الملاحظات
الرد على الموضوع
صفحة 4 من 4 الأولىالأولى 1 2 3 4
النتائج 37 إلى 42 من 42

الموضوع: نص كتاب الروائي محمد جبريل "للشمس سبعة ألوان"

  1. #37  
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    لفلوبير عبارة شهيرة هى " أنا مدام بوفارى " ، بمعنى أنه عندما نتحدث عن مدام بوفارى ، فإنه كان يتحدث عن نفسه . والمؤكد أنى لست موجوداً خارج أعمالى . ما أكتبه يتضمن وجهاً من وجوه حياتى : قراءة ، مشاهدة ، تجربة ، إلخ . من الصعب أن أجد ذلك فى كل ما كتبت ، مع أنى أجد نفسى فى الكثير مما كتبت . أجد ناساً عرفتهم ، التقيتهم ، صادقتهم ، عايشت خبراتهم وتجاربهم ، ولحظاتهم الهانئة والمأساوية ، أجد العديد من الأماكن والأزمنة التى اتصلت بحياتى ، بصورة وبأخرى . لاحظ الناقد " لاكان " فى دراسة له عن الكاتب الفرنسى الشهير أندريه جيد أن تفصيلات السيرة الذاتية لحياة الكاتب ومنمنماتها ، تشكل بعداً أساسياً فى أعماله الفنية [ لا يخلو من دلالة قول همنجواى ، أنا لا أعرف إلا ما رأيته ] . وأتصور أن هذا هو الدور نفسه الذى تشكله سيرتى الذاتية فيما كتبته ، وأكتبه ، من أعمال . أذكر حين أنهيت قصتى " القرار " مفاجاة القصة لى بأن الشقة التى اختارها الراوى للإقامة بعيداً عن مشكلات أخوته ، هى الشقة نفسها التى أمضيت فيها طفولتى وصبلى إلى بداية العقد الثالث ، فى الطابق الثالث ، البيت رقم 54 شارع إسماعيل صبرى بالإسكندرية . وأتذكر قول باشلار : " إن البيت الذى ولدنا فيه بيت مأهول ، وقيم الألفة موزعة فيه، وليس من السهل إقامة توازن بينها ، إذ هى تخضع للجدل ، فالبيت الذى ولدنا فيه محفور بشكل عادى ، وفى داخلنا ، إنه يصبح مجموعة من العادات العضوية " , ولعلك لاحظت شبهاً واضحاً بين الكثير من الشخصيات التى قدمتها فى أعمالى ، ذلك لأن معظم هذه الشخصيات تعبير ـ بدرجة وأخرى ـ عن شخصية الكاتب نفسه .
    القصة يجب أن تكتب نفسها . فعل الكتابة اكتشاف . أرفض التصور بأن الكاتب يبدأ قصته وهو يعرف تماماً صورتها النهائية . القصة تكتسب ملامحها وقسماتها أثناء ولادتها . قد يأتى المولود فى صورة غير التى كان يتوقعها الفنان . قد تبين القصة ، أو الأحداث ، عن ملامح ربما لم تخطر فى باله . كاتب القصة يختلف عن كاتب السيناريو ، فى أن الثانى عنده قصة جاهزة ، فهو يحول القصة إلى مشاهد . وفى كل الأحوال ، فإن كتابة القصة ينبغى ألا تخضع للمنطق الصارم ، للعقلانية التى قد تفقدها تلقائيتها . الفنان مطالب بأن يخفض صوته إلى حد الهمس ، حتى يتحقق الإيهام بالواقع ، ولا يتحدث الفنان نيابة عن شخصياته .
    أحياناً ، أبدأ فى تصوير الشخصية ، ولها فى مخيلتى ملامح محددة ، ثم تذوى الملامح التى تصورتها أثناء عملية الكتابة ، لتحل ـ بدلاً منها ـ ملامح أخرى ، فتأتى الشخصية مغايرة ـ سلباً أو إيجاباً ـ لكل ما تصورته . وربما بدأت فى كتابة عمل ما وفى داخلى وهم أنى أمتلكه ، أعرف البداية والنهاية . فإذا بدأت فى الكتابة ، أسطر قليلة أو كثيرة ، لم أعد سوى أداة للتسجيل . القصة تكتب نفسها ، كأنها الأمواج التى تذهب بالقارئ إلى شواطئ لم يكن يتوقع ربانه الوصول إليها . وكما يقول سيمينون : " أنا لا أعرف فى البداية ماذا سيحدث لأبطالى بعد قليل ، فإذا عرفت ذلك ، انتابنى السأم والملل . أنا لا أكتشف الوقائع دفعة واحدة ، بل أقع عليها وأنا أنتقل من فصل إلى آخر ، وكأنى أحكى قصتى لنفسى لا للآخرين " . وبالتأكيد ، فإن ما أريده بعد أن أتم كتابة عمل ما ، يختلف عن الصورة التى كتبته بها فعلاً ، تغيب شخصيات وأحداث وأماكن كنت أتصور أنها أساسية ، لتحل بدلاً منها شخصيات وأحداث وأماكن كانت مختفية فى تلافيف الذاكرة ، ثم ظهرت فى وقت لم أحدده . انطلاقات الشعور لا تعرف الترتيب ولا المنطق ، ولا يحدها زمان ولا مكان ، فهى أشمل من كل زمان ومكان ، يختلط فيها الماضى والحاضر واستشرافات المستقبل . لم يبدأ همنجواى أياً من رواياته على أنها رواية ، لم يجلس إلى الورق ـ ذات يوم ـ ليكتب رواية ، لكنه كان يبدأ كل ما كتب على أنه قصة قصيرة ، قد تنتهى بالصورة التى أرادها ، وقد تطول فتصبح رواية . وقد بدأت روايتى من أوراق أبى الطيب المتنبى باعتبارها قصة قصيرة ، لكن اتساع القراءة فى الفترة التاريخية وسع كذلك من بانورامية الصورة التى يجدر بى تناولها ، فتضاعفت الصفحات القليلة ـ كما كنت أعد نفسى ـ إلى ما يزيد عن المائة والخمسين صفحة . وكانت تلك اللحظة ـ مجموعتى القصصية الأولى ـ كتاباً أولياً ، يتكون من ثمانى قصص ، هى أقرب إلى الاسكتشات ، أو الرسوم التخطيطية ، لأعمال أشد اقتراباً من فن القصة القصيرة ، أشد اقتراباً من النضج . باختصار ، فقد وشت تلك اللحظة بطموحاتى بأكثر مما رسخت تلك الطموحات . وكان على بعدها أن أعطى لنفسى إجازة ، أعيد خلالها تثقيف نفسى ، وأعيد النظر فى أوراقى ، وأناقش إعجابى بالأساتذة الذين قرأت لهم : هل يقف عند حد الإعجاب ، أو أنه يمتد ـ أحياناً ـ إلى التأثر والتقليد ؟ وهل الكتابة الروائية والقصصية هى الفن الذى ينبغى أن أخلص له بالفعل ؟ وإذا كانت الصرامة القاسية التى ألزم بها أستاذنا نجيب محفوظ نفسه فى مجال الكتابة الإبداعية ، هى المثل الأوضح ، والأقرب ، بين أساـذتى من الأدباء العرب ، فإن الصرامة القاسية نفسها كانت مثلاً لى فى السيرة الذاتية لأديب فرنسا الأشهر جوستاف فلوبير [ 1821 : 1880 ] . رفض فلوبير تكرار التجربة الأدبية ، أو التأثر برؤى وتجارب الأخرين ، جعل همه أن يفرز أسلوباً مميزاً ، طابعاً أدبياً يسم أعماله ، وشغله ـ فى الوقت نفسه ـ وجوب الانطلاق فى كل إبداعاته من تجربة حسية عميقة ، فلا يكتفى بالقراءة أو الإنصات ، إنما هو يعانق الناس والأشياء ، يتعرف فيهم وفيها ـ بصورة مباشرة ـ إلى شخصيات وأحداث عمله الأدبى ، أياً تكن طبيعة ذلك العمل ، وبصرف النظر عن المكان الذى ينتسب إليه ، وينطلق منه . وبالقدر نفسه الذى تمنيت أن أكتب عملاً ملحمياً ، رواية أجيال ، أو نهر ، مثل ثلاثية نجيب محفوظ ، فقد تمنيت أن أكتب عملاً عبقرياً مثل مدام بوفارى التى أنفق فلوبير فى كتابتها لأكثر من عشر سنوات . ألتزم بالصرامة التى تبلغ حد " الرهبنة " ، أشاهد ، أتعرف ، أقرأ ، أحاول الاستيعاب والهضم والفهم والتفهم ، وتقديم محصلة ذلك كله فى أعمال فنية . وحتى الآن ، فإن العمل ـ أى عمل ـ يشغلنى ، وأفكر فيه ، حتى يدفعنى ـ فى لحظة يختارها ـ إلى كتابته . جاوزت هذه الفترة فى الأسوار ثمانى سنوات ، واقتربت فى أعمال أخرى من الفترة نفسها ، فى حين أن " المتنبى " ألحت كفكرة ، ثم ألحت فى الميلاد ، بما لا يجاوز بضعة أيام ، لكن الأحداث امتدت ، وتشابكت ، فصارت القصة القصيرة قصة مطولة ، أو رواية .
    كانت المتنبى روايتى الثالثة . شدنى فى سيرة الرجل ما كان يتناوب حياته من أمل ويأس ، حتى لقى مصرعه ـ بصورة مأساوية ـ فى دير العاقول ، لكننى اخترت من حياة المتنبى ما يجعله شاهداً على الحياة فى مصر أعوام إقامته فيها ، وإن ارتكزت إلى مقولة كروتشى " التاريخ كله تاريخ معاصر " ، بمعنى أن التاريخ هو رؤية للماضى بمنظار الحاضر ، وفى ضوء مشكلاته ، وكان ذلك هو الباعث أيضاً لكتابتى روايات أخرى : إمام آخر الزمان ، اعترافات سيد القرية ، زهرة الصباح ، قلعة الجبل ، ما ذكره رواة الأخبار من سيرة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله . وجدت فى استعادة التاريخ إضاءة لأحداث معاصرة .
    ***
    أعترف أنى أحاول ـ ما أمكن ـ أثناء كتابة العمل ، ألاّ أسيطر على الفكرة بصورة مطلقة . تخف قبضتى على العمل ، أترك له تلقائيته . أختلف فى باعث تقدير برسى لوبوك لرواية تولستوى " الحرب والسلام " ، وأنه كان " يعرف تماماً أين يذهب ، ولماذا ، وليس أى شيء فى أية لحظة يشير إلى أنه لا يمتلك السيطرة الكاملة المحكمة على فكرته ( صنعة الرواية ص 37 ) . ثمة قول " لا وجود فى الحلم لشيء اسمه الضمير ، فالقاتل قد يقدم فى الحلم على السرقة أو القتل أو الاغتصاب ، وهو لا يبالى أو يستشعر ندماً . ويقول فولكت : " لا تعرف الغرائز الجنسية فى الحلم أى نوع من الكبح ، فلا حياء ولا رادع ولا منطق ، بل إن الأشخاص الآخرين أيضاً الذين يراهم فى الحلم ، كثيراً ما يكونون فى صورة أخلاقية مريعة " . وفى قصة " رحلة بورين " لأندريه جيد لا يدرى بورين : هل ما يحياه هو رحلة حقاً أم لا ؟ . يقول : نحن ربما نعيش حلماً ، إنه خداع ، فليست هنا رحلة أصلاً " . وفى روايتى الصهبة لم أعن بتدبر السؤال : هل كان ما جرى حقيقة أم حلماً ؟.. وفى البحر أمامها تطمئن نجاة إلى تردد زوجها الراحل على البيت ، وتستغنى به عن الآخرين ، أما نجم وحيد فى الأفق فهى تنطلق من اختلاط المشاعر والرؤى والتصورات . الإحساس بالحياة والحلم يكاد يكون واحداً ، ثمة رابط كبير بينهما ، بحيث ينتفى الخلاف ، أو عدم التشابه . وكما يقول بورخيس فإن الحياة وسيلة للحلم ، أو وسيلة للحياة . مع ذلك فإنى حين أدعو لأن يكتب العمل الأدبى نفسه ، لا أقصد أن تنطلق القصة ، أو الرواية ، فى تهويمات ، أو تفقد المعنى ، أو تلجأ إلى الغموض والتلغيز ، ذلك لأن تسلح الفنان بثقافة موسوعية سيفيده ـ ولو فى النظرة النقدية المتأملة الأخيرة ـ فى تبين قيمة ما كتبه ، سلباً وإيجاباً .
    ***
    الكثير من أعمالى يبدو فيها البطل واضحاً ، مسيطراً ، لا يفارقنا منذ بداية العمل إلى نهايته ، نتعرف إلى ملامحه النفسية ـ والجسمية أحياناً ـ وظروفه الاجتماعية والثقافية ، ونوازعه ، وأفكاره ، وآرائه . وعلى العكس من ذلك ، فإن بقية الشخصيات تعانى الشحوب ، لأنها تؤدى أدواراً مساعدة تعمق من دور البطل ، توضحه ، تجسده ، تثريه . والحق أنى لم أكن أعرف أن هذا هو ما تعتمده ـ فى الأغلب ـ الحكايات الشعبية ، فقد حاكيت إذن تكنيك الحكاية الشعبية ، دون تعمد !. وعموماً ، فإنى أفضل أن أقدم من ملامح الشخصية ما يساعد على التعرف إليها ، على فهمها . أحترم الميراث الإبداعى الروائى الذى يمتد عشرات الأعوام ، أتفهم قول همنجواى إن الرواية مثل كتلة جليدية عائمة فى البحر ، ثلثاها مغمور فى الماء ، فأنا أكتفى برسم الملامح التى تهب الشخصية بلا ثرثرة ، ولا زيادات مقحمة ، ولا كلام مرسل ، أو سرد ممل . أصور الشخصية لأضيف إلى الرواية وليس لمجرد تصوير الشخصية فى ذاته . وأحياناً ، فإن وصف الكائنات قد يقتصر على تقديم الدلالة الاجتماعية ، أو النفسية ، أو يصبح رمزاً ، أو معادلاً لما يمور به داخل الشخصية من انفعالات .
    ولعل فى مقدمة ما أعنى به أثناء الكتابة : تلك اللحظة التى يبدو فيها العمل قد انتهى ، فهو فى غير حاجة إلى حذف أو إضافة ، أو تدخل من أى نوع . أستطيع نقله على الآلة الكاتبة [ الكومبيوتر ] باعتباره مسودة نهائية ، أدفع بها إلى المطبعة ، وأنتظر ـ مطمئناً ـ آراء القراء والنقاد . أتذكر قول جراهام جرين : " هنالك لحظة فى الكتابة ، عندما يصل المرء إليها يشعر بأن الطائرة ، بعد أن قطعت ممراً طويلاً ، معبداً ، قد أقلعت ، وخرجت قليلاً عن السيطرة . عانيت طويلاً من تلك المشاعر التى لم تكن ـ بالتأكيد ـ مقصورة على ، لعلها المشاعر نفسها التى عاناها العديد من الأدباء ، والتى تدفعه إلى الهمس لنفسه : فلننتظر قليلاً ، أو : أنا لست على استعداد ، أو : إن تصورى لم ينضج بعد ، أو : إننى لم أجد بعد النغمة المطلوبة ، إلخ .. وكل التعبيرات للشاعرة الوسية الشهيرة " فيرا أنبر " ، فهى قد عانت تلك المشاعر إذن . وذات يوم ـ لا أذكر إن كانت قد سبقته إرهاصات ، أم أنه كان وليد اللحظة ـ قررت أن أتخلى عن التردد والوسوسة ، أن أنهى الإضافة والحذف والتعديل ، وأبدأ فى " تبييض " كومات الأوراق التى كتبت فى مدى سنوات وسنوات ، بخط ردئ للغاية ـ هو خطى ! ـ فهى لا تزيد عن مسودات يصعب أن تفتح مغاليقها إلا لكاتبها . المشكلة التى عبّرت عنها الشاعرة الروسية ، لما بلغت السن التى كان على الزمن أن يراعى فيها بكل عناية " فى هذه المرحلة من الحياة ، ينبغى على المرء ألا يقول : سأفعل كذا أو كذا يوماً ما ، بل عليه أن يفعل ما يجب عمله فوراً ، وإلا أصبحت عبارة " يوما ما " ، مطلقة وأبدية . وكان نقل " المسودات " على الآلة الكاتبة / الكومبيوتر هو الفعل الآنى الذى كان علىّ أن أحرص عليه . لم يكن ثمة سبيل آخر لمواجهة كومات الأوراق التى تكاثرت ، وتضخمت ، حتى أنى كنت أبذل جهداً فى تذكر بعضها .
    ***
    يقول ألان روب جرييه : " إن القصة هى التى تبتدع أسسها الخاصة " . التكنيك وسيلة لنقل معنى العمل الفنى إلى القارئ ، كلما أجاد الفنان اختياره ، كان ذلك فرصة لتقديم أقصى قدر من المضمون ، أوالتكنيك الذى أكتب به عملاً ما ، هو سر يستغلق حتى علىّ شخصياً . العمل يفرض صورته وأسلوبه وطريقة تناوله . من الصعب تفسير ذلك فى ضوء رؤى فنية أو نقدية محددة . ثمة العديد من الاعتبارات التى ربما غاب بعضها عن الكاتب نفسه . أحياناً ، يغيب الوجود المستقل للزمان أو المكان ، فهما وحدة متكاملة ، ليس ثمة عقدة ولا حبكة ، وربما لا تتخلق رواية ـ بالمعنى التقليدى ـ على الإطلاق . لا أعنى إهمال الشكل ، فالشكل مهم جداً ، ذلك لأن الفرق كبير ـ ذكرت هذا المثل فى مقدمة كتابى مصر فى قصص كتابها المعاصرين ـ بين شكوى فى رسالة ، وقصة فى رسالة ، مقابلاً لوعى الفنان الحاد بقضايا مجتمعه وعصره ، والتزامه بالتعبير عنها . ومع أن حقيقة وجود القاص تبدو واضحة لنا ، فإنه يميل إلى البقاء فى الظل كما لو أنه أطل من نافذة ، يشاهد العالم من تحته ، فجاءت شخصيته مجسدة فى ساحة مضاءة ، دون أن يتبين القارئ ملامحه بدقة . وكما يقول كيتس ، فإن " الفنان الأصيل هو الذى لا يفرض شخصيته عليك ، لأنه هو نفسه بلا شخصية " . ويذهب هنرى باير إلى أن من نقاط الضعف فى الرواية الفرنسية تلك المراقبة الشديدة للذات ، والتى تصل إلى حد تسلط الروائى على شخصياته ، لكن الفرنسيين أصبحوا يضيقون بتلك الشخصيات التى يكبلها الفنان بأفكاره ، دون أن يترك لهم حرية التصرف والمغامرة الذاتية . أزعم أنى كنت مؤمناً بذلك الرأى قبل أن أقرأه ، وقبل أن أقرأ لهنرى جيمس الرأى نفسه ، وإن زاد فدعا إلى اختفاء الفنان من عمله . الفنان مطالب بأن يخفض صوته إلى حد الهمس ، حتى يتحقق الإيهام بالواقع ، ولا يتحدث الفنان نيابة عن شخصياته ، وعلى حد تعبير فلوبير ، فإن الفنان فى عالمه الروائى صاحب القدرة على كل شيء ، رغم أنه لا يكشف عن ذاته . لعلى أتفق كذلك مع الرأى الذى يؤكد أن " كل القواعد التى توضع لفن ما ، إنما توضع لتخرق .. إن الشكل ينبثق من التجربة انبثاقاً طبيعياً . وعلى العكس ، يكون مقلداً بقدر ما يحاول أن يصب التجربة فى قالب جاهز مصنوع مسبقاً " ( الحياة ـ 28/11/1989 ) .
    (يتبع)
    رد مع اقتباس  
     

  2. #38  
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    النثر ـ فى تقدير همنجواى ـ ليس مجرد زخارف على الهامش ، لكنه بناء معمارى فنى شديد الحيوية ، العمل الفنى يتألف من عناصر فنية ، لكل منها وظيفته المحددة ، والمرتبطة عضوياً بوظائف العناصر الأخرى ، بما يحقق التفاعل بين كل العناصر ، تحقيقاً لعمل فنى يسعى إلى التفوق . ومن ناحيتى ، فقد كنت أريد أن أمتلك صوتاً خاصاً بى فلا أقلد أحداً ، أحاول ـ فى كل ما أكتب ـ أن أرتاد آفاقاً ربما تكون مجهولة لى فى الأقل ، إن لم تكن مجهولة للكثيرين ، وكما يقول فرانسوا مورياك ، فإن على كل روائى أن يخترع أسلوبه الخاص ، وتكنيكه الخاص ، وإن كل رواية هى مثل كوكب آخر ، له قوانينه مثلما أن له نباتاته وحيواناته الخاصة . كل رواية مثل كوكب آخر ، لكننى أتصور ـ فى الوقت نفسه ـ أن الفنان لا يخترع أسلوبه الخاص ، وتكنيكه الخاص . أرفض كلمة " يخترع " ، فبالإضافة إلى الموهبة ، فإن الأسلوب والتكنيك ينبعان من داخل العمل نفسه ، هو الذى يفرضهما ، والأسلوب ـ والتكنيك ـ الذى قد يكتب به الفنان رواية ما ، قد يبدو مجافياً لرواية أخرى . تعجبنى النصيحة التى وجهتها شاعرة أمريكية إلى همنجواى : دع الناس فى حياتهم ، لا تقل شيئاً عنهم ، بل دعهم هم وحدهم يتكلمون . ويقول همنجواى : " فى روايتى العجوز والبحر كنت على علم بأمرين أو ثلاثة من الموقف كله ، لكننى لم أكن أعرف القصة " . وكان مشهد فتاة صغيرة فوق شجرة دافعاً لأن يكتب فوكنر مئات الصفحات ، هى روايته الرائعة الصخب والعنف . وكنت حين بدأت كتابة روايتى الصهبة أعلم بأمر واحد فقط ، هو طقس الهبة نفسها ، عملية نزع النقاب . وفيما عدا ذلك ، فلم أكن أعرف شيئاً ، اخترت للرواية أن تكتب نفسها ، كلما أضفت صفحات توضحت شخصيات ، وظهرت شخصيات لم تكن موجودة ، وتخلقت أحداث ربما غابت عن تصورى ، بحيث اكتملت فى النهاية رواية لم أكن أعرف من شخوصها سوى الفتاة المنقبة فى الصهبة ، والشاب الذى نزع نقابها ، أما بقية الشخصيات والأحداث فقد تخلقت أثناء كتابة العمل نفسه ، لم تشغلنى الحبكة ، ولا العقدة ، ولا اختلاط الواقع والخيال ، ولا تداخل سيرتى الذاتية بالسير الذاتية للآخرين ، ولا الأحداث القديمة بالأحداث المعاصرة ، والتفكير بالسرد .. كل ما تريد الرواية أن تكتبه ، كتبته حالاً .
    مع ذلك ، فإن " الحدوتة " هى النطفة التى يتخلق منها العمل الفنى . وعلى الرغم من اختلافى مع أرنولد بينيت بأن أساس الرواية الجيدة هو خلق الشخصيات ، ولا شيء سوى ذلك ، فلعلى أتفق تماماً أن خلق الشخصيات دعامة أساسية فى البناء الروائى ، الذى يستند ـ بالضرورة ـ إلى دعامات أخرى ، أولاها ـ أو هذا هو المفروض ـ الحدوتة ، وإن تصور بعض الروائيين والنقاد أن الرواية ليست فى حاجة إليها ، وأن ما يستعين به الفنان من أدوات يضع الحدوتة فى مرتبة تالية ، أو أنه يمكن الاستغناء عنها . وكانت الحدوتة ، الحكاية ، الفكرة ، إلى غير ذلك من المسميات ، هى الباعث الحقيقى لأن تتحول روايتى الأسوار فى ذهنى ـ قبل كتابتها بأعوام ـ إلى أحداث وشخصيات ، ثم تخلقت فى أشكال هلامية عدة ، قبل أن تأخذ ـ أثناء عملية الكتابة ـ سماتها النهائية . الحدوتة هى الدعامة الأولى فى بناء أى عمل روائى ، ثم تأتى بقية الدعامات ، وتشمل عندى الإفادة من العناصر والمقومات فى الفنون الأخرى . أتصور أن ذلك يتبدى ـ بدرجة وبأخرى ـ فى كل رواياتى بدءاً بالأسوار ، وانتهاء بأهل البحر . إن على الفنان أن يثرى إبداعه السردى بإسهامات الفنون الأخرى ، بما تملكه تلك الفنون من خصائص جمالية وتقنية ، فيتحقق للنص الأدبى أبعاد جديدة ، وتتحقق كذلك أبعاد جديدة للفنون الأخرى . ثمة التحقيق المطول [ إمام آخر الزمان ] والتقارير البوليسية [ قاضى البهار ينزل البحر ] والرواية التاريخية التى تدعى الاجتهاد [ قلعة الجبل ] وتقنية القص واللصق [ الأسوار ] ومخاطبة الآخر [ النظر إلى أسفل ] واليوميات [ من أوراق أبى الطيب المتنبى ] وتداخل الزمان والمكان [ الخليج ] واختلاط الواقع بالحلم [ الصهبة ] والتبقيعات النثرية [ مد الموج ] والاعترافات [ اعترافات سيد القرية ] والواقعية التسجيلية [ الحياة ثانية ] وتعدد الرواة [ بوح الأسرار ] والحكى السردى [ صيد العصارى ] وتوظيف التاريخ [ الجودرية ، ما ذكره رواة الأخبار عن سيرة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله ] وتوظيف التراث الشعبى [ زهرة الصباح ] واللوحات المنفصلة ، المتصلة [ رباعية بحرى ] وتقنية الموسوعة [ أهل البحر ] .
    وأحياناً ، فإن ضمير المتكلم ـ كما تقول ناتالى ساروت ـ أفضل وسيلة لإرضاء الكاتب والقارئ سواء بسواء ، إنه يهب إحساساً ـ ولو ظاهرياً ـ بالتجربة الحية والأصالة ، مما يقلل من شك القارئ ، ولكى يجذب الكاتب قارئه إليه ، فقد " جعل البطل يتحدث بضمير المتكلم ، واتضح بالفعل أن هذه الوسيلة أفضل الوسائل وأكثرها فاعلية فى هذا الصدد ـ لذا لجأ إليها الكثيرون ، ولازالوا يلجأون ( عالم الفكر ـ المجلد السابع ـ العدد الأول ص 235 ) . سبقنى إلى فنية تعدد الرواة ، أو تعدد الأصوات [ قصتى متتابعات لا تعرف الانسجام ، حولتها ـ فيما بعد ـ إلى رواية باسم بوح الأسرار ] أدباء كثر : فوكنر فى الصخب والعنف ، فتحى غانم فى الرجل الذى فقد ظله ، نجيب محفوظ فى ميرامار ، جبرا إبراهيم جبرا فى السفينة ، لورنس داريل فى رباعية الإسكندرية ، وغيرهم .. لكن حاجتى لتعدد الأصوات فى بوح الأسرار لم تكن لمجرد رواية ما حدث ، أو التعليق عليه ، الاتفاق أو الاختلاف ، وإنما لإعادة اكتشاف الحدث ، إعادة تفسيره ، تعميقه بالأضواء والظلال ، بما يهب القارئ فرصة حقيقية للتعرف إلى سيرة بطل الرواية محمد أبو عبده .
    ***
    الفن ـ مهما يخلص فى تصوير الواقع ـ فإنه يظل أقل واقعية من الواقع نفسه . الواقعية التامة مستحيلة فى الفن ، فالفن انتقاء يخضع لموهبة الفنان ورؤيته . يشير ديهاميل إلى أن بلزاك قد خلق نماذجه بنفسه ، فهو لا يصور الأشخاص الواقعيين ، إنما يعيد خلق هؤلاء الأشخاص . العناية بتفصيلات الزمان والمكان ، وإجادة رسم الجو والشخصيات .. ذلك كله يشكل ما يسمى الإيهام بالواقع ، شريطة أن يحتاجه العمل الفنى فعلاً ، فلا يأتى مجرد تزيدات ، أو نتوءات ، أو حواشى قد لا يحتاج العمل إليها . ومع ملاحظة أن نتاج الفن ـ كما يقول جوتة ـ يختلف عن نتاج الطبيعة ، فهو لا يكررها صورة طبق الأصل " النتاج الفنى هو طبيعة ثانية " . المتلقى حين يعلن ـ بينه وبين نفسه ـ : هذه الشخصية الروائية تشبه شخصية فلان الذى أعرفه ، يؤكد ـ ضمناً ـ أن الشخصية الروائية ليست من الخيال تماماً ، حتى لو تصور الفنان نفسه ذلك .
    ***
    اللغة ـ فى تعريف نقدى ـ هى أداة التعبير فى فن الأدب ، فهو إذن فن لغوى . الكلمات أهم أدوات الكاتب ، ومن هنا تأتى عنايته باللغة ، أو هذا المفروض . يقول العماد الأصفهانى : " لا يكتب إنسان كتاباً فى يومه إلا قال فى غده : لو غير هذا لكان أحسن ، ولو زيد لكان يستحسن ، ولو قدم هذا لكان أفضل ، ولو ترك هذا لكان أجمل ، وهذا من أعظم العبر ، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر " . لقد حاولت أن أعمل بالنصيحة نفسها التى تلقاها همنجواى من أحد نقاده ، فأتخلص من كل الألفاظ " القنبلية " ، وأصف الأشياء ببساطة أشد ، وأضع الكلمة المناسبة فى الموضع المناسب .
    معانى الكلمات مهمة جداً ، لكن إيقاعاتها وإمكاناتها الصوتية مهمة أيضاً ، وربما أرجأت نقل قصة لى على الآلة الكاتبة / الكومبيوتر ، لأن إحدى كلماتها تبدو نشازاً ، أو غير متسقة ، مع بقية الكلمات . وكما يقول فلوبير فإن " جملة نثر جيدة حقاً ، تساوى فى جودتها بيتاً من الشعر ، وبالدرجة نفسها من الإيقاع والجزالة " .
    أذكر أنى بدأت حياتى الأدبية شاعراً ، مثلما بدأ الكثير من الأدباء . الأدق أنى أحببت الشعر ، وحاولت أن أسبح فى بحوره ، وكتبت بالفعل بضع قصائد تحاكى محاولات شعراء قدامى ومعاصرين ، لكنها لم تكن تعبيراً بأية حال عن موهبتى الخاصة . فلما أدركت أنه من الصعب أن تكون لى موهبة حقيقية فى مجال الشعر ، عنيت بالكتابة القصصية والروائية ، وإن ظل حبى للشعر ، أحاول الإفادة من خصائصه اللغوية تحديداً فى كتاباتى النثرية . ولعلى أستعير قول لورنس ديرل بأنى شاعر تعثر فكتب نثراً ، أو أنى روائى شاعر ، يشغلنى التوتر فى الجملة ، الصورة ، التداعيات الداخلية ، إلخ .
    والحوار مهم أيضاً فى الرواية . إن حواراً قصيراً ، مكثفاً ، بين شخصيات الرواية قد يغنى عن سرد مطول يفتقد المعنى . وفى العديد من رواياتى إفادة مؤكدة من درامية الحوار ، فهو جزء من البنية الدرامية للرواية ، لا تستقيم بدونه ، جسر يستحيل إلا أن تمضى عليه بين فقرات السرد . لقد طالما حذر موباسان روائيى عصره أن يحكوا كل شيء " فذلك أمر غير ممكن ، لأنه يلزمك مجلد كامل كى تروى ما حدث لشخص واحد ، فى يوم واحد " . وكان رأى شوبنهاور أن على الكاتب أن يكتب ما يستحق ذلك بالفعل ، ويتحاشى التفصيل الممل عن أشياء يستطيع كل امرئ أن يعرفها ، أن يفرق بين ما هو لازم ، وما هو من قبيل التزيد الذى لا لزوم له . ويقول تشيخوف " الإيجاز توءم الموهبة " ، ويكتب فى إحدى رسائله : " قد يبدو غريباً أننى أحب ـ لدرجة الجنون ـ كل ما أتى مختصراً ، بل إنى لم أقرأ بعد ـ فيما كتبته ، أو ما كتبه غيرى ـ ما أطلبه من الإيجاز . وبالطبع ، فإن الإيجاز لا يتصل بطول العمل . ثمة فرق بين الإيجاز والتركيز . من المستحيل ـ على سبيل المثال ـ أن نتصور ثلاثية نجيب محفوظ فى غير الحجم الذى صدرت به ، مثلما أنه من المستحيل تصور الحرب والسلام ، والأبله ، والجريمة والعقاب ، فى صفحات أقل مما صدرت فيها . باختصار ، فإنه إذا كان التكثيف مطلوباً ، فإن الاختصار المخل غير مطلوب . وعلى حد تعبير بيرسى لبوك فإنه مما يدمر القصة هو الإفراط فى معالجتها ، أو التقصير فى هذه المعالجة " .
    وإذا كنت أشدد على أهمية اللغة ، فإنى أشدد كذلك على أهمية الجوانب الأخرى للعمل ، أن يكون العمل فناً له وهج الفن ، وخصائصه ، وقيمته ، وجدواه . " الموهبة اللغوية وحدها لا تكفى ، وكما يقول أرسكين كالدويل " هناك العديد من الكتاب الذين يملكون سيطرة كاملة على الشكل والتكنيك ، لكن ينقص قصصهم الإحساس ، أعتقد أن ذلك مهم " ( كيف أصبحت روائيا ص 85 ) .
    ***
    إذا كان تولستوى يذهب إلى ضرورة أن يتقمص الأديب شخصان ، هما الكاتب ذاته والناقد ، فإنى أفضل أن يبدأ دور الناقد بعد انتهاء الكتابة الإبداعية . القول بأن الناقد أديب فاشل دعابة سخيفة ، فالنقد الحقيقى ، المطلوب ، هو ما يمارسه الأديب على فنه ، وما يرتفع بمستوى أديب عن سواه ـ بالإضافة إلى الموهبة ـ هو ارتفاع حسه النقدى . المبدع الذى يفتقر إلى ملكة النقد ـ والرأى للروائية الإنجليزية إليزابيث بوين ـ لا وجود له ، بل إن مهنته كروائى لا تتحمل مثل هذا النقص . طبيعى أن الفنان لا يرضى تماماً عن نفسه ، ولا عن عالمه ، لأن الحدود بين الواقع والمثال هو المسافة التى تنطلق فيها جياد إبداعاته .
    مع ذلك ، فأن يكون الفنان صاحب عمل ما ، فذلك لا يعنى أنه هو أجدر الناس بفهم عمله . ربما كان الناقد أكثر فهماً للعمل من الفنان نفسه ، أكثر استنباطاً لمعانيه ودلالاته . استمعت فى البرنامج الثقافى الإذاعى إلى حوار بين نعمان عاشور ومحمد مندور . بدأ نعمان فى تلخيص مسرحيته عيلة الدوغرى . قاطعه مندور ـ بعد لحظات ـ فى بساطة : أخشى أنك لن تحسن تلخيص عملك ، أنت لم تفهم العمل بالصورة الممتازة التى فهمتها . ولخص مندور المسرحية ، وأذكر أنه كان أكثر قدرة على تسليط الضوء على مسرحية نعمان عاشور بأكثر مما حاول الفنان . وكان أبو الطيب المتنبى يحيل السائلين عن شعره إلى شارح ديوانه وناقد شعره ، أبى الفتح عثمان بن جنى ، ويقول : عليك بابن جنى فإنه أعرف بشعرى منى .
    ***
    تقول بيرل باك : " لكى تكون كاتباً جيداً ، فعليك أن تكد ، بمعنى أن تنهض فى الصباح ، وتبدأ فى الكتابة مبكراً ، والذهن صاف ورائق ، فضلاً عن أن تبدأ الكتابة حتى لو لم يكن الذهن رائقاً وصافياً . عادات العمل ضرورية للكاتب مثلما هى ضرورية للعامل ، وربما أكثر ، لأنه ليس ثمة من يجبر الكاتب على العمل ، وليس هناك من يساعده فى أداء عمله ، إنه رئيس نفسه ، وهذا الرئيس هو عامل فى الوقت نفسه . وتقديرى أنه على الفنان ألا يرجئ عمل اليوم إلى الغد ، بحجة أنه مشغول ، فالوقت لن يكون فى حوزته ـ ذات يوم ـ بصورة مطلقة . وعلى الرغم من حرصى على عادة الكتابة اليومية ، فإنى أتذكر ـ دوماً ـ قول روبرت هنرى " إن كل شخص يحترم الرسم يشعر بالخوف كلما بدأ لوحة " ، وأثق أن هذا الشعور يحياه كل مبدع بصرف النظر عن طبيعة إبداعه . ولعلى أتذكر كذلك قول أوراثيو كيروجا : " لا تكتب وأنت تحت تأثير الانفعال . اتركه يزول . استدعه مرة أخرى " .
    على الفنان ـ إن اعتبر الإبداع قضية حياة ـ أن يحاول الإفادة من كل ما يسمح به الوقت ، حتى لو كان مجرد دقائق قليلة ، أنا أطمئن إلى ما كتبته فى تلك الأوقات العابرة ـ إن جاز التعبير ـ ، أوقات ما بين عملين ، أوقات الانشغال فى عمل لا يتصل بالإبداع ، وأوقات الفراغ والضيق واللاجدوى . أجرى بالقلم على الأوراق لمجرد الاقتراب من الفن ، وربما وضعت نقطة الختام لعمل كنت قد أهملت إلحاحه منذ فترة طويلة . كانت روايتى مد الموج إبداع ما بين أوقات العمل الإدارى نائباً لرئيس اتحاد الكتاب لمدة عامين . وكانت قصتى القصيرة نبوءة عراف مجنون محصلة ضيق نفسى فى أيام الغربة ، حاولت رفضه فى استقالة ، فعبرت عنه فى قصة قصيرة . وكانت قصة أحاديث النفس المتداعية امتداد يوم صحفى كامل ، بدأ فى السابعة صباحاً ، إلى الثانية من صباح اليوم التالى . انصرف الجميع ، وخلوت إلى نفسى . أغرانى الورق الأبيض بأن أخط عليه كلمات ، كتبت جملة وشطبتها ، كتبت جملة ثانية ، استدعيت بقية الجمل ،حتى فرغت من كتابة القصة فى الصباح نفسه .
    حاولت ـ منذ تعرفت إلى الكتابة الأدبية ـ أن أكتسب عادة الكتابة اليومية ، بصرف النظر عن كل شيء ، حتى الأيام التى كان الإجهاد يلفنى فيها تماماً ، بعد تواصل عمل شاق ، كنت أحرص أن أكتب ، ولو بضعة أسطر . أتذكر قول جوجول : " لابد للكاتب أن يسيطر على قلمه ، كما يسيطر الرسام على فرشاته ، يجب أن يكتب شيئاً كل يوم ، فاليد ينبغى أن تألف الطاعة العمياء للأفكار . وكان استندال يرغم نفسه على العمل كل يوم ، وحاول كازنتزاكس ـ لما اشتد عليه المرض ـ أن يملى إبداعاته ، لكنه أخفق : مستحيل !.. لا أجيد الإملاء !.. عندما أمسك بالقلم فقط تأتينى الأفكار . والواقع أن الإملاء ـ بالنسبة للكاتب الذى تعود الكتابة ـ مسألة مستحيلة ، ذلك الاتصال العجيب بين الأفكار فى الذهن ، والقلم الذى يجرى على الورق . عملية الكتابة باليد ـ بالنسبة لى ـ مهمة للغاية . قد أملى موضوعاً صحفياً ، لكن العمل الإبداعى لابد أن ينطلق من الذهن إلى الورق ، عبر الوجه، والرقبة ، والكتف ، والذراع ، والأصابع . وكان الشعور الأقوى عند همنجواى أن أصابعه تقوم بالجزء الأكبر من تفكيره .
    أعترف أنى حاولت أن تكون لى عاداتى المصاحبة للكتابة ، مثل شرب القهوة والسجائر ، وسماع الموسيقا ، والتحكم فى مساحات الضوء ، فلم أوفق . تكفينى المعادلة السهلة : فكرة + مكان للكتابة + أوراق + قلم ، لا يشغلنى ـ بعد ذلك ـ أى شيء ، حتى الشاى تعرفت إليه متأخراً . كنت قد حاولت ـ قبلاً ـ أن تكون لى ـ مثل بقية الناس ـ هوايات أمارسها ، لكن الفشل كان هو الجدار الذى اصطدمت به كل محاولاتى . أوافق جون برين على أن إرادة الكتابة تخلق لك جو العزلة الذى تريده ، ليس بوسعك الانتظار حتى تتوافر لك الظروف المناسبة للكتابة : الجو الهادئ ، والضوء المناسب ، والموسيقا الخافتة التى تساعد على الكتابة ، والتخفف ـ ما أمكن ـ من الهموم الحياتية الخاصة . لن أنسى قعدة بيرم التونسى فى قهوة شعبية بشارع السد ، منشغلاً بإبداعاته عن الزحام الصاخب حوله ، كأنه يحيا فى جزيرة منفصلة عن الأمواج المتلاطمة من النداءات والدعوات والابتهالات والشتائم والصرخات . الكاتب يجب أن يعمل فى كل الأجواء ، بصرف النظر إن كانت حسنة أم رديئة ، وكما يقول نيكولاى استروفسكى ، فإن " الإلهام يأتى فى أثناء العمل " . كان مكتبى فى الجريدة ضمن ثلاثة عشر مكتباً ، فى مساحة حجرة متوسطة الحجم ، ومخزن لأوراق رئيس التحرير ، وبضعة دواليب للصحف ، وما يبيعه السعاة من سجاير وبسكويت وأقلام إلخ [ تغيرت الظروف ـ بعد عناء سنوات طويلة ـ إلى الأفضل ] مقولة . وكنت أتذكر فى ذلك اللغط مقولة همنجواى : إن المرء يستطيع أن يكتب فى أى وقت يتركه الناس وشأنه ، ولا يشوشون عليه ويقاطعونه . كانت الشوشرة فضل الزملاء المقيمين فى الحجرة ، والمترددين عليها لتناول فطورهم ، بعيداً عن الأعين فى الصالة الواسعة ، فضلاً عن السعاة الذين تتعالى أصواتهم ـ بلا انقطاع ـ فى طلب احتياجات الزملاء فى الصالة.
    الإخلاص للفن قد يدفع الفنان " إلى التضحية بنفسه ـ القول لبوريس بوريسوف ـ والابتعاد عن أى شيء يعرقل عملية الإبداع لديه ، بل إن الظروف قد تضطره لأن يتجاهل مصالح المقربين له ، والتصرف معهم بقسوة " . الفن يحتاج إلى ضحايا ، تلك مقولة شهيرة ، لكنها لا تتجه إلى الفنان وحده ، وإنما تشمل القريبين منه أيضاً . وإذا كنت ـ فى أحيان كثيرة ـ قد أهملت البعد الاجتماعى ، من حيث المشاركة فى الحياة العامة ، والخروج إلى المجتمعات ، فإن ذلك قد انسحب بالضرورة على القريبين منى ، زوجتى وابنىّ ، وأصدقائى الذين أحبهم ، لكننى لا أستطيع أن أبذل لهم وقتى على النحو الذى يريدونه ، وأريده أنا أيضاً .
    .............................
    نشرت فى "فصول" بعنوان " كتبت ما تريده الرواية " ـ العدد الأول صيف 1998
    رد مع اقتباس  
     

  3. #39  
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    كلام عن الحرية
    .............

    لم تتعدد تفسيرات أحد المعانى ، مثلما تعددت تفسيرات معنى الحرية . إنها ـ كما يقول التعبير الفلسفى ـ هى التى تجعل منا أشخاصاً ، لأننا بالحرية نهب أنفسنا الوجود ، بعد أن كنا مجرد أشياء . وقد عرّف ابن رشد الحرية بأنها لقاء بين ضرورتين ، ضرورة إنسانية وضرورة طبيعية . ويقول جون ستيوارت مل : الحرية حق طبعى يملكه الإنسان بحكم الطبيعة . أما برياديف فيعرّف الحرية بأنها القوة الداخلية المحركة للروح ، وهى السير غير العاقل للوجود والحياة والمصير . وفى تقدير هارولد لاسكى أن الحرية هى الأحوال الاجتماعية التى تنعدم فيها القيود التى تنعدم فيها القيود التى تقيّد قدرة الإنسان على تحقيق سعادته . أما ديفيد هيوم فيعرّف الحرية بأنها " القدرة على التصرف طبقاً لما تحدده الإرادة " ، ولكامى مقولة أتذكرها " إن الذى يغفر للإنسان كل شيء هو الحرية ، الإنسان حرية قبل كل شيء " .
    الاستبداد والديكتاتورية والطغيان مترادفات لنقيض الحرة ، للاحرية . يقينى أن الحرية فى حياة الإنسان لها نفس أهمية النوم والطعام والجنس وترددات الأنفاس . قيمة الحرية أنها ليست مطلقة ، ليست مشكلة نظرية ، قد تعنينا ، وقد لا تعنينا ، لكنها تتصل بوجودنا ، وبحياتنا اليومية . إنها ذات صلة وثيقة بالعلم والأخلاق والاجتماع والسياسة ، ذات صلة بالوجود الإنسانى فى مجمله .
    ولأن ما أكتبه هو شهادة مبدع مهموم سياسياً ، وليس مقالاً فلسفياً يفترض فيه الإحاطة بالأبعاد المختلفة لكلمة " الحرية " ، فإن كلماتى ستقتصر على الحرية السياسية ، إنها سدى اهتماماتى الشخصية ، والإبداعية فى الوقت نفسه . لن أحدثك عن الجبر والاختيار والميتافيزيقا والضرورة والإمكان والمصادفة والقضاء والقدر والحتمية ، ولا عن مشكلات الزمان ، والصلة بين العقل والإرادة ، إلخ .. ذلك كله أجدر به مقال فلسفى ، وليس شهادة مبدع يتحدث عن الحرية فى إبداعه ، وفضلاً عن أن الحرية تعنى ـ كتعبير مجرد ـ مفهوماً سياسياًَ ، فإن الحرية السياسية هى المعنى الذى تنطوى عليه كلمة " الحرية " فى الأعمال التى سأعرض لها فى هذه الكلمات .
    ***
    أوافق أستاذنا زكى نجيب محمود أن مشكلة الحرية السياسية هى على رأس مشكلاتنا المعاصرة ، وقد نشأت أساساً بسبب الفجوة الفسيحة العميقة التى تباعد بين أنظمة الحكم فى العصر الحديث ( تجديد الفكر العربى ص 76 ) . وأذكر أن أكثر من سبعين مفكراً عربياً شاركوا فى مؤتمر لمناقشة أزمة الدميقراطية فى الوطن العربى ، اختلف المشاركون ـ كعادة المثقفين العرب ـ فى الكثير من قضايا المؤتمر ، لكنهم أجمعوا على أن الحرية السياسية هى الهم العربى الأول ، وأنها البداية الحقيقية لحل مشكلات المجتمع العربى .
    الحرية السياسية ـ بالتعبير العلمى ـ هى " حق المواطنين فى المساهمة فى حكم الدولة ، وكذلك حقهم فى أن يكونوا حكاماً " .. وهى حكم الشعب لنفسه بنفسه ، هو الذى يختار الحاكم ، فإن رضى عنه أبقى عليه ، وإن سخط على تصرفاته عمل على إزالته ، والأسلوب ـ فى كل الأحوال ـ يعتمد الديمقراطية ، فلا مواجهات حادة من أى نوع ، لا تمرد ولا اعتقال ولا مصادرة ، إنما الرأى الحر ، رأى غالبية المواطنين ، هو الذى يقرر ما ينبغى ، وما لا ينبغى ، قبوله ، والاختيار ـ بالطبع ـ لا يقتصر على الحاكم ، الرأس ، وحده ، لكنه يختار قيادات تنوب عنه فى مجالات الحكم المختلفة ، بدءاً بالتشريع وانتهاء بالإرادة . والواقع أن الحرية الفردية لا تنفصل عن الحرية السياسية ، والعكس صحيح ، وفقدان الحرية السياسية يتزامن ـ بالضرورة ـ مع ضياع الحقوق المدنية ، والحريات الأساسية ، للجماعات والأفراد ، وضياع العدل الاجتماعى .
    ***
    من الناحية الشخصية كمبدع ، فإن حرصى على أن تكتب القصة نفسها ، يجعل من الصعب ـ إن لم يكن من المستحيل ـ وجود رقابة ، أو مؤثر ، على العمل من أى نوع . القلم يجرى على الورق ، نهاية لتلك الحركة ما بين الذهن والأصابع ، لا تشغلنى المحاذير ولا التوقعات ولا ردود الأفعال . وحين أنتهى من الكتابة ، فإن عنايتى تتجه إلى حذف كل ما لا ضرورة فنية له، جملة أو كلمة أو حرف ، وربما إضافة ما قد يبدو العمل ناقصاً بدونه . أيضاً ، فإنه قد يبدو متناقضاً حرصى أن يكتب العمل الأدبى نفسه ، مقابلاً للإيمان بأن مجموع أعمال الفنان يجب أن يشتمل على فلسفة حياة واضحة ، ومتكاملة . لكن ذلك كذلك بالفعل ، فأنا لا أتعمد الجهارة بوجهة النظر أو الموقف أو الرأى ، إنما أترك للعفوية ـ فى اللحظة التى تحددها ـ اختيار " الرف " الذى يحتاج إليه النص الأدبى .
    والحق أنى أحاول الإفادة من تلقائية الكتابة فى التحرر من الرقيب الكامن داخلى ، هو رقيب شكلته أعوام عملى فى الصحافة ، ورفض ما قد يغضب السلطة ، أو علماء الدين ، أو حتى القارئ العادى . إنه رقيب تسلل إلى داخلى من خلال عشرات القراءات والأحداث والخبرات الشخصية ،أو التى تلقيتها عن آخرين . واكتسى الرقيب المستقر داخلى لحماً وشحماً ، حين عملت ـ لسنوات ـ مشرفاً على تحرير جريدة " الوطن " العمانية ، مجتمع له عاداته وتقاليده وأوضاعه البالغة الهشاشة ، ثمة جاليات كثيرة ، ومذاهب دينية تنتمى إلى الإسلام ، لكنها تتباين فى اجتهاداتها ، وسلطة أبوية ، أو قبلية ، وظاهر متمدن ، أو متقدم ، يخفى واقعاً شديد السلفية ، ومحظورات رقابية لا حصر لها ، بحيث اقترحت ـ ذات يوم ـ أن تقدم لى قائمة بالمسموح ، فأعرف أن ما عداه من الممنوعات !. استقر ذلك كله فى داخلى ، كأنه عين تبصر ، وأذن تسمع ، وأنف يتشمم . ومع أن كتاباتى اقتصرت على الموضوعات الأدبية ، فإنى عانيت ـ فى عملى الصحفى اليومى ـ مشكلات كبيرة وصغيرة ، تناولت بعضها فى روايتى " الخليج " ، لعل أخطرها عندما استبدلت الخمور بالتمور فى تحقيق عن مصنع للتمور بمدينة نزوى العمانية . تهدد وزير الزراعة فى منصبه بمئات الرسائل والبرقيات التى تلقاها السلطان ، تحتج على إنشاء مصنع للخمور ، فأصر أن يبلغ الشرطة ، لم يرجع عن عزمه إلا بعد أن تأكد له عدم مسئوليتى ، لأن الرقابة ـ أولاً ـ هى المسئولة عن السماح للجريدة بالتوزيع ، ولأن الجريدة ـ ثانياً ـ كانت تطبع فى الكويت ، فلا حيلة لى فى مراجعتها . وكانت ألقاب الجلالة والسمو والسيادة والمعالى والسعادة تسبب لى ارتباكاً شديداً ، فلم أعتدها إلا بعد ممارسة طويلة.
    الأهم من أن أكتب عن الحرية ـ فى تقديرى ـ هو أن أكتب فى حرية ، أن يغيب ذلك الرقيب الخارجى الذى يحذف ويصادر ويعتقل ، إن لاحظ أن الكاتب قد شط فى رأيه ، أو أعلن المعاداة ، أو أن يغيب ذلك الرقيب الداخلى الكامن فى أعماقى ، خلقه توالى التجارب والخبرات.
    أزعم أنى حاولت ، ما وسعنى ـ أن أتخلص من كل العوامل التى تحول دون أن أكتب فى جريدة . كنت مضطراً ـ لظروف مادية ـ بحتة ـ أن أقبل العمل الوظيفى ، وإن اخترت العمل الأقرب إمكانية للتعبير عن الرأى فى حرية ، وهى الصحافة . أقسى الأمور على المبدع ، حين يتصور السلطة وهى تقرأ وتحلل وتستنبط الدلالات ، وتفرض سوء الظن . إنه يسقط العفوية ، ويعانى صياغة كلماته ، بحيث تؤدى المعنى الذى يريده هو ، أو يريده العمل الفنى ، ولا تؤدى المعانى التى قد تتصورها السلطة . أومن جداً وجيداً أنه لا فن حقيقياً بدون حرية حقيقية . يظل الفن فى إطار التمنى ما لم يرتكز إلى الحرية التى تحفز الفنان لأن يكتب عمله بعيداً عن أية مؤثرات أو ضغوط ، سواء كانت خارجية أم داخلية . حرية الفن هى التى تهبه الفرصة لأن يكون فناً ، إنه ـ بغير الحرية ـ قد يكون أى شيء ، لكنه ـ بالتأكيد ـ لا يكون فناً . أعنى بالفن الحر هنا ، ذلك الفن الذى يقول الحقيقة ، أو يحاول قول الحقيقة . قد يبدع الفنان عمله فى زمن استبدادى ، أو تسيطر عليه قوى شريرة ، لكنه يتجاوز ذلك الزمن ـ وإن كتب عنه ـ إما باللجوء إلى الرمز ، أو إلى أحداث التاريخ ، بما يسهل تبين الواقع فى ضوئها ، أو بالكتابة السرية ، أى تلك الكتابة التى تكتفى بالنسخ المحدودة ، والتوزيع غير المعلن .
    ***
    كان أبى ـ فى شبابه الباكر ـ عضواً بالحزب الوطنى القديم . ثم تحول انتماؤه ـ فى أحداث ثورة 1919 وما تلاها ـ إلى حزب الوفد . وكانت معظم ملاحظات أبى ـ فى مناقشاته مع أصدقائه ـ تتناول غياب الديمقراطية فى ممارسات حكومات الأقلية . وبالإضافة إلى قراءاتى فى مكتبة أبى ـ وكانت عامرة بمئات الكتب ـ فإنى أدين بفضل كبير لتلك المناقشات ، الهادئة أحياناً ، الصاخبة أحياناً أخرى ، فى جلستهم شبه اليومية عقب صلاة العشاء ، فى حجرة القعاد المطلة على المينا الشرقية .
    وحين أصدرت كتابى الأول ، المطبوع ـ وكنت فى حوالى الخامسة عشرة ـ صدرته بعبارة تقول : أشياء ثلاثة ، كرست حياتى للدفاع عنها : الحق والخير والحرية . ورغم تقضى أعوام كثيرة على صدور ذلك الكتاب / الكتيب الأول ، القديم ، ومع يقينى ـ فى الوقت نفسه ـ بأهمية أن يكون للأديب المبدع فلسفة حياة . أقول : رغم ذلك ، ومعه ، فإن القضايا التى تشتمل عليها أعمالى ، تتوضح فيها ملامح ذلك الشعار ـ هل تصح التسمية ؟! ـ بصورة واضحة .
    الحرية عند كامى هى أن يقول الإنسان لا . وقد تعددت مستويات الـ " لا " فى أعمالى ، ما بين الكلمات الطيبة اتى تحدث فى النفوس تأثيراً إيجابياً ، ينتهى بطلب الحرية [ الأسوار ] والتخلى عن فكرة انتظار الإمام المخلص ، أو الحاكم الذى ينشر العدل، وأن يصنع الشعب غده بنفسه [ إمام آخر الزمان ] والإعداد للثورة مقابلاً لتردى الحاكم فى هوة الديكتاتورية التى صنعها له أعوانه [ من أوراق أبى الطيب المتنبى ] والفرار بالذات من قسوة القهر الذى تمتد تأثيراته إلى الآخرين [ قاضى البهار ينزل البحر ] والإيمان بأن الفعل الأخلاقى لا يكون كذلك ، ما لم يصدر عن إرادة حرة [ الصهبة ] والحرص على القيم الجميلة ، فلا يسطو عليها الحاكم [ قلعة الجبل ] واستغلال حرية القللة فى تحقيق الثراء غير المشروع على حساب الجماعة [ النظر إلى أسفل ] . ولعلى أصارحك بأن الشخصيات الأقرب إلى نفسى فى أعمالى ، الأقرب إلى وجدانى وأفكارى ونظرتى إلى شمولية الحياة ، هى عماد عبد الحميد فى النظر إلى أسفل ، وبكر رضوان فى الأسوار ، ورءوف العشرى فى الخليج ، حُمّلوا بآراء وأفكار من آراء الكاتب نفسه ، لم يفرضها ـ فيما أتصور ـ وإنما جاءت فى عفوية الكتابة ، ووفق التزامى بأن يكتب العمل الأدبى نفسه . أبدأ فى كتابته وليس فى الذهن سوى أفكار غير محددة ، أو هلامية ، ثم ما يلبث العمل أن يبين عن قسماته وملامحه ، ليكتسب صورته الكلية فى النهاية .
    فى قصتى " تلك اللحظة " تصادر حرية المرء بتهمة غير محددة . الموقف نفسه يواجهه الأستاذ فى رواية الأسوار ، وبطل قصة التحقيق [ مجموعة " هل " ] ، ويضطر محمد يوسف المصرى إلى الاعتراف تحت قسوة التعذيب ، بأنه عضو فى تنظيم يخطط لقلب نظام الحكم . ثم يعانى محمد قاضى البهار [ قاضى البهار ينزل البحر ] تأثيرات سلسلة متوالية من التقارير البوليسية ، تصر أن تدينه بتهم محددة ، رغم خلو حياته مما يدين ، أو يبعث على الريبة ، انصياعاً لتوجيهات الجهة الأعلى بأن محمد قاضى البهار يمارس نشاطاً مشبوهاً ، ولا يجد قاضى البهار ـ فراراً من الضغوط القاسية ـ إلا أن ينزل البحر !. وتواجه الحرية ، حرية المواطن والوطن ، مأزقاً ، عندما ينتشر الفساد والمحسوبية والرشوة وغيرها من القيم السلبية [ أذكرك بروايتىّ من أوراق أبى الطيب المتنبى ، والنظر إلى أسفل [ ويصبح تغيير الأوضاع مسألة مهمة ، مطلوبة ، سواء بالاغتيال الفردى ، كما فى النظر إلى أسفل ، أو بالثورة الشعبية كما فى من أوراق أبى الطيب المتنبى .
    البطل المطارد ـ كما تكاد تجمع الكتابات النقدية ـ شخصية رئيسة فى معظم أعمالى ، سواء كانت قصصاً أم روايات ، وهؤلاء الأبطال لم يرتكبوا جريمة من أى نوع ، فيفرون منها . إنهم يفرون بحريتهم من مطاردة السلطة ، من قهرها ، حتى لو لم يمارسوا نشاطاً من أى نوع [ قاضى البهار ] أو لضمان الاستكانة وعدم التفكير فى الثورة [ المتنبى ] أو لأن الحاكم يحرص على أن يصادر كل ما فى حياة الناس ، حتى القيم الجميلة [ قلعة الجبل ] أو لمحاولة الخروج من أسوار المعتقل إلى حياة أكثر رحابة وإنسانية [ الأسوار ] . حتى مطاردة ناس الصهبة لمنصور سطوحى ، لا تخلو ـ فى ضوء الرغبة فى الفرار من سطوة الأب وقيود المجتمع ـ من دلالات يصعب إهمالها [ الصهبة ] إلخ .
    ***
    كانت الحرية ـ فيما أتصور ـ نبض روايتى الأولى الأسوار . صرخ نزلاء المعتقل فى نفس واحد : الإفراج .. الإفراج ، وأجروا القرعة التى دفعوا بها أحدهم ليكون فدية عن الآخرين . القضية هى صلة المثقف بمجتمعه . التخلف الذى يرسف الناس فى إساره يحول بينها وبين التحرك الإيجابى ، سعياً للخلاص من واقعها ، ويأتى دور المثقف مهماً ، ومطلوباً ، لرفض الواقع ، ومقاومته . ذلك هو الدور الذى تؤهله له ثقافته ، بل إن ما حصل عليه من ثقافة ـ متميزاً بذلك عن غالبية مواطنيه ـ يدفعه لأداء دوره ، ويفرضه عليه . لكن قضية الحرية هى الشريان الرئيس فى جسد الرواية ، فالمثقف يشغله غياب الديمقراطية فى حياة الوطن البلاد ، ثم يشغله غياب الحرية فى حياة الوطن المعتقل . وكانت مشكلة بكر رضوان الأولى هى أن فقدان الحرية لم يكن يمثل شاغلاً لهؤلاء الذين بذل حريته دفاعاً عنهم ، بدوا راضين بحياتهم ، ولا يعنيهم التغيير ، ويتساءل الأستاذ : أليس الأجدى أن نناقش مأساة موتنا البطئ داخل هذه الأسوار ؟ , وكلمة الإفراج التى لم تكن تجاوز جدران العنابر ، فى همس متردد ، تكاد تكون سراً ، يحرص الجميع عليه ، أصبحت محور النقاش المستفيض " ويعتق أولئك الذين ـ خوفاً من الموت ـ كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية ( عبرانيين 2 : 14 ) " وأفتى فقهاء ذلك العصر ببطلان الحبس " ( المقريزى ) . كانت الكلمة سلاح الأستاذ فى حربه من أجل الحرية لنزلاء المعتقل " كنت أقول كلاماً أتصوره طيباً " . لم يحمل سلاحاً ، ولا دعا إلى التدمير ، لكن كلماته الطيبة المؤثرة ذات الجدوى ، هى التى دفعت نزلاء المعتقل إلى التحول فيما يشبه كائن واحد ، يصرخ بآخر ما عنده : الإفراج .. الإفراج ! " ولم يدر أحد كيف ولا أين بدأت الفوضى تكسر الطوق البشرى فجأة ، ليتوزع بلا رابط فى الساحة الواسعة ، اختلطت البنادق والشتائم والصراخ والكرابيج والسيور الجلدية ونفير البروجى وطلقات الرصاص ، تحول الوجود كله إلى معركة ضارية بين النزلاء والحراس ، وامتد الزئير الوحشى إلى ما بعد الصحراء والأودية والجبال : الإفراج .. الإفراج .
    (يتبع)
    رد مع اقتباس  
     

  4. #40  
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    ولعل الأستاذ يذكرنا بالشاعر الروسى بوشكين الذى أيقظ بقيثارته ـ فى نفوس الناس ـ مشاعر طيبة ، ولأنه ـ على حد تعبيره ـ بارك الحرية فى زمن قاس . أما على مستوى الهدف فإن الأستاذ هو كل المشاعل فى تاريخ البشرية ، بذلوا حياتهم ـ بإرادة واعية ـ فدية عن الآخرين ، عن حرية الآخرين . إنه سقراط والمسيح وجان دارك وتشى جيفارا وسلفادور الليندى وإبراهيم ناصف الوردانى وعبد الحميد عنايت وشفيق منصور . والقائمة طويلة ، تبين ـ بمجرد القراءة المتصفحة ـ أننا قد نلقى جزاء سلبياً على أفعالنا التى استهدفت صالح الجماعة ، لكن الجزاء الإيجابى ، التقدير والإنصاف ، لابد أن يبين عن قسماته فى أفق قادم ، قريب أو بعيد .
    ***
    منذ زمان بعيد ، ربما فى أوائل الستينيات ، كنت أناقش السياسى اليمنى رشيد الحريرى فى بعض القضايا العربية ، وتطرق النقاش إلى ظاهرة الانقلابات التى عاشها العالم العربى منذ انقلاب حسنى الزعيم فى سوريا ، ثم تكشّف ممارسات قادة كل انقلاب عن الحاجة إلى تغيير ، وقال لى رشيد الحريرى : أخشى لو أنه استمرت هذه الظاهرة ، فسيرفض الناس البيان رقم واحد ، حتى لو كان صاحبه معنياً بمشكلات الناس ، وبالتغيير .
    مرت الأعوام ، ثم تذكرت ـ فى توالى الأحداث على عالمنا العربى ـ مقولة السياسى اليمنى . توالت القيادات ، أو توالى الأئمة ، انتظر الناس قدوم الإمام ليغير واقع الديكتاتورية الذى يرسفون فى أغلاله ، لكن الممارسات ماتلبث أن تبين عن ملامح شوهاء يتمنى الناس زوالها ، وربما عملوا على زوالها بالفعل ، وكلمت صديقى سامى خشبة فى الفكرة التى تشغلنى ، تناولت فكرة المخلّص فى الأسوار ، وهأنتذا تفكر فى عمل آخر يتناول الفكرة نفسها ؟! . لم أجد رداً على ملاحظته إلا أن الفكرة تشغلنى ، وتلح فى أن أكتبها على أى نحو ، ثم سافرت إلى سلطنة عمان ، وحرضنى الجو الأسطورى الذى يشمل مظاهر الحياة فى مسقط القديمة على البدء فى كتابة إمام آخر الزمان ، الإمام المهدى الذى ينتظر الناس قدومه ، وتبين الممارسة عن نقيض ما كانوا ينشدونه ، أعجب لقول أحد النقاد إن الرواية تعريب لروايةجارثيا ماركيث " خريف البطريرك " ، فلم أكن قد تعرفت إلى أدب ماركيث ، فترة انشغالى بإمام آخر الزمان منذ أواسط الستينيات إلى أواسط السبعينيات ، حتى بدأت كتابة الرواية فى فبراير 1976 .
    ولعلى أعترف أنى أحاول ـ فى كتاباتى بعامة ـ أن أهمل المحظورات ، وأكتب فى حرية ، لكننى أتوقف طويلاً أمام المحظورات الدينية ، أحرص فلا أحاول اجتيازها ، مناقشة الدين من وجهة نظر غير مسنيرة ، تنتهى ـ فى الأغلب ـ بالتكفير ، تكفير صاحب وجهة النظر المستنيرة ، والخوض فى بحر الدين ينتهى كذلك ـ فى الأغلب ـ بغرق صاحبه ، أذكرك بمعاناة أستاذنا نجيب محفوظ منذ نشر روايته الرائعة " أولاد حارتنا " فى 1959 ، من هنا كانت تلك الكلمات التى قدمت بها إمام آخر الزمان " هذه الرواية نسج خيال ، وإذا كان إطارها يبدو دينياً ، فإن مضمونها أبعد ما يكون عن تناول القضايا الدينية ، إن الذى ينشد أمور دينه عليه أن يفتش عنها فى كتب الدين ، وما أكثرها ، وإذا توالت الأسماء ـ خلال الأحداث ـ لأماكن وبشر ، فى هذا القطر العربى أو ذاك ، فمرد ذلك إلى الواقع الفنى ، وليس إلى الواقع التاريخى ، وأكرر : هذه الرواية نسج خيال " .
    ***
    إن هدف الثورة هو إقامة شرعية جديدة ، تتواصل فى ظل الاستقرار الذى يقره الشعب ، فإذا لم يكن ذلك كذلك فهو انقلاب ، اغتصب السلطة ، وحقق استمراره بالعنف والقهر ، وليس بالشرعية ، والشعب الذى يمارس ضده هذا الحكم سلطته ، يعانى الغربة وعدم الانتماء ، وانقطاع الصلة بينه وبين من فرضوا أنفسهم أوصياء عليه .
    لقد رفع كل إمام شعارات زاهية براقة ، تصور الناس فى تنفيذها ـ إن نفذت ـ خلاصاً من كل المظالم التى عانوها فى حكم الأئمة السابقين ، لكن الممارسة ـ تطول أو تقصر ـ ما تلبث أن تكشف عن زيف الشعارات المعلنة ، وأنها لم تكن سوى واجهة تخفى وراءها عالماً من الديكتاتورية السافرة ، أملى كل إمام على الناس ـ بقوة السيف ـ أنه هو وحده الصواب ، ومن عداه على خطأ ، وبتعبير آخر ، فقد كان يواجه شعبه ورأيه فى رأسه ، وسيفه فى يده ، فلا يملك الناس إلا الموافقة صاغرين !. انغلقت السلطة على نفسها ، تصور الإمام نفسه مرجعاً وحيداً ، يخطط للناس أمور حياتهم ، يدفعهم إلى الالتزام بالسير فى طريق محددة ، فإذا حاول البعض أن يجاوز تلك الطريق ، أو أفلح فى ذلك بالفعل ، واجه عقوبات قاسية ، تبدأ بفقدان الحرية ، وتنتهى بفقدان الحياة .
    ثار الناس على الأئمة فى تعدد ممارساتهم ، أو تمنوا زوالهم فى أقل تقدير ، وبالذات فى الآونة التى يكون فيها الحكم مسيطراً ومباشراً ، لا يأذن بمعارضة أو تمرد ، فضلاً عن إمكانية الثورة .
    الغريب أن الكثير من هؤلاء الأئمة كانوا يدركون بشاعة حكمهم ، فهم يلجأون إلى إصدار القوانين التى تلزمهم بالرضا عن الوضع القائم ، أو يدفعون الرواة إلى المقاهى والساحات والأماكن العامة ، يذيعون الحكايات المختلفة عن ميل الإمام إلى نشر العدل والمساواة والحرية ، ويتهمون المعارضين بالمروق والفساد والإلحاد والإعداد لقلب نظام الحكم ، بل إن بعض الأئمة استند إلى فكرة الحق الإلهى ، الله هو مصدر السلطات وليس الشعب ، وبالتالى فإن الأفراد لا حقوق لهم تجاه الحاكم ، وليس لهم أن يطالبوه بحريات من أى نوع ، سواء كانت فردية أم سياسية .
    والحق أن مقتل حسن الحفناوى ـ آخر من قال الكلمات الجميلة ـ لم يكن تعبيراً عن رفض الناس للثورة ، لكنه كان تعبيراً عن إصرار الناس ـ إزاء المعاناة التى واجهوها فى توالى حكم الأئمة ـ على أن يتولوا قيادة أمورهم بأنفسهم ، القائد يظهر من الشعب ، لا يتحول المخلّص إلى جودو الذى طال انتظاره فى مسرحية بيكيت ، ولا إلى المهدى الذى ينتظره الشيعة ، ليزيل القهر عن أعناق الجماهير ، ويملأ الأرض عدلاً ومساواة . أخذ النقاد على نهاية الرواية ما توضح فيها من جهارة .
    قال الرويعى : لا يخرج الإمام إلا للعدل ، ومن سبق ظهورهم كانوا ظلمة .
    قال ياقوت نافع : إذا جاء فلن يختلف عمن سبقوه .د
    قال الكرديسى : ظهور الإمام حقيقة .
    قاطعه ياقوت نافع : مصيبتنا أننا لا نبحث عن إمام يحكمنا ، بل نصطنع إماماً يقودنا !
    قال الرويعى : الإمام يستمد وجوده من مبايعة الناس له !
    قال ياقوت نافع : فماذا لو اختار الناس أن يحكموا أنفسهم .. هل لابد من وصى ؟
    قال الرويعى : الزعامة مطلوبة فى كل الأحوال .
    قال ياقوت نافع : سيكون كل شيء على ما يرام حين يسقط النظام على أيدى الجماهير ، وليس عن طريق فرد ، أو أفراد ، أيا كان ، أو كانوا !
    أصارحك أنى أزمعت أن أكتفى بمقتل حسن الحفناوى ، ذلك الرجل الطيب الذى كان يقول كلاماً طيباً فى مقهى السيالة . تظل النهاية مفتوحة ، وتطرح الأسئلة نفسها : هل كان الرجل إماماً بالفعل ؟ وهل يظهر أئمة جدد ؟ وهل قرار الجماهير رفض البيان رقم واحد ، وما يتلوه من عكس ما يعلنه ، فلا حرية ولا ديمقراطية ولا عدالة ، إنما هو تسيد لفرد ، أو لطبقة ، على الجماعة . وعلى الرغم من نصيحة صديقى الدكتور طاهر مكى : دع نهاية الرواية كما هى ، حتى لو اتسمت بالجهارة ، فالجهارة مطلوبة !، فإنى أضفت فصلاً أخيراً ، كنت قد ضمنته مجموعتى " هل " ، يتحدث عن تطلع الناس إلى إمام حقيقى يقود الناس إلى الحرية والعدل .
    ***
    يقول لوناتشاركسكى : " إذا كانت الثورة تستطيع أن تعطى الفن روحاً ، فإن الفن يستطيع أن يعطى الثورة لساناً " .
    وقد انشغل أبو الطيب المتنبى ـ بتطلعاته وطموحاته وذاتيته ـ عن هموم المصريين عاش بينهم فترة طويلة من الزمن ، فلما غادر مصر ، وتبادل الرسائل مع عبد الرحمن السكندرى ، راجع موقفه ، وأزمع أن يغادر مصر ليكون صوتاً لثورتها المرتقبة .
    السلطة المطلقة طريق مؤكدة إلى الاستبداد . والثابت ـ تاريخياً ـ أن الحكام الذين مارسوا السلطة المطلقة ، جاءت بعض قراراتهم ةتصرفاتهم مشوبة بجنون العظمة حسب التعبير العلمى المعاصر ، والمثل الأوضح فى شخصيتى الإسكندر ونابليون بونابرت ، والنظام السياسى الذى يكرّس الديكتاتورية ، يمتد خطره إلى كل من يتصور معاداتهم له ، حتى لو لم يكونوا كذلك ، فالحرية الشخصية لا تعنيه فى قليل ولا كثير . كان كافور هو كل شيء فى الدولة ، هو الذى يفكر ، وهو الذى يأخذ القرار ، وهو الذى يعين أشخاص المنفذين . أما النتائج ، فإن الشعب ـ بالتأكيد ـ هو الذى يتأثر بها . كافور هو صاحب الحكم فى الرواية ، وهو صاحب الرأى ، ورأيه هو الذى ينفذ ، مهما تعددت الآراء المخالفة ، واتسعت مساحتها ، لا راد لرأيه فى مشكلات السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة وكل ما يتصل بأمور الدين والدنيا . من يفكر فى التنبيه إلى الخطأ ، أو يعترض ، فإنه يعرَض نفسه للمساءلة والتحقيق بما يفضى ـ فى الأعم ـ إلى فقدان الحرية ، وربما فقدان الحياة نفسها . حتى المتنبى ـ وهو شاعر ، ومن أصحاب الرأى ـ وجد من يحذره من الجهارة ، أو حتى التلميح ، برأيه ، فلا يواجه غضب الإخشيد .
    ولأن الاستبداد السياسى لابد أن يفرز ـ بحكم طبيعته ـ فئات صغيرة مستغلة ، تعين المستبد ، وتؤيده ، وتزين له تصرفاته ، فقد تخلقت مجموعات قليلة ، تتمتع بالكثير من الامتيازات ، وتستأثر بمزايا الاقتراب من الحاكم ، وتفرض تسلطها على مجموع الموطنين . كانت الحرية تعنى ـ فى نظر أعوان كافور ، وعلى حد تعبير الرئيس الأمريكى لنكولن ـ " حرية بعض الرجال أن يصنعوا ما يشاءون بالرجال الآخرين " . بدا المخالفون لتصرفات الحاشية " من حشو الرعية ، وسفلة العامة ، ممن لا نظر لهم ولا روية ، ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته ، أهل جهالة بالله ، وعمى عنهم ، وضلالة عن حقيقة دينه وتوحيده والإيمان به ، لضعف آرائهم ونقص عقولهم " إلخ ( الطبرى 2/631 ) . ولا يخلو من دلالة هذا الحوار بين المتنبى ومعاون المحتسب إبان اشتداد الضائقة الاقتصادية . قال أبو الطيب : الجوع فى الشوارع ، مع ذلك فإن الطعام يصل لى فى موعده . قال الرجل وهو يطمئن إلى ترتيب الصناديق والأوعية : أنتم من أعوان أبى المسك ، لا يجرى عليكم ما يجرى على العامة !. أما الجماعات الوافدة ، فقد كانت مشكلة أهل مصر الأولى فى مواجهتهم هى " إحاسهم بالخضوع لهذه الجماعات التى أتت من مناطق بعيدة ، تنشر الدمار والموت الأسود " ( المتنبى 44 ) فهو إحساس بفقدان الحرية .
    والملاحظ أنه حين قامت مظاهرات المصريين ضد الجوع ثاروا ضده ، وأوشك كافور أن يتبنى حقيقة الدوافع التى خرجت بالمظاهرات ، لكن ابن حنزابة صور له الأمر على غير حقيقته : كل الأسباب واجهة زائفة لهدف خبيث ، هو الخروج على حكم سيدى أبى المسك !.
    ومع أن ابن رشدين فسر ما جرى بأنه كان تعبيراً عن غضبة الجياع على الظروف الصعبة ، فإن الإخشيد مالبث أن هز رأسه فى اقتناع لملاحظة ابن حنزابة : من يهاجمون أعوان الأستاذ اليوم ، قد تسول لهم نفوسهم بأن يهاجموا قصر الأستاذ فى الأيام المقبلة . وأمر كافور بأن تثبت الأحكام التى صدرت على متزعمى المظاهرات . من هنا ، جاءت ثورة الجماهير على الحاكم إفرازاً طبيعياً لإهمال حقوق الأفراد وحرياتهم ، فليس ثمة إلا هو وأعوانه وحاشيته ، ولم يعد أمام الناس إلا الخروج عن طاعته ، ومقاومته ، ومقاومة السلام الزائف الذى وافق عليه فى الوقت نفسه ، وهذه الثورة المرتقبة تأكيد بأنه على الإنسان أن ينتزع حريته بيده ، وبتعبير آخر ، فإن الإنسان لا يكون حراً إلا إذا استحق ـ بالفعل ـ أن يكون حراً . الحرية عادة ، الحرية اعتياد وممارسة وفعل . وكما يقول برناردشو فإن الطائر لابد أن يطير مغادراً إذا تركت القفص مفتوحاً . والحقيقة أن استمرار الحبس دون فعل مقاومة من أى نوع ، يوطن النفس على أن تألف نقيض الحرية ، تألف الخنوع والاستكانة ، واعتبار ذلك قضاء وقدراً .
    ***
    (يتبع)
    رد مع اقتباس  
     

  5. #41  
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    ثمة تعريف اشتقاقى للحرية بأنها " انعدام القسر الخارجى " . وكان القسر الخارجى ـ تحديداً ـ هو ما واجهه محمد قاضى البهار . كانت التهمة التى طاردت جهات البحث محمد قاضى البهار من أجلها ، أنه يمارس نشاطاً ضد الجماعة ، ضد الحكومة ممثلة الجماعة . ومع أن محمد قاضى البهار لم يكن مهموماً سياسياً ، ولا هو صاحب رأى ، فإنه وجد نفسه مدافعاً عن حريته فى ألا يكون مهموماً سياسياً ، وألا يكون له رأى !. وجد قاضى البهار نفسه معرضاً لفقد حريته الشخصية ، وهى الحرية الأهم . وكما يقول برجسون فإن الإنسان لا يكون حراً إلا عندما تصدر أفعاله عن شخصيته كلها .
    وفراراً بحريته ، نزل محمد قاضى البهار إلى البحر . توالت التقارير تؤكد خلو تصرفاته من كل ما يدعو إلى مصادرة حريته ، إلى اعتقاله ، لكن جهة الأمر أكدت النشاط المريب لقاضى البهار ، وأن إدانته ثابتة ، وأن احتاجت إلى الأدلة التى تدعمها ، ومارس كتبة التقارير ضغوطاً على قاضى البهار بلغت حد الإيذاء البدنى ، لتحصل على الأدلة التى تثق فيها جهة الأمر ، لفقت لقاضى البهار عدة تهم ، من بينها أنه شارك فى مناقشات قهوة البورى ، وزملاء العمل ، فعاب على النظام فساده وقسوته ، وأنه كان يحمل متفجرات فى حقيبته عندما زار ملهى " زهرة البنفسج " . أما تردده على زاوية الأعرج لأداء صلاة العصر ـ قبل توجهه إلى قهوة البورى ـ فلتدبير اغتيال بعض القيادات السياسية ، بعيداً عن أعين الأمن . أذكرك بمسرحية " حالة حصار " لألبير كامى " إن اقتناعنا هو أنكم مذنبون ، ولن تجدوا أنكم مذنبون ما دمتم تشعرون بأنكم متعبون ، إنهم يتعقبونكم ، وعندما يرهقكم التعب ، سيسير الباقى وحده " .
    لم تثبت التهم فى مواجهة صمت الشهود ، وإنكار رواد قهوة البورى مناقشات السياسة ، وتأكيد بائع الصحف سيد النن أن ما رآه فى طفولة قاضى البهار لم يعد يتكرر فى شبابه ، وأضاف أنه ربما اختلط عليه الأمر ، فشهد بما لم يشهده ، ونفى رواد القهوة أنهم يعرفون قاضى البهار أصلاً . وحين نزل محمد قاضى البهار مياه الأنفوشى ، واختفى ، فإنه ربما فعل ذلك فراراً من القوى الضاغطة ، لكنه مارس ـ بفعله ـ فى الوقت نفسه ـ حريته . وكما يقول سارتر ، فإن حريتنا هى الشيء الوحيد الذى ليس لنا الحرية فى أن نتخلى عنه .
    الحرية ـ فى أحد تعريفاتها ـ هى " اختيار الفعل عن روية ، مع استطاعة عدم اختياره ، واستطاعة اختيار ضده " . ولم يكن النزول إلى البحر هو اختيار محمد قاضى البهار الوحيد ، بل إنه الحل الذى لم يطالبه أحد ، لكنه لجأ إلى ذلك الحل دفاعاً عن حريات الآخرين ، فضلاً عن فراره هو نفسه بحريته ، فلن تعاود الشرطة حملاتها ضد سكان بيت الموازينى ، أو رواد قهوة البورى ، ولن تلجأ إلى اختطاف أحد أقاربه ، ولن تضرب أباه فى شارع خلفى . وكما يقول باكونين " أنا لا أكون حراً بمعنى الكلمة ، إلا إذا كانت كل الموجودات الإنسانية المحيطة بى ـ رجالاً ونساء ـ حرة هى الأخرى . أجل ، فإننى لا أصبح حراً إلا بحرية الآخرين " .
    ومع تأكيدى على أن تعدد مستويات الدلالة فى العمل الفنى هى اجتهاد الناقد ، وربما المتلقى العادى ، فلعلى أثق أن محمد قاضى البهار لم يمت . لقد نزل البحر واختفى . ذلك ما رأته الأعين التى رافقت رحلته الأخيرة من البيت إلى داخل البحر ، لا يلغى ما حدث إخفاق الشرطة فى العثور على جثة قاضى البهار ، أو ما يدل على غرقه ، ولا تلك الابتسامة الغامضة التى واجه بها تحريات الشرطة فى ظروف موته : أبواه والجيران وزملاء العمل ورواد القهوة . حتى أبناء الموازينى ، الذين لم يكونوا على صداقة بقاضى البهار " إذا جاءت سيرته ، وظروف اختفائه ، تسللت إلى شفاههم تلك الابتسامة الغريبة ، المحيرة ، كأنها العدوى " . هذه هى الكلمات التى انتهت بها رواية قاضى البهار ، وهى ـ كما ترى ـ نهاية مفتوحة ، ولعلها أقرب إلى نفى موت قاضى البهار ، وإلاّ : ماذا تعنى تلك الابتسامة الغريبة المحيرة ؟!
    ***
    يقول ألدوس هكسلى : " من الأفضل أن نخطئ فى الحرية ، على أن نصيب فى القيود " . وقد حاول منصور سطوحى أن يتحرر من السلطة التقليدية ممثلة فى القائد التقليدى ـ الأب ـ الذى كان يصدر أوامره معتمداً على مكانته ، وهى أوامر اتسمت ـ فى الأغلب ـ بالطابع التحكمى .
    كان منصور يريد أداء الفرائض الدينية عن اقتناع ، وليس لمجرد أن يتبع خطوات أبيه . كان يريد دخول الكلية التى يريدها ، ويتطلع إلى أصدقاء يطمئن إلى صداقتهم ، وإن رفضهم أبوه ، وإلى تعامل مغاير لما كان يعامله به أبوه ، بدت تصرفات منصور ـ عقب رحيل الأب ـ كأنها تعبير عن مقولة سارتر " إن حريتى هى الدعامة الوحيدة للقيم ، فليس ثمة شيء يمكن أن يلزمنى بأن أتخذ هذه القيمة أو تلك " . شك منصور فى حقيقة حريته ، فى حقيقة وجودها ، بعد وفاة أبيه ، وجد نفسه وحيداً ، بعيداً عن سياج الأسرة والوالدين والعادات والتقاليد والمجتمعات ، نفض عن نفسه ذلك كله ، أو أنه وجد نفسه خارجه ، واهتزت فى داخله قيم كثيرة ، وتبدلت نظرته إلى الكثير من الأمور ، ولم يعد المستقبل بمثل الاستواء الذى كان قديماً .
    الحرية ـ فى التعريف الفلسفى ـ تجربة روحية ، يحاول فيها الموجود الإنسانى ـ الذى هو مزيج من دم ونور ـ أن يستخرج من حياته المادية نفسها وسائط نموه ، ووسائل تحريره ، وأسس سورته الروحية " ( مشكلة الحرية 259 ) . إرادة الإنسان تتجه ـ دائماً ـ نحو الأفضل ، أو ما يبدو لها أنه كذلك ، وهى لحظة مسبوقة ، أو متزامنة ، مع تحقق الاختيار ، ولو لم يكن الإنسان ـ فى تلك اللحظة ـ سيد انتباهه ، لما أحس بحريته بصورة حقيقية . وكانت الدوافع المحركة لمنصور سطوحى بحثاً عن الحرية ، تعبيراً ـ فى واقعها ـ عن الحرية . وإذا كان ماكس جاكوب قد وصف ميرسو بطل " الغريب " لكامى بأنه " إنسان فاقد الوعى بما حوله " فإن منصور سطوحى يكاد يعبر عن الحالة المناقضة ، فهو مدرك تماماً لما حوله ، ويرفضه ، ويحاول التغلب عليه .
    جابرييل مارسيل يذهب إلى أن حرية الاختيار تتجلى فى لحظات الإشراق ، التى يتجلى فيها الوجود الإنسانى بسره وغموضه ونفحاته القدسية أمام الإنسان ، فينقاد له إطلاقاً ، ويفوض أمره إليه . فهل تكون النهاية التى اختارها منصور سطوحى هى مرفأ البحث عن الذات ، وعن تواصله مع الآخرين ، وعن الحرية الغائبة ، والسعى نحو الأفضل . تذكرنا هذه النهاية ، المرفأ ، بقول جان جينيه " إن الوسيلة الوحيدة لتجنب هول الهول هى أن تلقى بنفسك فيه " .
    ***
    إن ديكتاتورية السلطان خليل بن الحاج أحمد هى المقابل لتطلع الناس إلى الحرية . كان القهر صورة حكمه ، أحكم قبضته فلا يأذن حتى للهواء بأن يتخللها ، أو ينفذ منها ، له الكلمة النافذة ، والرءوس ـ مهما استطالت ـ تخشع إلى حد الركوع ، وربما السجود ، فى مجلسه . نشأ السلطان فى كنف أب يبيع الرقيق ، أهم ما يرويه معاصرو طفولته أنه كان يحبس مجموعة من القطط فى قفص حديدى ، ويعمل فيها سيخاً حديدياً . ولما نقل الطواشى شعوان ما رآه إلى والد خليل ، ظهر عليه ارتياح ، وقال : لو أنه ضعيف القلب ، فكيف يبيع الرقيق ؟!.. ثم مارس هو نفسه تجارة الرقيق . لذلك فإن نظرته إلى حرية الإنسان ـ حتى هؤلاء الذين باعدت الظروف بينهم وبين العمل كرقيق ـ على أنها تخضع لإرادة الحاكم ، هو الذى يهب ويمنع ، أوامره قضاء ، وعلى الجميع أن يخضعوا لها .
    لقد تبدى اختيار عائشة فى سؤال السلطان لعائشة : هل تريدين الإقامة معنا ؟، وفى ردها عليه : لو أعطيتنى الملك ما أخذته دون زوجى . حددت اختيارها ، وهو أن تكون حرة مع زوجها ، وأهل حدرة الحنة ، رغم الظروف القاسية التى كانوا يحيونها ، ولا تصعد إلى قلعة الجبل ، فتتحول إلى سجينة فى قصر السلطان .
    كان اختيار خالد عمار هو اختيار زوجه عائشة ، قال له مقدم الجند : هل تريد أن تعمل فى خدمة مولانا السلطان ؟
    قال خالد : من الصعب أن أجيد مهنة غير التى تعلمتها [ نسّاخ ]
    قال المقدم : الجندية لمماليك السلطان وحدهم ، وإن أمكننى الحصول على موافقة مولانا ، نلحقك بزمرة المماليك السلطانية .
    ـ أخشى أنى لن أستطيع .
    ـ للجندى المملوكى مرتبة جليلة ، فكيف ترفضها ؟
    ـ أنا من عامة الناس ، والعمل فى خدمة مولانا السلطان مما لا أقوى عليه .
    ـ الجندية تميزك عن موظفى دواوين السلطان .
    ـ لا أتخيل نفسى فى غير هذا المكان .
    اختار خالد الحرية ، مألوف أيامه بعيداً عن الحياة التى لا صلة له بها فى قلعة الجبل .
    حتى عبد الرحمن القفاص ـ والد عائشة ـ حاول أن يعتذر عن الخدمة فى قلعة الجبل . قال للسلطان خليل : أنا رجل سوقى ، لا أعرف غير صنع الأقفاص !.. لكن السلطان ـ كى يستدرج الرجل إلى حتفه ـ أصر أن يعمل فى القلعة ، بدعوى أن أمره لا يرد !
    ومع أن السلطان جعل من عائشة ضيفة على قلعة الجبل ، تقيم فى واحد من قصوره الثلاثة ، لا تغادرها ، بوسعها أن تخرج إلى القلعة ، قصورها وأبراجها ودورها، كل من فى القلعة يعلم بأمرها ، وأنها ضيفة السلطان . وبرغم أن خصياً قادها إلى حجرة بها كنوز هائلة من المجوهرات والذهب والفضة ، فإنها ظلت على حنينها إلى ناسها ، وظلت حزينة ، وقالت عن الكنوز التى عرضها عليها : الحق أنلا لا أفهم منها أى شيء ، ولا أعرف قيمتها !
    وكانت الجريمة التى عوقب بسببها والد عائشة وخالها وإمام مسجد شيخون وقاضى الشافعية والخليفة وزوج السلطان ، أنهم تفهموا اختيار عائشة ، وأنه لا شيء يعدل حياتها فى حدرة الحنة .
    أخيراً ، فإن الحرية هى اختيار عائشة ، فى مقابل عرض السلطان خليل بن الحاج أحمد عليها ، وإصراره ، أن تقيم فى قلعة الجبل ، طاردها وقتل كل من حولها حتى تغادر حدرة الحنة ، واختار الناس أن يناصروا حرية عائشة فى الاختيار ، وهو اختيار أفضى ـ فى النهاية ـ إلى زوال السلطان نفسه .
    ***
    إن عزلة الإنسان تنفى حريته ، فالحرية مسئولية اجتماعية ، وارتباط بالآخرين ، ووعى متنام بما يحيط به . لقد عاش سر شاكر المغربى فى داخله ، وكما يقول كودويل ، فإن الرجل الوحيد فى الصحراء ليس حراً ، إن حى بن يقظان وروبنسون كروزو لم يشعرا بحريتهما الحقيقية ، لم يصبحا أكثر حرية إلا بعد أن التقيا بسلامان وابسال وجمعة وغيرهم ، من نقلوا إليهما الشعور بالجمعية . وقد آثر شاكر المغربى أن يظل فى جزيرته المنعزلة ، حتى فى حراكه الاجتماعى للصعود إلى الطبقة الأعلى ، يخلو إلى أحلام عشقه المجنون ، يتخيل ويتصور ويمارس العزلة الكاملة ، فلا يبوح بسره لأحد " الإحساس بمخالفة الآخرين يضعنى فى جزيرة منعزلة ، أعانى الوحدة ، والسر الذى يصعب ـ إن لم يكن من المستحيل ـ أن أعلنه ، لم تصرفنى المعاملات المادية ، أو الصفقات ، عن الخلو إلى نفسى ، ولو فى حضور الآخرين ، واحتضان حلمى الغالى ، وبقيت على صلتى بالخيالات ، لا أفارقها ، وإن ظل السر داخلى ، أتحدث وأناقش وأسأل وأبيع وأشترى وأعقد الصفقات ، فلا صلة بين عملى وذلك المارد الذى يعلو صراخه ، فأضرب قبضتى ـ بلا مناسبة ـ فى حافة المكتب . لم تكن تؤلمنى أو تضايقنى تصرفات الآخرين ، مهما تمادت فى الإيلام ، إن أذنوا لى ـ ربما دون أن يدروا ـ باحتضان كنزى الجميل ، نتمرغ فى رمال الشاطئ ، نسبح فى بحار عميقة ، غامضة ، نعانق النجوم فى سماوات لا نهائية " إلخ . وعندما أصبح سره فى وعى غيره ـ نادية حمدى ـ حاول أن يسترده ، فأخفق ، فلجأ إلى تصرف مجنون ، وإن كان منطقياً ، ليفقد حريته ، وربما وجوده .
    بالطبع ، فإن " اعتراف المرء بذنوبه لا يكفى لتبرئة ساحته " .. ذلك ما تبينه كليماس بطل " السقطة " لكامى ، وإن لم يتبينه شاكر المغربى . تصور المغربى أن عليه أن يروى ما حدث دون أن يندبر العواقب ، وأن الحفاظ على حريتى مرتهن بالحفاظ على حرية الآخرين ، المرء لا يكون حراً بالفعل فى أفكاره وتصرفاته ، إلا إذا كان على معرفة حقيقية بما ينتويه ، وبالحرص المؤكد ـ فى الوقت نفسه ـ على أن يعثر " على المفتاح الوحيد لكل حرية كائنة ما كانت " ، والتعبير لجون ديوى .
    ثمة مقولة ترى أنه " بدون الحرية لن يكون ثمة فارق بين الخير والشر ، لأن الحرية هى التى تدخل القيمة فى العالم ، ومن ثم فهى لابد أن تظل وراء القيمة نفسها " ( مشكلة الحرية ص 263 ) ، فليس من شيء يعلو على الخير والشر معاً سوى الحرية ، وأتذكر كذلك قول البولندى شاينا " إن ما سيبقى من فنى ، هو حريتى التى تحيا فى الإنسان الآخر .. المتلقى " !
    فصول ـ 1988


    (انتهى الكتاب)
    رد مع اقتباس  
     

  6. #42  
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    مؤلفات محمد جبريل
    ...........................

    1 ـ تلك اللحظة ( مجموعة قصصية ) 1970 ـ نفد
    2 ـ الأسوار ( رواية ) 1972 هيئة الكتاب ـ الطبعة الثانية 1999 مكتبة مصر
    3 ـ مصر فى قصص كتابها المعاصرين ( دراسة ) الكتاب الحائز على جائزة الدولة ـ 1973 هيئة الكتاب
    4 ـ انعكاسات الأيام العصيبة ( مجموعة قصصية ) 1981 مكتبة مصر ـ ترجمت بعض قصصها إلى الفرنسية
    5 ـ إمام آخر الزمان ( رواية ) الطبعة الأولى 1984 مكتبة مصر ـ الطبعة الثانية 1999 دار الوفاء لدنيا الطباعة بالإسكندرية
    6 ـ مصر .. من يريدها بسوء ( مقالات ) 1986 دار الحرية
    7 ـ هل ( مجموعة قصصية ) 1987 هيئة الكتاب ـ ترجمت بعض قصصها إلى الإنجليزية والماليزية
    8 ـ من أوراق أبى الطيب المتنبى ( رواية ) الطبعة الأولى 1988 هيئة الكتاب ـ الطبعة الثانية 1995 مكتبة مصر
    9 ـ قاضى البهار ينزل البحر ( رواية ) 1989 هيئة الكتاب
    10 ـ الصهبة ( رواية ) 1990 هيئة الكتاب
    11 ـ قلعة الجبل ( رواية ) 1991 روايات الهلال ـ الطبعة الثانية .......... مكتبة الأسرة
    12 ـ النظر إلى أسفل ( رواية ) 1992 ـ هيئة الكتاب
    13 ـ الخليج ( رواية ) 1993 هيئة الكتاب
    14 ـ نجيب محفوظ .. صداقة جيلين ( دراسة ) 1993 هيئة قصور الثقافة
    15 ـ اعترافات سيد القرية ( رواية ) 1994 روايات الهلال
    16 ـ السحار .. رحلة إلى السيرة النبوية ( دراسة ) 1995 مكتبة مصر
    17 ـ آباء الستينيات .. جيل لجنة النشر للجامعيين ( دراسة ) 1995 مكتبة مصر
    18 ـ قراءة فى شخصيات مصرية ( مقالات ) 1995 هيئة قصور الثقافة
    19 ـ زهرة الصباح ( رواية ) 1995 هيئة الكتاب
    20 ـ الشاطئ الآخر ( رواية ) 1996 مكتبة مصر ـ ترجمت إلى الإنجليزية ـ الطبعة الثالثة 2002 مكتبة الأسرة
    21 ـ حكايات وهوامش من حياة المبتلى ( مجموعة قصصية ) 1996 هيئة قصور الثقافة
    22 ـ سوق العيد ( مجموعة قصصية ) 1997 هيئة الكتاب
    23 ـ انفراجة الباب ( مجموعة قصصية ) 1997 هيئة الكتاب ـ ترجمت بعض قصصها إلى الماليزية
    24 ـ أبو العباس ـ رباعية بحرى ( رواية ) 1997 مكتبة مصر
    25 ـ ياقوت العرش ـ رباعية بحرى ( رواية ) 1997 مكتبة مصر
    26 ـ البوصيرى ـ رباعية بحرى ( رواية ) 1998 مكتبة مصر
    27 ـ على تمراز ـ رباعية بحرى ( رواية ) 1998 مكتبة مصر
    28 ـ بوح الأسرار ( رواية ) 1999 روايات الهلال
    29 ـ مصر المكان ( دراسة فى القصة والرواية ) 1998 هيئة قصور الثقافة ـ الطبعة الثانية 2000 ـ المجلس الأعلى للثقافة
    30 ـ حكايات عن جزيرة فاروس ( سيرة ذاتية ) 1998 دار الوفاء لدنيا الطباعة بالإسكندرية
    31 ـ الحياة ثانية ( رواية تسجيلية ) 1999 ـ دار الوفاء لدنيا الطباعة بالإسكندرية
    32 ـ حارة اليهود ( مختارات قصصية ) 1999 ـ هيئة قصور الثقافة
    33 ـ رسالة السهم الذى لا يخطئ ( مجموعة قصصية ) 2000 ـ مكتبة مصر
    34 ـ المينا الشرقية ( رواية ) 2000 ـ مركز الحضارة العربية
    35 ـ مد الموج ـ تبقيعات نثرية ( رواية ) 2000 ـ مركز الحضارة العربية
    36 ـ البطل فى الوجدان الشعبى المصرى ( دراسة ) 2000ـ هيئة قصور الثقافة
    37 ـ نجم وحيد فى الأفق ( رواية ) 2001 ـ مكتبة مصر
    38 ـ زمان الوصل ( رواية ) 2002 ـ مكتبة مصر
    39 ـ موت قارع الأجراس ( مجموعة قصصية ) 2002 ـ هيئة قصور الثقافة
    40 ـ ما ذكره رواة الأخبار عن سيرة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله ( رواية ) 2003 ـ روايات الهلال
    41 ـ حكايات الفصول الأربعة ( رواية ) 2004 ـ دار البستانى للنشر والتوزيع
    42 ـ زوينة ( رواية ) 2004 ـ الكتاب الفضى
    43 ـ صيد العصاري ( رواية ) 2004 ـ دار البستانى للنشر والتوزيع
    44 ـ غواية الإسكندر ( رواية ) 2005 ـ روايات الهلال
    45 ـ الجودرية ( رواية ) 2005 ـ المجلس الأعلى للثقافة ـ الطبعة الثانية 2006 ـ مكتبة الأسرة
    46 ـ رجال الظل ( رواية ) 2005 ـ دار البستانى للنشر والتوزيع
    47 ـ ما لا نراه ( مجموعة قصصية ) 2006 ـ هيئة قصور الثقافة
    48 ـ مواسم للحنين ( رواية ) 2006 ـ دار البستانى للنشر والتوزيع
    49 ـ كوب شاى بالحليب ( رواية ) 2007 ـ دار البستانى للنشر والتوزيع
    50 ـ سقوط دولة الرجل ( دراسة فى القصة والرواية ) 2007 ـ دار البستانى للنشر والتوزيع
    51 ـ المدينة المحرمة ( رواية ) 2007 ـ دار مجدلاوى بالأردن
    52 ـ أهل البحر ( رواية ) 2007 ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب 2007


    كتب عن المؤلف
    .....................

    1 ـ الفن القصصى عند محمد جبريل ـ مجموعة من الباحثين ـ 1985 مكتب منيرفا بالزقازيق
    2 ـ دراسات فى أدب محمد جبريل ـ مجموعة من الباحثين ـ 1986 مكتب منيرفا بالزقازيق
    3 ـ البطل المطارد فى أدب محمد جبريل ـ د. حسين على محمد ـ 1999 دار الوفاء بالإسكندرية
    4 ـ فسيفساء نقدية : تأملات فى العالم الروائى لمحمد جبريل ـ د . ماهر شفيق فريد ـ 1999 دار الوفاء بالإسكندرية .
    5 ـ محمد جبريل .. موال سكندرى ـ فريد معوض وآخرين ـ 1999 كتاب سمول
    6 ـ استلهام التراث فى روايات محمد جبريل ـ سعيد الطواب ( دكتور ) 1999 دار السندباد للنشر
    7 ـ تجربة القصة القصيرة فى أدب محمد جبريل ـ د . حسين على محمد ـ 2001 كلية اللغة العربية بالمنصورة ـ الطبعة الثانية ـ 2004 أصوات معاصرة
    8 ـ فلسفة الحياة والموت فى رواية الحياة ثانية ـ نعيمة فرطاس ـ 2001 أصوات معاصرة
    9 ـ روائى من بحرى ـ حسنى سيد لبيب ـ 2001 هيئة قصور الثقافة
    10 ـ محمد جبريل ـ مصر التى فى خاطره ـ حسن حامد ـ 2002 أصوات معاصرة
    11 ـ سيميائية العقد فى رواية النظر إلى أسفل ـ د .عبد الرحمان تبرماسين ، العطرة بن دادة ـ 2004 أصوات معاصرة
    12 ـ التراث والبناء الفنى فى أعمال محمد جبريل الروائية ـ د . سمية الشوابكة ـ 2005 هيئة قصور الثقافة
    13 ـ المنظور الحكائى فى روايات محمد جبريل ـ د . محمد زيدان ـ 2005 أصوات معاصرة
    14 ـ بنية الخطاب الروائى فى أدب محمد جبريل: جدل الواقع والذات ـ آمال منصور ( جامعة بسكرة بالجزائر ) 2006 ـ أصوات معاصرة
    رد مع اقتباس  
     

المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 31/05/2012, 02:09 PM
  2. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 08/07/2011, 12:01 AM
  3. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 04/05/2011, 11:38 PM
  4. مع الروائي محمد جبريل
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى قضايا أدبية
    مشاركات: 54
    آخر مشاركة: 21/08/2008, 10:02 PM
  5. كتاب .. "زواهر الفكر وجواهر الفقر" .. لابن المرابط ...
    بواسطة أبو شامة المغربي في المنتدى مكتبة المربد
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 01/02/2007, 12:45 PM
المفضلات
المفضلات
ضوابط المشاركة
  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •