السلوك الإنساني، وإن اقتضى قانونه تجاوز الأخلاق وما هو إنساني فإن ذلك يصبح مشروعاً.. وينتهي الأمر بإنكار الحرية عن الإنسان، لأن نظام الفصل هذا لا يعني فصل الدين عن السياسة، أو الدولة أو الاقتصاد... بل فصل الخصائص الإنسانية عن السلوك والشعور الإنساني، وهي صيغة وصلت إليها العلمانية خلال القرن العشرين.
    من الأفعال ذات الصلة بالتحديث المعلمن فعل decenter(13)، الذي يقصد به إزاحة الإنسان عن المركز، وتعويضه -أي الإنسان- بأي شيء آخر، وتنتهي عملية التنحية هنا بأن يصبح كل شيء هو مركز الكون، وانتشر هذا التصور المعلن لموت الإنسان كنتيجة حتمية لإعلان موت الإله (عند نتشه)، وهذه الرؤية العلمانية "تنكر وجود أي مركز وتنفي أي إطار مرجعي" وتعلن ميلاد الحرية التامة، والخضوع التام لقانون الصدفة، ونظام فلسفي خالٍ تماماً من الفلسفة، والإنسانية، والمطلق(14).
    وبما أن العلمانية عملية تفكيكية خضع لها التصور الإنساني فإن إسقاط السمات الشخصية التي يعبر عنها فعل depersonalizeيمثل اتجاهاً واضحاً في العالم الحديث، وقد حقق ويحقق نسباً عالية من التنميط، ويغير الخصائص الفردية الحسية والمادية والسلوكية للإنسان، لتخضع لقالب واحد تندثر من خلاله فكرة الفردية لأنه ليس هناك ما يميز الفرد كفرد متفرد(15).
    ورغم دقة هذه المصطلحات، فقد اعتمدت على تقديم زاوية واحدة من ظاهرة العلمنة الواقعة اجتماعياً، لذلك فظهور عدد كبير من المصطلحات يشير إلى جانب من جوانب الحداثة العلمانية، الذي نجم عنه في النهاية بناء تصور شامل للحياة يتبنى الرؤية المادية، وعرف تطبيقاته الأولى مع النجاح السياسي للعلمانية.
    العلمانية عودة أخرى إلى المفهوم وإشكالاته
    بعد هذا التناول الأولي للعلمانية، سنحاول تقديم وجهة نظر أكثر تفسيرية على الشكل التالي: العلمانية ما هي؟ علاقتها بالمقدس والترشيد، ثم سنتحدث عن العلمانية بنوعيها العلمانية الجزئية والشاملة، لنختم بمأزق العلمانية المعاصرة أو ما يطلق عليه بما بعد العلمانية الذي سكه جون كين.
    يرى المفكر الإسلامي عبد الوهاب المسيري أن العلمانية اتجهت نحو مزيد من التركيب والإبهام مع التعريف الذي جاء به جون هوليوك الذي عرفها بأنها "الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية، دون التصدي لقضية الإيمان سواء بالقبول أو الرفض"(16). والملاحظ على هذا التعريف انطلاقه من مرجعية مادية واضحة، فالحديث عن إصلاح حال الإنسان لا يتم إلا وفق رؤية للعالم تتحدد معالمها وفق مرجعية معينة، وأن هذا يفترض وجود نموذج متكامل ورؤية شاملة للكون، وهو ما تمثله العلمانية. ومن ثم "ألا يعني تبني الطرق المادية تبنياً للرؤية المادية للإنسان"، وهل من الممكن "إصلاحه" بالطرق المادية. "ألا يعني هذا رفضاً كاملاً للإيمان، وليس مجرد عدم التصدي له كما يدعي هوليوك؟"(17).
    بالنسبة للمسيري فالقضية تتجاوز قطاع من قطاعات الحياة، ومن غير العلمية الحديث عن الدائرة الصغيرة -فصل الدين عن الدولة-، دون استحضار الرؤية الكاملة الكامنة في التصور العلماني، إن الأمر كما وقع في التاريخ السياسي الحديث والمعاصر، لا يتعلق بفصل الدين عن الدولة بل يتعلق أساساً بالمرجعية، ومن شأن إعمال المنهج التجزيئي المس بالرؤية العلمية لعلاقة السياسي بالديني.
    السؤال المركزي الذي يمكن وضعه في ظل الحديث عن العلمانية، هو لمن المرجعية العليا، للدين أو الدنيا أو هما معاً؟ إن فكرة الجوهر -المرجعية-، هي الركيزة الثابتة في كل خطاب بما هي رؤية للعالم في أعلى مستويات التجريد، ويمكن الحديث عن مرجعيتين في هذا الإطار: الأولى تؤمن بوجود الإله وما فوق المادة، وبالتالي فهي مرجعية نهائية متجاوزة، وأخرى تحتكم إلى المادة وهي بذلك مرجعية كامنة، لأنها ترتكز إلى نقطة داخل العالم المكتفي بذاته(18).
    فإذا انتقلنا إلى تعريف العلمانية، فإن أول ما نلاحظه هو "أن القاسم المشترك في كل المفردات في جميع المعاجم يجعل الأمر الذي يوصف بأنه (علماني) يرتبط بشكل أو بآخر بهذه الدنيا وهذا الزمان، الآن وهنا، ولا يشغل باله بأي أبعاد أخرى ولو لم ينكرها"(19).
    حسب معجم أكسفورد فالمباني العلمانية (على سبيل المثال)، هي المباني المكرسة للأغراض الدنيوية، والمدرسة العلمانية: "هي تلك التي تعطي تعليماً غير ديني"، والواضح أن العلمانية تحمل هنا مدلولاً سلبياً، فهي تعني "غير كهنوتي"، و "غير مقدس" وليس بالضرورة معادياً للدين أو المقدس. إذن هذا التعريف يلزم الصمت تجاه الدائرة الكلية الشاملة -فصل الدين عن الحياة-، ويحصر نفسه في الدائرة الجزئية الصغيرة، التي تنظر إلى علاقة الدين بالسياسة فقط(20).
    إلا أن المتاعب النظرية تلاحق هذا التعريف، لأن العلمانية ليست غير دينية وحسب، بل تعني بالضرورة ما ينتمي للآن وهنا، وهذا الزمان والمكان، وهذا ما يؤكده معنى كلمة (Sécularison) الإنجليزية، والتي تعني العصر أو الجيل أو الدنيا...(21) مما يجعل معناها أكثر اتساعاً في نطاقه ويوصله إلى الدائرة الشاملة الممتلكة لرؤية شاملة للكون، وما يتفرع عنه من تصورات معرفية وقيمية. فـ"العلمانية تعرف باعتبارها العقيدة التي تذهب إلى أن الأخلاق لابد أن تكون لصالح البشر في هذه الحياة [الدنيا] وتستبعد كل الاعتبارت الأخرى المستمدة من الإيمان بالإله أو الحياة الأخرى [ الآخرة]"(22).
    ويمكن القول حسب رؤية معجم أكسفورد: إن الدين، والبعد الديني، لا يتمتع بالوجود الحقيقي، لأنه لا يقدم رؤية شاملة للكون، ولا يمثل المرجعية العليا والنهائية، كما أنه غير قادر على حل مشاكل الدنيا، ومن ثمة فالمادة هي المرجعية الأصلية، والقول بالعلمانية يتضمن استبعاد الدين في المرحلة الأولى، وإنهاءه في المرحلة التالية، ولكن كيف يمكن القضاء على الدين؟ من الواضح أن المعجم لا يقول ذلك بصراحة لكن الأكيد أن استبعاد التصورات الدينية يجعلنا أمام سيادة تصورات هذه الدنيا -(العصر) أي العلمانية- لوحدها(23).
    من الزاوية السوسيولوجية يقدم معجم علم الاجتماع المعاصر ثلاثة مواد لتوضيح مصطلح العلمانية: فهي (علماني secular) و (علمنةsecularization) و (مجتمع علماني Secular society)، وكلمة علماني في واقع الأمر (لا علاقة له بالدين non- religions)(24).
    ويستمر المعجم في الحديث عن العلمانية بمعنى فصل الدين عن الدولة، حيث يذهب (ج.م G.M. yinger) أن هذه الكلمة تشير إلى تلك "الاعتقادات والممارسات التي لا علاقة لها بالجوانب غير النهائية للحياة الإنسانية"، هذا التعريف لا يمتد إلى المنظومة المعرفية ولا يجعل الإيمان العلماني بقوة الإيمان الديني(25). غير أن المعجم يبين فيما بعد أن العلماني هو "العقلاني أو النفعي بشكل خالص أساسي"، ثم يضيف إلى هذا التعريف الغامض والهلامي تعريفاً آخر، يجعل من العلمانية منظومة متكاملة تحتوي على الميتافيزيقيا، "مما يعني أن قضية فصل الدين عن الدولة هنا هامشية، بل فرع تابع لمنظومة تأسيسية قاعدية وأصلية، ناظمة لشؤون الحياة، وهو ما يظهره بجلاء معجم علم الاجتماع المعاصر حينما يورد في مقال (للأري شاينر) مفاهيم للعلمانية كلها تتحدث عن المرجعية النهائية، فهي تنطلق من كون العلمانية هي: انحسار الدين وتراجعه، لكن سرعان ما ينتقل صاحب المقال المعنون (بمفهوم العلمنة في البحوث التجريبية) إلى الحديث عن الفصل بين المجتمع الدين"(26).
    ثم يعود ليخلط الفصل بين الدولة والدين والمجتمع بقوله بالتركيز على الحياة المادية بل التطلع إلى مستقبل روحي، وهي دعوة تخلق تقابلاً حتمياً بين الحياة المادية وما هو روحي. بمعنى آخر، فإن المجال السياسي والاقتصادي يخضع للتحكم المادي ولا يترك تدبيره للنزعة الروحية. في المرحلة الثانية يذهب المعجم في منهجه (التحكمي والتسلطي)، إلى القول باضطلاع منظمات غير دينية بالوظائف الدينية، مما يجعل التنظيم الديني، ومأسسة شؤونه، في حياد تام مع السياسة أمراً مستحيل الوقوع(27)، فهذا الوضوح في الرؤية للمفهوم جعلت من المعجم يتحدث عن اختفاء فكرة المقدس، بمعنى حلول التفسيرات العقلية محل التفسيرات الدينية في كل شيء. هذا وكأن العقل قادر على كشف أغوار جميع الظواهر المادية، وتحديد كل ما ينفع البشر في حياتهم الدنيوية. في المرحلة الأخيرة يقول المعجم (بالنظرية الإحلالية) فيرى أن العلمانية تعني إحلال المجتمع العلماني محل المجتمع المقدس(28).
    إن ما يقدمه المعجم هنا لا يتعلق بالمجالات الضيقة كالسياسة والاقتصاد، بل تعبير عن إجابة كلية، ترتكز إلى فلسفة العلمانية التي هي نفسها الميتافيزيقيا، ولا تعترف بالدين، إلا الذي تنتجه هي من تصوراتها المادية، وعبرت عنه الفلسفة الغربية الحديثة بالدين الطبيعي.
    العلمانية فلسفياً
    من الزاوية الفلسفية، هناك ثلاثة فلاسفة يعتبرون ثلاثي المتتالية العلمانية المتعينة، أبدعوا في البناء الفكري العلماني الغربي، فاسبينوزا انتهى إلى تحويل "العالم إلى منظومة واحدية [لا تقبل التماثل] رياضية مصمتة، الله فيها هو الطبيعة، والإنسان فيها لا يختلف عن أي شيء في الكون"(29)، إننا بالتالي في ظل حلولية كمونية واحدية اختصرها اسبينوزا في عبارته "الإله أي الطبيعة"(30) مع الفلسفة النتشوية تطورت فكرة الإله لتنغمس كلية في عالم الموت، فالعالم الذي يكون فيه الإله قانوناً طبيعياً ثابتاً هو عالم موت الإله، فأعلن بذلك نهاية الثنائية -الطبيعة والإله-، ويصل بالنسق الفلسفي العلماني إلى الواحدية الكاملة المؤمنة بعالم لا ضمان فيه لأي شيء، و "خال من المعنى لا قيمة فيه ولا غاية، لا كلية فيه ولا مطلقات"(31)، والإله محض مادة، وهذه الأخيرة سائلة لا قانون يحكمها غير القوة، ولا وجود إلا للأجزاء "فيموت الإله وتسقط فكرة الكل ذاتها"(32). وإذا تجاوزنا البعد الإلحادي لعبارة نتشه الشهيرة "لقد مات الإله" ونظرنا إلى تضميناتها المعرفية الخاصة، فإن واقع الأمر يجعلها تعني ما يلي:
    1- نهاية فكرة الإله المتجاوز والمفارق للمادة: المجاور للطبيعة والتاريخ، الذي يمنح الكون تماسكاً وهدفاً نهائياً، أي نهاية فكرة المركز الكائن خارج المادة، فهي حلولية كمونية كاملة.
    2- إنكار وجود أي حقيقة ثابتة متجاوزة لعالم التجربة المادية المباشرة وعالم الصيرورة.
    3- كل هذا يعني إنكار فكرة الكل ذاتها، باعتباره كياناً متماسكاً يعلو على الأشياء، أي إنكار فكرة المركز الكامن في المادة.
    4- العالم إذن أجزاء لا تشكل كلًّا ولا مركز لها.
    5- كل هذا يعني إنكار فكرة العام والعالمي والإنساني بشكل عام.
    6- كل هذا يعني نهاية الميتافيزيقيا، بل ونهاية فكرة الحقيقة، فالقضاء على بقايا الميتافيزيقيا المتمثلة في الحديث عن الكل المتجاوز أدى إلى القضاء على الحقيقة(33).
    ويتضح (معمار) الفكر الواحدي المادي المعلن للعلمانية أكثر عند جاك دريدا، فإذا كان نتشه أعلن موت الإله، فإن دريدا يعلن موت كل الأنظمة باستثناء نظام الفوضى وغياب المركز، الشيء الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى اختفاء الإنسان(34). فالمنظومة التفكيكية التي أعلنها دريدا لم تترك جانباً من جوانب الحياة فارتقت إلى عقيدة شعائر ونسق على المستوى النظري على الأقل.
    في المرحلة التاريخية الموالية لهذا الفكر الفلسفي، ظهر ماكس فيبر كعميد وقائد للمدرسة السوسيولوجية الغربية، فأعاد إلى الواجهة السياسية إشكالية الديني والسياسي، غير أن فيبر رأى أن الفكرة الدينية هامشية وأن المرجعية العليا وضعية، وجاء بمفهوم الترشيد (rationalization) ليعني به العلمنة(35).
    وترجع أصول كلمة الترشيد إلى العبارة الألمانية (wertrationelle) التي يمكن ترجمتها بـ(رشيد في علاقته بالقيم) وهو يعادل (تقريباً) (الترشيد التقليدي)، ويعني أن المرء لا يتعامل مع الواقع بشكل ارتجالي أو جزئي، بل بمنهج متكامل بنسق يحمل مجموعة من القيم الأخلاقية المطلقة (القيم الأخلاقية المقصودة هنا معلمنة). وكلمة مطلق عند فيبر في واقع الأمر تعني أن هناك مرجعية نهائية تعرّف الترشيد المادي بأنه تزايد الضبط المنهجي على كل مجالات الحياة مما يستوجب التحرر من القيم (وهو ما يعني انتفاء العامل الأخلاقي)، وهذا يقوم على تصورات عملية وقواعد ومبادئ عامة، هي نفسها تقوم على استبعاد الولاءات التقليدية والحماس الكاريزمي، والوسائل السحرية، والمرجعيات المتجاوزة لعالم الحواس والمادة (وهنا تختفي بالضرورة فكرة الإله، والميتافيزيقيا الدينية)... فنصل إلى إدراك الإنسان كون العالم يتحرك وفقاً لقوانين عقلانية مادية قابلة للاكتشاف، أي كامنة فيه، (وهذا يعني التمركز حول المادة حتى تصبح هي الميتافيزيقا الجديدة)، وبالتالي يعتبر القوى الأخرى [الدين] غامضة غير محسوبة مستعصية على الفهم(36).
    يذهب ماكس فيبر أن هناك خصوصية للحضارة الغربية تجعلها تتجه نحو الترشيد، الذي وصفه بأنه نزع السحر عن العالم. إن هذه المنظومة الفكرية تخلق مجتمعاً متطوراً رشيداً مهدداً بالقيود قال عنه فيبر: "لا أحد يعرف من سيعيش في هذا القفص في المستقبل لعله في نهاية هذا التطور الرهيب سيظهر أنبياء جدد تماماً"، يضيف فيبر عن حالة التحكم في المجتمع أنه سيسود فيه "متخصصون لا روح لهم، حسيون لا قلب لهم. وهذا اللاشيء سيتصور أنه وصل إلى مستوى من الحضارة لم يصل إليه أحد من قبل"(37) وتحدث هذه العملية من جراء الترشيد الداخلي حيث ينظر الإنسان إلى ذاته بمنظور الدولة له، "وبالطريقة التي ينظر إليه بها العالم الطبيعي لا باعتباره إنساناً مركزياً (ربانياً)، وإنما باعتباره مادة طبيعية توظف، وكياناً قابلاً لعملية البرمجة والتنميط التي خضعت لها البيئة الاجتماعية وأعضاء المجتمع، وذلك حتى يتفق كل شيء ومصلحة المجتمع، ويتسق والنموذج الواحدي المادي والقيم العلمية الرشيدة الصارمة والمرجعية المادية"(38).
    لقد وصف فيبر الترشيد بأنه "تحويل العالم بأسره (الإنسان والطبيعة إلى حالة مصنع)، أي تحويل العالم إلى نسق آلي منظم، يتم استخدام كل شيء فيه بكفاءة عالية، خاضعة للحسابات الكمية"(39) وعملية الترشيد أو ما يطلق عليه المسيري التطبيع تجعل من كل شيء دائر في إطار الطبيعة لا يخرج عنها مطلقاً، وبما أن العلمانية عملية بنيوية تحققت بظهور الدولة العلمانية القومية، فإن جميع الأنساق المؤثرة في بنية الدولة تمت علمنتها في إطار ما يطلق عليه المسيري -دائماً- بالثورة العلمانية الكبرى.
    فعلى المستوى الديني، تعمل عملية الترشيد، والتطبيع، والتحديث، على تغيير بنيته الداخلية فيصبح:
    1- النسق الديني منسحباً من العالم الخارجي، ويصبح مسألة خاصة بالضمير بين الإنسان وربه، بمعنى أنه مقطوع الصلة بالأنساق الاجتماعية، أو الفكرية أو السلوك الإنساني، ليشبه الانتماء الديني الانتماء إلى نادٍ للعب الشطرنج بتعبير المفكر الفرنسي ماكسيم رودنسون.
    2- ابتعاد الإيمان الديني أمام تعرضه لموجة العلمنة على الله -الخالق-، وعادة ما يأخذ هذا الشكل من التعلمن صفة الإصلاح الديني فتعاد صياغة النسق الديني بحيث يتم الادعاء، أن الوصول إلى فكرة الله تحل من خلال دراسة الطبيعة وقوانينها دون حاجة لوحي.
    3- تحول المؤسسات الدينية في المجتمع إلى مجرد جماعات ضغط.
    4- يصبح التفكير الديني الذي تمت علمنته فاقداً للبعد المجازي المركب، ويصبح أحادياً ذا بعد واحد تماماً مثل العقيدة العلمانية المتمركزة حول المادة.
    5- تفقد الشعائر الدينية معناها الخارجي، ولا تعبر عن طاعة المخلوق للخالق وابتغاء مرضاته، "وإنما النجاح في الدنيا مع استخدام الديباجات الدينية"(40).
    وهذا لا يعني أن عملية العلمنة لا تمس إلا الجانب الديني، بل كل جوانب الحياة حتى الأحلام والجنس الذي يمكن اعتباره نموذجاً للتفسير، بل إن هذا الموضوع يعطينا مفتاحاً لفهم آليات العلمنة، التي فصلت بشكل غريب هذه الفطرة الإنسانية إلى قطاعات مستقلة الواحدة عن الأخرى، بحيث أصبح الجنس نشاطاً لا علاقة له بالإنجاب ولا الحب، مما يفقد القطاعات بعدها الباطني، وتصبح نشاطات برانية(41)، ويصل الأمر إلى "لا علاقة للمرء بمن يحب".
    نحن والعلمانية أو من هنا نعلم
    من اللازم اليوم على الفكر العربي الإسلامي الخروج من بوتقة التاريخ الماضي، ومواكبة حركة العلمانية عبر تاريخها الغربي فليست -العلمانية- فصل لقطاع السياسة، أو الاقتصاد... عن الدين، والركون إلى هذا التعريف المتجاوز، البسيط، لم يعد مقبولاً في الفكر العلماني الغربي، سواء في المنظومة العلمانية المعاصرة أو عند تيار ما بعد العلمانية الذي يتزعمه البروفسور جون كين. ولتجاوز مطبات الفكر السياسي العربي الإسلامي المعاصر حيال قضية العلمانية، فإن المسيري يقترح في أطروحته المعرفية الحديث عن علمانيتين(42):
    الأولى أطلق عليها اسم العلمانية الجزئية: ويحمل هذا النوع رؤية جزئية إلى الواقع، بحيث لا تصدم الكليات والنهائيات التي يتبناها المجتمع، فهي بذلك لا تعادي الدين بل تقر له بالوجود، وتمنحه حرية الحركة (!) مثله مثل سائر الأفكار والمبادئ، وهي تعني في المدرسة الغربية فصل الدين أي الكنيسة عن الدولة، بحيث تصبح هذه الأخيرة دولة مؤسسات تنتشر فيها جمعيات ومؤسسات المجتمع المدني، بما فيها الدينية، التي تخضع للقانون (الوضعي طبعاً)، وهذا القانون يكون متفقاً عليه وفق الأسس الديموقراطية، التي تعطي حق الاعتراض، والالتزام بقرارات الأغلبية.
    فالعلمانية الجزئية لا تمنع التدين، والالتزام بالشعائر الدينية، ولا تسلب المتدين حرية العبادة، أو تأسيس جمعيات أو أحزاب دينية(43)، ولا تتدخل في شؤون الفرد الخاصة، بل تلتزم الصمت حيال كثير من أمور الحياة العامة كذلك. وهو ما يؤكد تركها للحيز الإنساني للإنسان يتحرك فيه إذا شاء ذلك.
    والعلمانية الجزئية هنا باختصار كما يعرفها المسيري "هي علمانية تطالب بفصل الدين عن الدولة وحسب، والدين هنا يعني المؤسسة الدينية التي تحتكر لنفسها الكتاب المقدس ومفاتيح الخلاص والجنة"(44).
    أما النوع الثاني، أي العلمانية الشاملة: فهي تعبر عن رؤية العالم، بحيث تسعى إلى تنظيم كل مناحي الحياة، لتصل إلى إحساس الفرد الباطني، إنها تعتني بكامل حياته الخاصة والعامة، لتعطي للمجتمع صورتها الواحدية عن الوجود، تصورياً وتصرفياً، فليست القضية عند العلمانية الشاملة فصل للدين عن الدولة أو الكهنوت عن السياسة، بل إحلال نظام، ورؤية تسقط كل المطلقات والغائيات والإنهائيات (وهو ما يؤكد أن هذا النوع من العلمانية مثله مثل الدين الإسلامي فيما يخص الرؤية المتكاملة للحياة)، غير أنها تتناقض مع الإسلام، لأنها تسقط رؤيتها الميتافيزيقية الخاصة على الحياة، وتؤكد على فصل كل القيم الدينية، والأخلاقية والإنسانية... عن العالم.. وتصفي بذلك تركيبة الإنسان، ومقدرته على التجاوز -بتعبير المسيري-، فيختفي الإنسان الفرد، الحر، الواعي، المسؤول أخلاقياً واجتماعياً... وتنزع القداسة عن العالم (الإنسان والطبيعة)، فيسقط في قبضة الصيرورة المادية، ويظهر الإنسان الطبيعي(45)، ومعه الدين العلماني.
    هذا الشكل من العلمانية يعتبر عملية إحلالية، تزيل كل شيء: الدين والمقدس، إنسانية الإنسان، مقوماته الأخلاقية، والاجتماعية، وتحشره في كل مادي خالص، ليتحوسل الإنسان (إي يصبح وسيلة)، ويتمركز حول اللذة، والاستهلاك. وبكلمة، يختزل الإنسان وقيمته في الحياة إلى الحيز الطبيعي، حيث يصبح مثله مثل أي موجود طبيعي في السوق مادة استعمالية.
    ولا يخفى على كل باحث في هذا الموضوع أن المشاكل الرئيسة التي يعاني منه الفكر السياسي العربي الإسلامي المعاصر، هو معالجته للعلمانية من داخل منظومة الفصل والوصل بين الدولة والدين، مما يختلف مع مسار العلمنة التاريخي، كما لا يراعي الواقع السياسي، والسلوكي المعلمن كما أنتجته التجربة السياسية الغربية الحديثة، والمعاصرة، "ولذلك -يقول المسيري- أقترح أن تناقش مسألة العلمانية لا في إطار فصل الدين عن الدولة وإنما في إطار المرجعية النهائية للدولة"(46).
    فالعلمانية الشاملة بالخصوص تفرض هذا النوع من المعالجة للموضوع، ولابد من النظر إلى المرجعية أهي كامنة أم متجاوزة. "فالعلمانية (الشاملة) قد لا تكون إلحادية أو معادية للإنسان على مستوى القول والنموذج المعلن... ولكنها على المستوى النموذجي الفعال، ومستوى المرجعية النهائية، تستبعد الإله، وأية مطلقات من عملية الحصول على المعرفة..."(47)، الشيء الذي يفسر كون العلمانية الشاملة "رؤية شاملة للعالم ذات بعد معرفي (كلي ونهائي) تحاول بكل صرامة تحديد علاقة الدين والمطلقات والماورائيات (الميتافيزيقية) بكل مجالات الحياة"(48)، بمعنى آخر "هي رؤية للكون شاملة تتخلل كل شيء، وتسم عالمنا الإنساني بميسمها المادي (ولذا أسميها العلمانية المادية أو العدمية) ولا يمكنها أن تتصالح مع الدين أو مع منظومات أخلاقية تتسم بقدر من الثبات، فهي ملتزمة بشيء واحد: قوانين الحركة المادية"(49).
    مأزق العلمانية وما بعد العلمانية
    رغم فعالية النموذج العلماني على مستوى الواقع الغربي، ومساهمته الكبيرة في إنتاج مجتمع تسود فيه الديموقراطية والحداثة، فإن ذلك لا يعني مطلقاً أن العلمانية مشروع محدد المعالم، بل متتالية اتسعت دائرتها حتى مسَّت كل جوانب الإنسان -في إطار العلمانية الشاملة-، بحيث لم تعد هنالك الحياة الخاصة أو العامة، فاقتحام العلمنة وتحققها التدريجي وتغطيتها لمزيد من المجالات كرس إشكالية المفهوم، و"جعل الدال - العلمانية، قاصراً عن الإحاطة بالمدلول"(50)، من جهة أخرى أدى سيطرة النموذج العلماني الفعال إلى خلخلة المجتمع الغربي، وأصبحت المنظومة المعرفية الواحدية المادية مهيمنة على التفكير، فزادت الجريمة، وانتشر الاستثمار في البشر، وعادت بقوة تجارة الرقيق الأبيض، فأصبح قطاع الدعارة نشاطاً فوق وطني، وفي الوقت نفسه قطاعاً منتجاً ومساهماً في بناء الاقتصاد الوطني، وأصبحت المصلحة العليا للدولة من المنظور العلماني تشرعن تدمير الإنسان (القضية الصومالية.. الأفغانية والعراقية...)، وأصبح النقاش مركّزاً حول المادة، فيما أن التكنولوجيا العسكرية تطورت بطريقة جعلت من أرباح الحرب تتجاوز كلفتها(51)، لذا فشلت محاولات المنظمات الدولية الراعية للسلم العالمي في ردع قوى النموذج العلماني الإمبريالي، وأصبح القانون الدولي آلية من آليات إعاقة تقدم الدول الضعيفة، وربما هذا ما دفع المسيري إلى القول بأن الإمبريالية ليست إلا مجرد إحدى تجليات النموذج الغربي الأخلاقي، والعلماني، والإبستيمولوجي. فالعلمانية هي النظرية الأساس، والإمبريالية هي جانبها التطبيقي الأهم"(52).
    هذا الوضع الذي وصلت إليه العلمانية على المستويين الإنساني (القطري) (أي إنجازاتها دخل الدولة بالغرب)، وقبولها بالسيطرة واحتواء الآخر (مع القرن التاسع عشر، واستمرت الإمبريالية مع القرن الواحد والعشرين)(53). جعل كثيراً من المفكرين داخل (الجغرافية الفكرية) الغربية يتحدثون عن مأزق العلمانية، وفشلها في الوصول إلى حياة إنسانية تضمن السعادة البشرية، والحقوق الطبيعية المادية، والروحية المعنوية.
    وتعبيراً عن هذا المأزق شهدت مراجعات العلمانية والحداثة داخل المنظومة الغربية أبعاداً يمكن وصف بعضها بالرديكالية، من ذلك ما يذهب إليه إفنج كريستول (Irving Kristol) حيث أكد هذا المثقف اليهودي الأمريكي في كتابه الأخير حول العلمانية بأن العلمنة >رؤية دينية حققت انتصاراً على كل من اليهودية والمسيحية"، ففي الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال تمت علمنة الدين نفسه، وأصبحت العقائد نوع من المهدئات النفسية التي تساعد الإنسان على تجاوز التوترات التي يفرزها عالم العلمانية المادي. من جهة أخرى بدأت تفقد العقلانية العلمانية (مصداقيتها مع التدريج)، وحسب كريستول فإن ذلك يعود لسببين هما:
    1- الفلسفة العقلانية العلمانية تزودنا بوصف دقيق للمسلمات المؤسسة لنسق أخلاقي، لكن الإشكالية الكبرى أن الإنسان لا يقبل الأنساق الأخلاقية من منطق مادي -علماني-، بل من منطق إيماني غير عقلي، واستمرار العلمانية في أطروحتها في هذا المجال أوصلنا إلى (البربرية العلمانية).
    2- أفرزت العلمانية عالماً لا معنى له، فجاءت الحركة الرومانسية في القرن 19 كرد فعل على هذا اللامعنى، واليوم ما تزال المدرسة التفكيكية ومدرسة ما بعد الحداثة لا يؤمنان بالعقيدة الإنسانية، وكلها مدارس "تشعر بالازدراء تجاه الفكر الإنساني الهيوماني". في ظل هذا الوضع يخلص كريستول إلى أن العلمانية ستتراجع أمام تزايد الانتماء الديني، وستعود المسيحية بقوة في المجتمع الأمريكي(54)، وهو توقع صادق إذا ما نظرنا إلى التوجهات السياسية والدينية للمحافظين الجدد، والسياسة الخارجية الأمريكية المحملة بشحنة دينية مسيحية قوية، والتي تلعب فيها المسيحية الصهيونية دوراً طلائعياً في صناعة القرار السياسي الخارجي منه والداخلي.
    أما الباحثة أجنيس هيلر (Agnes Heller) "فتؤكد أن الحضارة الغربية منذ عصر النهضة قد تلاقى فيها مصادر: المصدر الإغريقي والمصدر المسيحي، وأن هذا التلاقي أدى إلى علمنة الحياة اليومية والمساحة الأخلاقية (الدائرة الصغيرة والكبيرة). والعلمنة في تصورها تفكيك العلاقة بين الإيمان، والالتزام، والكنيسة، "أي الدين بحيث لا يعد أحدهما شرطاً للآخر"(55). من جهة أخرى تعقب العلمنة عملية إحلالية، تم بموجبها إحلال أسطورة الأصل الإغريقي محل أسطورة الأصل الديني، وبذلك تهاوى النسق المطلق لصالح السياق الاجتماعي الذي تم تكريس نسبيته ونسبية معاييره.. وبالتدريج تم تكريس الجسد كأساس للوجود والتحقق والمتعة، وأصبحت (الحرية) قيمة أساسية.
    في ظل هذا الوضع كان لابد للبحث عن مرجعية مؤطرة لهذا السلوك، بتعبير أجنيس في كتابها رجل النهضة "نشأت الحاجة لإيجاد دافع الآن وهنا وليس مطلقاً/ متجاوزاً، هذا الدافع هو الأنانية أو تحقق الذات"(56).
    أما البروفيسور جون كين الذي طالب بإعادة التفكير في العلمانية، فيرى أن العلمنة كامنة في المسيحية، باعتبار أنها عقيدة أدت ما سماه "ماكس فيبر تحرر العالم من الإيمان، وإزالة الإله من حقل المجالات الطبيعية، ومن مختلف مناحي الحياة"(57)، ويرى كين أن العلمانية "لم تفِ بوعودها لا في العالم الأول (حيث تنتشر العنصرية والجريمة والنسبية الفلسفية)، ولا في العالم الثالث (حيث تحالفت العلمانية مع الفاشية والقوى العسكرية والطبقات المستغلة)"(58).
    إن ما حققته العلمانية هو تقليص دور الدين ومن ثم إضعافه وهزيمته، وبما أن القضاء على الدين أمر غير ممكن، فإن كين يتحدث بناء على فشل العلمانية، عن (ما بعد العلمانية) لأنها فعلاً في مرحلة الأزمة(59).
    من جهة أخرى يرى جون كين بروفيسور السياسة بجامعة وستمنستر أن هناك حدوداً للعلمانية، فبالإضافة إلى أنها تحولت إلى دوغما سياسية، فإنها بالتأكيد "تحمل تناقضات داخلية لا يمكن القفز عنها، رغم أنها تناقضات لا تصل إلى حد إسقاط العلمانية من الداخل"(60).
    التناقض الأول: هو دعوة العلمانية إلى حرية الممارسة الدينية، والاجتماع الديني، وهو ما يجعلها في منافسة (شريفة) مع الدين الذي يملك قوة ذاتية توسعية في المجال السياسي، لأنه يحمل في طياته دوراً ما في عالم السياسة.
    أما التناقض الثاني: فيتجلى في إيمان العلمانية (بعدم اليقين الوجودي) الذي يحل محل الإيمان الديني، وهذا لا يحقق الإشباع الروحي.
    يضيف بروفيسور السياسة تناقضاً داخلياً آخر للعلمانية، حيث يرى ذلك التقارب بينها وبين الديكتاتورية الذي يتم تحت مسميات عديدة، ويتضح ذلك من خلال النموذجين: التركي والفرنسي. ففي تركيا تتحالف العلمانية ضد المد الإسلامي مع العسكر بدعوى حماية الدستور العلماني، أما في فرنسا فالعلمانية تتحالف مع "ممارسات ديكتاتورية مثل منع الحجاب، أو التضييق على المسلمين تحت مسمى الاندماج أو محاربة التعددية الثقافية"(61).

    الهوامش:
    * باحث في القانون الدستوري وعلم السياسة - جامعة محمد الخامس، كلية الحقوق الرباط أكدال - المغرب.
    (1) تنطلق رؤية عبد الوهاب المسيري المعرفية/ الإبستمولوجية للعلمانية من الفصل التام بين المنهج العلمي المطبق على الإنسان وذلك المطبق على الحيوان. والرؤية المعرفية عند المسيري لها إجابات كلية ونهائية عن الأسئلة المطروحة والبعد الكلي النهائي كامن في أي فعل إنساني. انظر: عبد الوهاب المسيري الموضوعية والتحيز وأزمة المنظور العلماني: رؤية معرفية. في المنهاجية الإسلامية في العلوم الاجتماعية حقل العلوم السياسية، إعداد وإشراف نادية مصطفى، وسيف الدين عبد الفتاح ، المعهد العالمي للفكر الإسلامي - مركز الحضارة للدراسات السياسية، الطبعة الأولى 2002 ص 449-456.
    (2) عبد الوهاب المسيري، في أهمية الدرس المعرفي، مجلة إسلامية المعرفة العدد 20 السنة 2000 ص 13.
    (3) عبد الوهاب المسيري: العلمانية تحت المجهر ص 64.
    (4) عبد الوهاب المسيري: نفس المرجع ص 65.
    (5) عبد الوهاب المسيري: العلمانية... رؤية معرفية، مجلة الغدير، المجلد الرابع، العددان 25 و 26، السنة 1994 ص 66.
    (6) عبد الوهاب المسيري: العلمانية تحت المجهر ص 78.
    (7) نفس المرجع: ص 79.
    (8) ينتشر هذا المفهوم ضمنياً في كتابات كثيرة من الفكر السياسي العربي المعاصر خاصة تلك التي تعتبر الأديان مجموعة من الأساطير المنظمة، أو تلك التي لا تزال تعتبر فكرة الإله فكرة تعويضية لما يشعر به الإنسان في مواجهته للظروف المادية (الاقتصادية خاصة).
    (9) عبد الوهاب المسيري: مرجع سابق ص 80.
    (10) عبد الوهاب المسيري: جريدة الأهرام المصرية 16 أبريل 2002 العدد 42134.
    (11) عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والهيونية، دار الشروق القاهرة، الطبعة الأولى 1999 ص.
    (12) عبد الوهاب المسيري: العلمانية تحت المجهر.. ص 80.
    (13) عبد الوهاب المسيري: نفس المرجع ص 82.
    (14) عبد الوهاب المسيري: الرؤية الإبستيمولوجية للإمبريالية، مجلة المنعطف العدد 10 السنة 1995 ص 57.
    (15) عبد الوهاب المسيري: العلمانية تحت المجهر ص 83.
    (16) عبد الوهاب المسيري، العلمانية تحت المجهر ص 12.
    (17) عبد الوهاب المسيري: نفس المرجع ص 13-14.
    (18) عبد الوهاب المسيري: م. س ص 57.
    (19) عبد الوهاب المسيري: العلمانية... رؤية معرفية، مجلة الغدير، المجلد الرابع العددان 25 و 26 السنة 19 ص 68.
    (20) راجع عبد الوهاب المسيري، العلمانية تحت المجهر ص 58.
    (21) نفس المرجع ص 58 و 59.
    (22) م. س ص 59.
    (23) رأينا أن كلمة الدنيا والعصر تعني العلمانية.
    (24) عبد الوهاب المسيري: م. س ص 60-61.
    (25) م.س ص 61.
    (26) تعبر هذه الصيغة عن المفهوم الحقيقي للعلمانية كما عرفت في التاريخ السياسي الغربي، فالعلمنة ابتدأت قاصدة خلق مجالين ديني ودنيوي إلا أنها انتهت بخلق دين جديد على شاكلة المسيحية الأرتوذكسية، وأصبح من غير الممكن (والمعقول) التنازل عن القيم العلمانية ويعتبر عدم تطبيقها عمل غير عقلاني وخارج نطاق الحرية والعالم الحر...
    (27) تظهر هذه الفكر صوابية القول أن أحد أهم التعريفات الحديثة والمعاصرة للعلمانية ليس هو فصل الدين عن الدولة بل تحكم وسيطرة الدولة عن الدين بمعنى آخر العلمانية هي نظام تكون فيه السلطة السياسية هي المسير والمهيمن عن الدين.
    (28) عبد الوهاب المسيري: العلمانية تحت المجهر ص 63.
    (29) عبد الوهاب المسيري: العلمانية ... رؤية معرفية، مجلة الغدير، المجلد الرابع العددان 25 و 26 السنة 1994 ص 74.
    (30) عبد الوهاب المسيري: الحلولية والتوحيد والعلمنة الشاملة: حالة اليهودية (أطروحة ماكس فيبر وبيتر برجر) مجلة التجديد، العدد الثاني السنة 1997 ص 25.
    (31) عبد الوهاب المسيري: العلمانية... رؤية معرفية مرجع سابق ص 74.
    (32) عبد الوهاب المسيري: الحلولية والتوحيد والعلمنة الشاملة: حالة اليهود (أطروحة ماكس فيبر وبيتر برجر) مرجع سابق ص 25.
    (33) عبد الوهاب المسيري: فريدريك نتشه.. فيلسوف العلمانية الأكبر، مجلة منير الشرق، السنة الثالثة العدد 36 نوفمبر 1994 ص 54-55.
    (34) عبد الوهاب المسيري: العلمانية... رؤية معرفية، مرجع سابق ص 74.
    (35) تعني كلمة ترشيد المأخوذة من كلمة (رشد) بمعنى (عقل) أو (عرف طريق الاستقامة) و (رشده) يعني (هداه إلى الطريق) و (الرشد). (الاستقامة على طريق الحق). ومن هنا نقول: (بلغ سن الرشد) للتعبير عن بلوغ الأطفال مبلغ الرجال والنساء، يراجع في هذا التعريف اللغوي عبد الوهاب المسيري: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، المجلد 2، دار الشروق الطبعة الأولى 2002 ص 9.
    (36) عبد الوهاب المسيري: العلمانية تحت المجهر ص 99.
    (37) عبد الوهاب المسيري: مرجع سابق، 100-102.
    (38) عبد الوهاب المسيري: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة ص 24.
    (39) عبد الوهاب المسيري: العلمانية... رؤية معرفية، مجلة الغدير، العددان 25 و 26 السنة 1994 ص 79.
    (40) عبد الوهاب المسيري: العلمانية... رؤية معرفية مرجع سابق ص 84-85.
    (41) نفس المرجع ص 78.
    (42) عبد الوهاب المسيري: العلمانية تحت المجهر ص 119-127.
    (43) في الوقت الذي تسمح الدولة العلمانية في ألمانيا وبلجيكا وإنجلترا بتواجد أحزاب لها طرح ديني تمنع العلمانية العربية هذا النوع من الأحزاب وهو ما يقع في تونس ومصر... ومرشح الوقوع في المغرب.
    (44 ) لمزيد من التعمق حول هذا النوع من العلمانية راجع: عبد الوهاب المسيري العلمانية: نموذج تفسيري جديد: من موقع www.wlam-online.net.
    (45) عبد الوهاب المسيري: العلمانية تحت المجهر ص 122-123.
    (46) راجع جريدة النبأ المغربية في حوارها مع عبد الوهاب المسيري، العدد 26 ص 8-9.
    (47) عبد الوهاب المسيري: العلمانية تحت المجهر ص 126-127.
    (48) نفس المرجع ص 120.
    (49) عبد الوهاب المسيري: العلمانية جريدة الأهرام عدد 16 أبريل 2002.
    (50) عبد الوهاب المسيري: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، المجلد 1، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى 2002 ص 213.
    (51) يظهر هذا النموذج بشكل واضح جداً، في النظام العالمي الجديد بقيادة الولاية المتحدة الأمريكية، فحرب الخليج الأولى أدت إلى ربح أمريكا لملايير الدولارات، التي دفعتها الكويت والسعودية وقطر، واليابان وألمانيا... وتكرر النموذج في احتلال العراق الذي تأخر حتى حققت الولايات المتحدة تحالفاً تشارك بموجبه دول بجيشها وأخرى بالأموال، وهي تسترجع نفقاتها الآن بالنفط العراقي الذي تسيطر عليه سيطرة كاملة، في حين تزداد حالة العراقي تدهوراً وهو مهدد بالموت بالرصاص أو الجوع، لكن المهم وفق النموذج العلماني الأمريكي هو فرض النموذج العلماني الواحدي، والكوني حسب زعمه.
    (52) لمزيد من العمق في هذه النقطة راجع: عبد الوهاب المسيري: الرؤية الإبستمولوجية الإمبريالية، مجلة المنعطف العدد 10، السنة 1995 ص 53.
    (53) حاولت الولاية المتحدة بعد احتلالها الأخير لأفغانستان وضع دستور علماني للبلاد إلا أن رد فعل أعضاء البوراجركا (البرلمان) والوضع الداخلي المتمزق أصلاً دفعها إلى التخفيف من الوقع العلماني في الدستور وأشير إلى الإسلام كدين لأفغانستان. الشيء نفسه بالنسبة للعراق مؤخراً حيث تحدث وسائل الإعلام (القدس العربي) عن مشروع دستور وضع من طرف بعض المدافعين عن الصهيونية مثل توماس فريدمان وغيره. وتبقى مسألة العلمانية النقطة الرئيسة التي أخرت المصادقة على مشروع دستور العراق بعد صدام حسين.
    (54) لمزيد من التدقيق راجع: عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة مرجع سابق ص 101-102-103.
    (55) نفس المرجع ص 103.
    (56) م.س، ص 104.
    (57) نقلا عن: فهمي هويدي: المقالات المحظورة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى 1998 ص 240.
    (58) عبد الوهاب المسيري: العلمانية تحت المجهر ص 145.
    (59) يرى عبد الوهاب المسيري أن (ما بعد) العلمانية أو (ما بعد) الإيديولوجيا و (ما بعد) الحداثة في واقع الأمر تعني نهاية، واستعمال الكاسحة (بوست/ ما بعد) هو إشارة إلى أن النموذج المهيمن فقد فعاليته ودخل مرحلة الأزمة ولكن لم يحل محله نموذج آخر.
    راجع عبد الوهاب المسيري: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، دار الشروق، القاهرة، المجلد الأول ص 110.
    (60) راجع قراءة في كتاب: العلمانية في الشرق الأوسط، لمجموعة من المؤلفين بموقع الجزيرة نت.
    (61) نفس المرجع


    عن موقع الكلمة
    رد مع اقتباس  
     

  5. #29  
    المدير العام الصورة الرمزية طارق شفيق حقي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2003
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    12,881
    مقالات المدونة
    156
    معدل تقييم المستوى
    10
    العلمانية في الفكر السياسي العربي المعاصر
    خالد ياموت (http://www.kalema.net/v1/?wri&cv=-1)
    العلمانية في الفكر السياسي العربي المعاصر
    تحليل خطاب التيار التوفيقي
    خالد ياموت*
    - العلمانية في الفكر السياسي العربي المعاصر: تحليل خطاب التيار التوفيقي
    - ماجستير في العلـــوم السياسية
    - إعداد الطالب: خالد ياموت
    - تحت إشراف: الدكتور محمد الدامر
    - جامعة محمد الخامس - كلية الحقوق - أكدال
    - الموسم الجامعي: 2003 - 2004
    1ـ في طرح المسألة

    اتخذ الفكر السياسي العربي المعاصر عبر تاريخه أشكالاً تعبيرية، تداخل العاملان الداخلي والخارجي، في نسج أنساقه المعبر عنها في الخطاب السياسي. فهو من جهة يحمل في أحشائه اجتهادات الفقه السياسي المتوارث، كما يخضع للثقافة السياسية المشكلة للوعي الجمعي المنشدة إلى الدين، والتجربة التاريخية للاجتماع السياسي العربي. ومن جهة أخرى يحاول التعايش مع مفاهيم سياسية غربية جديدة تهم الفكر والعمل السياسي، الشيء الذي طرح معه إشكالية الاستنبات والاستيعاب، وتبني مفاهيم الحداثة السياسية، وتطبيقها في الممارسة السياسية العربية الراهنة...
    إن طرح مسألة الفكر السياسي العربي المعاصر في سياقي تطور الدولة، وما تطرحه في شكلها القطري في عهد ما بعد الاستعمار، من >فشل< المنظومة الليبرالية والاشتراكية... يحيل في الوقت الراهن على إحدى الإشكالات التاريخية المتصلة بالعمل السياسي والممارسة السياسية، وهو علاقة السلطة السياسية بالدين الإسلامي. إن السياق العملي للسياسة والدين نفسه يستمدان ديناميتهما من الدينامية التاريخية، بوصفهما فاعلين في الاجتماع السياسي العربي المعاصر. وفي ظل تنوع الرؤى بتنوع زاوية النظر في إشكالية الديني والسياسي، يمكن إدراج عودة المدرسة التوفيقية من جديد مع بداية ثمانينات القرن العشرين، وما يجعل منها مدرسة خاصة، ويعلي من منظورها للإشكاليات المعرفية والسياسية العربية المعاصرة، تشكلها من مفكرين بارزين، ومؤرخين وأساتذة العلوم السياسية وأساتذة الأنثربولوجيا، وأساتذة الفلسفة السياسية... من ناحية موازية تشكل هذه المدرسة استمراراً للتوفيقية الحديثة التي تزعمها كل من الأفغاني ومحمد عبده، ولعبت دوراً كبيراً في تجديد الدين والسياسية على السواء، كما استطاعت الخروج من عدة أزمات فكرية، ناتجة عن استيراد بعض إشكالات التاريخ الأوروبي وحشرها في السياق العربي الحديث والمعاصر. ليكون بذلك النظر التوفيقي دائم الالتصاق بالفكر السياسي العربي الإسلامي منذ القرن الهجري الأول.
    وتُعدُّ إشكالية العلمانية (بفتح العين)، وطريقة طرحها في الخطاب السياسي العربي المعاصر عبر إيديولوجياته المتعددة، أهم إشكالية تبرز مدى أهمية الطرح التوفيقي، وما لعبه عبر التاريخ الإسلامي عموماً من دور فعال في احتواء الأزمات، وطرح بدائل تنطلق من التجربة التاريخية الخاصة، مع الاستفادة من الإنتاجات الإنسانية المتعلقة أساساً ببناء الدولة في إطار مفاهيم الحداثة السياسية والفكر السياسي المعاصر، من تبني الديموقراطية والمواطنة...
    2ـ في طرح الإشكالية

    ترتبط السلطة السياسية عبر تاريخ تشكلها بالبنية السوسيو-ثقافية للاجتماع السياسي، وبما أن البناء العمودي والأفقي للدولة، يقوم على تفاعلات الحراك الاجتماعي، فإن مجموع هذه العوامل هي التي تصوغ العمل السياسي، وتنزرع في كل مؤسسات الدولة. من هذه الزاوية المسلم بها في علم الاجتماع السياسي، تتخذ إشكالية العلمانية في الفكر السياسي المعاصر بعداً يستلزم البحث في الذهنية السياسية العربية المعاصرة، وتاريخ تشكلها وعلاقتها ببعض نماذج بناء السلطة خاصة الناتجة عن الحروب الدينية في أوروبا.
    نقل الفكر السياسي العربي النخبوي إشكالية العلمانية من واقع الصراع الناشب بين الكنيسة الدينية والرؤية الدنيوية للسلطة السياسية، الذي حاولت معاهدة وستيفاليا سنة 1648م معالجتها اعتماداً على مفهوم العلمانية الذي ظهر لأول مرة في نصها، ليقصد به كل ما هو غير تابع للكنيسة. في القرن التاسع عشر تطورت العلمانية واللائكية، بوصفها حركةً وتصوراً سياسياً، هدفه الأساس يكمن في فصل الدين عن الدولة، غير أن هذا التعريف سرعان ما تطور على شكل متتالية مندمجة في الحقل السياسي في المرحلة الأولى، وتقتحم المجال الاقتصادي والاجتماعي... في المرحلة الثانية، لتنتهي إلى كونها رؤية للعالم لا تترك صغيرة ولا كبيرة في الشأن الشخصي والشأن العام، إلا ولها رؤيتها الخاصة به.
    ينطلق التصور العلماني العربي المعاصر المعتدل، من ثنائية قائمة أساساً في الفكر السياسي الغربي، تقول بوجود مجالين منفصلين الواحد دنيوي صرف، والثاني سماوي متعالٍ ومقدس، مقطوع الوصل مع الشأن الوضعي، وعليه يصبح الدين شأناً شخصياً، لا يعتد به أصلاً ولا فرعاً في المجال السياسي.
    ورغم إيمانها بكون الدين لا يتجاوز جوانية المؤمنين به، فإن العلمانية المعتدلة عربياً لا تطالب بإلغاء الدين، وإنما فقط حبسه من التوغل في المجال الاجتماعي السياسي، لأن الدين سيحتل المواقع السياسية الحساسة، مما يحول دون انشغال الدين بنفسه، إذ يعوض ذلك بالانشغالات اليومية للسياسة. وبما أن الدين مقدس فإن فصله عن السياسة والدولة هو الحل الوحيد.
    أما التصور العلماني العقائدي، فإنه وإن كان ينطلق من الثنائية المشار إليها أعلاه، فإنه ينتهي إلى رفض الدين تصريحاً، أو بطرحه للعلمانية تصوراً شاملاً لجميع مناحي الحياة. إن هذا الطرح لا يتحدث عن فصل الدين عن الدولة والسياسة، بل عن فصل الدين عن الحياة، مسترجعاً بذلك التجربة الغربية التي نظرت للدين الطبيعي والدين الوضعي. كما يقول: إن حركة المجتمع لا نهائيات ولا غائيات لها، بل حركة منفتحة على التحول الدائم، وبالتالي لا وجود للثابت الذي يشكله الدين والميتافيزيقيا، الشيء الثابت الوحيد هو العلمانية مرجعيةً، وبناء على ذلك حلت >الحتمية العلمانية< مكان >الحتمية الدينية<، وأصبحت العلمانية ميتافيزيقية جديدة، ناسخة ورافضة للدين الإسلامي، كما يرفض هذا الأخير العلمانية بجميع أصنافها.
    لسنا أمام خيار واحد تقول التوفيقية العربية المعاصرة، إننا حسب المعطى السوسيوسياسي أمام أنظمة سياسية متباينة داخل المنظومة العلمانية نفسها، من جانب أخر، لم يمر العالم الإسلامي من نفس التجربة الصراعية الغربية بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، التي أنتجت نظرية السيفين -سيف قيصر وسيف الكنيسة- في الغرب المسنودة من الدين المسيحي نفسه، الذي قال: >بإعطاء ما لله لله وما لقيصر لقيصر<. والإسلام من الناحية المعيارية والتجربة السياسية من خلال الدولة التاريخية المسماة الخلافة، أو من خلال الدولة القطرية المعاصرة ظل حاضراً في عمق الدولة والسياسة.
    والإسلام حينما يرفض الفصل بين الدين والدولة والسياسة، لا يعني تقديمه لنظرية ثابتة لبناء النظام السياسي للدولة، بل يرى هذه الأخيرة -حسب التيار التوفيقي المعاصر-، أمراً دنيوياً، لكنه ينبني على مرجعية وخلفية دينية، تحث على تطبيق أمور من الدين لا تقوم إلا بقيام الدولة. ولأن الإسلام معيارياً على هذه الشاكلة، فإن التجربة التاريخية تراث يستأنس به في بناء الدولة. والاستعمال السيئ للسلطة السياسية والدين، ناتج عن غياب مبدأ الشورى/ الديموقراطية، وطغيان التسلط السياسي الذي استغل الدين بعد أن سيطرت الدولة ورجالها على الدين. وهذا ما جعل الحقل السياسي العربي المعاصر يشهد مع تنامي الحركات الإسلامية نوعاً من صراع دين الأمة مع دين الدولة ورجالها.
    الحل الذي تقول به المدرسة التوفيقية، يكمن في بناء نظام سياسي مدني غير منفصل عن الدين، بل يقوم على التمييز والتقسيم بين المجال الديني، والمجال السياسي، ويأخذ من الحداثة السياسية ما يتوافق وخصوصيتنا الثقافية، والتاريخية.
    إن بعض ما أنتجته التجربة الغربية في الشان السياسي، يجد له شرعية في نصوص الدين الإسلامي، فالديموقراطية لا تختلف عن الشورى التي تجعل مصدر السلطة ليس هو الدين، بل الإرادة العامة للشعب، كما تجعل تداولها أمراً يعود إلى اختيارات هذه الإرادة الشعبية... فالبيعة أو التعاقد السياسي المتجدد، خاصية تمنح الشرعية للسلطة. فليس هناك تفويض ولا تعيين من الله، وليس هناك من يمثل الله في الأرض، الأمر في السياسة يعود للأمة تشرع للسياسة وفق مقاصد الدين وضماناً للمصلحة الفردية والجماعية. ولأن الدولة الإسلامية مدنية بطبيعتها، فإن الأخذ بمفهوم المواطنة المعاصر لا يمر عبر تبني العلمانية، وإنما بتطبيق النص الديني الذي يعترف بالأديان الأخرى، ويعطيها شرعية الوجود داخل الدولة المدنية ونظامها العام.
    لسنا إذن أمام الدولة الدينية ولا الدولة العلمانية، إننا في الواقع أمام خيار الدولة المدنية.
    3ـ أهمية الموضوع

    يكتسي موضوع العلمانية أهمية خاصة في الواقع السياسي العربي والغربي على السواء، فلا زال النقاش حول الدستور الأوروبي يشهد تعثراً بسبب الاختلاف حول الإشارة إلى الإرث المسيحي للقارة... أما في الدائرة العربية، فإن علاقة الدين بالسياسة تجعل من حدود كل منهما حدوداً مبهمة، تصل إلى المطابقة وما يفرز ذلك من تآكل مساحة السياسة باسم الدين، أو استخدام السياسة للهيمنة على الدين خاصة في عصر الدولة العربية الحالية... ومن ثم فإن إعادة طرح سؤال: أين ينتهي الديني ويبتدئ السياسي؟ أصبح مدخلاً من مداخل إعادة بناء السلطة والفكر السياسي العربي المعاصر.
    كما يجد هذا الموضوع راهنيته في كونه من أهم مواضيع علم السياسة التي نوقشت خارج دائرته، حيث غلبت الدراسات >اللاهوتية<، على وجهة نظر الإنثربولوجيا السياسية وعلم السياسة، وعلم الاجتماع السياسي، الشيء الذي دفعنا إلى مناقشة العلمانية بوصفها إشكالية في السياسة، أكثر مما هي إشكالية من الدين.
    4ـ المنهج المتبع في طرح الإشكالية
    انطلاقاً من الفرضية العلمية التي ترى إشكالية العلمانية سوسيولوجية بالأساس، لتعلقها بالممارسة السياسية أكثر من انشدادها إلى النص المجرد، اخترنا من الناحية النظرية اعتماد المنهج التاريخي المقارن، والاستناد في التحليل على علم الاجتماع التاريخي والسياسي، مع استعمال تقنية تحليل الخطاب. ولعل ما يبرر هذا الاختيار، كون موضوع العلمانية معقداً ومركباً، مما يتطلب معالجة علمية تدمج مناهج علمية متعددة، تصبو إلى تقديم أقرب صورة ممكنة لحقيقة علاقة الدين بالسياسة، في وسط عربي يتميز بالخصوصية، وباختلافات من دولة إلى أخرى، إثنياً ودينياً.
    5ـ الصعوبات وخطة العمل

    لعل أول ما يعترض الباحث في قضية العلمانية، هو طريقة ومناهج مناقشة الإشكال نفسه على المستوى العربي والمغربي، حيث نجد انتشار الكتابات التي تناقش الموضوع من باب العقيدة الدينية، أو دون مراعاة السياق التاريخي والحضاري المنبت للإشكال، كما يواجه البحث في هذا الموضوع مشكل قلة الكتابات الصادرة عن المتخصصين في علم السياسة وعلم الاجتماع المتناولة لهذا الإشكال.
    ولتنافي الضياع في ثنايا الإشكالية، ناقشنا الموضوع من الزاوية الإبستيمولوجية والفلسفية... قبل أن نناقش علاقة العلمانية بالحداثة السياسية، خاصة الديموقراطية والمواطنة، وإمكانية قبول أطراف النسق السياسي المغربي للعلمانية واللائكية.
    الهوامش:

    ?* باحث في العلوم السياسية: جامعة محمد الخامس أكدال الرباط.


    عن موقع مجلة الكلمة
    رد مع اقتباس  
     

  6. #30  
    المدير العام الصورة الرمزية طارق شفيق حقي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2003
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    12,881
    مقالات المدونة
    156
    معدل تقييم المستوى
    10
    المراحل التارخية لتطور العَلمانية الغربية‎
    بوجمعة حدوشنشر في الجسور يوم 20 - 02 - 2014
    ظهرت العلمانية الغربية في القرن السابع عشر، و أخذت عدة معان؛ "فكانت تعني "فصل الدين عن الدولة" في القرنين السابع عشر والثامن عشر."[1] هذاالقرن الذي تميز"بظهور روح الشك العام في كل شيء تقريبا، ومع ذلك فقد ظهرت فلسفات إيجابية متنوعة يدور محورها حول كلمتين هما في الواقع صنمان استحدثهما الهاربون من نير الكنيسة ليحل محل إلههما المخيف وهما العقل والطبيعة.


    أما العقل فلم يعد مقيد بأغلال الثنائية الديكارتية بل بدأ يبحث عن ذاته ويسلك طريقه لكي يتصرف كما لو كان "إلها" بالفعل، وتعالت أصوات الباحثين والفلاسفة منادية بأن العقل هو الحكم الوحيد والعقل هو كل شيء وما عداه فهو وهم وخرافة…
    أما الطبيعة فإله "جذاب" رحب الصدر ليس له كنيس ولا التزامات ولا يستدعي طقوسا ولا صلوات، وكل ما يطالب به الإنسان أن يكون إنسانا طبيعيا يلبي مطالبه الطبيعية في وضوح وصراحة."[2]
    وهكذا "قامت العلمانية اللادينية على الإلحاد وإنكار وجود الله تعالى وإنكار الأديان، وهي ردَّة في حق من يعتنقها من المسلمين مهما كان تعليله لها، وكانت العلمانية عند قيامها في مرحلتها الأولى في القرنيين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، تنظر إلى الدين على أنه ينبغي أن يكون أمرا شخصيا لا شأن للدولة به إلا ما يتعلق بجباية الضرائب للكنيسة، ولعل هذا كان خداعا لأهل الدين، ثم امتدت المواجهة للدين على النحو الذي تطورت إليه بعد ذلك، وكان الخلاف محتدما بين رجال الدين ورجال العلمانية على السلطة، مما جعلهم ينادون بفصل الدين عن الدولة ليستقل كل فريق بسلطته."[3]
    "وهكذا استمر الحال في القرن الثامن عشر، لكن بعد أن قويت شوكة هذا العقل وفاق ما عداه من معايير تنظيم الحياة، اقتحم القرن التاسع عشر مبعدا ذلك الدين عن الدولة ومقصيا رجاله عن مجتمعه، باعثا إياهم للدول الأخرى في مهمات رسمية أخذت أسماء عدة منها: التبشير والإستشراق، لذا فقد عُرف القرن التاسع عشر في أوروبا بعصر الإلحاد."[4]
    "وكان أول من دعا إلى فصل سلطة علماء الدين عن السياسة والحكم الفيلسوف ديكارت، ثم تبعه بيكون، ثم سبينوزا، ثم جون لوك، وهم جميعهم ملحدون مارقون،
    وفي(1778) مهّد جان جاك روسو للثورة ضد الكنيسة والإقطاع، فألّف كتاب: (العقد الإجتماعي) الذي اعتبره الفرنسيون إنجيل ثورتهم التي قامت عام (1789).
    أما اليهودي سبينوزا فقد كان رائد العلمانية، واعتبرها منهجا للحياة ولسلوك الناس، وأصدر بآرائه العلمانية كتاب: (اللاهوت والسياسة) ثم جاء فولتير صاحب كتاب: (القانون الطبيعي) الذي أنكر وجود الله وأنه خالق الكون، ونسب الخلق والإبداع للطبيعة ذات القدرات الخارقة. ثم دعا وليم جودين عام (1793) من خلال مقالاته وكتاب: (العدالة السياسية) إلى العلمانية وإلى الإبتعاد عن الدين.
    وابتدأت الثورة الفرنسية بتظاهرة غوغائية احتشدت أمام الباستيل، ثم هدّمته وطالبت بالحرية والمساواة والإخاء وهي نفس الشعارات التي ترفعها الماسونية السوداء .
    وفي عام (1859) أصدر تشارلس دارويين كتابه: (أصل الأنواع) الذي أنكر فيه الخلق الألهي، وقال بأن كافة الكائنات الحية البدائية قد ظهرت قبل مليارات السنين بشكل تلقائي، ثم راحت تتطور حسب ظروف البيئة حتى تمخضت عن كافة المخلوقات التي تدب الآن على سطح الأرض بما فيها الإنسان.
    وأيّد هذه النظرية الملحدون: دوركايم، وفرويد، وكارل ماركس مؤسس الفكر الشيوعي الذي قال: إن الدين أفيون الشعوب، كما أيدتها الماسونية والشيوعية ومؤيدو الفلسفة الوجودية مثل جاك بول سارتر وكولن ويلسون وغيرهم."[5]
    "وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهر مكابران آخران بالغا في عدائهما لله وللأديان السماوية، هما: جورج هوليوك، وتشارلس ساوت، اللذان أصدرا مجلة (عرّاف العقل) وكرّسا كتابتهما للتجديف والطعن بالدين، فقالا مما قالاه: "لم يكن العهد القديم إلاّ تسجيلا فاضحا للشذوذ والشهوات الجنسية ولسفك الدماء، ودعوة ماجنة للفجور والإلحاد فاقت كافة روايات الدعارة ذات الصيت الواسع"!.. لقد خلطا بين التورات الإلهية وبين التلمود الموضوع من قبل حاخامات مارقين وفلاسفة متنطعين ملحدين بعد مئات السنين من انتقال موسى عليه السلام إلى الرفيق الأعى!..لقد صوّر هذان المفكران الأنبياء والقديسيين ابتداء بموسى عليه السلام وانتهى ببطرس نصابين وسفاكي دماء، كما أنكروا وجود الله وقالا: إنهما يشعران بالغثيان إذا ما لامسهما مسيحي!…
    كما تحاشى هذان المفكران كلمة الكفر والمادية والإلحاد، وأطلقا على فلسفتهما اسم (العلمانية) ليتّقوا بذلك محاربة الناس وعدائهم وتصدِّيهم وبذلك نجحا في تضليل البشر وفي خداعهم وأوقعاهم في حبائل مكرهما وفكرهما، بل وكفرهما."[6]
    هكذا أخذت العلمانية في التطور بعد أن اعتنقها كبار المفكرين والفلاسفة، وحاولوا إقناع الناس أنها هي الخلاص من طغيان الكنيسة، ومن كل الجهل والتخلف الذي كانوا يعيشونه.
    "وقد ذكر الدكتور العرماني أن العلمانية قد مرّت في تطورها بأدوار هي كما يلي:
    الدور الأول: وقد كان دور الصراع الدموي مع الكنيسة، وسمي هذا الدور بعصر التنوير أو بداية عصر النهضة الأوربية، ويعود سببه إلى تأثر الأوربيين بالمسلمين إثر اختلاطهم بهم عن طريق طلب العلم في الجامعات الإسلامية، وقد ذاق علماء الغرب في هذا الدور ألوانا من العذاب على أيدي رجال الكنيسة إثر ظهور الإكتشافات العلمية هناك ووقوف رجال الكنيسة ضد تلك الإكتشافات وجها لوجه.
    الدور الثاني: ظهور العلمانية الهادئة وتغلب رجالها على المخالفين من رجال الكنيسة، وفيه تم عزل الدين عن الدولة، وانحصرت مفاهيم الكنيسة في الطقوس الدينية فقط بعيدة عن الحياة الإجتماعية كلها.
    الدور الثالث: وقد اكتملت قوة العلمانية ورجالها، وحل الإلحاد المادي محل الدين تماما."[7]
    إذن قامت العلمانية في البلاد الغربية نتيجة لتحريف الكنيسة للدين المسيحي، وإحلالها مكانه دينا عنصريا لا يعترف بالضعفاء، بل يستغلهم ويأخذ منهم ممتلكاتهم وأرزاقهم، فكان من حقهم أن يثوروا على هذا الدين، بل ويبعدوه عن كل مجالات حياتهم.
    boujamaa_hadouch@hotmail.com
    https://www.facebook.com/hadouchboujamaa
    [1] التيار العلماني الحديث وموقفه من تفسير القرآن الكريم، ص: 46
    [2] العلمانية، سفر بن عبد الحمان حوالي، ص: 159 160
    [3] المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمع وموقف المسلم منها، د.غالب بن علي عوجي، ج: 2، ص: 648،
    ط: الأولى 1427/2006
    [4] التيار العلماني وموقفه من تفسير القرآن الكريم، ص: 47
    [5] الإسلام يتصدى للغرب الملحد، د.محمد نبيل الشنواتي، ص: 169 170 ط: الأولى
    [6] نفس المصدر، ص: 44 45
    [7] المذاهب الفكرية المعاصرة، ج: الثاني، ص: 686
    رد مع اقتباس  
     

  7. #31  
    المدير العام الصورة الرمزية طارق شفيق حقي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2003
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    12,881
    مقالات المدونة
    156
    معدل تقييم المستوى
    10
    المراحل التارخية لتطور العَلمانية الغربية‎
    بوجمعة حدوشنشر في الجسور يوم 20 - 02 - 2014
    ظهرت العلمانية الغربية في القرن السابع عشر، و أخذت عدة معان؛ "فكانت تعني "فصل الدين عن الدولة" في القرنين السابع عشر والثامن عشر."[1] هذاالقرن الذي تميز"بظهور روح الشك العام في كل شيء تقريبا، ومع ذلك فقد ظهرت فلسفات إيجابية متنوعة يدور محورها حول كلمتين هما في الواقع صنمان استحدثهما الهاربون من نير الكنيسة ليحل محل إلههما المخيف وهما العقل والطبيعة.


    أما العقل فلم يعد مقيد بأغلال الثنائية الديكارتية بل بدأ يبحث عن ذاته ويسلك طريقه لكي يتصرف كما لو كان "إلها" بالفعل، وتعالت أصوات الباحثين والفلاسفة منادية بأن العقل هو الحكم الوحيد والعقل هو كل شيء وما عداه فهو وهم وخرافة…
    أما الطبيعة فإله "جذاب" رحب الصدر ليس له كنيس ولا التزامات ولا يستدعي طقوسا ولا صلوات، وكل ما يطالب به الإنسان أن يكون إنسانا طبيعيا يلبي مطالبه الطبيعية في وضوح وصراحة."[2]
    وهكذا "قامت العلمانية اللادينية على الإلحاد وإنكار وجود الله تعالى وإنكار الأديان، وهي ردَّة في حق من يعتنقها من المسلمين مهما كان تعليله لها، وكانت العلمانية عند قيامها في مرحلتها الأولى في القرنيين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، تنظر إلى الدين على أنه ينبغي أن يكون أمرا شخصيا لا شأن للدولة به إلا ما يتعلق بجباية الضرائب للكنيسة، ولعل هذا كان خداعا لأهل الدين، ثم امتدت المواجهة للدين على النحو الذي تطورت إليه بعد ذلك، وكان الخلاف محتدما بين رجال الدين ورجال العلمانية على السلطة، مما جعلهم ينادون بفصل الدين عن الدولة ليستقل كل فريق بسلطته."[3]
    "وهكذا استمر الحال في القرن الثامن عشر، لكن بعد أن قويت شوكة هذا العقل وفاق ما عداه من معايير تنظيم الحياة، اقتحم القرن التاسع عشر مبعدا ذلك الدين عن الدولة ومقصيا رجاله عن مجتمعه، باعثا إياهم للدول الأخرى في مهمات رسمية أخذت أسماء عدة منها: التبشير والإستشراق، لذا فقد عُرف القرن التاسع عشر في أوروبا بعصر الإلحاد."[4]
    "وكان أول من دعا إلى فصل سلطة علماء الدين عن السياسة والحكم الفيلسوف ديكارت، ثم تبعه بيكون، ثم سبينوزا، ثم جون لوك، وهم جميعهم ملحدون مارقون،
    وفي(1778) مهّد جان جاك روسو للثورة ضد الكنيسة والإقطاع، فألّف كتاب: (العقد الإجتماعي) الذي اعتبره الفرنسيون إنجيل ثورتهم التي قامت عام (1789).
    أما اليهودي سبينوزا فقد كان رائد العلمانية، واعتبرها منهجا للحياة ولسلوك الناس، وأصدر بآرائه العلمانية كتاب: (اللاهوت والسياسة) ثم جاء فولتير صاحب كتاب: (القانون الطبيعي) الذي أنكر وجود الله وأنه خالق الكون، ونسب الخلق والإبداع للطبيعة ذات القدرات الخارقة. ثم دعا وليم جودين عام (1793) من خلال مقالاته وكتاب: (العدالة السياسية) إلى العلمانية وإلى الإبتعاد عن الدين.
    وابتدأت الثورة الفرنسية بتظاهرة غوغائية احتشدت أمام الباستيل، ثم هدّمته وطالبت بالحرية والمساواة والإخاء وهي نفس الشعارات التي ترفعها الماسونية السوداء .
    وفي عام (1859) أصدر تشارلس دارويين كتابه: (أصل الأنواع) الذي أنكر فيه الخلق الألهي، وقال بأن كافة الكائنات الحية البدائية قد ظهرت قبل مليارات السنين بشكل تلقائي، ثم راحت تتطور حسب ظروف البيئة حتى تمخضت عن كافة المخلوقات التي تدب الآن على سطح الأرض بما فيها الإنسان.
    وأيّد هذه النظرية الملحدون: دوركايم، وفرويد، وكارل ماركس مؤسس الفكر الشيوعي الذي قال: إن الدين أفيون الشعوب، كما أيدتها الماسونية والشيوعية ومؤيدو الفلسفة الوجودية مثل جاك بول سارتر وكولن ويلسون وغيرهم."[5]
    "وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهر مكابران آخران بالغا في عدائهما لله وللأديان السماوية، هما: جورج هوليوك، وتشارلس ساوت، اللذان أصدرا مجلة (عرّاف العقل) وكرّسا كتابتهما للتجديف والطعن بالدين، فقالا مما قالاه: "لم يكن العهد القديم إلاّ تسجيلا فاضحا للشذوذ والشهوات الجنسية ولسفك الدماء، ودعوة ماجنة للفجور والإلحاد فاقت كافة روايات الدعارة ذات الصيت الواسع"!.. لقد خلطا بين التورات الإلهية وبين التلمود الموضوع من قبل حاخامات مارقين وفلاسفة متنطعين ملحدين بعد مئات السنين من انتقال موسى عليه السلام إلى الرفيق الأعى!..لقد صوّر هذان المفكران الأنبياء والقديسيين ابتداء بموسى عليه السلام وانتهى ببطرس نصابين وسفاكي دماء، كما أنكروا وجود الله وقالا: إنهما يشعران بالغثيان إذا ما لامسهما مسيحي!…
    كما تحاشى هذان المفكران كلمة الكفر والمادية والإلحاد، وأطلقا على فلسفتهما اسم (العلمانية) ليتّقوا بذلك محاربة الناس وعدائهم وتصدِّيهم وبذلك نجحا في تضليل البشر وفي خداعهم وأوقعاهم في حبائل مكرهما وفكرهما، بل وكفرهما."[6]
    هكذا أخذت العلمانية في التطور بعد أن اعتنقها كبار المفكرين والفلاسفة، وحاولوا إقناع الناس أنها هي الخلاص من طغيان الكنيسة، ومن كل الجهل والتخلف الذي كانوا يعيشونه.
    "وقد ذكر الدكتور العرماني أن العلمانية قد مرّت في تطورها بأدوار هي كما يلي:
    الدور الأول: وقد كان دور الصراع الدموي مع الكنيسة، وسمي هذا الدور بعصر التنوير أو بداية عصر النهضة الأوربية، ويعود سببه إلى تأثر الأوربيين بالمسلمين إثر اختلاطهم بهم عن طريق طلب العلم في الجامعات الإسلامية، وقد ذاق علماء الغرب في هذا الدور ألوانا من العذاب على أيدي رجال الكنيسة إثر ظهور الإكتشافات العلمية هناك ووقوف رجال الكنيسة ضد تلك الإكتشافات وجها لوجه.
    الدور الثاني: ظهور العلمانية الهادئة وتغلب رجالها على المخالفين من رجال الكنيسة، وفيه تم عزل الدين عن الدولة، وانحصرت مفاهيم الكنيسة في الطقوس الدينية فقط بعيدة عن الحياة الإجتماعية كلها.
    الدور الثالث: وقد اكتملت قوة العلمانية ورجالها، وحل الإلحاد المادي محل الدين تماما."[7]
    إذن قامت العلمانية في البلاد الغربية نتيجة لتحريف الكنيسة للدين المسيحي، وإحلالها مكانه دينا عنصريا لا يعترف بالضعفاء، بل يستغلهم ويأخذ منهم ممتلكاتهم وأرزاقهم، فكان من حقهم أن يثوروا على هذا الدين، بل ويبعدوه عن كل مجالات حياتهم.
    boujamaa_hadouch@hotmail.com
    https://www.facebook.com/hadouchboujamaa
    [1] التيار العلماني الحديث وموقفه من تفسير القرآن الكريم، ص: 46
    [2] العلمانية، سفر بن عبد الحمان حوالي، ص: 159 160
    [3] المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمع وموقف المسلم منها، د.غالب بن علي عوجي، ج: 2، ص: 648،
    ط: الأولى 1427/2006
    [4] التيار العلماني وموقفه من تفسير القرآن الكريم، ص: 47
    [5] الإسلام يتصدى للغرب الملحد، د.محمد نبيل الشنواتي، ص: 169 170 ط: الأولى
    [6] نفس المصدر، ص: 44 45
    [7] المذاهب الفكرية المعاصرة، ج: الثاني، ص: 686
    رد مع اقتباس  
     

  8. #32  
    المدير العام الصورة الرمزية طارق شفيق حقي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2003
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    12,881
    مقالات المدونة
    156
    معدل تقييم المستوى
    10
    دور ابن رشد في بزوغ العقلانية الحديثة في الفكر الاوروبي

    تفاصيل النشر:

    المصدر:
    الكاتب: ماجد فخري
    تاريخ النشر(م): 1/12/1999
    تاريخ النشر (هـ): 23/8/1420
    منشأ:
    رقم العدد: 13416
    الباب/ الصفحة: 23



    > اخترت ابن رشد الطبيب والفقيه والفيلسوف الاندلسي محوراً لحديث اليوم لسببين: الاول ان العالم انتهى السنة الماضية من احياء ذكرى وفاته منذ ثمانمئة عام اي 1198 وذلك في عدد من المدن منها قرطاجة في تونس ودمشق وواشنطن والرباط واستنبول، فضلاً عن احتفالات جرت في اواخر العام الماضي بقرطبة مسقط رأس ابن رشد واشبيلية وملقة بالاندلس.
    الثاني، ان دخول ابن رشد الاوساط الفكرية في الغرب في مطلع القرن الثالث عشر كما سنرى فتح صفحة جديدة في تاريخ الفكر الاوروبي ومهّد لبزوغ عصر النهضة في القرن الخامس عشر الذي يمثل بداية العصور الحديثة من الناحية الفكرية بالنسبة الى اوروبا. وكما سنرى على وجه التخصيص كان لفلسفة ابن رشد دور مميز في بزوغ العقلانية والعلمانية الحديثة في اوروبا.
    ابن رشد وأثره في تطور الفكر الاوروبي
    قبل التطرق الى موضوعنا الرئيسي يجدر بنا ان نلقي نظرة عابرة على المراحل التي مرت بها الفلسفة والعلوم القديمة، كما دعيت في المصادر العربية قبل انتقالها الى الوسط العربي في مطلع القرن الثامن للميلاد ومن ثم انتقالها الى اوروبا الغربية عبر الاندلس في اواخر القرن الثاني عشر.
    في سنة 529 امر الامبراطور البيزنطي يوستنيانوس باغلاق مدرسة اثينا التي كانت المعقل الاخير للوثنية في بلاد اليونان، فرحل سبعة من اساتذتها الكبار وعلى رأسهم سنبلقيوس ودامسقيوس الى بلاد الفرس وحلّوا ضيوفاً على البلاط الفارسي في حقبة كان كسرى انو شروان او الملك العادل يرعى الدراسات اليونانية من طب وعلم وفلسفة. وبلغ من عناية كسرى بالعلوم والدراسات اليونانية ان أسس في اواسط القرن السادس معهد جنديشابور الذي اصبح اهم مركز للطب والعلوم في الشرق الاوسط قبل مطلع القرن العباسي. ومنه كان العلماء والاطباء يفدون على بغداد التي اصبحت في مطلع القرن التاسع المحور الرئيسي للدراسات العلمية والطبية ولا سيما في عصر المأمون مؤسس بيت الحكمة الشهير.
    الى الجنوب، كانت الاسكندرية قد اصبحت منذ القرن الثالث للميلاد وريثة اثينا الكبرى في ميدان العلوم والطلب. ومنها انطلق عدد من كبار الفلاسفة والعلماء المصريين والسوريين الذين كان لهم ابعد الاثر في تطور الفكر اليوناني القديم، نذكر منهم افلوطين وتلميذه فرفوريوس الصوري وياملينخوس القنسريني وسواهم، وهم من اركان الفلسفة الافلاطونية المحدثة التي وسمت الفلسفة العربية فيما بعد بسمتها الخاصة.
    اما ارسطوطاليس الذي عرف في الاوساط العربية باسم المعلم الاول صاحب المنطق فلم يلق في بادئ الامر العناية التي لقيها استاذه افلاطون، وخليفته افلوطين الآنف الذكر. من هنا اهمية ابي الوليد ابن رشد المتوفى سنة 1198 والذي احيت المؤسسات الفكرية في انحاء العالم ذكراه المئوية الثامنة. فقد عرف ابن رشد هذا في الاوساط الاوروبية الغربية ابتداء من القرن الثالث عشر، كما سنرى، باسم الشارح الاكبر وارسطو باسم امير الفلاسفة Princeps Philosophorum.
    كان ارسطو هذا، كما هو معروف، استاذ الاسكندر الكبير وواضع أسس العلوم جميعاً، وحتى الاسماء التي ما زلنا نطلقها على هذه العلوم فهي من ابتكار ارسطو، كعلم الطبيعة Physica وما بعد الطبيعة Metaphysica وعلم النفس Psychologia والاخلاق Ethica والسياسة Politica والمنطق Logic وفروعها المختلفة. ومن الطريف مع ذلك ان العناية بفلسفة ارسطو وبهذه العلوم التي استحدثها اصيبت بنكسة كبرى في اوروبا الشرقية اولاً واوروبا الغربية في ما بعد، فلم يترجم من آثاره الى اللاتينية الا عدد ضئيل من المنطقيات على يد القنصل الروماني بونثيوس الذي قضى حتفه في السجن سنة 525، ومن ذلك التاريخ حتى مطلع القرن الثالث عشر استمر نجمه في نحوس. ولما بدأ المترجمون بنقل شروح ابن رشد على ارسطو الى اللاتينية انقلبت الآية واصبح كلا الشارح والحكيم اي ابن رشد وارسطو محور الدراسات الفلسفية والعلمية طيلة قرون.
    استقبال ابن رشد في اوروبا الغربية
    احدث دخول ابن رشد ثورة فكرية منقطعة النظير في الاوساط الفكرية في اوروبا الغربية انطلاقاً من باريس بادئ الامر، فانقسم الفلاسفة واللاهوتيون الى قسمين: اولاً، انصار ابن رشد الذين عرفوا باسم الرشديين اللاتين وعلى رأسهم سيجر البرابانيي توفي 1284. وثانياً، خصوم ابن رشد وعلى رأسهم القديس توما الأكويني توفي 1274. وكان الخلاف بين الفريقين يدور حول عدد من القضايا الدينية والفلسفية مثل ازلية العالم ووحدة العقل الهيولاني والعناية الالهية وخلق العالم من العدم وحرية الارادة وسواها.
    وبلغ من حدة الخلاف هذا ان اضطرت السلطات الكنسية للتدخل سنة 1270 ثم سنة 1277 واصدار لائحة بالقضايا المشبوهة دينياً بلغت 15 قضية في الادانة الاولى و219 قضية في الادانة الثانية. وجدير بالذكر ان عدداً كبيراً من هذه القضايا كان مستوحى من اقوال ارسطو او شروح ابن رشد. مع ذلك لم يقتصر تأثير ابن رشد على الفريق الاول الذي تمسك بمقولاته دون حرج متذرعاً بذريعة عرفت آنذاك باسم الحقيقة المزدوجة وفحواها ان للقضايا المتنازع فيها وجهين: وجه ديني ووجه فلسفي. في باب الوجه الديني على العالم ان يلتزم بالتعليم الديني او العقيدة. وفي باب الوجه الفلسفي يمكنه الالتزام بقول ابن رشد من دون تناقض. الا ان بعض الرشديين اللاتين كجون الجوندوني Jean De Jandun لم يلتزموا حتى بهذا الموقف اللبق بل ذهبوا الى ان الوجه الصحيح للحقيقة المطلقة هو قول ابن رشد الذي رعاه هذا العالم:
    Perfectissimus et gloriosissimus veritate amicus et defensor
    الصديق الاكمل والنصير الاعظم للحقيقة من دون ان يبالي بمعارضة الكنيسة او انصارها.
    اما الفريق الثاني، فقد ناصب ابن رشد العداء على أسس دينية او لاهوتية بحتة ملتزماً بتعاليم الكنيسة من دون تحفظ ، كما مرّ. الا ان افراد هذا الفريق لم ينج من تأثير تعاليم ارسطو او شارحه الاكبر. في الباب الاول كان زعيمهم القديس توما الاكويني من اعظم شراح ارسطو ايضاً. وفي الباب الثاني، بقي مديناً على رغم تحفظاته، لابن رشد في النهج الذي نهجه هذا الفيلسوف، حتى ان ارنيست رينان قال في كتابه الشهير "ابن رشد والرشدية" 1856 ان القديس توما من دون ادنى تناقض واحد من اعظم خصوم ابن رشد وفي الوقت نفسه من اعظم اتباعه. ذلك ان اسلوبه في تفسر ارسطو كان عين الاسلوب الذي استحدثه ابن رشد. يضاف الى ذلك ان الخلاف بينهما يمكن رده في بعض الاحيان الى قراءة مختلفة لنصوص ارسطو لا تبلغ حد المناقضة. ففي باب مسألة ازلية العالم مثلاً ميز ابن رشد بين ما يدعوه الإحداث المنقطع النظير والإحداث الدائم وذهب الى ان مذهب ارسطو في ازلية العالم يمكن تأويله على الوجه الثاني، اي ان العالم ما زال مخلوقاً او محدثاً منذ الأزل بينما ذهب القديس توما الى ان ارسطو لم يقطع بصورة باتة في مسألة الازلية. وان الكتاب المقدس ينص على ان العالم مخلوق او محدث في الزمان اي ان لديه بداية زمنية وعلى المؤمن ان يأخذ بهذا القول، الا ان ابن رشد والاكويني ذهبا الى ان العالم مخلوق من العدم، مع ان ارسطو لم يشر الى شيء من ذلك.
    كذلك كان الخصمان متفقين على مقولة اخرى، وهي "ان ارسطو هو الذي ارسى قواعد المعرفة الصحيحة، وعلى فلسفته يجب ان يبنى العالم او الفيلسوف خلافاً لفلسفة افلاطون وخليفته افلوطين التي كان اوائل حكماء الكنيسة وعلى رأسهم اغسطينوس توفي 430 في الغرب وابن سينا والفارابي في الشرق قد بنوا عليها صروحهم الفكرية. ومع ان تأثير ابن رشد لم يتواصل في الشرق، فقد تواصل في الغرب وعنه انبثقت الحركة اللاهوتية الكبرى التي عرفت بالمدرسة اللاتينية Scholasticism، وكانت من اعظم منجزات الفكر الاوروبي في القرن الثالث عشر واستمرت حتى مطلع النهضة الاوروبية في القرن الخامس عشر. ويمكن الجزم بأن هذه الحركة الفكرية الكبرى كانت مستحيلة قبل دخول ارسطو من خلال شروح ابن رشد الحلبة الفكرية الكبرى كانت مستحيلة قبل دخول ارسطو من خلال شروح ابن رشد الحلبة الفكرية في اوروبا الغربية. ذلك ان ارسطو كان قد اصبح نسياً منسياً في اوروبا طيلة سبعة قرون، كما مر، بينما تواصل اثره في الاوساط الفكرية العربية، ابتداء بالكندي توفي 866 وانتهاء بابن رشد.
    بزوغ العقلانية الحديثة
    يجمع المؤرخون على ان عصر النهضة فتح صفحة جديدة في تاريخ اوروبا الفكري. وقد اتصف هذا العصر بفتين رئيسيتين: 1- العودة الى الجذور الكلاسيكية في الميدان الادبي، و2- النزعة العقلية الجديدة التي قامت اصلاً كتحد للسلطات الكنسية ونادت بالتذرع بالعقل او البصيرة في الميادين السياسية والفكرية والدينية. ومع ذلك لم تبلغ هذه الحركة اشدها حتى مطلع القرن السابع عشر اذ يقرنها المؤرخون عادة باسم الفيلسوف والعالم الرياضي رينيه ديكارت توفي 1650 الذي استحدث طريقة جديدة في البحث العلمي والفلسفي تستند الى الرياضيات، ولا سيما الهندسة التي برع فيها هذا الفيلسوف بوجه خاص. ولكن يتساءل المرء اليوم عن جذور هذه النزعة العقلية وهل ولدت ولادة تلقائية ام انها تستند الى اصول تتجاوز القرن السابع عشر زمنياً؟
    يتساءل أتيان جيلسون، اعظم مؤرخي الفلسفة المتوسطة، عن مصدر العقلانية الاوروبية في كتابه الرائع "العقل والوحي في العصور الوسطى Reason and Revelation in the Middle Ages 1938، ثم يجيب "انها ولدت في اسبانيا في ذهن فيلسوف عربي، كرد فعل واع، على النزعة الكلامية او اللاهوتية لعلماء الكلام العرب ويعني الاشاعرة… وهكذا خلّف للجيل اللاحق نموذجاً من الفلسفة العقلية الصرفة، وهو نموذج كان له اثر باقٍ في تطور الفكر المسيحي ذاته". وهو لا يكتفي بالرجوع الى المصادر اللاتينية لابن رشد، بل يدعم حججه بأقوال ابن رشد في كتابه الشهير "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال"، حيث يذهب هذا الفيلسوف الى ان الفلسفة، وهي "النظر في الموجودات من حيث هي مصنوعات، اي من حيث دلالتها على الصانع"، لا بد ان تتفق مع الشريعة اخت الحكمة الرضيعة. وحيث يبدو ان بين هاتين تضارباً، فعلى العالم اللجوء الى التأويل اي الغوص على باطن الآيات القرآنية ومدلولاتها التي لا قبل بادراكها الا "لأهل البرهان"، كما يقول، وهم الفلاسفة. ويستشهد في هذا المقام بالآية القرآنية التالية: "هو الذي انزل عليك الكتاب، فيه آيات محكمات هن ام الكتاب، وأخر متشابهات. وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم. يقولون ما اوتينا من العلم الا قليلاً". آل عمران 5 - 7.
    اما في رده العام على الغزالي والاشاعرة في "تهافت التهافت" و"الكشف عن مناهج الادلة"، فقد نهج ابن رشد نهجاً آخر في دفاعه عن العقل، وذلك في معرض تفنيد ما ذهب اليه الغزالي من انكار الرابطة السببية بين الاشياء. يقول ابن رشد في هذا الرد ان السببية، اي ارتباط المسببات بأسبابها ارتباطاً ضرورياً، هي سبيلنا الوحيد الى ادراك طبائع تلك المسببات من جهة، والحكمة الالهية الكامنة وراء هذا الارتباط من جهة ثانية. فمن "رفع الاسباب فقد رفع العقل"، كما يقول، وأبطل الحكمة الالهية التي اقتضت وجود الاشياء على الشكل الذي وجدت عليه. "وبالجملة فكما ان من انكر وجود المسببات مترتبة على الاسباب في الامور الصناعية، او لم يدركها فهمه، فليس عنده علم بالصناعة ولا الصانع، كذلك من جحد وجود ترتيب المسببات على الاسباب في هذا العالم فقد جحد الصانع الحكيم، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً"، كما يقول في "الكشف عن مناهج الأدلة". ومتى ابطلنا تلك الحكمة لم يعد لنا سبيل الى الرد على القائلين بالاتفاق او الصدفة من دهريين وسواهم، بل لم يعد لنا سبيل الى التدليل على وجود الصانع الاعظم انطلاقاً من النظام الذي تتسم به المصنوعات والذي من شأنه ان يفضي بنا الى اثبات وجوده كسبب الاسباب او السبب الاول.
    الكشف، طبعة محمود قاسم - القاهرة - ص 199.
    فاذا قارنّا النزعة العقلية هذه عند ابن رشد وعند ديكارت تبين لنا ان عقلانية ابن رشد تمتاز عن عقلانية الفيلسوف الفرنسي من وجوه عدة. اولها ان الطريقة التي يطرحها ديكارت كمخرج من الشكوكية المطلقة ويبنيها على اربع قواعد معروفة مردها الى البساطة والوضوح من جهة، والى البداهة الرياضية من جهة ثانية، هي مستمدة من النهج الرياضي او الهندسي الذي تذرع به ديكارت في حل الاشكالات الفلسفية والرد على القدما، على رغم انه لم يستطع التنصل كلياً من محاذير النهج الفلسفي القديم، لا سيما في بابي الخلقيات والدينيات. فهو يقول في "مقالة الطريقة" انه في هذين البابين لم يستطع الخروج عن نهج الاجداد، بل استمر على التزامه بما درج عليه منذ نعومة اظفاره وما كان يؤمن به مواطنوه وذووه من معتقدات دينية كاثوليكية على وجه التخصيص.
    وثانيها ان الطريقة الرياضية او الهندسية التي يطرحها ديكارت لا قبل لها بمعالجة المشاكل الفلسفية او العلمية التي توورثت عن القدماء، اي انها طريقة قد تفي بحل المشاكل الرياضية او المنطقية البحتة ولكنها عاجزة عن معالجة المشاكل الفلسفية والخلقية واللاهوتية والكوزمولوجية، مثل خلق العالم وحرية الارادة وماهية السعادة والتمييز بين الخير والشر ومقوّمات المجتمع الصالح والعلائق البشرية القومية والعالمية، وهي مشكلات دار عليها جزء كبير من فلسفة ارسطو التي بنى عليها ابن رشد وشرحها وعمل على التدليل على تماسكها بأسلوب عقلي شامل غير مقصور على البديهيات الرياضية. وواضح ان هذه الطائفة من المشاكل كانت وما تزال محور كل نشاط عقلي او فكري مسؤول وهي تمثل بالاضافة الى ذلك اهم المشاكل التي واجهتها البشرية وما زالت.
    ابن رشد والعلمانية الحديثة
    لم يقتصر اثر ابن رشد في الغرب اللاتيني على القضايا الفلسفية واللاهوتية التي كان يدور حولها الجدل إبان القرن الثالث عشر في باريس وبادوا وبولونيا، بل تعداه الى الميدان السياسي. وقد حمل لواء الرشدية في هذا المجال الشاعر الايطالي الشهير دانتي اليغيري توفي 1321 الذي كان من أوائل روّاد العلمانية السياسية في أوروبا. وذلك إبان الصراع بين انصار البابوية وأنصار الامبراطور. ويبني دانتي نظريته السياسية الجديدة في مطلع كتابه "الملكية" de Monarchia على نظرية ابن رشد في العقل الهيولاني الذي دار حوله الجدل في الأوساط الفلسفية واللاهوتية آنذاك. وفحوى هذه النظرية ان هذا العقل واحد يشارك فيه جميع ابناء البشر وهو عقل بالقوة فحسب، خلافاً للعقل الفعّال الذي هو عقل بالفعل والذي يحقق العقل الهيولاني فعاليته "بالاتصال" به. وعند دانتي ان هذا العقل الهيولاني الذي يشترك به جميع البشر يمثل "ماهية الانسان وطاقته الخاصة ويميزه عن سائر المخلوقات العليا او الدنيا". لذا يترتب على البشر كما يقول دانتي "ان يتوخوا كمجموعة واحدة تحقيق طاقات العقل الهيولاني دوماً في ميدان النظر او التأمل اولاً وفي ميدان الفعل او العمل ثانياً" وذلك على مدى العمر. وذلك هو السبيل الوحيد الذي يمكّن البشرية من بلوغ هدفها الأقصى وهو السلام الشامل كوسيلة لبلوغ السعادة الدنيوية.
    بناء على هذه المقدمة المبنية على موقف ابن رشد من العقل الهيولاني، يتطرق دانتي الى معالجة المشاكل السياسية الرئيسية التي يدور عليها كباب الملكية، وأهمها: هل الحكم المدني كاف لبلوغ هذه الأهداف البشرية؟ مجيباً على طريقة ارسطو بالإيجاب، ومتحدياً بذلك انصار البابوية الذين كانوا يذهبون الى ان الحكام الزمنيين أو الأباطرة والملوك يستمدون سلطتهم من البابا او خليفة بطرس مؤسس الكنيسة. فينقض الأدلة التي كانوا يتذرعون بها استناداً الى الأناجيل او الى "بيعة قسطنطين" الذي كانوا يذهبون الى انه استمد سلطته السياسية من البابا سيلفستر الذي شفاه من مرض البرص. والنتيجة الأساسية التي ينتهي اليها دانتي في هذا الباب هي ان الامبراطور او الحاكم الذي نُصّب لتأمين السعادة القصوى للبشر انما يستمد سلطته مباشرة من الله وليس من خليفة بطرس او البابا. لذا ينبغي ان تكون السلطة المدنية او الزمنية مستقلة عن السلطة الدينية او الروحية وهو ما يعرف بالعلمانية اليوم، فلا يحق للبابا او اعوانه والحالة هذه ان يملوا ارادتهم على الحكام المدنيين كما كانت الحال طيلة العصور الوسطى وحتى زمن دانتي نفسه.
    ومن الدلائل الاخرى على رشدية دانتي ان ولعه تحوّل، لدى وفاة بياتريس محبوبته الأولى ودليلته في معارج الفردوس، الى التعلق بالحكمة او الفلسفة التي يدعوها في احد مؤلفاته "مليكة الكون Regina Tutti او ابنةالإله Figlia Dei" ويرمز اليها باسم السيدة اللطيفة أو الأنيسة Donna Gentile. فهو قد اختار اذاً العقلانية الارسطوطاليسية التي كان ابن رشد رائدها آنذاك، وتحول الى حد ما عن الموقف الذي صرح عنه في "الكوميديا الإلهية"، وهو ان وراء الفلسفة حكمة اعلى تتمثل في اللاهوت. وبعد وفاته بست سنوات اتهم دانتي فعلاً بالرشدية وأحرق كتابه "الملكية" في وسط مدينة بولونيا بأمر من البابا يوحنا الثاني والعشرين. الا ان النداء الذي اطلقه في الدفاع عن نظرة عقلية وإنسانية جديدة لم يذهب ادراج الرياح. فقد اقتفى أثره اثنان من المع المفكرين السياسيين الذين اعتمدوا الرشدية ايضاً أساساً لفلسفتهم السياسية آنذاك هما مارسيليوس البدوائي Marsilius of Padua توفي 1345 وجان الجاندوني، اشد المتعصبين للرشدية وزميل مارسيليوس، الذي رفض البوح بالتحفظ الذي اتسم به موقف عدد من الرشديين اللاتين في باريس وبادوا آنذاك، كما مر.
    من هنا يتبين مدى تأثير ابن رشد في تطور الفكر الغربي. فبغض النظر عن أثره في احياء فلسفة ارسطو بعد قرون من النسيان في أوروبا الغربية، فقد قامت في أوروبا الغربية هذه حركة رشدية تعتبره حجة في مضمار تفسير فلسفة ارسطو من دون منازع انقسمت الى قسمين:
    1 - قسم معتدل اقرّ بامتياز التفسير الرشدي لأرسطو من دون ان يتخلى عن المعتقدات الدينية، 2- قسم آخر لم يتوقف عند هذه التحفظات بل اعتبر ابن رشد الناطق الأكبر باسم الحقيقة المطلقة. وكان من نتائج انتشار الرشدية في اوروبا ان ترجمت جميع شروحه على ارسطو، وصلنا منها 38 لم يبق منها بالعربية سوى 28.
    دروس وعبر
    فإذا تساءلنا الآن: ما هي العبر التي يمكن استخلاصها من هذا العرض التاريخي؟ ولماذا كان لابن رشد وللعقلانية الجديدة التي كان اهم دعاتها هذا الأثر عند ذلك المنعطف التاريخي في اوروبا الغربية، ومهد لانبثاق النهضة الأوروبية في القرن الخامس عشر، بينما اتسمت تلك الحقبة بهيمنة الجمود العقلي والفكري الذي اذن ببداية عصر الانحطاط في العالم العربي؟ لم يكن لنا مناص من الاقرار بأن ظهور ابن رشد على مسرح الفكر العالمي يمثل بداية اليقظة الفكرية الكبرى في الغرب من جهة ونهاية تلك اليقظة التي بدأت في القرن التاسع ببغداد برعاية الخليفة العباسي المأمون توفي 833 في الشرق من جهة ثانية.
    فإذا القينا نظرة موضوعية على الأوضاع الفكرية والعقلية السائدة في العالم العربي والعالم الغربي اليوم تبين لنا ان المعادلة الآنفة الذكر لم تتغير منذ زمن ابن رشد. ويبدو لنا جلياً ان نهوض العالم العربي من سباته على يد قادة الفكر وأهل الحل والربط مرهون باستعادة تلك اليقظة العقلية التي كان ابن رشد من اهم رموزها في الشرق والغرب في مطلع العصور الحديثة.
    * ألقيت هذه المحاضرة في جامعة الشارقة - الامارات العربية المتحدة.
    رد مع اقتباس  
     

  9. #33  
    المدير العام الصورة الرمزية طارق شفيق حقي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2003
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    12,881
    مقالات المدونة
    156
    معدل تقييم المستوى
    10
    عزمي بشارة والتبشير في تونس - طارق شفيق حقي

    ألقى عزمي بشارة في تونس محاضرة بعنوان السياقات التاريخية لنشوء العلمانية وكانت بدعوة من رئيس الجمهورية وقتها المرزوقي ولفيف من المثقفين والساسة كراشد الغنوشي عام 2012
    و نحبو نذكر أن راشد الغنوشي و المنصف المرزوقي في تاريخ (2012/11/26)
    تم تكريمهما من معهد تشتام هاوس الماسوني في بريطانيا ChathamHousePrize وذات المعهد الماسوني كرم عبد الله غل رئيس تركيا السابق


    نذكر هنا أن دور عزمي بشارة وتبشيره في تونس هو ذات عمل صموئيل هنتنغتون والذي ألقى محاضرة في تركيا
    كانت بعنوان: أنتم علمانيون فيما أوروبا تصبح دينية، وكان يدفع الأتراك للتخلي عن عقد الماضي وأخذ دور قيادي للدول المسلمة وهذا المشروع الكبير كان لإعادة خلق خلافة إخوانية إسلامية تكون رأس حربة بيد الناتو لتواجه روسيا والصين.
    يقول في المحاضرة :

    "بينما تتقدّم تركيا في اتّجاه علماني، يبدو أنّ أوروبا تتقدّم في اتّجاه ديني. حتى الآونة الأخيرة، كانت أوروبا بلا شكّ المنطقة الأكثر علمانية في العالم. لكنّ هذا الواقع بدأ يتغيّر، والسبب هو هجرة المسلمين الكثيفة إلى أوروبا والتفاعلات المتزايدة بين البلدان الأوروبية والبلدان الإسلامية المجاورة. وقد أرغمت هذه التطوّرات الأوروبيين على مواجهة السؤال الآتي من جديد: "من نحن؟".

    ويقول أيضاً : "كان صعود الدين عنصراً أساسياً في هذا الدور الجديد للثقافة. من الثورة الفرنسية إلى النصف الأخير من القرن العشرين، بدا أنّ البلدان والشعوب في كلّ مكان تقريباً يبتعدون عن الديانة. لكن قبل بضعة عقود، تلاشت هذه النزعة وبدأ باحثون يصدرون كتباً تحمل عناوين مثل "انتقام الله" و"إلغاء العلمانية في العالم"."

    في محاضرة عزمي بشارة والذي عاد مرة أخرى لتونس عام 2016 وكما كان الماسوني جمال الدين الأفغاني يطير من بلد عربي إلى آخر ، كذلك عزمي بشارة ينتقل من بلد عربي إلى آخر ليعلمهم فن الثورات العربية وأصول الديمقراطية بشكلها الغربي ، حتى إنه استشهد في معرض كلامه عن مصطلح العلمانية بجمال الدين الأفغاني وأكد أن تعريفه للعلمانية هو الأدق وهذا الاستشهاد ليس استشهاداً عابراً.
    ماذا يريد عزمي بشارة من العقول التونسية ؟
    يقول في منتصف محاضرته علينا أن نعترف أن على تونس أن تتقبل مرحلة انتقالية طويلة الأمد هي عبارة عن تعايش بين الأحزاب والتيارات الدينية وما يقابلها من تيارات علمانية، ويؤكد أن تجربة تونس لا بد أن تنجح من تونس خرجت الثورات العربية ومنها سيخرج النظام الجديد المحتذى.
    طبعا النظام المحتذى هو الذي يريد الغرب تسويقه في العالم العربي، كما بدأت الثورات العربية من بلد صغير كتونس .
    هذا يؤكد أن الغرب اليوم بات يدعم التيار العلماني كما يدعم التيار الديني ليس في تونس فحسب، بل في كل البلاد العربية، اللهم إلا من رحم ربي ، وبالتالي المواطن العربي الذي يهرب من نار أي فريق ظناً منه أنه سيقع في جنة الآخر، لا شك أنه سيقع في الجحيم الذي صنعه الغرب بالشكل الذي يريد ، فاللعبة السياسية تحتاج لمركب متناقض يضمن حرية الاختيار التي تصب لا محال في مصلحة الغرب، كما إن وجود البديل يضمن التدخل السريع وتعديل المناخ السياسي وربما العسكري في أي لحظة كانت .
    يقوم عزمي بشارة بدور تنويري باهر، فهو يعلم العلمانيين أبجديات العلمانية من جديد، ويصحح لهم المفاهيم الخاطئة المتوارثة عن العلمانية ، والسؤال لماذا الآن ؟
    في موضوع شائك كالعلمانية وبقليل من الفلسفة والخطابة يمكنك أن تصبغ عليها أي صبغة كانت حسب الحاجة، يمكنك أن تعطيها طابع الإلحاد والكفر كالعلمانية الشيوعية ، يمكنك أن تتكلم عن النموذج الصلب للعلمانية كفرنسا وتركيا أتاتورك وتونس بورقيبة ، يمكنك أن تتكلم عن علمانية مرنة كبريطانيا وأمريكا فالملكة في بريطانيا لها مكانة دينية، وربما لاحظنا كيف أقسم ترامب على الانجيل حيت تم تنصيبه ، ويمكن الوقوف عند التجربة الروسية مطولاً فبوتن تم تنصيبه من قلب كاتدرائية كما ينصب القياصرة ، و غطس مؤخراً في عيد الغطاس في المياه المتجمدة وهو يزور الكنيسة برفقة زوجته وبناته وهم يرتدون الحجاب كما ترتديه مريم العذراء.
    لا بد أن نتحلى بقليل من الجرأة في وصف المشهد السياسي العربي، فالدولة العربية التي قامت على الهوية القومية قد سقطت بشكل مدوي وأظهرت الوقائع الدموية هشاشة العلمانية بوصفها أداة سياسية للحكم.
    من اللافت أن عزمي بشارة يصحح كثير من المغالطات حول العلمانية بفتح العين لا بكسرها، أي العالمانية وبشكل أدق الدنيوية ، وهو هنا يقول كيف للمثقف العربي أن يقول أنا علماني رغم أنه ليس بسياسي أو له موقع سياسي.
    وهذا صحيح فالعلمانية هي أداة إجرائية سياسية تسهل الحكم للحاكم السياسي، وإن كانت اليوم عبارة عن مصطلح مفتوح الدلالة يدل تارة على الإلحاد ويدل تارة على اللادينية ، وأكثر عبارة تلخص العلمانية في أذهان الناس هي " فصل الدين عن الدولة" رغم أن الدول الإسلامية التي نشأت عبر التاريخ كانت دول مدنية ولم تحمل صبغة دينية اللهم إلا الخلافة الفاطمية.
    لكن الصحيح ليس في فصل الدين عن الدولة، بل كان في تحكم الدولة بالدين، فالتاريخ الغربي يثبت أن رجال الدين والذين كانوا شركاء في الحكم ولهم قرار تنصيب الملوك ،وللكنيسة أملاك تقدر وقتها بثلاثين بالمائة من أملاك أوربا، أي أموال طائلة ، فالكنيسة لم تعد سلطة روحية بل أصبحت سلطة مادية تتملك بكل ما تعنيه كلمة الملك، وبالتالي كان هناك نوع من استغلال الدين والتحكم به ، ثم أن كانت الحروب الأهلية في أوربا، وكمثال الحروب الأهلية في فرنسا التي قتل الملايين.
    هنا نعرف ما الحاجة لفصل الدين عن الدولة وبناء عقد اجتماعي جديد، فالواقع أن الدول الأوربية كانت دول ذات هوية دينية والكنيسة أصبحت تهيمن على القرار السياسي وتنصيب الملوك، وبالتالي فإن وجود كنيسة مخالفة أو ما نسميه في الشرق المذاهب والطوائف، فهو يعني بالضرورة اقتسام الأرباح والنفوذ ، فكانت الأقليات تتبع سياسياً موقف الكنيسة التي تنتمي إليها حتى لو تضارب ذلك مع مصلحة الوطن، فكانت غاية الدولة والمنظرين للمواطنة والعلمانية ليس فصل الدين عن الدولة، بل تحكم الدولة بالدين بحيث لا تجد الدولة أقلية ما توالي دولة أخرى بسبب الانتماء الديني، وكان جل هم هؤلاء خلق دين جديد هو الدولة يدين الناس به بدلاً عن المذاهب والطوائف التي تفرقهم وتفرق الوطن.
    هذه النظرة ربما أصبحت قديمة بعض الشيء، وهي تحتاج لكلام كثير، لكن يمكننا أن نقول أنه بعد العولمة أصبحت الدول الغربية ذاتها في مهب الريح، وباتت أمريكا تخشى على نفسها من فقدان هويتها كما أوربا.
    ولعوامل كثيرة وليس حباً بالهوية الدينية ارتفعت مرة أخرى أصوات تنتقد العلمانية بكل قسوة في الغرب ذاته، وهذا لم يولد بالصدفة ، بل كان نتيجة حتمية لفشل مشروع الحداثة وما بعد الحداثة في تقديم الحلول الدائمة .
    وبات تفكك أوربا وأمريكا منظوراً وواضحاً ، وكان المشروع السياسي الجديد هو تعايش كل من التيارات الدينية الصاعدة مع التيارات العلمانية في الغرب، وهناك شعور أن المطلوب هو القبول بالآخر والقبول بمرحلة انتقالية لمرحلة لا نعلم شكلها لكن قبول الآخر أفضل من التغيير الشامل غامض النتائج.
    هنا ما يهمنا لماذا يريد عزمي بشارة من الشعب التونسي أن يتفهم التغيرات الجديدة، ويفهم حقيقة العلمانية ومعرفة سياقاتها التاريخية، بل إن عزمي مدح الخليفة العثماني الذي سبق أتاتورك وقال إن جهود ورياح التغيير قد بدأت من عهده، إذن فمن أسس للعلمانية هم العثمانيون أجداد أردوغان ، وكان راشد الغنوشي يتأمل هذا الكلام بكثير من الترحاب وكما مدح هنتنغتون أردوغان في تركيا مدح عزمي بشارة جد أردوغان .
    يمدح عزمي بشارة بكثير من العبارات الأحزاب الدينية وخاصة الإخوان المسلمين في مصر وفي تركيا وفي تونس، ومجد كثيراً حزب العدالة والتنمية في تركيا ، وبرر وجود أحزاب دينية كالحزب المسيحي في ألمانيا، بل كان عمله دقيقاً في مهاجمة الفكر السائد للعلمانيين ورفضهم للأحزاب الدينية، بأن العلمانية كذلك تقدس لزعيم وتقدس مفاهيم علمانية كما القداسة لدى الآخر، وبالتالي حيادة الدولة بخصوص الدين لا تمنع بحسب عزمي بشارة وصول تيارات دينية تقدس مفاهيم معينة لكنها تمنع هذا الحزب أو غيره من فرض هذه القداسة على الشعب.
    هناك دور دقيق للمبشر المبيض عزمي بشارة في عمله في تونس، كما إن له دور دقيق في الملتقى المسيحي الذي انعقد في قطر، ولماذا تهتم قطر بشؤون المسيحيين.
    لا شك أن هذا الجهد الفكري هو من بيوتات فكرية كتشتام هاوس ومعهد راند ومعهد بروكنغز وغيرهم من المعاهد الماسونية التي تنام بأحضان قطر ، لكنها تعمل في الخلفية.
    في قطر يقول عزمي بشارة لا بد أن نصدح أن هناك مسألة مسيحية بحكم القتل الذي يتعرض له المسيحيون في مصر ، وكأن عزمي بشارة لم يرى أعداد القتلى من المسلمين في مصر.
    لكن الفكرة هي صناعة مظلومية قبطية في مصر تحمي بشكل دولي ومن ثم قد تكون في لحظة بورما ما، للضغط على حكومة مصر وابتزازها سياسياً.
    من شارك من المثقفين المسيحين عن حسن نية ربما ، لا يعرف أن عزمي بشارة بأموال قطرية إخوانية وتوجيه صهيوني ماسوني يريد أن يغسل عقولهم فيشكل جنوداً يظنون أنهم يدافعون عن حقوق المسيحيين بينما هم يدافعون عن مآرب ماسونية إخوانية ضد مصر.

    طارق شفيق حقي
    رد مع اقتباس  
     

  10. #34  
    المدير العام الصورة الرمزية طارق شفيق حقي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2003
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    12,881
    مقالات المدونة
    156
    معدل تقييم المستوى
    10
    العلمانية إلى أين ؟ طارق شفيق حقي
    الأصدقاء والأخوة العقلانيين
    كلمة عقلانيين هنا هي قاسم مشترك يجمع ولا يفرق، فقد يقول متدين أنا أقبل كذلك بوصفي عقلاني فنكون بذلك اقتربنا من بعضنا البعض.
    ولأننا نضالنا في خندق واحد ضد عدو واحد فكان لذلك أن هدم الجدران الوهمية بيننا كطوائف ومذاهب وقوميات.
    لو نظرنا كمثال عجيب لرجل كردي من أصول تركية عاش في دمشق ودافع عن الشام ومات فيها ودفن بجانب رجل كردي ثانٍ يتهمه دعاة القومية اليوم بأنه لم يبني دولة قومية كردية.
    الذي جعل الإمام البوطي رحمه الله يتجاوز جنسيته الطبيعية وقوميته ولغته الأولى، هو القاسم المشترك مع إخوانه في الشام.
    هذا ما يعرفه علماء الاجتماع بالمواطنة، المواطنة أن تتخطى ما ولدت عليه نحو القاسم والجامع المشترك مع الآخر.
    إذن المشكلة باختصار ليست في قواعدنا التي انطلقنا منها، بل في المنطقة الجامعة لنا والتي يسميها البعض الهوية، فما هي هويتنا ؟
    استبدل دعاة العلمانية والدولة القومية الهوية الدينية للبلاد بالهوية القومية ، فنشأت مصطلحات معروفة علينا أن نسأل أنفسنا بصراحة ما هو وزنها ومكانتها اليوم بعد الخريف العربي.
    نحن بحاجة لأن نعترف لا أن نستكبر ونتعالى ، فالمرحلة القادمة مرحلة تحول جوهرية وعميقة، نحن أمام واقع بأن الدول القومية قد سقطت الواحدة تلو الأخرى ، ومن لم يسقط منها ويتهاوى دخل في نفق مظلم من النزاعات الداخلية والفقر والضعف.
    كادت سورية أن تسقط لولا إرادة الله وقيم إيجابية تحلى بها الشعب السوري كالوحدة وتجاوز الطائفية وقبول الآخر.
    في ترة من الفترات كنت أناقش إخواني من التيار الديني حول فكرة الخلافة ومدنية الدولة ، فلا خلافة بدون نبي والخلافة النبوية التي ينتظر الناس عودتها ستكون بعد نزول نبي الله عيسى، وأن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم كان نبي الله ولم يكن ملكاً ولا رئيساً بل حتى الخلفاء الراشدين لم يكونوا ملوك ولا أمراء وهي فترة خاصة ، وأن الأحزاب الدينية تفرقنا وتخرب أوطاننا ، وقتها كان تقبل هذه الأفكار من الصعوبة بمكان.
    لكن لكي لا أفهم أني أدعوهم للرهبانية والتعلق بالآخرة وترك الدنيا، فيمكنهم دخول المعترك السياسي عبر الأحزاب السياسية ومهمة تمكين الأحزاب هنا هي مهمة الساسة لهدم هذا الجدار.
    ثم أن دخلت مع إخواني العقلانيين في حوارات مطولة حول العَلمانية أو العالمانية وتبين لي أننا أمام صعوبات لا تقل عن تلك مع إخواني في التيار الديني.
    على العقلاني أن يفهم أن العلمانية ليست جملة واحدة لا نسمع غيرها وهي فصل الدين عن الدولة، بل هي مجموعة مصطلحات كالمواطنة والمجتمع المدني والديمقراطية والحريات الشخصية وحرية المعتقد وحرية السوق وربما هذه أهم نقطة فيها لأن حرية السوق هي التي شكلت العلمانية.
    كانت أوربا مجموعة دول اقطاعية تتحكم الكنيسة بثلث الأراضي فيها وتدفع الزكاة لها كما أن الكنيسة كانت المشرفة على التعليم والعلاج وكانت تتحكم بالزواج والطلاق وتتحكم بالقوانين المدنية وتتحكم بالسلطة الحاكمة ومن كان يخرج عنها كانت تقود ضده حرب مقدسة ومن يخرج عليها من الأفراد كانت تقيم عليه محاكم التفتيش، فالحروب الصليبية لم تكن ضد المسلمين فحسب بل كانت تقام ضد المهرطقين والكفار بالكنيسة.
    نقطة التحول إلى العلمانية في أوربا بدأت من احتكاك أوربا بالمجتمع المدني الإسلامي حيث لا يوجد كهنوت يتحكم بالناس ويمكن لأي شخص عادي يتقن كتاب الله أن يكون شيخ دين وإماماً ولا يوجد إشكاليات في الزواج بين الطوائف والمذاهب، وكانت حرية المعتقد تذهل من يحتك بالمجتمع الإسلامي وقتها .
    كان هذا أحد أهم العوامل والذي أخذ وقتاً طويلاً للتقبل الاجتماعي وتقبل التمرد على الكنيسة، كثير من الجنود الصليبيين أثناء فترات الهدنة مع المسلمين كانوا يسافرون لمدن المسلمين وكانوا يتعرفون على طريقة عيشهم في المشرق ، وحين العودة كانوا ينقلون هذه الأفكار لمجتمعهم ، من كان يتمرد على الكنيسة كان يقتل ولقد قامت الكنيسة بحروب مقدسة ضد من أسمتهم الكفار ، وهم ليسوا بكفار بل كفروا بالكنيسة بعد تأثرهم بالتمدن العربي.
    كان لانتقال العلم الفلسفي من الأندلس والعلوم المادية من المشرق دوراً في تحريك عجلة التمرد ضد الكنيسة، لقد قيل لنا بأن الكنيسة أعدمت العلماء لأنها ضد العلم، وهذا دجل وكذب، وبقليل من البحث في تاريخ العلم في أوربا لاكتشفنا أن الكنيسة كانت هي راعية العلم في أوربا، لكن ما لم يقال لنا وقد كشف اليوم للباحثين، بأن الكنيسة كانت تخشى الأفكار الفلسفية والاجتماعية والسياسية والدينية التي توجد في كتب علماء المسلمين ، لقد أعدمت الكنيسة كثيراً من العلماء ولنقل أشهرهم كان غاليليو، لقد تعلمنا بأن غاليليو هو من اكتشف البندول ، لكن بعد البحث تبين بأن المسلمين العرب اكتشفوا البندول ، وقد قيل لنا بأن غاليليو قام بتجربته الشهيرة من فوق برج بيزا حول تساقط الأجسام بينما التجربة هي بالأصل للعالم العربي المسلم المصري ابن يونس.
    كما قيل لنا بأن الجاذبية اكتشفها نيوتن بينما اكتشفها العالم العربي المسلم الدمشقي ابن الشاطر.
    وقيل لنا بأن كوبرنيكس هو من اكتشف بأن الأرض تدور حول الشمس بينما من اكتشف ذلك هو ابن الشاطر.
    وقيل لنا بأن نيوتن اكتشف وقانين الحركة وأهمها قانون الفعل ورد الفعل بينما مكتشف قوانين الحركة العالم المسلم أبو البركات ملكا
    والقائمة طويلة لكن شاهدنا هنا أن كتب علماء المسلمين لم تكن في العلوم المادية فحسب بل الفلسفة والفقه والطب والفلك فهذا أبو البركات ملكا من أعظم فلاسفة المسلمين ومن الذين ردوا على الفلاسفة المشائين .
    بل إن علماء المسلمين سافروا إلى أوربا ذاتها لنقل علومهم، فالعالم الأندلسي الإدريسي حضر إلى بلاط الملك روجر الثاني وأثبت له بأن الأرض كروية ولكم تخيل حجم الانبهار في أذهانهم وهم كانوا لقرون يظنون بأن الأرض مسطحة، أفلا يتأثر هذا الجمهور المنبهر بعلوم العرب بأفكارهم ودينهم وسلوكهم بل حتى في طريقة قصهم لشعرهم واتيكيت المطبخ والمائدة وحتى الأسماء وترطين كلمات عربية ضمن جملهم الأعجمية، كما يجري اليوم في مجتمعنا المنبهر بالغرب والمقلد له في كل الميادين.
    ولقد كان الملك فردريك الثاني والذي سمي أعجوبة العالم وقتها يستدعي علماء المسلمين لصقلية ويتعلم منهم وتذكر كتب التاريخ أنه خرج عن الكنيسة وطبق القانوني المدني عوض قانون الكنيسة والتي قامت ضده بحروب مقدسة، وهذه الأمثلة الحية عن أسباب التمرد على الكنيسة نتيجة الاحتكاك بالمدنية العربية هي خير دليل بأن الكنيسة حاربت العلم القادم من الشرق خشية تأثر المجتمع بأفكار الشرق الحضارية وضياع ملكهم للناس باسم الدين وكل عنفها لم يمنع الثورة ضدها، رغم أنها اتبعت لآلية جديدة في احتواء العلم القادم من الشرق وهو إخفاء المصادر والمراجع ونسبها لعلماء الغرب لكن الوعي الشعبي كان قد وصل إلى ذروته .
    بعد هذا العرض المطول ماذا عن العلمانية في بلادنا بعد الخريف العربي ؟
    لن نجري مقارنة ونوضح الاختلاف الجوهري بين العلمانية في الغرب ودوافعها وبين العلمانية في الشرق.
    لكن لنقف عند النقطة التي انطلقنا منها وهي أن المجتمع كان في أوربا اقطاعياً ، لكن مع ولادة الصناعة في أوربا تشكلت فكرة حرية السوق ، وتشكلت علاقات بين المنتجين في المدن بسبب هذا الحراك الاجتماعي الاقتصادي الجديد مقارنة مع الاقطاع في الريف، وظهرت قيم الحرية وضرورة المساواة ، وتشكلت النقابات العمالية والصناعية وكان الربح سبباً في تجاوز أهل المدنية لما ولدوا عليه من مناطقية أو دينية أو طائفية أو قبلية، بالتوازي مع ظهور عامل التميز عن المجتمع الاقطاعي والبعد عن الكنيسة.
    هذه العوامل الثورية والدوافع كانت وليدة هذه البيئة، في عالم الاقطاع والملكية لا يوجد طموح لأي فرد ولا يوجد حلم ولا يوجد ذاتية ولا يوجد كرامة.
    المجتمع الصناعي شكل حلماً لكل فرد بتشكيل إقطاعه المستقلة الخاصة فهول ملك نفسه ، ولذة تولد الذات والكرامة والحرية والطموح والمستقبل دفعته للقبول بتجاوز الطبيعيات التي ولد عليها وقبول الآخر والتفاهم معه للرقي بهذا المشروع.
    هنا تماماً تشكل المجتمع المدني عبر النقابات والتجمعات ومن ثم الصحافة والإعلام والجمعيات ثم الأحزاب السياسية التي تشكلت على هذه الأرضية فالدولة المدنية الغربية الحديثة والبرلمان ومجلس الشيوخ ورقابة الصحافة ونقد البناء .
    ثم أن تولدت فكرة الدولة القومية في الغرب كعامل للخروج النهائي عن بقايا تأثير الكنيسة في المجتمع، وإن ظلت أوربا تستمد الأخلاق من الدين المسيحي فليس لديها البديل.
    وما يجب أن نفهمه بأن فكرة الدولة القومية لها أبعاد اجتماعية معقدة وتنافس مرير في المجتمع الأوربي.
    بينما الدول القومية العربية لم تولد بذات السياق الاجتماعي بل قام المستعمر بصنع هويتها العلمانية وهوية الدول العربية القومية ونحى عامل الدين كلياً .
    ولنتذكر هنا فيلسوف العرب ساطع الحصري وقد حيد الهوية الدينية وأعلى من شأن الهوية القومية وهو ذاته كان طوراني الهوى لكن بريطانيا جلبته من تركيا لينقل أفكارها في كل من سورية والعراق.
    ذاتها بريطانيا التي دعمت تشكل القومية العربية لتكون هوية مضادة ضد العثمانيين، قامت لاحقاً بدعم أحزاب دينية سياسية كالإخوان المسلمين والوهابية لتكون خنجراً في خاصرة العرب المسلمين.
    المثقف العربي يعرف ما قامت به بريطانيا وكيف دعمت القومية تارة والأحزاب الدينية تارة أخرى.
    لكن السؤال اليوم أين نحن من العلمانية اليوم ؟
    بعد كل هذه الحروب كان على المثقف أين يجيب على هذا السؤال، لا أن ينتظر الخطاب الرسمي ليشرح له ما حدث .
    يمكننا القول بأن الدول القومية العلمانية قد تهاوت واحدة تلو الأخرى لأن الفكر الوطني الجامع لم يتشكل فيها بشك طبيعي بل بشكل قسري ، وفكرة العلمانية ذاتها انتهت عالمياً.
    التيار العقلاني اليوم ينتظر الشروحات والتفسيرات من الخطاب الرسمي رغم أن يرى الأحداث جيداً من حوله لكن آليات الحكم لديه مسلوبة.
    بعد كل هذه الرايات الدينية التي رفعت في سورية هل بقى للعلمانية من مكان ؟
    نحن لا نتجه لدولة دينية كما يظن البعض، لكن نتجه لقبول العامل الديني كأداة فاعلة مؤثرة وجودياً، المثقف العقلاني ( الذي يمسي نفسه علماني ) كان قد تقوقع أثناء الحرب على نفسه وعلى طائفته وهذا كان المطلوب منه أن يفعله.
    بعض من تجاوز خوفه من العقلانيين وعبر عامل خارجي وهي وسائل التواصل الاجتماعية رأى كل شيء ، رأى المشهد كاملاً
    واستطاع بقليل أو كثير من التفكير والحوار أن يفهم ما كان وما يمكن أن يكون وهم قلة.
    على العقلانيين أن يتحضروا لصدمة وجودية كصدمة الطفل المفطوم لأنهم لم يحاولوا فهم العالم والمجتمع إلا مما تلقنه لهم القنوات الرسمية ، وهذا التأخر في فهم التغيرات العميقة بل وربما رفضها سيكون عائق أمام الخطاب الرسمي كما سيشكل ردة فعل وجودية رافضة.
    سورية لن تذهب لدولة دينية كما يظن البعض، لأنها دولة مدنية
    لكن العلمانية التي تربوا عليها ستختلف كثيراً عما تعلموه أو حفظوه عن ظهر قلب.
    هذه الصدمة الوجودية هي ذاتها الصدمة عند التيار المتدين الحالم بدولة دينية يحكمها حكام يطبق شرع الله بل إرادته .
    شكل الدولة السورية المستقبلية سيكون لا هذه ولا تلك، وأظن أن على الجميع أن يتجاوز هذه الشكليات ليبحث عما ينفعه ويصلح علاقته بالآخر ويبحث عن الهوية الجامعة للشعب السوري الذي انتصر على أعتى هجمة صليبية وهابية لن تكون الأولى ولن تكون الأخيرة.

    طارق شفيق حقي
    رد مع اقتباس  
     

المواضيع المتشابهه

  1. مقال: العلمانية والليبرالية العربية
    بواسطة طارق شفيق حقي في المنتدى مجلة المربد
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 14/11/2016, 08:43 PM
  2. سنرد على العلمانيين السوريين من منطلق العلمانية
    بواسطة طارق شفيق حقي في المنتدى قبة المربد
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 26/04/2014, 12:29 AM
  3. أنواع وأقسام العلمانية في سوريا
    بواسطة طارق شفيق حقي في المنتدى قبة المربد
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 02/01/2014, 11:59 PM
  4. للتشدد ذراعان: العلمانية المتشددة والتشدد الإسلاموي
    بواسطة طارق شفيق حقي في المنتدى قبة المربد
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 19/12/2013, 02:06 AM
  5. المسيري حوارات عن العلمانية والحداثة
    بواسطة طارق شفيق حقي في المنتدى قبة المربد
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 01/10/2009, 07:59 PM
المفضلات
المفضلات
ضوابط المشاركة
  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •