الملاحظات
الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: أبي حيان التوحيدي في مؤلفه الإمتاع و المؤانسة

  1. #1 أبي حيان التوحيدي في مؤلفه الإمتاع و المؤانسة 
    كاتب مسجل الصورة الرمزية الهدار إسماعيل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المشاركات
    15
    مقالات المدونة
    1
    معدل تقييم المستوى
    0
    لقد اولى العرب اللغة العربية اهتمامهم، فقدموا ملاحظات قيمة حولها، بحيث إن العودة إلى النصوص التراثية و تفحصها تظهر مجهوداتهم في مجال دراسة اللغة و تحليلها و لمّ شتاتها و استنباط أحكامها، و كيفية اكتسابها و تلقينها.
    و على الرغم من اتسام كتبهم بالموسوعيّـة، فإنك تجد أراءهم اللسانية و التربوية متناثرة هنا و هناك بين طيات كتبهم ، و هذه الأراء يمكن اعتبارها متطورة بالنسبة إلى زمانهم و زماننا ،هذا ، إن قرأناها قراءة معاصرة موضوعية ، تتوخاها الدقـّة و الحذر، بهدف التأسيس لدراساتنا اللسانية التربوية ، و لن يتأتى هذا إلا بالاستفادة من التراث بعد غربلته ، و كذا تنقيح الحديث الوافد إلينا من الغرب ، و عدم الإقبال عليه بعيون مغمضة .
    و نظرا إلى صعوبة فك شفرات نصوص بأهمية النصوص التراثبة، فإننا نكتفي بتسليط الضوء على كتاب " الإمتاع و المؤانسة " لأبي حيان التوحيدي ، و لأنه كتاب موسوعي فإننا لا نستطيع الإلمام به من كل الجوانب و معرفة صدى كل صوت فيه ، نكتفي بقراءته قراءة لسانية تربوية معاصرة ، نمد من خلالها جسور التواصل بين القديم و الحديث، ولعلنا بهذا نحسن إلى أبي حيان التوحيدي ، بعد أن أساء إليه الزمان ،و اخمد اسمه بعد مماته .

    التعريف بالتوحيدي:
    أبو حيان التوحيدي هو علي بن محمد العباس الملقب بالتوحيدي ولد حوالي 312 هـ بنيسابور أو شيراز ، توفي سنة 414 هـ بشيراز ، و قد أتيح له أن يتصل بأكبر علماء عصره مما أكسبه ثقافة موسوعية ، حيث درس النحو و الأدب على أبي سعيد السيرافي ،
    و درس الفلسفة و المنطق على عالمين عظيمين هما يحيى بن عدي و أبو سليمان المنطقي السجستاني ، و تلقى التوحيدي الفقه على إمام الفقه القاضي أبي حامد المرورذي، وهو بذلك من أؤلئك الذين أخذوا من كل علم بطرف ، فكان أديبا و شاعرا و فيلسوفا ، فضلا عن كونه عالما و طبيعيا و صوفيا ، و قد ترك في كل ميدان من هذه الميادين آثارا كبيرة و جليلة منها : الإمتاع و المؤانسة ، الهوامل و الشوامل ، الصداقة و الصـّديق ، الإشارات الإلهية ، الأنفاس الروحانية ، بصائر القدماء و سرائر الحكماء ، رسالة الإمامة ، رسالة الحياة ، رسالة في علم الكتابة …
    و على الرغم من علمه و أدبه و ذكائه فإن المقادير حكمت عليه بالشقاء ، و لعل أشد بواعث شقائه أنه نزّاع إلى تحقيق رغباته ، إلا أن القدر الساخر قد عمل على إزعاجه ، فنغص عليه ما يرغب و يشتهي ، و أعجزه عن تحقيق أمانيه ، و قد احترف مهنة الوراقة
    و التي يدعوها بحرفة الشؤم، و هي مهنة شاقة في القرن الرابع الهجري، و كان العالم إذا لم يجد ما يقتات به اشتغل بنسخ الكتب و تجليدها، و قد سخط التوحيدي على هذه المهنة لضآلة موردها، و قلة جدواها، فضلا على ذلك فإنها تذهب العمر و البصر.
    إذن التوحيدي مثال حي لوضع المثقف السيئ، و اضطراره في سبيل كسب قوته إلى إراقة ماء الوجه، و بيع الدين بالدنيا، على حد عبارته، و الدرب الذي يخرجه من هذا الوضع هو التقرب من الخاصة، فقد وصله صديقه أبو الوفاء محمد بن محمد بن يحيى البوزجاني الرياضي الشهير بالوزير العارض و الذي أجلسه مجلسه، فسامره التوحيدي عدة ليال، و قد دون التوحيدي كل ما دار من أحاديث في كتاب "الإمتاع و المؤانسة".

    التعريف بالكتاب:
    يتضمن كتاب " الإمتاع و المؤانسة" مسامرات و أحاديث و ضروب من التفاوض و المثاقفة و المناظرة الأدبية و اللغوية و العلمية و الفنية و الفلسفية و الروحانية و الدينية و السياسية والاجتماعية ، سامر بها التوحيدي وزيرا من وزراء بني بويه ، هو الوزير بن العارض ، و أعاد التوحيدي إنتاجها كتابة بعد أن كانت مادة شفوية ، و أرسلها إلى صديقه وولي نعمته أبو الوفاء محمد بن محمد بن يحيى البوزجاني .
    يقسم التوحيدي فصول كتابه على نسق " ألف ليلة و ليلة "، بيد أن موضوعات الإمتاع والمؤانسة عقلية و واقعية، في حين ان موضوعات " ألف ليلة و ليلة " قصصية خيالية، و كل فصل من فصول " الإمتاع و المؤانسة "يحمل رقم ليلة ، و تتوالى الليالي حتى تبلغ الأربعين موزعة على ثلاثة أجزاء ، و قد درج ابن العارض في نهاية كل جلسة على طلب ملحة الوداع.و هي عادة ابيات من الشعر ، او حكمة مأثورة ، أو عظة خلقية.
    إن ذكر كل ما دار في كل ليلة من حديث و حوار يجعل الكتاب نصا حيا، يحمل رسالة سواء أكانت لغوية أم أدبية أم دينية ، ام فلسفية أم سياسية … تتفاعل فيها الاصوات و تتعدد بدءا بصوت التوحيدي و الوزيرين العارض ، إلى أصوات الوزراء و العلماء و الفقهاء و الفلاسفة و العامة و الخدم و الجواري … حيث إن التوحيدي يجلسك في كل مرة مجلسا متميزا فيسامرك و يمتعك و يؤنسك كما سامر و أمتع و آنس الوزيربن العارض ، مستعملا أسلوبا شيقا لا يضجر منه فهو " جذاب ممتع يملك على القارئ مشاعره بسلاسته و عذوبه ألفاظه و موسيقاه ، و تمكن صاحبه من ناصية اللغة ، سجع غير متكلف و ازدواج يقتضيه المعني ، فإن خلا منهما فلا يخلو من جمال ، فتطول الجملة إلى أن تبلغ الصفحة ، فلا تحس بذلك لتآلف أجزائها و وضوح معالمها ".
    بل يسلبك بلغته وحدة ذكائه و حضور بديهته و تشعب ثقافته ، و يعد هذا الكتاب مصدرا ثمينا لإبراز الحياة الفكرية و الاجتماعية في عصر بني بويه.

    عنوان الكتاب :
    يزاوج التوحيدي عنوان كتابه بين " الإمتاع و المؤانسة "و هذا يحيل على وجود قرينتين يتبادلان أطراف الحديث ، و بالحديث تتجدد الأفكار و المشاعر ، فتحدث الإفادة
    و المتعة ، فنضفي المتعة شعورا حميميا مشتركا بين الطرفين ، و تحدث المشاطرة بالمؤانسة عندما تزول بينهما كل الحواجز ، و يظهر هذا في عبارة التوحيدي " يتوكد الأنس، و ترتفع الحشمة و تستحكم الثقة و يقع الاسترسال و التشاور".

    الأفكار اللسانية و التربوية الواردة في الكتاب :
    أثناء قراءتنا لكتاب " الإمتاع و المؤانسة" وجدناه كتابا موسوعيا ، يشمل محاورات في عدة علوم من لغة وفقه و فلسفة ، و منطق و روحانيات و إلهيات و سياسة و حيوان … فاستمتعنا بقراءته و استفدنا منه ، ووجدنا بين صفحاته بعض الأفكار اللسانية و التربوية كالدرر متناثرة هنا و هناك ، فحاولنا استنطاقها و ذلك بقراءتها قراءة معاصرة، و سنحصر هذه الأفكار في النقاط التالية :


    1-المشافهة و الكتابة :
    يقول التوحيدي " إذا كان الرجوع فيه إلى الكتب الموضوعة من أجله كافيا ، فليس ذلك مثل البحث عنه باللسان ، و أخذ الجواب عنه بالبيان ، و الكتاب موّات،و نصيب النّاظر فيه منظور و ليس كذلك المذاكرة ، و المناظرة و المواتاة ، فإن ما ينال من هذه أغص و أطرأ و أهنأ و أمرأ " ، نحن هنا بصدد العلاقة بين المنطوق و المكتوب فالتوحيدي يعبر عن المنطوق بالمذاكرة و المناظرة و يقابل الكتابة بالكتاب ، و هنا نتساءل : لماذا يعد الكلام الشفاهي " أغص و أطرأ و أهنأ و أمرأ " ؟.
    لعل التوحدي أدرك أن الكلام الشفاهي يخضع لحيوية المتكلم و لقابلية المستمع و تفاعله ، هذا اثناء المذاكرة و المناظرة ، في حين أن المكتوب " موّات" يفتقد الحيوية، فهو اشبه بالقبور التي تضم بين دفتيها أمواتا يفتقدون طراوة الحياة ، فضلا عن ذلك فإن الكتاب يفترض قراءة أحادية الجانب ، فالقارئ عندما تستغرق عليه المعاني يلجأ إلى التأويل ، و قد ينحرف عن المعنى المراد ، على خلاف الحديث الذي تنساق معه النفس ، و بذلك تتسع دائرة الإرسالية و تزداد فرصة المتحدث في الإبداع ، كما تزداد فرصة المتحدث إليه في الفهم أكثر لأن المتحدث قريب منه يحدثه و يحادثه ، و يسهل على كل منهما الاستفسار عن الامور التي تستغلق عليهما ، و بذلك يحدث تبادل الادوار بين المتحدث و المتحدث إليه ، فتارة يصبح المتحدث متحدثا إليه ، و تارة أخرى يصبح المتحدث إليه متحدثا ، و تستمر قناة التواصل بينهما مادما يستعملان نفس الشفرة اللغوية و يراعيان المقام و مقتضى الحال .
    و هذا دال على تأثر التوحيدي بالمنهج الأفلاطوني و الحوار السيقراطي أثناء العملية التعليمية ، بحيث يحدث التصحيح الارتجاعي FEEd-back بين العلم و المتعلم نتيجة تبادل الادوار ، كأن يسأل المعلم و يجيب المتعلم أو يسأل المتعلم و يجيب المعلم عن تساؤلاته ، و يمثل التصحيح الارتجاعي قاعدة أساسية عند علماء التربية في مختلف المواد التعليمية ، للتحقق من مدى فهم المتعلم و استييعابه لما يقدم له ، و كسر جميع الحواجز بين المعلم و المتعلم ، و جعل المتعلم لا يخاف المواجهة ، و يعبر عن موافقة وبذلك تنمى لديه الروح النقدية .
    إذن توجد في الحديث رابطة مشتركة تجمع كل من المتحدث و المتحدث إليه بطريقة تفاعلية ، فيشاركان معا في بناء المعنى و الفكر ، على عكس الكتابة .
    كما سبق ذكره فإن التوحيدي يعبر عن المشافهة بـ " المناظرة و المذاكرة والمواتاة"، و المناظرة تنبهنا إلى المواجهة و المقابلة بين طرفين ، و يكونها اختبار إمكانات المتحدث المعرفية و الوجدانية و اللغوية ، و هي تقابل حديثا الامتحان ، في حين تنبهنا المذاكرة إلى دور الذاكرة و الحفظ من خلال عملية استرجاع الخبرات أثناء المناظرة او استظهار المعلومات اثناء العملية التعليمية ، إذ أنه يتوجب على المناظر أو المتعلم ألا يحفظ حفظا ببغاويا دون فهم، بل عليه أن يتخير ما يحفظ ، و ان يعرف متى يستثمره و كيف يوظفه و هذا حسب المقام والحاجة .
    و قد أولى علماء التربية و علماء النفس الحفظ اهتمامهم و عدوه عاملا من أهم عوامل الذكاء و التعلم خاصة في المراحل الأولى ، و قد صنفه بلوم Bloom ضمن مستويات المجال المعرفي للأهداف التربوية ، فاعتبره أبسط سلوك في هذا المجال ، و تعد عملية التذكر أي عملية تذكر المعلومات و المعارف السابقة فرصة ينطلق منها المتعلم لتطوير معلوماته السابقة و لاكتساب معارف جديدة .
    و تنبهنا " المواتاة" إلى نوع من الحضور ، حضور المتحدث أو المتعلم أمام البصر أي أنه هناك ارتباط وثيق بين الصوت و الرؤية و السمع ، و المواتاة كما جاء في لسان العرب"المطاوعة" و هي أن يطاوع السامع المتكلم و يسايره في الحديث لأنه حاضر معه ويسمع صوته ، يراه ، يرى حركات شفتيه و ملامح وجهه و إشارات يديه.
    و بالنسبة للتوحيدي من زاوية الإنجاز فإن " الكتاب يتصفح أكثر من تصفح الخطاب لأن الكاتب مختار و المخاطب مضطر " فاللغة المكتوبة تسمح لصاحبها بحرية الاختيار أثناء الكتابة ، في حين ان فرصة الاختيار في اللغة الشفوية تتقلص ، ففي الكتابة يمكن للكاتب أن يختيار لفظة على حساب لفظة أخرى ، و تفضيل معنى على معنى آخر ، أو التراجع عن جملة أو فكرة… على عكس التواصل الشفوي الذي لا يمكن للمخاطب فيه أن يتوقف برهة ليفكر فيها او ليختار كلمة أو معنى …لأنه محدد بزمن و مقتضى حال … عليه احترامهما لإعطاء المستمع فرصة ليتواصل معه و يتحول إلى متكلم ، و هذا قصد الحفاظ على استمرارية العملية التواصلية ، بيد أن الكاتب لا يتقيد بمقتضى الحال لأن المتلقي منفصل عنه، وله متسع من الوقت لترتيب افكاره و اختيار الدوال المناسبة.
    و يفرق التوحيدي بن المنطوق و المكتوب من خلال التقويم " و من يرد عليه كتابك فليس يعلم أسرعت فيه أن أبطأت و إنما ينظر أصبت أم أخطأت و أحسنت أم أسأت ".
    أي أنه أثناء إنجازك للفعل الكلامي الكتابي فإن المتلقي لا يعلم إن أسرعت أم أبطأت فيه ، و هذا على خلاف الفعل الكلامي الشفوي الذي يجب أن يحترم فيه الزمن و مقتضى الحال ، و لن يتحقق هذا إذا كان المخاطب بطئ الفهم أو به عيوب صوتية أو سمعية ، فتكون سيرورة التواصل بينه و بين المتلقي بطيئة.
    و تختص الخطابات المكتوبة بوحدتي التقويم " الخطأ" و " الصواب" من حيث احترامها للكتابة و منطقها الذي تفرضه على منتجها ، و تقيدها برموز متفق عليها و احترامها لأصول اللغة و نظامها .

    2- الخوض في الشيء بالقلم مخالف لإفاضة اللسان :
    يفرق التوحيدي بين الإفضاء بالقلم و بين الإفضاء باللسان " فالقلم أطول عنانا من اللسان و إفضاء اللسان أحرج من إفضاء القلم ، و الغرض كله الإفادة " ، فالكاتب مختار يبني نصه لبنة لبنة و يعاود النظر فيما يكتب ، و يغير فيه و يبدل بحسب ما يعن له و تهديه إليه قريحته ، و في لحظة الكتابة يكون منفصلا عن متلقيه ، أي أنه غير مواجه له ، و هو بذلك يفضي بذاته براحة و اطمئنان دون حرج كبير ، كما أنه بمنجاة عن زلل الانفعال ، أما المفضي باللسان فإنه مضطر إلى الحديث على البديهة و الارتجال بحسب ما يسوقه إليه الحديث و مقتضيات الحال، علاوة على ذلك فإنه مجبر على الاستجابة الفورية ، و مواجهة المفضي إليه و مشاهدته ، لذلك كانت حاله احرج من حال الكاتب ، فتبدو عليه علامات الحرج من تغير ملامح الوجه و تلونه أو تصبب العرق ، أو تحريك الرأس و اليدين … و هذه لمن أكبر المرهقات التي لا يعرفها الكاتب ، و في النهاية فإن الإفضاء باللسان و الإفضاء بالقلم هو تحقيق الفائدة .
    و تعطى تعليمية اللغات من الجانب المنطوق من اللغة الأولوية ، و ذلك بالتركيز على الخطاب الشفوي ، لأن الظاهرة اللغوية في حقيقتها أصوات منطوقة قبل أن تكون حروفا مكتوبة ، فالخط تابع للفظ و ملحق به ، إذن فالتعليمة تحاول إكساب المتعلم مهارة التعبير الشفوي لأنه هو الطاغي عما سواه في الممارسة الفعلية للحدث اللغوي ، لأن الحديث عبارة عن رموز لغوية منطوقة تنقل أفكارنا و مشاعرنا و اتجاهاتنا إلى الآخرين. و قد أثبتت الدراسات أن المتلقي للحديث يفهمه بسرعة أكثر مما يفهم الكتابة فهو يصله مباشرة في اللحظة نفسها ، التي يتم إنتاجه فيها ، على عكس الكتابة التي تتوجه إلى متلق مؤجل .
    و تأتي مهارة الكتابة بعد مهارة الاستماع و الحديث و السؤال و القراءة ، و هي فرع من فروع اللغة و وسيلة للتبليغ و لحفظ اللغة و المواثيق و نقل التراث الحضاري ، زيادة على هذا، فإنها وسيلة أساسية للتعلم ، فالمتعلم لا يستطيع النجاح في مساره الدراسي إذ لم يتمكن من ترجمة أفكاره إلى رموز أو تحويل المنطوق و المسموع إلى مكتوب .
    3- وظيفة اللغة :
    الفهم و الإفهام وظيفتان أساسيتان عند التوحيدي ، و هذا لتحقيق التواصل ، و هذه الوظيفة مرتبطة بالمخاطب و المستمع على حد سواء ، و تعد معرفة اللغة ضرورة أساسية للإفهام ، اد يقول" كذلك الشأن بالنسبة لمعرفة النحو ، فإن الكلام يتغير المراد فيه بإختلاف الإعراب ، كما يتغير الحكم فيه باختلاف الأسماء ، و كما يتغير المفهوم باختلاف الأفعال ، كما ينقلب المعنى باختلاف الحروف" و كان لزاما على المتواصل أن يستعمل الشفرة اللغوية التي يستعملها المستمع ، و بالنسبة للتوحيدي يكون الإفهام على مراتب ثلاث : فالمرتبة الأولى تكون ب " أن يفهم المرء عن نفسه ما يقول "
    أي هي المرحلة التي يدرك فيها المرء المعنى و يعقله ، فيعبر عنه باللغة ، أما المرتبة الثانية هي " أن يروم المرء أن يفهم غيره " ، و هذه المرتبة يمكن أن نسميها بمرتبة التواصل ، و فيها ينتقل المتكلم من ترتيب المعاني و إفهام نفسه إلى النشاط الفيزيولوجي، وهو إصدار أصوات تحمل رسالة يتلقاها المستمع ، و لا يمكن أن يفهم الإنسان غيره إلا إذا كانوا يستعملون نفس الشفرة اللغوية Le Cod ،أما المرتبة الثالثة هي " فرش المعنى وتبسيط المراد ، فيتجلى اللفظ فيها بالروادف الموضحة ، و الأشباه المقربة و الاستعارات الممتعة " و هذه المرحلة يطلق عليها أبو حيان التوحيدي و غيره إسم البلاغة ، أي أنه على الرسالة أن تتضمن نوعا من الجمال و الإمتاع و هذا ما يعرف بالوظيفة الشعرية Fonction Poetrque عند رومان جاكسون R. Jakolson و يقصد جاكسون بالشعرية الاستعمال المميز للغة فهي تسقط مبدأ التماثل لمحور الإختيار على محور التأليف .
    4- العجز الغوي :
    يشير التوحيدي إلى الحالات التي يتعذر فيها التواصل بين متخاطبين و هي :
    1- قد يكون السامع " ذا طبع قاصر" كأن يكون بطيء الفهم أو يعاني عيوبا سمعية وبذلك يكون التواصل بطيئا .
    2- ففي بعض الحالات تجول بذهن الإنسان أفكار لكنه يجد صعوبة في تحويلها إلى صورة صوتية ، لأن المدلول أكبر حجما لدرجة أن الدال لا يمكنه احتواؤه " مركب اللفظ لا يجوز مبسوط العقل ، و المعاني معقولة ، و لها القبال شديد و بساطة تامة ، و ليس في قوة اللفظ في أي لغة كانت أن يملك ذات المبسوط و يحيط به ، و ينصب عليه سورا "1، و من بين الموضوعات التي يعجز فيها الإنسان عن التعبير وصف الخالق " فالله الذي لا سبيل للعقل أن يدركه ، أو يحيط به أو يجده وجدانا أولى و أخرى أن يمسك عنه عجزا واستخداء ، تضاؤلا واستعفاء ، إلا بما وقع للإذن به من جهة صاحب الدين ... فعلى هذا قد وضح أن الصمت في هذا المكان أعود على صاحبه من النطق ، لأن الصمت عن المجهول أنفع من الجهل بالمعلوم".
    5- الكلام :
    الكلام عند التوحيدي هو الأداء الفردي للغة ، كما هو الحال عند دوسوسير
    F .de Saussure ، و يتضح ذلك من خلال العبارات التالية :
    - " أما السلامي فهو حلو الكلام "
    - " له فنون في الكلام "
    - " و قد فرع العباس بهذا الكلام باب العيب ".

    6- اللغة :
    اللغة بوصفها أداء خاصا بأمة أو جماعة معينة و يتجلى ذلك في العبارات التالية :
    - " كلغة أصحابنا العجم و الروم و الفرس و الهند و الترك ".
    - " كما أن اللغات تكون فارسية و عربية و تركية ".
    7- الكلام على الكلام :
    يقول التوحيدي " إن الكلام على الكلام صعب " ، و هو ما يقابل في اللسانيات الحديثة الوظيفة الانعكاسية أو ما وراء اللغة métalangage أي التناول العلمي للكلام فندرس الكلام بالكلام ، و تمثل اللغة الواصفة و الشارحة للغة ، أي تكون اللغة نفسها مادة الدراسة و المرجع الذي تدل عليه .
    8- اختلاف اللغات :
    يؤمن التوحيدي باختلاف المعاني باختلاف اللغات ، أي أن اللغات لا تتطابق إذ أن لغة الهند غير لغة الروم ... إلا أنهم مع هذه الأصول و القواعد تقاسموا أشياء بين الفطرة و بين التنبيه و بين الاختيار و التقدمة " ، و اللغات عنده قد تتقاطع و تتشابه في بعض البنى ، و يعبر عن ذلك بقوله " إن الأمم اشتركت في جميع الخيرات و الشرورو في جميع المعاني و الأمور اشتراكا أتى على أقل التفاوت و وسطه و آخره ، ثم استبدت كل أمة بقوالب ليست لأختها و اشتراكهم فيها كالأصول و استبدادهم كالفروع "، فالبنى المشتركة بين اللغات تعرف بالكليات اللغوية Les universaux linguistiques و تقوم فكرة الاختلاف بين اللغات على أن الامم تنطلق من موروثاتها الحضارية و الثقافية و هي بذلك منطلق إنتاجها للمعاني من ناحية و استيعابها من ناحية اخرى .
    و الجدير بالذكر أنه منذ بداية النصف الثاني من القرن الماضي ظهرت بوادر حركة قوية في ميدان تعليم اللغات الأجنبية كان من روادها لادوفريز R.Lado.Freize و تؤكد هذه الحركة على ضرورة إجراء الدراسات التقابلية linguistique contrastive بين لغتين بهدف :
    1- التنبؤ بالمشكلات التي تواجه متعلم لغة أجنبية و ذلك بعد حصر أوجه التشابه
    و الاختلاف بين اللغة الأم و اللغة الأجنبية ، و تكون العناصر المتماثلة بين اللغتين يسيرة التعلم ، أما العناصر المختلفة فيعسر على المتعلم تعلمها .
    2- يمكن التنبؤ بالمشكلات من خلال الفحص البنائي للغتين ، من تفسيرها و البحث عن الحلول لتذليلها ، أي الاحتياط لها مسبقا .
    3- يمكننا التقابل اللغوي ، من معرفة ما يجب تقديمه و كذا تطوير المواد الدراسية لمواجهة هذه المشكلات .
    9- الملكة اللغوية :
    تقوم الملكة اللغوية عند أبي حيان التوحيدي على " غرائز أهل اللغة " ، حيث أن الإنسان يولد و هو مزود بقواعد وقوانين اللغة ، و هو أثناء ممارسته للحدث الكلامي غير واع بقوانين اللغة و إنما يهديه إلى ذلك الطبع .
    بالإضافة إلى الغريزة فإن الملكة اللسانية تقوم كذلك على فكرة " المنشأ و الوراثة" ، و يتجسد المنشأ في البيئة التي تربى فيها الإنسان بما في ذلك من أسرته و أفراد مجتمعه ، فكل هؤلاء يوفرون له حمـّاما لسانيا طبيعياbain linguistiqueو هدا مايعرف بالانغماس اللغوي عند ابن خلدون ، و بعد أن يكتسب الإنسان اللغة من منشئه فإنه يصبح يستعملها بتلقائية و يتحكم فيها ، و بذلك تصبح ملكا عينيا خاصا به أي أنه يرثها .
    و إن تعلم الإنسان للغة و معرفته لأسرارها و نواميسها و قواعدها يخرجه من " الفطرة إلى الفطنة " . إذ أنه يفتقد وضع التعامل التلقائي الفطري للغة ، بل يصبح على وعي بقواعدها و قوانينها و يصبح يتعامل معها تعاملا واعيا .
    10- اللفظ و المعنى :
    تقوم اللغة على عمودين هما اللفظ و المعنى، و يقر التوحيدي بأن الظاهرة اللسانية هي عملية ذهنية ف " الدماغ هو مركز النشاط اللغوي"، و يرى أن المعاني سابقة للألفاظ لأن " اللغة مبدؤها العقل و ممرها اللفظ و قرارها الخط" ، و بعد ان تتوضح الفكرة في ذهن صاحبها فإنه يترجمها إلى صورة صوتية منطوقة و مسموعة.
    و من بين أهم الفروق بين اللفظ و المعنى التي وردت في كتاب الإمتاع و المؤانسة هي أن المعاني لا نهاية لها فيما الألفاظ محدودة ، و لهذا فمهما كثرت الألفاظ فإنها عاجزة عن الإحاطة بجميع المعاني ، و قد عبر عن ذلك على لسان السيرافي بقوله " إن مركب اللفظ لا يحوز مبسوط العقل ، و المعاني معقولة لها اتصال شديد و بساطة تامة، و ليس في قوة اللفظ من أي لغة كان ان يملك ذلك المبسوط يحيط به و ينصب عليه سورا ، و لا يدع شيئا من داخله أن يخرج ، و لا شيئا من خارجه أن يدخل" 2.كما أن المعاني إنسانية لأنها نتاج التجربة الإنسانية في كل مكان و زمان ، فيما الألفاظ تابعة لمجموعات بشرية دات لغات معينة , أي ان الالفاظ حبيسة لغاتها و لا يمكنها أن تتعداها، "و المعاني لا تكون يونانية و لا هندية ، كما أن اللغات تكون فارسية و عربية و تركية ... لأن اللغة عرفتها بالمنشأ و الوراثة ، و المعاني قد نقرب عنها بالنظر و الرأي و الاعتقاب و الاجتهاد ".
    مهما كثرت المعاني و تعددت فإنها واحدة في جميع اللغات و ذلك على عكس الالفاظ فإنها متعددة ، بدليل أن الإنسان يشير إلى المعنى الواحد بعدة ألفاظ ، أما إذا غير الإنسان المعنى الواحد وجد نفسه قد خرج إلى معنى آخر و بذلك فإن اللفظ نظير اللفظ في أغلب الأمر".
    كانت هذه بعض الأفكار اللسانية التي وردت في كتاب " الإمتاع و المؤانسة" و التي حاولنا استنطاقها و بعثها من جديد ، محاولة منا نفض الغبار عن تراثنا و مد جسور التواصل بيننا و بينه ، و نرجو أن يكون عملنا البسيط هذا لبنة تضاف إلى لبنات أخرى في سبيل بناء صرح موسوعة لسانية تربوية تراثية .
    رد مع اقتباس  
     

  2. #2  
    المدير العام الصورة الرمزية طارق شفيق حقي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2003
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    12,870
    مقالات المدونة
    156
    معدل تقييم المستوى
    10
    تنقل للمجلة
    رد مع اقتباس  
     

المواضيع المتشابهه

  1. أبو حيان التوحيدي
    بواسطة سادين في المنتدى مكتبة المربد
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 19/02/2014, 02:34 AM
  2. ظل خيال ..!
    بواسطة سوسنة الكنانة في المنتدى الرسائل الأدبية
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 21/09/2010, 07:31 AM
  3. لا حياء في الطيب
    بواسطة د.ألق الماضي في المنتدى الواحة
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 29/05/2010, 08:02 PM
  4. كتــــاب " الإمتاع والمؤانســة " لأبي حيان التوحيدي ...
    بواسطة أبو شامة المغربي في المنتدى مكتبة المربد
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 29/12/2006, 10:58 PM
  5. خيال اثيم
    بواسطة مازن عبد الجبار في المنتدى الشعر
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 07/05/2006, 09:13 AM
المفضلات
المفضلات
ضوابط المشاركة
  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •