بعد قرار نقل خدمتها إلى مدينة نائية عن العاصمة, قررت شراء بيت صغير بدل الاستئجار, لم تجد بيتا يلائم ما تدخره من مال سوى بيت, عرضه عليها أحد السماسرة بتردد واضح يقول:
- لا أدري هل سيعجبك عرضي أم لا..؟ هنالك بيت صغير, لكن يقول الناس عنه بعض أشياء, لا أعرف, ما إذا كانت حقيقية.
نظرت إليه باستغراب وقد عقدت مابين حاجبيها تسأله:
- وماذا يقولون عنه ..؟
- يقولون, تسكن فيه أشباح !
أجابت بدهشة, وظل ابتسامة ساخرة تعلو محياها الجميل.
- تسكنه الأشباح!؟ ما هذه الخرافة, هيا, خذني إليه فقد يكون نصيبي.
نظرت إلى البيت نظرة فاحصة, وحين دخلت الباحة أحست برهبة بسيطة تعتريها, كان المنزل صغيرا بكل تفاصيله, وله نوافذ من كل جوانبه , الطابق الأرضي فيه غرفة نوم وصالة متوسطة, ومطبخه كان حقا رائعا تطل نافذته الواسعة على الحديقة الصغيرة, التي عمتها الأدغال حتى بدت وكأنها غابة موحشة, الطابق العلوي يحتوي على غرفة نوم وحمام, أحست بأنها وجدت ضالتها أخيرا.. وبحماسة شديدة حسمت سعر البيت مع التاجر وصاحب الدار.. فرحت كثيرا لأنها حققت صفقتها المثمرة بشرائها المنزل بأثاثه, فهي لن تحتاج سوى نقل حقائبها.. رفض أي عامل حاولت استئجاره لمساعدتها بتنظيف المنزل.. ووافق فلاح واحد أن يأتي كل يوم ليقتلع الأدغال من الحديقة, ويعيد تنسيقها, وبهمة عالية انهمكت تنظف البيت بدءا من غرفة النوم وترتيب الملابس ثم الصالة, لم تنهِ مهمتها حتى كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل, أخذت حماما ساخنا واندست بفراشها الذي أحسته مريحا, وأغمضت عينيها مستسلمة لنوم عميق.. استيقظت في الصباح وهي تشعر بالرضا عن نفسها وحياتها.
كان الفلاح يعمل بجهد كبير, حين حملت إليه كوب الشاي, وصحنا فيه بضع قطع من البسكويت, تابعته بعينيها الواسعتين بدهشة, وهو يلتهم البسكويت ويشرب الشاي بعجالة واضحة, فسألته مبتسمة:
- لمَ العجلة عماه ؟ خذ نفسا عميقا, فالتعب باد عليك .
- كلا يا ابنتي, يجب أن أنهي عملي بسرعة من هنا, فأنا صاحب عائلة كبيرة ومعيلها الوحيد, وهذا البيت يخيفني .. بل إنه يخيف كل أهل البلدة.. منذ توفي فيه ثلاثة أفراد بليلة واحدة.. تصوري ابنتي عائلة كاملة.. قضت نحبها هنا .
عقدت المفاجأة لسانها, وظلت تحملق بالرجل بنظرات زائغة, وهي مذهولة لا تدري ما تقول, انتبه الفلاح لها فاستطرد قائلا:
- لا تندهشي ابنتي, هذا ما حدث هنا, كانوا أربعة أفراد, الأب والأم وولد وبنت جميلة تشبه الزهور.. مات ثلاثة منهم.. وظلت أرواحهم تطارد كل من يسكن البيت.. وكأنها لعنة.. قالت الشرطة إنه تسرب غاز, لم يشعروا فيه وهم نيام, فقضى عليهم خاصة وإن الشتاء تلك السنة كان قاسيا, فنام الصغار مع والدتهم في الغرفة ذاتها, وكان الأب وقتها مسافرا, أعانه الله فحين عاد ووجد ثلاثة أكفان تنتظره ذهب عقله.. لم يحتمل تلك المصيبة.. بعدها لم يره أحدٌ لكننا سمعنا إنه بمستشفى المجانين .
علت وجهها علامات الحزن وهي تستمع لحكاية تلك العائلة المنكوبة, وأصابها الفضول لتعرف أكثر فسألته:
- ولمَ يتصور الجميع أن أشباحا تسكن البيت, عماه ؟
- لأن كل من يسكن البيت يرى أشباحا تجول أرجاء المنزل, و تصدر أصواتا غريبة ليلا, خاصة في الشتاء, بدأ هذا بالحدوث منذ عامين, بعد وفاة تلك العائلة بالتحديد, أرجوك ابنتي انتبهي لنفسك, ويا ليتك تتركين البيت لئلا يصيبك مكروه, لقد هرب كل من سكن البيت قبلك, خوفا ورعبا مما يجري فيه.
- لا تخف عليّ عماه, فأنا لا أخاف الأشباح, ومن قال أن هناك أشباحا أصلا !
هبط الليل, وهي ما تزل تنظف زجاج النوافذ والجدران, وحين انتهت كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل, ففضلت أن تترك ترتيب الرفوف إلى الغد, لأنها شعرت بالإعياء والتعب.. ابتلعتها غفوتها لحظة إطباق جفنيها, لكنها لم تكن مرتاحة بنومها مثل الأمس, حين استيقظت صباحا كانت تشعر بأن جسدها يئن من تعب اليومين السابقين.
كان الفلاح قد أنهى عمله في الحديقة فبدت وكأنها فردوس صغيرة, لجمال أشجارها وتنسيق زهورها المتناغم, فجلست ترتشف فنجان قهوتها بالرغم من برودة الجو, لكن المنظر سحرها فلم تستطع مقاومة إغراء الجلوس, والتمتع بمنظر الطبيعة الخلاب, والاستماع لزقزقة العصافير, تحت دفء الشمس الخجلة, حين انتهت من رشف آخر قطرة دخلت المنزل, وتوجهت لغرفة النوم في الطابق العلوي, أثار انتباهها درج مغلق, عندما فتحته وجدت إنه يحتوي على صور لعائلة, أدهشها إنها كانت صورا مألوفة لديها, ظلت تنظر إلى صورة المرأة وزوجها, وهما بثياب الزفاف والفرحة بادية عليهما.. وللحظة.. خيل إليها إنها لمحت خيالا.. يمر خاطفا من أمام النافذة.. فأجفلت ونفضت رأسها.. لتبعد عن بالها فكرة إن أحدا ما كان يراقبها.. أو إن شبحا قد خطف من أمامها توا.. فالأشباح تظهر ليلا..أعادت الصور إلى الدرج بعد أن مسحت الغبار عنها, ونزلت إلى الطابق الأرضي وتوجهت إلى المطبخ .. تنبهت إن ربطة الخبز لم تكن بمكانها الذي وضعتها فيه.. فوقفت مشدوهة تنظر إليها.. وظل شك وريبة يعلو محياها.. أرخى الليل ستائر الظلام الدامس, وعم السكون المكان فأحست بوحشة تعتريها, خاصة وهي غريبة بمدينة يخاف أهلها من بيت تسكنه.. هي لوحدها والأشباح.. فتعمدت أن تترك صوت التلفاز عاليا كي يؤنس وحشتها, ويخفف من وطأة توترها.. مذ لمحت الخيال.. وتحرك ربطة الخبز.. داعب النعاس جفنيها فذهبت إلى غرفة النوم, ولم تنسى أن تدير الراديو على إذاعة الموسيقى, لتشعر بالراحة والهدوء واندست بفراشها, سرحت أفكارها بالصورة وأصحابها وابتسامة الرجل وزوجته وفرحتهما, لم تعي كم من الوقت مر حين سمعت حفيف الأشجار وهي تتحرك.. فشعرت بقشعريرة شديدة.. وتوفزت كل أعصابها وحواسها.. وهي تجيل النظر بعينيها, هنا وهناك, صار صوت الحفيف أقوى.. وكأن شخصا ما يخترق الأشجار بسرعة وقوه.. أحست بالخوف الشديد يعتريها.. وارتجفت أوصالها.. وصوت حفيف الأشجار يزداد قربا, من نافذة غرفة نومها.. وكأن أحدهم سيخترق زجاج النافذة.. أطلقت صرخة مدوية من شدة خوفها وهلعها, وهي ترتعد هلعا ورعبا, وتتعوذ بآيات قرآنية, ليخيم بعدها السكون.
لم تستطع النوم لحظة واحدة وظلت ترتعش, وهي تسمع صوت أقدام تمشي في الطابق العلوي جيئة وذهابا, وكم استطال الليل عليها قبل انبلاج الفجر, لكنها لم تتحرك من مكانها مفضلة أن تشرق الشمس.. كي تشعر بالأمان.. صارت الدقائق دهورا وهي تنتظر الصباح وضوئه, لتهرب من المكان كله, تذكرت سخريتها من حديث الفلاح وتحذيره لها, وقصة العائلة المنكوبة.. وأشباحهم.. فأحست بالخجل من نفسها لأنها فكرت بالهرب من البيت, وآمنت بلحظة خوف, بوجود شبح فعلا, نهضت واقفة وهي تستجمع قواها من أجل أن تعرف مصدر تلك الأصوات والتحركات, وتوجهت مباشرة إلى سلم الطابق العلوي, حدثتها نفسها ((لابد أن هناك خطأ ما, وإن وراء الأكمة ما ورائها, لا أصدق بقصة الشبح )) ارتقت السلم حافية القدمين دون أن تصدر صوتا, توجهت الى غرفة النوم .. سمعت صوت تنفس يصدر من داخل الغرفة.. فأقشعر بدنها رهبة.. واهتز جسدها.. لكنها استجمعت ما بقي من شجاعتها وتابعت.. كان الباب مواربا فدخلت وهي تتبع مصدر الأنفاس, حتى وصلت الى الجهة الأخرى من السرير, لتجد شخصا نائما هناك.. على الأرض.
أرادت أن تصرخ بعلو صوتها وهي ترتعش.. لكنها تنبهت إن الرجل النائم يحتضن صورة الزفاف التي رأتها, وأن ملامحه ليست غريبة عنها .. أمعنت النظر بوسع عينيها بوجهه, فوجدته ملتح وآثار التعب والوهن والضعف بادية على محياه, لكنه يبدو مسالما وليس شريرا على الإطلاق, أخذت شهيقا عميقا ونظرت إليه مرة أخرى.. فغزت قلبها شفقة على هذا الرجل الغريب.. وهو يفترش أرض غرفة النوم, ولم ينم حتى على السرير, وملامحه الهادئة توحي بالسكينة والسلام, مدت يدها على كتفه بكل هدوء تحاول إيقاظه.. فأجفل حين شعر بيدها.. نظر إليها بخوف واضح.. وهو يقول لها بصوت خفيض متوسل.
- أرجوك لا تخافي.. أرجوك .. أنا لن أؤذيك صدقيني .
قالت وهي تلملم شتات قوتها ليبدو صوتها واثقا غير مهزوز.. ولتبدو هي المسيطرة على الموقف.
- لن أخاف ثق بيّ.. لمَ أنت ببيتي.. ومن أنت, ولمَ تحتضن هذه الصورة ؟
كانت عيناه تغص بالدمع حين أجابها.. بصوت مرتعش مهزوز.. مادا يده إليها بصورة الزفاف.. مؤشرا بإصبعه على وجه الرجل.
- كان هذا بيتي سابقا.. وأنا صاحب هذه الصورة .