الملاحظات
الرد على الموضوع
صفحة 1 من 3 1 2 3 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 12 من 25

الموضوع: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل

  1. #1 النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (1)
    خمن أن نهاية الصداقة الطارئة، حين يهبط أحدهما ـ قبل الآخر ـ في المحطة التي يريدها. لكنهما نزلا في المحطة نفسها. سارا، وتكلما، ودعته لزيارتها.
    اعتاد النزول من الأتوبيس في شارع سليم الأول. يخلف وراءه سوق الخضر والبنايات المتوسطة الارتفاع، ومحال بيع الأدوات الكهربائية والأقمشة والخردوات، ومبني كنيسة اللاتين. يميل إلي شارع نصوح الهندي. يخترق تقاطعه مع طومانباي. يستعيد ملاحظته عن الغبار الذي يضيع حرصه علي لمعة الحذاء. تبطئ خطواته أمام بناية حديثة البناء، أمامها بقايا حديد التسليح، وشقفات الطوب الأحمر، وخلطة الأسمنت والرمال والزلط.
    علي اليسار، بالقرب من نهاية الشارع، تطالعه الحديقة الصغيرة، تحيط بالفيللا البيضاء ذات الطابق الواحد. تشابكت، وغطت معظم الواجهة، أشجار الجوافة والجهنمية والفل والياسمين والبانسيانا بزهورها الحمراء. يجلس الأب في الشرفة الحجرية المستطيلة، يعلو صوته بالأغنيات التي لا يعرف ماهر لغتها. يصعد الدرجات الرخامية إلي الشرفة. يكتفي الأب بابتسامة مجاملة، ثم يعاود الغناء، أو يتجه إلي الباب المتصل بالحديقة. يضغط علي الجرس. يتوقع ـ كما حدث في المرات السابقة ـ أن تفتح شقيقتها الباب. تفسح له الطريق وهي تنادي: سيلفي..
    ***
    لم يقدر أن لقاء المصادفة سيكون انفراجة الباب لكل ما حدث.
    زاحم المندفعين في أتوبيس 153 من ميدان التحرير.
    اندفع نحو كرسي ناحية اليمين. طالعته استغاثتها الصامتة تحت النافذة، القامة المتناسقة، الشعر الحنطي المسدل إلي الكتفين، العينان الزرقاوان الباسمتان، الأنف الدقيق، الشفتان النديتان، الغمازتان اللتان تضفيان عذوبة علي وجهها.
    بدت غريبة في وقفتها داخل محطة الأتوبيس. ليست غربة المكان، وإنما غربة الملامح والزي الذي ترتديه. فستان فوق الركبة، أزرق، قصير الكمين، وحذاء مكشوف، وبيدها مظروف ورقي.
    أومأ لها برأسه، فصعدت لتجلس مكانه. السيدة البدينة ارتمت علي الكرسي بمجرد تخليه عنه، فأفسدت كل شيء. علا صوتها بنبرة توبيخ:
    ـ حجز الكراسي في السينما..
    اكتفيا بتبادل نظرات الارتباك.
    خلا الأتوبيس من معظم ركابه قبل محطة كوبري القبة. وجدت مكاناً، وجلس إلي جانبها. فاجأته بالشكر، وبمؤاخذتها للسيدة البدينة. ودعته في محطة نصوح. تجدد ـ بعد أيام ـ لقاء المصادفة. ابتسما بما يعني تعرف كل منهما إلي الآخر. تشبثت بساعديه، وسبقها في اندفاعهما وسط الزحام حتي جلسا متجاورين.
    قدم نفسه:
    ـ ماهر فرغلي.. موظف بدار المعارف..
    همست باسمها:
    ـ صوفيا جوتييه.
    لاحظت أنه لم يلتقط اسمها، وإن تظاهر بأنه عرفه.
    قالت في نبرة متباطئة:
    ـ صوفيا ميكيل جوتييه.. لكنهم في البيت ينادونني سيلفي.
    ـ مصرية؟
    أدرك ـ في اللحظة التالية ـ سخف السؤال..
    قالت في همسها:
    ـ طبعاً..
    ورفت علي شفتيها ابتسامة:
    ـ هل أبدو أجنبية؟
    حدس أنها أجنبية. لم يتصور ـ في حدسه ـ البلد الذي تنتمي إليه، وإن بدت غريبة عن المكان، كأنها تنتمي إلي عالم آخر..
    أزاحت خصلة متهدلة من شعرها جانباً، وهي ترفع رأسها:
    ـ ربما لأن أبوي من أصل أجنبي..
    تناثرت الكلمات، فعرف كل منهما عن الآخر ما لم يكن يعرفه. اجتذبه غياب التكلف عن كلماتها وهي تتحدث عن أسرتها المقيمة في الزيتون.
    اكتفت بالتلميح في حديثها عن إخوتها. لم تذكر أسماءهم ولا إن كانوا أكبر أو أصغر منها.
    قالت: إخوتي، وواصلت الكلام.
    حدثته عن أبيها النمساوي الأصل، وعن أمها الإيطالية. كان أبوها رئىساً لبنك باركليز، فرع بورسعيد. قتله المصريون في أحداث 1956. الأم أميرة إيطالية سابقة، لا تعي سيلفي أنها رأتها تغادر البيت إلا لزيارات متباعدة إلي شقيقة لها في بولاق. لا تدري كيف التقيا في مصر، ولا ظروف زواجهما، لكنهما أنجبا أربعة أبناء: ولدين وابنتين.
    قال:
    ـ ترفضون تحديد النسل.. مثل المصريين.
    كان يستنكر في نفسه سرعة الانفعال بما يدفعه إلي إبداء رأي قد لا يتدبره، كلمات تسبق تفكيره. يؤلمه الاستياء الذي تتقلص به الملامح، وربما العبارات الرافضة.
    قالت دون أن تجاوز هدوءها:
    ـ نحن مصريون..
    حدثها عن عمله في قسم المراجعة بدار المعارف. يشغله منذ تخرجه في دار العلوم:
    ـ ميزة عملي أن مكتبي يطل علي النيل.
    وهي تئد ابتسامة رفت علي شفتيها:
    ـ هل تجلس للفرجة؟
    ـ لا بأس أن أطل ـ وأنا أعمل ـ علي منظر جميل..
    أشارت إلي مبني هائل علي تقاطع سليم الأول وسنان:
    ـ هذه مدرستي.. النوتردام دي زابوتر..
    قال:
    ـ هل هي قريبة من البيت؟
    ـ مجرد أن أعبر الشارع..
    ـ كانت دار العلوم قريبة من بيتي.
    كلمها عن أعوام دراسته في دار العلوم، عن أساتذته: علي الجندي ومهدي علام وأحمد الحوفي وعمر الدسوقي وتمام حسن. قلد كلاً منهم في محاضراته: المفردات، طريقة الكلام، ردوده علي أسئلة الطلاب.
    أصاخ سمعه لحديثها عن أيام الدراسة: الدخول إلي الكنيسة قبل الحصة الأولي، البنات المسلمات يقضين فترة ما قبل اليوم الدراسي في حوش المدرسة، الصلوات التي تستغرق وقتاً أطول من وقت تلقي الدروس، الملابس البيضاء ترتديها الطالبات في المناسبات الدينية، وفي الأعياء، يترنمن بالقداس، وبالألحان الدينية، زيارات الآباء من معهد الدومينيكان، والمطران من كنيسة البازيليك، استغناء مدرب الكرة الطائرة عن عضويتها لأنها أقصر مما يجب، ادعاؤها ضرورة العودة إلي البيت ـ في أوقات الدروس الصعبة ـ لرعاية أمها المريضة.
    تهمس ضاحكة:
    ـ أمي مريضة بالفعل منذ أشهر!
    لم تشغله ـ في البداية ـ طبيعة العلاقة، ما إذا كانت الصداقة الطارئة ستثبت في علاقة دائمة. اطمأن إلي أن الصداقة ستشهد نهايتها حين يسبق أحدهما الآخر في النزول إلي المحطة التي يريدها، لكنهما تأهبا للنزول في المحطة نفسها.
    سارا متجاورين، تكلما..
    تعددت لقاءاتهما علي باب كنيسة اللاتين، في التقاء ناصيتي طومانباي ونصوح، أمام سراي البرنسيسة الملاصقة لمدرسة النوتردام.
    يهبط من الأتوبيس علي ناصية السور الخلفي لسراي الطاهرة، يمضي بقية الطريق علي قدميه.
    استمهلته ـ ذات عصر ـ قبل أن تميل إلي نصوح الهندي، ويواصل السير في شارع السلطان سليم ـ:
    ـ قلت إنك خريج دار العلوم.
    أومأ برأسه مؤمناً.
    قالت:
    ـ أحتاج إلي دروس في اللغة العربية، ستزورنا لهذه الدروس.
    استطردت لارتباكه الصامت:
    ـ مجرد حيلة لاستضافتك.
    رد مع اقتباس  
     

  2. #2 رد: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (2)

    عاني ـ لرؤية الرجل الجالس في الشرفة يغني ـ ارتباكاً لم يفلح، حتي أمام سيلفي ـ في مداراته. تأمل اللحن، اجتذبه، وإن لم يفهم الكلمات. ـ أبي. ما عدا الأرض الخلاء في ناصية تقاطع شارع نصوح، والشارع المتفرع منه ـ لم يعن بأن يسأل عن اسمه ـ فإن البنايات تلاصقت في الشارع الصغير.
    الفيللا من طابق واحد، تحيط به حديقة، الدرجات الرخامية الخمس، تصعد إلي الشرفة العريضة، الممتدة بطول الواجهة، من خلال الباب الحديدي الخارجي، والعمودين بمساحة المتر، يعلو كل منهما مصباح زجاجي مكور.
    الشرفة تطل ـ من الواجهة ـ علي الشارع الصغير، ومن الجانبين علي الحديقة المتكاثفة الأشجار، الأرضية علي هيئة مربعات الشطرنج. تتناثر فوقها كراسي من الخيرزان، تتوسطها منضدة ذات سطح زجاجي. السلم الجانبي، متآكل، يهبط إلي البدروم. الصالة في مواجهة باب المدخل المتداخل الحديد والزجاج. الأسبق عالية، والجدران يغطيها الورق ذو النقوش الملونة. في مساحة الجدار المواجه بوفيه من خشب الماهوجني الأسود، فوقه ثلاثة شمعدانات متجاورة من زجاج من زجاج المورانو، وتماثيل صغيرة من الزجاج الملون. يتوسط الصالة أنتريه مطعم بالصدف من أربعة كراسي وكنبة، تتوسطه طاولة من الخشب المنقوش. علق أعلي الجدار صليب فضي، إلي جانبه صور فوتوغرافية، ولوحات تآكلت حوافها. تتقابل الحجرات الأربع المغلقة، عدا واحدة مواربة. الطرقة ـ علي اليسار ـ تفضي إلي حجرة خامسة، خمن أنها حجرة المائدة، وإلي الحمام والمطبخ.
    يتنبه لترامي سقوط الثمار من أشجار الحديقة وارتطامها بالأرض. تعيده إلي نفسه، وإلي حيث هو.
    علا صوت بالسؤال من داخل الحجرة الأولي علي اليمين:
    ـ أمنا مريضة وتصرين علي البقاء خارج البيت؟!
    حدّس ـ من الصورة التي رسمتها في ذاكرته ـ أن الصوت لأنطوان، شقيقها الأكبر. اختلج صوتها بنبرة سخط:
    ـ ابحث عن عمل.
    ـ تستطيعين الانتظار.
    ـ استدرك بنبرة متأثرة:
    ـ أمنا تحتاج إلي رعايتك.
    وهي تضغط براحتيها علي عنقها:
    ـ أحاول إنقاذ نفسي قبل أن أختنق!
    سبقت ماهر إلي الحجرة الثانية علي اليسار. الستارة القطيفة، الغامقة الزرقة، المسدلة علي النافذة، تعيق دخول أشعة الشمس، لكنها تهب من الضوء ما يعين علي الرؤية.
    في الوسط منضدة صغيرة، عليها مجلات ومنفضة سجاير، وإلي الجانب مكتب صغير من خشب الأبنوس. وفي الزاوية دولاب بضلفة من الزجاج، تكسدت فيه كتب مجلدة.
    بدت السيدة الراقدة علي السرير ـ أدرك أنها أمها ـ مريضة، فلا تقوي علي الحركة. العينان ساجيتان، والعروق خضراء تبين من وراء البشرة الأقرب إلي الصفرة، وهالة الشعر الفضي أضفت علي وجهها سكينة. حدس أنها كانت ـ في شبابها ـ ذات جمال رائق.
    لم يستطع أن يخمن عمرها، وإن بدت متعبة للغاية.
    مالت سيلفي عليها. مسدت شعرها الأبيض المهوش. همست:
    ـ هذا ماهر.
    قالت ـ بلغة لعلها الإيطالية ـ كلاماً كثيراً، قدمته به لأمها. فطن إلي أن الأم لا تعي كلماتها، ولا تعي شيئاً.
    تبين الانفراجات بين الأشجار المتشابكة عن أجزاء من البيت المقابل. خلت واجهته إلا من الطوب الأحمر، وإن وشت بحداثة البناء، وخلت مما اتسمت به فيللا جوتييه، والفيلات والبيوت القديمة، المنجاورة من ميل إلي الارتفاع والنقوش والمقرنصات. امتلأت نوافذ الطوابق الثلاثة العلوية بخزين الطعام وبقايا الأثاث، وتدلت قطع الغسيل من المناشر الممتدة أمامها. نوافذ الطابق الأول مغلقة، وإن ترامي اختلاط ندادات وشتائم وأغنيات وصراخ أطفال.
    عرف أن الأب خرج إلي المعاش بعد أن بدلت قوانين التأميم اسم البنك إلي بنك الإسكندرية. قدم من النمسا قبل الحرب العالمية الأولي. التحق ـ بالشهادة المتوسطة ـ موظفاً من بنك باركليز. تزوج ابنة رئيسه الإيطالي. ترقي في وظائف البنك حتي حصل علي حق التوقيع. ظل في فرع الموسكي منذ بداية تعيينه، حتي أحيل إلي المعاش.
    ـ لو أن بنك باركليز لم يؤمم، ربما ظل أبي في عمله..
    ـ وسن والمعاش؟
    فكرت قليلاً:
    ـ خبرته تعطيه الحق في تجاوزها.
    هل نسيت ـ أو تناست ـ كلامها عن موته بأيدي المصريين في معارك 1956؟ ما حكاية قتل المصريين للرجل في أثناء عمله مديراً لفرع بنك باركليز ببورسعيد؟ ولماذا نسجت هذه الحكاية التي تبدو ـ من فتاة في سنها ـ حقيقية وصادقة؟ لماذا اخترعت ما لا يوجد سبب لاختراعه؟ هل كانت تتصور ابتعاده عن حياة أسرتها، فأرادت استمالته بالحكاية الغريبة؟
    كان يستطيع أن يسألها، أو يسأل نفسه: كيف يعمل الأب في بورسعيد، ويقيم في القاهرة؟
    خشي أن مجرد التلميح طريق النهاية التي لا يرجوها. بدت سيلفي تكويناً في صورة المستقبل. ربما تقوضت الصورة تماماً لو أنه جذب خيط السين والجيم. ربما قالت ما روته لاختبار مشاعره، أو لعلها أرادت ـ في البداية ـ أن تبعده عنها، ربما أي شيء سيتعرف عليه بتوالي الأيام.
    وهو يمسد شعره بأصابعه:
    ـ أظن أن تأميم الصحف أفادني.
    شجعته ـ بإيماءة ـ تكملة كلامه.
    قال:
    ـ ضُمّت دار المعارف إلي الأهرام. وسط أبي رؤساءه في إدارة توزيع الأهرام. عينت بدار المعارف فور حصولي علي ليسانس دار العلوم.
    تكررت زياراته للفيللا حتي اعتادوا رؤيته، لا يعرف إن سألوا سيلفي عنه، أم أن هذا هو أسلوب حياتهم؟
    كلمته عن مشوارها اليومي إلي وسط البلد. تبحث عن عمل بالثانوية العامة. لم تجد في نفسها ميلاً لدخول الجامعة. اقتصر بحثها علي الفنادق وشركات الطيران والسياحة. لو لم أجد سوي العمل في الحكومة، فسأظل في البيت، ما أتقاضاه من أبي يوفر لي الحياة التي أريدها، وإن كنت لا أتصور أني سأظل مع أنطوان في بيت واحد (غالب الحرج في أن يسألها إذا كانت قد صدقت فيما قالته هذه المرة؟!).
    وسمت العفوية كلماتها وهي تحكي مغامرتها الأولي في تدخين سيجارة. أطالت الوقوف داخل دورة مياه المدرسة، وتأكدت من زوال رائحة الدخان ـ تخشي أنطوان ـ في النعناع الذي مضغت أقراصاً منه.
    لاحظ اهتمامها بما يرويه عن المواردي. تسأل وتجيب، تستوضح، تظهر التأثر والحزن والألم والإشفاق. تبتسم، وتضحك، يعلو صوتها بالتعليقات، المواردي لا يعرف الهدوء، اختلاط الصيحات والنداءات والضحكات، وضربات حجارة الطاولة علي طاولات المقهي، أول الشارع. نصوح يختلف، هو هادئ دائماً.
    روي لها عن صحوه علي أذان الفجر في جامع السيدة زينب، عبارات أخته زينب المحتجة حول من يملأ القلة الموضوعية علي نافذة المنور، حرص أبيه علي أن يكشف أغطية الأواني، يتذوق ما فيها من طعام، صرخة أمه للمساحيق التي غطت بها شقيقته الصغري هناء وجهها. ضحكة هناء لتهديد الأم: إذا فعلت ذلك ثانية فسأضربك!.. كلمات أبيه عن تحسن صحته، بعد أن اختار الذهاب ـ سيراً علي القدمين ـ إلي عمله بإدارة التوزيع في »الأهرام«، بدلاً من ركوب المواصلات. مشوار لا بأس به من المنيرة إلي شارع مظلوم.
    تحولت الابتسامة إلي ضحكة ـ لم يقو علي إسكاتها ـ حين استعاد ما قالته أمه: لن نستطع استضافة فتاتك، هي خواجاية من الزيتون، ونحن أولاد عرب من المواردي!
    استيقظ ذات صباح. وجدها ترنو إليه من سقف الحجرة.
    عرف أنه أحبها..
    هل تحبه؟
    ***
    يجيش في نفسه الشوق لرؤيتها: وهو في مكتبه المطل علي النيل، وهو يراجع بروفات الكتب، وهو يركب الأتوبيس في تنقله بين دار المعارف وبيوت المؤلفين، وهو يجلس إلي أسرته في حجرة القعاد.
    مثلت في حياته ما لا تمثله زميلات دار المعارف، ولا بنات الجيران، ولا البنات القريبات، ولا حتي أخته زينب التي يعدها صديقة حقيقية.
    لم تعد صورتها تفارق عينيه، ولا يفكر في غير الأوقات التي يقضيها إلي جنبها، في البيت، أو في الشارع، أو في »أسترا« علي ناصية ميدان التحرير وشارع محمود بسيوني، هو أنسب الأماكن للجلوس بعيداً عن الأعين، وإن حرصا علي الابتعاد عن حركة الطريق. يغيبان عن بعضهما يومين، أو ثلاثة، فلا يشعر أنهما قد افترقا لحظة.
    اجتذبته بما يصعب عليه تحديده، آفاق لا حدود لها، ربطته بقيود خفية، لا يراها. لا بد أن هذا هو ما تشعر به.
    هو يحبها، ويعرف أنها تحبه.
    روت عن مشاهداتها المتباعدة لعروض الأوبرا الأجنبية. تنزل من الأتوبيس في ميدان العتبة. تخترق زحام شارع الموسكي، إلي مبني بنك باركليز، بالقرب من بداية الشارع. تنتظر أباها حتي موعد انصرافه، ساعة أو أقل. يصحبها في الطريق نفسه. يعبران الميدان: قسم شرطة الموسكي، ومبني المطافي، والبريد المركزي، إلي ميدان الأوبرا. تعرف أن تمثال إبراهيم باشا قبالة باب الأوبرا. شاهدت عروضاً إيطالية وفرنسية. رددت مع أبيها ـ في طريق العودة ـ ألحاناً مما استمعا إليه.
    حدثته عن سيمفونيات سترافنسكي وبيتهوفن وموزار وباخ وواجنر. استعاد الأسماء، أو تظاهر بأنه يعرفها.
    قال:
    ـ أحب الغناء من أبيك، لكنني لا أحب عروض الأوبرا، لا أفهم الكلمات، وأجد في الألحان مجرد زعيق!
    ورفع راحتيه كالمعتذر:
    ـ أفضل أن أكون صادقاً فيما أتذوقه، ولا أنساق إلي ما لا أفهمه!
    اتجهت بنظرها إلي الأرض تداري ابتسامة:
    ـ ليس الأمر صعباً إلي هذا الحد!
    وعدت بأصابعها:
    ـ إنها ـ عادة ـ مجرد أربع حركات موسيقية، لو أنك أعطيتها اهتمامك فستجد فيها ما يستحق السماع.
    وضغطت علي الكلمات:
    ـ لو أنك أعطيت انتباهك، ربما تبدل رأيك.
    ـ الموسيقي الشرقية هي التي تجتذبني، تطربني، لا تعادلها عند موسيقي أخري.
    تمني لو أن فمه ظل مغلقاً. يؤلمه أنه ـ إذا تحدث ـ قال كلاماً سخيفاً، وبلا معني. لم يكن يحسن التعبير عما في نفسه، أو يخفيه.
    روت حلماً استقرت به نفسها: وقفت ـ متحيرة ـ أمام طريقين تظللهما أشجار مشابهة لأشجار حديقة الفيللا.
    عادت من أحد الطريقين، بعد أن تساقطت ـ بمجرد الخطو ـ أمطار طينية. اصطبغ بالسواد جسدها، وما عليها من ثياب. وضعت قدمها ـ بالخطوة الأولي ـ في الطريق الثانية. تشجعت ـ بالأوراق الخضراء المتساقطة ـ علي مواصلة السير.
    رأت ـ في نهاية الطريق ـ شخصاً يشبهه. تأملته. هو نفسه من كان يقف تحت شجرة هائلة تماثل أشجار الحديقة.
    مدت ذراعيها، تحاول التأكد مما رأته.
    صحت علي لكزة دومينيك المترفقة في كتفيها:
    ـ من تكلمين؟
    شيء ما في نبرة صوتها دفعه ـ بينه وبين نفسه ـ إلي استعادة ما قالته: هل رأت حلماً، أو أنها تومئ بما تصورت أنه لا يشغله؟
    ***
    ناوشه السؤال، وإن خنقه في داخله: هل عرفت شباناً قبله؟
    فطن إلي أنه ليس أول من عرفته. وشت تصرفاتها بما حاولت إخفاءه. بدت الآفاق ـ بمجرد التلميح ـ غير واضحة، وقد تطالعه بما يبعدها عنه.
    يضايقه الكثير من تصرفاتها، وما ترويه، لكن شيئاً غامضاً يربط بينه وبينها، ليس الحب وحده، لكنه شعور بالألفة والطمأنينة.
    كان يمني نفسه ـ قبل أن يلتقي سيلفي ـ بعلاقة حب. لم يرسم للفتاة ملامح في ذهنه، ولا تصور كيف تبدأ العلاقة، ولا كيف تنتهي.
    رد مع اقتباس  
     

  3. #3 رد: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (3)

    أهمل السؤال: كيف دخل عياد حياتهم؟
    وجده يجلس - فترة بعد الظهر - الي دومينيك، يكلم سيلفي وجان، تتسم عباراته بالألفة، وما قد يبدو جرأة، أنطوان - وحده - بدا أنه لايطيقه.
    في حوالي الثلاثين، قمحي البشرة، اوضح ما يميزه شعر أكرت، وعيناه بنيتان، لامعتان، وأنف متضخم، وشفتان ممتلئتان، اميل الي الهدوء، لايبين عن حقيق مشاعره، ولا يبدو عليه التأثر ولا الانفعال بما يوجهه اليه انطوان من اسئلة وملاحظات، ولا ما يتشابك امامه - أحيانا - من مناقشات بين انطوان وجان، عدا احاديثه الهامسة مع دومينيك، فانه يظل صامتاً، لايتكلم الا ليلقي سؤالا، او ليجيب عن سؤال.
    العربية لغة الاسرة مع ماهر وعياد، وان لجأوا - فيما بينهم - الي لغتين، عرف ماهر من سيلفي انهما الفرنسية والايطالية.
    لم يكن عياد يغير كرسيه في زاوية الشرفة التي تقف علي أعمدة حجرية، تطل واجهتها علي الشارع، ومن الجانبين علي الحديقة، معظم وقت الزيارة تبادله دومينيك مناقشات هامسة، كأنهما يتكلمان عن اسرار لايريدان لاحد ان يعرفها، تومئ دومينيك لعياد مستأذنة، تتنقل داخل الفيلا، ما بين الصالة، والحجرات الخمس، والمطبخ، والحمام، لتجديد هواء حجرة الام، تحرص - في اوقات متقاربة - الي فتح النافذة، بينما تظل الستارة مسدلة، تنهي ما تنشغل به، تعود الي الاحاديث الهامسة.
    ربما اختار ماهر الجلوس في طرف الشرفة يتشاغل بالتطلع الي حركة الطريق الهادئة - ساكنة تماما في معظم الاوقات - من خلال الفروع والاغصان والاوراق.
    كان عياد يتجه باسئلة متباعدة الي المسيو ميكيل، طلب نصيحة انطوان في نقود يريد ايداعها البنك، واجهه بعينين تطلبان النصيحة، بداية مناقشة قد تخرج انطوان عن صمته.
    قال انطوان وهو يشير الي الحجرة اليمني:
    - جان.
    عرف عياد انه يريد ان ينقل له شعوراً بعدم رغبته في الكلام.
    قد يفاجئه انطوان بملاحظة، يهملها، او يحاول - في كلمات قليلة - توضيح موقفه.
    لم تنشأ بينه وبين ماهر علاقة من اي نوع، لا صداقة ولا عداوة، كان يعبر ماهر بنظراته، اذا التقت النظرات، اكتفي بايماءة، وان تحدثا - في اوقات قليلة - متباعدة، عن ظروف عمله في دار المعارف، ومخاوف عياد من قوانين التأميم - عرف انه يشرف علي مصنع صغير للنسيج بالوايلي، وان تردده علي البيت بدأ لمراجعات حسابية اجراها له المسيو ميكيل - واحوال الجو، ومباريات الكرة.
    ضايق انطوان ان دومينيك لم تبتعد عن عياد حين اظهر معارضته لزواجهما، اظهر ضيقه - ذات عصر - وهو يخترق الردهة الي داخل البيت، لم ينظر ناحية دومينيك وعياد في جلستهما داخل السور المطل علي الحديقة.
    اشار لها من حجرة الصالون.
    واجهته بعينين زرقاوين، واسعتين، قلقتين، ووجه صبغته الحمرة، وشفتين مرتعشتين، وعروق نافرة في عنق شبيه بعنق الغزال.
    عدلت - بعفوية - الايشارب الحرير الذي احاطت به رأسها، والفستان الشيت المزين بزهور ملونة، والشبشب المنزلي الذي اخطأت فيه موضع قدميها.
    قال في صوت تعمد ان يكون مرتفعاً:
    - هل تجدين ان هذا الرجل يناسبك؟
    - ما يعيبه؟
    - هل هو من بيئتنا؟
    - لا اجد في إصبعا ناقصا، ولا اجد فيه اصبعا زائدا.
    وهو يحرك قبضته امام وجهها:
    - أمرتك الا تصادقي شابا من غير ديننا!
    - هو صديق ابي وصديقي.. وخطيبي أيضا..
    وزفرت في ضيق:
    - وهو مسيحي، اختلافه في المذهب
    وشت لهجته بالحسم:
    - نحن كاثوليك..
    وزاد ارتفاع صوته كأنه يصرخ:
    - هل ضاقت بك الدنيا؟!
    ثم من بين اسنانه:
    - أنا لست روفيانو!
    ارتجفت شفتاها، همت ان تقول شيئا، يعبر عن الرفض، او الغضب.
    غالبت حشرجة:
    - كف عن هذا الكلام!
    شعرت انه ليس لديها ما تضيفه، فظلت صامتة.
    عرف ماهر من سيلفي ان الكلمة تعني القواد.
    ظلت دومينيك تستقبل عياد، يجلسان في الشرفة الدائرية، الواسعة، المطلة علي الشارع، او في الصالة، يتحدثان، ويتهامسان، حتي يتقدم الليل، فينصرف.
    تعرف دومينيك ان الجرأة لاتنقصه، باح لها بخشيته ان يفقدها، يمنعه انطوان من دخول البيت فلا يلتقيان، لن تتاح له فرصة اللقاء في الكنيسة، او سوق الخضر، او الطريق، هذا هو عالمها، يصعب ان تجد فيه لحظات تنصت اليه، ترد علي اسئلته تأخذ منه وتعطي.
    لم يكن يأخذ مع سيلفي او يعطي، مجرد كلمات مجاملة، يتجه كل منهما بكلامه الي دومينيك.
    مرة وحيدة، ابدي ملاحظة حول الحرية التي تنطلق فيها سيلفي دون افق، ردد كلمات من صلاة الشكر: »من اجل هذا نسأل، ونطلب من صلاحك - يا محب البشر، امنحنا ان نكمل هذا اليوم المقدس، وكل ايام حياتنا، بكل سلام، مع خوفك، كل حسد، وكل تجربة، وكل فعل الشيطان، ومؤامرة الناس الاشرار، وقيام الاعداء الخفيين والظاهرين«.
    ومضي الغضب في بريق عينيها، ورفعت كتفيها، ومضت الي الداخل.
    ***
    قال انطوان لأمه في لحظات إفاقة:
    - نحن نحرص علي زيارة الكنيسة، ونهمل اقامة الشيطان في بيتنا.
    اضاف للحيرة في عيني الام:
    - انا اري التصرفات، لكن الشيطان يختفي حيث لانراه!
    اكتفت السيدة كاترين بنظرة ساهمة، بعد ان اوقفت دومينيك عن الدراسة، صار زواج الابنة - وحده - شاغلها، تملكها القلق لتأخر زواج دومينيك، خشيت ان يقعدها المرض، لايتقدم لخطبتها احد، تظل العمر عانسا.
    رد مع اقتباس  
     

  4. #4 رد: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (4)

    تدخل الكنيسة في طريقها إلي شارع نصوح. تصر السيدة كاترين أن يترددوا علي الأب يوحنا، في عودتهم إلي الفيلا. تعبر الحديقة الصغيرة ذات السور الحديدي، وأشجار البانسيانا، العالية، إلي صحن الكنيسة، والأبواب الخشبية الثلاثة، باب كبير، يتوسط بابين صغيرين، تصعد إليها ثلاث درجات رخامية.
    الخادم مشغول في نفض الغبار عن الأيقونات والصلبان المعلقة علي الجدران..
    تشعل شمعة، وترسم الصليب علي صدرها، وتؤدي ـ بتمتمات ـ بعض الصلوات والأدعية، تجثو علي سجادة الركوع، تستغرق ملامحها في الترتيل.
    قال الأب لدومينيك:
    ـ لك صوت جميل..
    وواجهها بنظرة متسائلة:
    ـ لماذا تتكاسلين عن الترنم في الكنيسة؟
    أقعدتها أمها في البيت. أعدتها لبيت الزوجية. علمتها الجلوس علي ماكينة الخياطة، وتطريز الستائر، والغسيل، والكي، والطبخ، وصنع الحلوي. تشغل نهارها، ووقتاً من الليل، في العمل، تكنس، وتمسح، وتغسل، وترتب، وتنفض.
    تواظب علي القداس اليومي. تحرص أن تجلس في الصفوف الأولي، تتابع القداس بخشوع، تكثر من الجلوس أمام كشك الاعتراف، ربما حضرت صلوات المساء.
    قبل أن يتردد عياد علي البيت، وتطمئن إليه، كانت تحرّم علي نفسها مجرد النظر إلي أي شاب، ولو بجانب عينها، ولو باللمحة.
    لم تكن تسامح نفسها إذا تحركت مشاعرها لرؤية شاب. تلتقيه في الطريق، أو سوق الخضر، قد يطل من نافذة، أو يقف داخل دكان. تظل الملامح في بالها. تعرف أنها أخطأت بما يستدعي الاعتراف. ترسم علامة الصليب، وتسرع خطواتها إلي الكنيسة. تزور الأب يوحنا في حجرته، أو تضغط علي جرس الاعتراف، لتروي.
    تكون ـ في داخلها ـ إحساس بأنها تمتلك من الحصانة ضد الإثم ما يعينها علي مواجهة أية مغريات..
    أقسي أيامها حين يداهمها صداع، أو وجع في جنبها. يداخلها معه حزن لا تدري مصدره. تطيل النظر إلي السماء، كمن تناجي الظلمة والقمر والنجوم والسحب. تضيق بالأسئلة والملاحظات. تلزم حجرتها، لا تفارقها إلا لدورة المياه. يدفع من يتصادف وجوده الباب الموارب حين يعلو صراخها. ألفوا سيطرة نوبات التشنج عليها. تعاودها علي فترات متباعدة. تتطوح ذراعاها وقدماها، وتتسع عيناها، وتتصلب، ويسيل الزبد الأبيض من جانبي فمها. تظل في تشنجها وهي بين ذراعي أنطوان أو جان، لا يتركها إلا بعد أن تهدأ.
    لم تعد الأدوية تعيدها إلي حالتها وصفائها النفسي..
    رفض أنطوان نصيحة الشيخ جميل غازي إمام جامع العزيز بالله، بأن يقام لها زار. لم يفهم المعني في البداية، ثم رفضه تماماً..
    ـ هذه طقوس إسلامية!
    ـ ما يهمنا أن تخرج الجان من جسدها..
    ـ الجان؟!
    ثم وهو ينفض رأسه:
    ـ لا أؤمن بهذه الخرافات!.
    اعتادت التردد علي الكنيسة، والصلاة فيها، صباح كل أحد. تظل إلي ما بعد انصراف الجميع. يستقبلها الأب بابتسامة مرحبة. يسألها عن الأسرة. يعرف أفرادها بالاسم.
    عرفت من الأب سر القربان المقدس، وسر الزيت المقدس، وسر التعميد، وسر المناولة.. أسرار كثيرة حدثها عنها الرجل..
    لا تكتفي بالأحد يوماً واحداً تزور فيه الكنيسة. ربما ترددت عليها مرة أو مرتين في اليوم الواحد. تشعر بالضيق، أو بالوحشة. ترتدي ما تصل إليه يدها، وتمضي إلي الكنيسة. تنتظر فراغ الأب مما يشغله. يهبها إنصاته، ثم يشير عليها بما ينبغي أن تفعله.
    أودعت الأب كل أسرارها. لم تعد تخفي شيئاً. حتي العلاقة بين إخوتها بعد رحيل الأبوين، روتها له، وطلبت نصيحته. أظهرت تخوفها من سعي أنطوان لبيع الفيلا، قبل أن يهاجر إلي أمريكا. هي الآن ـ وحدها ـ تعيش في الفيلا. ساعدها عياد في منعه من تحقيق غرضه.
    تلقت ماء التعميد علي يد الأب يوحنا.
    عندما طلب الأب أن تسمي ـ عند التعميد ـ كريستينا، رفضت الأم، وأصرت علي تسمية دومينيك.
    ألفت قداس الأحد: المجامر والتراتيل والصنوج والترانيم والبخور ذا الرائحة المميزة والدكك الخشبية والصلاة وتناول الخبز السماوي ولذعة النبيذ وطبق العطاء..
    كان الأب يوحنا علي ثقة من أن الخالق يساعد العباد علي أمور حياتهم، وما يطرأ من مشكلات. وكان يرفض النذور والقرابين. يري أن أفعال المرء هي طريقه إلي الجنة، أو النار..
    يعرف بيوت الأسر الكاثوليكية في الزيتون، ويعرف أحوالهم، والمشكلات التي يواجهونها. لا تقتصر معرفته علي ما يفض به المترددون علي الكنيسة عن أنفسهم وراء الستارة المسدلة، إنما هو يزور البيوت، ويكلم من يلتقي بهم في الطريق، ويلحظ الغائبين، ويدعو الجميع، فيزورونه في الكنيسة. يسأل، ويجيب، ويناقش، ويبذل النصيحة. إذا تأخر أحد المترددين علي الكنيسة عن قداس الأحد، قرع الأب باب بيته في يوم تال، يسأل عن السبب. يعيب علي الكاثوليك من أبناء الزيتون أنهم يهملون تعميد أبنائهم، ولا يعنون بالتردد علي الكنيسة ـ دومينيك استثناء جميل ـ وأداء طقوس الدين، أو يترددون علي الكنيسة لمجرد أداء الواجب. ربما ترك الكنيسة إلي بيت ينتظره فيه من يعوزه القربان المقدس، أو سماع الاعتراف، أو تلقي المسحة الأخيرة.
    يقبل الهدايا للكنيسة، ويرفض الهدايا لنفسه:
    ـ لا أحب أن أقف في موضع الحرج!
    ***
    ظل الأب صامتاً، يحمل في يده المرشة المضمخة بالماء المقدس. يحرص أن يلزم الجميع الصمت أوقات القداس. حتي السعلة، أو العطسة، يتجه ناحيتها بنظرة غاضبة. يغيظه الكلام داخل الكنيسة، وعدم الإنصات إلي عظاته، أو إلي طقوس الصلاة.
    الصولجان المذهب يحيط برأس الأب. يستعيد إكليل الشوك علي رأس تمثال المسيح في مدخل الكنيسة، وإن خلا من إيحاء وجود الدم.
    استقر الحضور علي الدكك الخشبية. الشمامسة الصغار يرتلون الترانيم، ويهزون مجامر البخور. أصداء الترانيم تتردد في الأسقف العالية، المتداخلة، والجدران. كورال الكنيسة يشدو قداساً بموسيقي باخ وموزارت وبوتشيني.
    خفض الحضور الرءوس، وشبكوا الأيدي علي الصدور.
    هذا هو العالم الذي تحبه: المذبح، وتضوع البخور، صليل الأجراس الصغيرة، أردية الكهنة الفضفاضة يختلط فيها الأبيض بالبني، وتحيط بها ـ في المناسبات ـ الخيوط المذهبة، العصا العاجية ذات القبضة المذهبة، الشموع المضاءة، عزف الأورغن، وتراتيل الجوقة، وأصوات المصلين المتناغمة، والعيون المسبلة، وعلامة الصليب، والتمتمات، والألحان السماوية، وترتيل الآباء والشمامسة، والقربان المقدس، والزيت المقدس، والمعمودية،والمناولة المباركة، وصلاة السبحة، وصلوات الغروب، والتاسوعات، وطقوس التبخير، والرنو إلي المغفرة.
    مالت إلي حجرة الأب في يسار الواجهة. اعتادت الرائحة العتيقة، لا تدري مصدرها، ولا تستطيع تحديدها.
    الصليب يعلو الجدار، وتمثال العذراء تحمل المسيح، وعلي الأرفف تماثيل صغيرة لقديسين وشموع ومباخر. تقبل يده، وتنصت إلي دعواته ونصائحه: عندما نتقبل صوت الله فإن الله يجتذبنا نحو المسيح.. تناول القربان المقدس والصوم والإخلاص في التوبة يوصلنا إلي اكتشاف يسوع المسيح.. علينا أن نكون شاهدين للمسيح، نعطيه كل شيء.. حتي حياتنا.. علينا أن نتأسف عن قبائح تصرفاتنا وكلماتنا وندينها.. عندما تتقبل صوت الله فإن الله يجتذبنا نحو المسيح. الأب والابن والروح القدس، الخالق الأزلي الأبدي، المالئ كل مكان، العالم بالأسرار قبل كونها.. كيف نخشي التوبة وقد أنقذنا الله من سلطان الظلمة ونقلنا إلي ملكوت ابن محبته؟.. احتمي بالمسيح، وتشبثي بنعمته، وقوة دمه الغفورة.
    قالت دومينيك للأب يوحنا:
    ـ ارتكبت خطيئة..
    قال الأب:
    ـ افتحي باب قلبك لأن المسيح واقف علي الباب يطرق..
    واحتضنها بنظرة مشفقة:
    ـ أن نعترف بخطيئتا، فهذه بداية صحيحة..
    واتجه إليها بنظرة متأملة:
    ـ هل هي خطيئة جسدية؟
    وهي تغالب شعوراً بالأسي:
    ـ ربما..
    ـ كيف؟
    تعمدت أن يعلو صوتها لتقضي علي التردد في داخلها:
    ـ تركت يدي للشاب الذي أعرفه.. ظل يضغط عليها، ثم تركها..
    أردفت وهي تعاني الانفعال:
    ـ شعرت أني موافقة.
    ـ لعله كان خائفاً..
    ثم في نبرة مهونة:
    ـ هل هو خطيبك؟
    ـ ينوي خطبتي.
    وتهدج صوتها بالانفعال:
    ـ قال إنه يحبني.
    ـ ما فعله ليس حباً..
    وظل علي نبرته المهونة:
    ـ إحساسنا بالذنب والخطيئة يقرّبنا من هاوية العقاب إلي حياة النعمة..
    همست لتخفي التوتر في صوتها:
    ـ أرجو ألا تبوح لأمي بما رويته لك..
    قال:
    ـ هل رويت لي شيئاً؟
    وهي تشير إلي الكشك الخشبي في مدخل الكنيسة:
    ـ ما رويته لك الآن..
    اعتادت التردد علي القسيس في الكنيسة. يجلس في الكشك الخشبي ذي الستارة من القماش السميك. ينصت إلي اعترافها، إلي ما ترويه عما تري أنه خطايا ينبغي أن تستغفر عنها. تثق أنه يعرف أنها تعرف صوته..
    هز رأسه دلالة الفهم:
    ـ أنت لم تقولي.. وأنا لم أستمع..
    أشاح بهيئة من لا يعنيه الأمر:
    ـ للكنيسة قوانين.. وهي تحظر علي الكاهن أن ينقل ما استمع إليه من أصدقائه..
    وفاضت ملامحه بالإشفاق:
    ـ الكنيسة ليست للخاطئين ولا للمؤمنين. إنها لكل رعاياها..
    رد مع اقتباس  
     

  5. #5 رد: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (5)

    مال من شارع نصوح الهندي الي شارع السلطان سليم..
    كانت الكنيسة تلقي ظلها علي الشارع، يمتد الي الناحية المقابلة، حتي بداية الطريق الي محطة الزيتون.
    تجاوز باب الكنيسة الحديدي المفتوح، وواصل السير في السلطان سليم، الف قداس الاحد: المجامر والتراتيل والصنوج والارغن والترانيم والشموع وتضوع البخور ذي الرائحة المميزة والماء المصلي عليه وصلصلة الجرس والايقونات وتراتيل الشمامسة والدكك الخشبية والصلاة وتناول النبيذ وقضم الخبز السماوي.
    الاب يرتدي لباسه الكهنوتي، وثمة صليب خشبي يهزه في يده، يعظ، وينصح، ويتحدث عن المسيح والعذراء مريم، وعن فعل الخير والخطيئة والحياة الآخرة والثواب والعقاب والجنة والنار، يتأمل الوجوه من حوله، يعرف بعضها وتغيب عن معرفة الآخرين.
    كان يجد في قداس الاحد مناسبة للالتقاء بالاصدقاء، وبالذات من يقطنون بعيداً عن الزيتون، يطيلون الوقفة - بعد انتهاء القداس - في الساحة الصغيرة امام الكنيسة، وعلي الرصيف، تلتقي الخيوط في اسئلة واجوبة ومناقشات ويتناقصون حتي يعود الهدوء الي الكنيسة، وما حولها.
    كره عظات الاب ونصائحه وتحذيراته، احاديثه عن الله والتوبة والجنة وعذاب الآخرة، مشكلة الاب ام يقدم علي مائدة كلماته طعاما وحيدا لايبدله، مهمابدا الطعام لذيذا، ومستساغا، فان توالي تقديمه قد يصيب النفس بالصدود: لا تفعل.. لا تفعل.. لا تفعل، الناس - خارج الكنيسة - يتصرفون بعكس ذلك، لن تبني الاخلاق الطيبة حياته.
    تأملت دومينيك جسده النحيل، ووجهه الابيض، المسحوب، الملئ بالنمس، وحاجبيه الملتصقين في منتصف الجبهة، وعينيه البنيتين سريعتي الحركة، وابتسامته الدائمة كأنها جزء من ملامحه، وحرصه ان يرتدي ثيابا زاهية الالوان:
    - جان.. هل تؤمن بالله؟
    واجه نظرتها المتوجسة بابتسامة متوددة:
    - هل تشكين؟
    ضربت الارض بقدميها:
    - لاترد علي سؤالي بسؤال، هل أنت مؤمن بالله؟
    - طبعاً، وان كان لي ملاحظاتي حول تصرفات القسيس..
    ووشي صوته بعصبية واضحة:
    - انه يفرض الوصاية علي حياتنا.
    رمقه انطوان بنظرة مرتابة..
    قال:
    - أنا أؤمن بالله، ولست في حاجة الي قسيس لتأكيد هذا الايمان..
    وعبر الصمت الذي حل فجأة:
    - في رأيي ان الكنيسة مجرد وسيلة لجباية الاموال!
    حين رشم علامة الصليب علي وجهه وصدره، قال لنظرة انطوان المتسائلة:
    - أنا ادعو ابانا الذي في السموات..
    ورحلت نظراته الي بعيد:
    - ثم اتبع دعائي بدعاء آخر.. ان يظل فيها.
    داري انطوان قلقه بابتسامة فاترة:
    - من هو؟ ومن هي؟
    وهو يطرح قبضته:
    - اله السموات.. أدعوه ان يظل فيها..
    قال انطوان:
    - أنت قليل الادب.
    اعتادت الفيلا مشاجراتهما الصغيرة، تعلو الاصوات، تتكور قبضات الايدي، تتقلص الملامح، لكن الهدوء ما يلبث ان يحيط باللحظة المتوترة، فيودعها الصمت.
    قال جان:
    - انا اقول رأيي.
    ورسم علي شفتيه ابتسامة باردة:
    - للمسيح عالمه.. ونحن لنا عالمنا.
    وشوح بظهره يده:
    -ليأخذ الله شموعنا وصلواتنا، وليترك لنا حياتنا نعيشها.
    ثم وهو ينهي المناقشة:
    - هل اذكرك بقول المسيح: مملكتي ليست من هذا العالم!
    اعتاد التردد علي الكنيسة، يحضر القداس، يتلقي القربان المقدس، يؤدي الصلوات، ويرسم علامة الصليب، يشارك في حفلات عقد القران، ربما شارك في اداء الترانيم، او قرع الجرس، او جال بالمبخرة في زوايا الكنيسة، يسيطر عليه شعور بأنه يفتعل ما يؤديه، لا يمارس شيئا حقيقيا، هو يردد اقوالا، ويقلد حركات لا يفهمها، او لا يثق بجدواها، وان انسجمت مشاعره مع الحان الارغن.
    عاب علي معظم المترددين علي الكنيسة ان عباءتهم تقتصر علي التمتة بالالفاظ:
    - أنا اذهب الي الكنيسة، اصلي، واردد الادعية والاناشيد، دون ان اعرف لماذا افعل ذلك؟!
    وقلب شفته السفلي:
    - الله يعرف ما اريده، فهو لا يحتاج الي صلواتي وادعيتي!
    قال لأبيه وهو صغير:
    - هل نحن اقباط؟
    - لا.. نحن كاثوليك..
    - ما الفارق؟
    - الاقباط مسيحيون مثلنا.. لكننا نختلف في المذهب..
    - ماذا يعني المذهب؟
    - طريقة تدينهم تختلف عن طريقة تديننا..
    كان يشارك في اداء القداس دون اعتقاد، ولا ايمان حقيقي، لم تكن الصلوات تعني له شيئا، اي شيء، انما هي مجرد كلمات مكررة، وادعية، ترددها الالسنة - بآلية - وراء الاب يوحنا، يسلم نفسه الي الشرود، يبدو عليه الضيق والتململ، يكثر من التلفت وتأمل سقف الكنيسة، وزواياها والنوافذ الزجاجية الملونة، الضوء الشفيف يفترش مساحات امام المذبح، وثمة تمثال ليسوع شبه العاري، مصلوبا، علي رأسه اكليل الشوك، وفي جنبه الطعنة الدامية، المرتلون يؤدون الصلوات، ويتلون المزامير والادعية.
    يستعيد - وهو يصلي - عبارات كان يرددها وراء الاب في الكنيسة، او استمع الي امه وهي تقولها تحت صورة العذراء.
    يري ان الكنيسة تبسط ظلها علي البيت.
    جعلت امه في البيت فرعاً لكنيسة اللاتين، تحولت الي قس يرعي، وينصح، ويوجه، ويحذر من العقاب، تحاول ان تؤدي الدور نفسه الذي يؤديه قس الكنيسة.
    لا يعبأ بالتحذيرات التي تواجهها له الام، في سلوكياته داخل الكنيسة، يبدي الملاحظات، ويتحدث، ويعلو صوته، ربما رنت نظراته الي فتاة بين المصلين.
    هو يتردد علي الكنيسة، يعترف، يحضر الصلوات، لكن الصديق يغيب عن مشاعره، تصرفاته لا تصدر عنه، يصلي دون ان يعطي الكلمات انتباهه، مجرد كلمات يرددها دون ان يعي معانيها.
    يميل - بالعادة - الي حجرة الاب في يسار الواجهة، الصليب يعلو الجدار، وتمثال العذراء تحمل المسيح، يقبل يده، ويستمع الي كلماته المتكررة عن مهمة الكنيسة، واللاهوت، وحثه له علي حضور اجتماعت الصلاة وحفلات القداس..
    قالت السيدة كاترين:
    - اذا كنت تنكر الله، فاحتفظ بعدم ايمانك في نفسك!
    يؤمن بالمسيحية، بالأب والابن والروح القدس، لكنه لايؤمن بالكنيسة، تعاليم الكنيسة التي لا تنتهي تجعل قبولها صعباً، حتي من يرضخون، يدفعهم الي القبول تدين يهمل الوصايا والتنبيهات والمحاذير.
    ماذا يريد الله منا؟ هل نعبده؟ وما حاجته الي عبادتنا؟ أليس هو الذي خلق الكون، ويتصرف بالحياة والموت؟ واذا كنا - كما يقول الاب يوحنا - أبناء الله، فهل يؤذي الاب ابناءه الخاطئين؟ وما الخير؟ وما الشر؟ ولماذا لاتقضي ارادة الله بمحو الشر؟
    ألقي نظرة علي الكرسي الذي يجلس وراءه الاب لسماع اعترافات المترددين علي الكنيسة، استعاد امنية قديمة ان يجلس موضع الاب، ينصت الي عشرات الحكايات التي تلهب خياله.
    قال الاب يوحنا:
    - ذكر في الكتاب المقدس: من لطمك علي خدك الايمن، فحول له الايسر.
    قال جان:
    - هذا ما يقوله الانجيل..
    أردف من بين اسنانه:
    - اما أنا.. من يخدشني اسيح دمه!
    رد مع اقتباس  
     

  6. #6 رد: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    ( 6 )

    أدركت ـ حين مالت على أمها لتقبلها ـ أنها لم تتعرف إليها . ومضت عيناها ببريق خاطف ، ثم أسبلت جفنيها ، وظلت صامتة ..
    قالت :
    ـ أنا سيلفى ..
    قال أنطوان :
    ـ اتركيها الآن .. إنها لا تعى شيئاً ..
    تمتمت دومينيك :
    ـ باسم الصليب حولك .. باسم الصليب ..
    تضايقها عبارات المواساة التى يتحدث بها الطبيب عن أمها . لا كلام عن أمل الشفاء ، والعودة إلى مألوف حياتها ، مألوف حياتهم . تجلس فى الصالة ، أو فى حجرتها . تلاحق دومينيك بمطالبها . لم تعد تجد فى الأمر ما يؤلمها ، أو يثير ضيقها . تدعو أن تترك السرير ، تقف على قدميها ، تجلس ، تمشى ، تتكلم ، تتمنى حتى الأوامر التى طالما ضاقت بها .
    فطن الطبيب إلى أن الأم تعيش لحظاتها الأخيرة ، وأن الحشرجة تصدر أنفاساً واهنة تغالب الصمت . رفع الطبيب عينين تشيان باليأس . عرفوا أن الأم تحتضر . لم يحدد الطبيب المرض ، وإن همس وهو يغلق حقيبة أدوات الكشف :
    ـ الحالة متقدمة !
    ومال على أذن أنطوان :
    ـ ادعوا لها ألا تتعذب أكثر مما عانت .
    أضمر أنطوان مصارحة الطبيب له ، بأن ما تعانيه الأم هو مرض الموت :
    ـ الأدوية لتخفيف الألم ، لكنها لن تمنع النهاية .
    أدرك أنها لن تترك سريرها حتى يمنحها الأب يوحنا مسحة الموت .
    كان يعد لها الفطور ، يرتب الوسادة الطبية تحت ظهرها ، يحيطها بوسائد من القطن ، وعجلات من المطاط ، كى لا تصاب بقرح الفراش ، يساعدها فى الجلوس على القصرية ، يضع الملاءات المتسخة فى الغسالة . يتحمل غضبها وشراستها . تظهر التأثر لأقل سبب . تطلب رفع الوسادة ، تشكو الحر ، ترفض الماء البارد والساخن . تصرخ من تآكل ظهرها بالهرش . يثيرها الصمت والأصوات العالية .
    نال منها الضعف . تجد صعوبة فى الانتقال من السرير إلى الكرسى المقابل . تمضى دقائق تسند ظهرها على الكرسى ، تريحه من عناء النوم ساعات متصلة .
    تتحدث عن شخصيات تلتقى بها ، وأصوات تخاطبها . فاجأتهم بالإيطالية ، خاطبت بها أشخاصاً تراهم وحدها . ذكرت أسماء لا يعرفون أصحابها . يعرفون المفردات ، يصلونها بحيث تؤدى المعنى الذى تقصده ، أو تقترب منه . ما أقلقهم أنها لم تعد تتحدث بالإيطالية منذ سنين بعيدة . أصرت أن تكون اللغة بما يتكلمون به خارج البيت .
    صارت عيناها حفرتين أحاطت بهما هالتا سواد . لم تعد قادرة على الابتلاع . تعلم من الممرضة كيف يغذيها بالمحلول عبر الأنبوب المطاطى .
    إذا طال الصمت والسكون ، مال أنطوان بأذنه ، يتسمع صوت أنفاسها . يرفع رأسه ـ فى اطمئنان ـ ويتنهد .
    فتحت عينيها : طالعتها الوجوه المتسائلة ، والمشفقة ، والحزينة ..
    همست بوصيتها أن تدفن فى ثوب الزفاف .
    تحشرج صوت دومينيك باللهفة :
    ـ اعطها حقنة كورامين .
    كور الطبيب سماعته فى يده :
    ـ أملنا فى رحمة الله !
    بدا على أنطوان اقتناع أنها ستجد فى الموت خلاصاً وراحة ، وأنها تفرح به ، وإن لمح فى نظرتها الثابتة ، الشاحبة ، ما يشى بالخوف أو الفزع ..
    رشم الأب الصليب على رأسها ووجهها وجسدها . كرر كلمات لم يفهمها . ثم كرر الرشم بالصليب ..
    لاحظ ماهر أن زيارات الأب للبيت تلقى حفاوة . ما عدا جان ، فإن أفراد الأسرة يوقرونه ، ويرحبون له ، ويهمسون له بما يعانون .
    تحدثت سيلفى عن الأوقات التى كانت أمها فيها صاحبة الأمر والنهى . قبل أن يقعدها المرض ، لم تكن تأذن لأفراد الأسرة أن يخالفوا رأيها ، ولا أن يبدوا اعتراضاً ، أبوكم يكتفى بالغناء ، ومهمتى أن أقود السفينة .
    تصحب أبناءها إلى الكنيسة ، أو تسبقهم ، أو تلحق بهم ، لا أحد ـ إلا للمرض ـ يتخلف عن قداس الأحد . إذا استغرق الأب فى شروده ، وعلا صوته بالأغنيات ، أدت الصلوات قبل تناول الطعام .
    قرب المسافة بين الكنيسة والبيت ، يدفعها للتردد على الكنيسة مرة ، أو مرتين ، فى اليوم الواحد . تزور الأب فى مكتبه ، تكلمه فى أحوالها الشخصية ، تطلب رأيه فى ظروف الأسرة ، تجد فى كلماته النصيحة والعزاء ، وما يعينها على التصرف . تدعوه ـ فى زياراته للبيت ـ كى يرش الماء المقدس فى الأركان والزوايا ، وعلى الأثاث .
    تبدى حرصها على ما فى الفيلا ، الجدران والحديقة والأثاث والتحف الصغيرة . هى كل ما تبقى من البيت القديم . لن تستطيع الأسرة استعادة ما يتحطم ، أو يتشوه ، أو يضيع .
    منذ فاجأتها الأزمة القلبية ، أسلمت نفسها لرعاية أبنائها ، وعلاج الأطباء . توافق على تأكيداتهم بأن الأزمة عابرة ، تستجيب للملاحظات والأوامر ، تتعاطى الدواء ، تؤمّن ـ ولو بهزة الرأس ـ على الدعوات ، لكن الهاجس فى داخلها أنها تعيش أيامها الأخيرة .
    تنبه ماهر ـ فى لحظات إفاقة الأم ـ إلى أن سيلفى تقلدها فى طريقة كلامها , والمفردات التى تستخدمها ، والضحكة التى لا تعلو عن الهمس .
    قال لسيلفى :
    ـ أخذت من أمك الكثير .
    ـ يقال إنى أقرب فى الشبه إلى أبى .
    أدرك أنها لم تعرف ما يقصده .
    جاء إلى الفيلا فى آخر أيام الأسرة . الأم تموت ، والأب ذاهل عما حوله ، والأبناء يكثرون من الأسئلة ، ويختلفون ..
    رد مع اقتباس  
     

  7. #7 رد: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    ( 7 )

    دخل الأب يوحنا بردائه الكهنوتى ، وابتسامته المحايدة . كانت سيلفى قد أخبرت ماهر أن الأب سيأتى ـ فى لحظة ما ـ لتقديم المسحة الأخيرة .
    نترت دومينيك من كتفه ورقة شجر يابسة تقاذفها الهواء .
    حاول أنطوان أن يضفى على الحجرة طقس الموت . أسدل ستائر النافذة العريضة المطلة على الحديقة . جلل زواياها بجدائل من القماش الأسود ، ووضع على البوفيه ـ لصق الحائط ـ ست شموع فى شمعدانات فضية ، ووضع فى مواجهة السرير إكليل زهور .
    حرص على أن يعدها بنفسه . ألبسها أحدث فساتينها ، وجرى بالبودرة على وجنتيها ، وعلى فمها بأحمر الشفاه . حتى الحذاء الذى دس فيه قدميها لم تكن قد ارتدته سوى مرة واحدة ، وضمخ جسدها بعطر الورد الذى كانت تفضله . نزع خاتم الزواج من إصبعها . أعطاه للمسيو ميكيل ..
    وضع أنطوان على سقاطة باب الفيلا شريطاً أسود . استبدل بمفرش المائدة ذى الزهور الملونة مفرشاً من البلاستيك . أدار إلى الجدار صورة الأم ..
    رنا ماهر إليها بنظرة متأملة ، فى سكونها الهادئ داخل التابوت . من الخشب الماهوجنى . مبطن بالساتان الأزرق . المقبض من المعدن المذهب .
    لم تفلح المساحيق فى إزالة شحوب الوجه ، وأحاطت الزهور بالرأس ، وتَغَطّى الجسد المسجى بالمخمل .
    تأمل الحانوتى ومعاونه وسائق السيارة . بدت نظراتهم حيادية ، ساكنة ، يؤدون عملاً .
    سارت العربة ذات الأشرطة السوداء على حوافها ، والملائكة الصغيرة ، المجنحة ، المطلية بلون الذهب ، على جانبيها . أبطأ السائق لتتواءم العربة مع خطوات المشيعين . مضت الجنازة فى شارع نصوح الهندى إلى الكنيسة ، بالقرب من تقاطع الشارع مع شارع السلطان سليم . سار وراء النعش عشرة أشخاص : الأخوة الأربعة وعياد وماهر ، ورجال من الجيران .
    بدت سيلفى متغيرة بفستانها الأسود ذى الكمين الطويلين ، ونظارتها الشمسية ، هى أقرب إلى النحافة ، وكومت شعرها أعلى رأسها ، وخلت يدها حتى من ساعة اليد .
    لم يتصور ـ بعد أن أخلى حمل النعش لأنطوان ـ أنه حمل النعش الذى كانت السيدة كاترين راقدة فيه . غمره شعور صعب عليه فهمه .
    ترامى قرع جرس الكنيسة ، ببطء ، وعلى تباعد . خيل إليه أن صوت الجرس يختلف ـ هذه المرة ـ عن المرات الكثيرة ، السابقة ، التى ترامى فيها صوته إلى الفيلا . ما يشبه الأسى يسرى فى الدقات المتباطئة ، تخلّف نهاياتها أنيناً خافتاً ، ممطوطاً ، كأنه البكاء .
    هل هو ما تسمعه أذناه بالفعل ، أم أنه لا يجاوز التوهم ؟
    جلس فى الصف الأول المواجه للمذبح .
    الشمعات الحمراء الثلاث فوق التابوت المغلق ، وأريج البخور يضوع المكان .
    مثل الحضور ثلاثة صفوف قصيرة فى الوسط . ظلت بقية دكك الصالة خالية . وفى المواجهة صف بمساحة المكان من شمامسة صغار ، أولاد وبنات ، يقرءون من الكتاب المقدس ، وتعلو أصواتهم ـ بإشارات من الأب ذى الجسد الممتلئ ، والبشرة البيضاء المشربة بحمرة ـ بالصلوات والتراتيل . يعمق من تأثيرها عزف الأورغن ، وأضواء الشموع ، وتضوع البخور .
    أنصت إلى كلمات الأب التى تتحدث عن انفصال الراحلة عن غربة هذه الحياة إلى فردوس النعيم ، لتبلغ المساكن السعيدة ، وتنسى أحزانها وشقاءها ، ودعوة الأب أن يبلغ الله الراحلة مساكن القديسين ، ويغفر لها جميع خطاياها فى الملكوت السرمدى . وترديده قول بولس الرسول : إذا كان الله معنا ، فمن يكون علينا .
    أنهى الأب كلماته بالقول : آمين .
    ردد ماهر الكلمة مع الحضور .
    قلد الحضور فى ما فعلوه . حرك شفتيه مترنماً بالأنغام التى رددوا كلماتها . وضع علامة الصليب على صدره . ركع مثلهم ، حتى فردوا قاماتهم ، ففرد قامته .
    منذ سنوات بعيدة ، زار الكنيسة ـ مع أمه ـ لحفل زفاف . اجتذبه الجو الكنسى : الملابس الكهنوتية ، أنغام الأورج ، الصلوات المنغمة ، رائحة البخور . التماثيل والأيقونات والتيجان والزجاج الملون . ثمة سحر يتسلل إلى نفسه ، مشاعر غامضة لم يستطع تحديدها .
    عندما علت الأصوات بالتراتيل ، حاول مجاراتها . حرك شفتيه دون أن يتأكد من أنه ينطق الكلمات نفسها .
    قال لأمه :
    ـ أحببت صلوات الكنيسة للطقوس التى تقدم فيها !
    وتهدج صوته بصدق مشاعره :
    ـ وأنا أستمع إلى الأورغن .. تمنيت أن أكون مسيحياً ..
    رمقته أمه بنظرة غاضبة :
    ـ تهذر ؟
    كانت تعيب عليه طبيعته الانفعالية ، ما يخطر فى باله يقوله ، أو يفعله . ربما وجه أقسى الملاحظات فى سهولة وجرأة ، لا يتدبر وقعها فى نفوس الآخرين . تشفق عليه من أنه يعرض نفسه لمشكلات ، يواجه مآزق صعبة .
    قال يحاول استرضاءها :
    ـ مجرد ومضة تلاشت .. نسيت نفسى فى عزف الأورغن والتراتيل ..
    قال القسيس بلهجة مهونة :
    ـ قدرنا أن نموت ، وطبيعى أن يسبق الآباء أبناءهم فى الرحيل ..
    تأمل المعنى . قال :
    ـ أطال الله أعماركم !
    أدى القسيس ـ خمن أنه يقيم فى المقابر ـ بعض الصلوات .
    عمق من الصمت الذى لف الجميع ، صوت احتكاك التابوت بحواف القبر الطينية والحجرية ، وهو يهبط ليستقر فى القاع ..
    بعد أن بلغ النعش قاع التراب ، رش عليه الأب الماء المقدس وهو يردد الأدعية . ألقت دومينيك باقة الورد التى أمسكت بها فوق النعش . ثم بدأ التربى فى إهالة التراب بالجاروف .
    همست الأفواه بالصلوات ، وتحركت الأيدى بعلامة الصليب .
    شعر بالارتباك ، وأنه يجب أن يبدى تأثره بطريقة ما. رسم الحزن على ملامحه ، وجرى على عينيه بظهر يده .
    تبين أنهما مندتان بالدمع .
    استداروا عائدين .
    وهو يغادر المكان ، تطلع ماهر إلى ما كانت الجنازة قد اجتذبته عن رؤيته : مستطيل الرخام حفر فى أعلاه بحروف إيطالية اسم كاترين فرنسيس ، مدى المقابر إلى البنايات البعيدة ، الشواهد الرخامية ، الصلبان ، صور العذراء ، ووليدها ، الملائكة بأجنحتها المحلقة ، أشجار الجازورينا ، مساحات النجيل الأخضر ، أحواض الزهور والصبار على جانبى الممرات المرصوفة بالبلاط . ما لم يكن يعرفه ولا رآه من قبل .
    رد مع اقتباس  
     

  8. #8 رد: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    ( 8 )

    عرف من ارتجاف رموشه وشفتيه ، وتقلص ملامحه ـ أنه يريد أن يقول شيئاً ، نطقت عيناه بما يحاول مداراته . كانت العصافير فى أشجار الحديقة قد زادت من صياحها ، يشى أن الليل اقترب .
    قال جان :
    ـ صحيح أن أمنا تبرعت بجزء من أموالها للكنيسة ؟
    قال أنطوان :
    ـ هل كانت أمنا تملك شيئاً لتتبرع بجزء منه ؟
    ـ أعرف أنها تملك سندات فى البنك ..
    اكتفى ـ دلالة الموافقة ـ بإيماءة خفيفة من رأسه :
    ـ أنفق منها أبى على علاجها ..
    ـ تعنى أن أبى حصل على رصيد السندات ..
    وهو يومئ ناحية حجرة الأبوين:
    ـ اسأله إن كنت لا تصدق ..
    ـ هل الرجل هنا ؟!.. إنه حى كالميت ..
    ـ لا تخطئ فى أبينا ..
    ـ أنا لا أخطئ فى أحد .. إنما أتهمك أنت .
    ـ حتى الفيلا سأشتريها من أبى بعقد مسجل ..
    بحلق فى دهشة :
    ـ كأنه لا يوجد فى حياتك شيء لم تعمل حسابه .
    وعلا صوته فبدا كالصراخ :
    ـ سيكون عقداً باطلاً ..
    دون أن يجاوز هدوءه :
    ـ من حقك أن تثبت العكس ..
    ـ سافل !
    هز سبابته فى وجهه :
    ـ لا تنس أنى أخوك الأكبر !
    كان المسيو ميكيل ينادى على الأم . يدركون أنه نسى وفاتها . نسى أنها ماتت . يتصور أنها داخل إحدى الغرف .
    لوجهه ملامح مسترخية ، وعينان زرقاوان ساجيتان ، وخدان متهدلان مشربان بحمرة ، ونمش يمتد إلى العنق والكتفين . ينزع ـ بين فترة وأخرى ـ شعرة من شاربه . يتأملها بعفوية ، ثم ينترها بإصبعيه . خمن من اتساع بيجامته ، أن جسده كان ممتلئاً .
    بدا سريع التأثر ، والتشويح بيده دلالة الاستياء ، أو الغضب .
    فسرت دومينيك شرود نظراته بتذكره لمواقف من حياة أمها داخل البيت ، صداها الغرف والجدران وقطع الأثاث واستعادة اللحظات .
    قلت أغنياته ، وخفت صوته ، ربما قطع اللحن ، وعاد إلى الصمت والشرود . يشك ماهر أنه يلحظ وجوده .
    فى لحظات تنبه وعيه يتحدث إلى ماهر . يستعيد ماضى الزيتون عندما كانت ضاحية تقتصر بناياتها على الفيلات والبيوت التى لا تعلو عن طابقين ..
    سأله ماهر :
    ـ هل رأيت سراى البرنسيسة ؟
    حرك رأسه بالنفى ..
    قالت سيلفى :
    ـ تحولت إلى مدرسة للبريد ..
    قال المسيو ميكيل :
    ـ كان أهلها من الطبقة العليا .. سوبر ستارز .. خصصت البرنسيسة لخيلهم سبيلاً فى سور قصرها ..
    عرف أن المسيو ميكيل ـ منذ خرج إلى المعاش ـ لم يعد يترك البيت إلا لتسلم المعاش الشهرى . يصحبه أنطوان فى تاكسى إلى الموسكى . ينتظر تقاضيه مبلغ المعاش ، ويعيده إلى البيت ، لا حياة اجتماعية على أى نحو . معظم وقته يمضيه فى الشرفة ، يعبر من حوله بنظراته ، كأنه لا يرى أحداً ، أو أنه مشدود إلى ما لا يراه أحد . يرتفع صوته بالأغنيات الأوبرالية . قد يتجه ـ بخطوات متباطئة ـ إلى المطبخ ، يشرب ، أو يأكل مما يجده فى الثلاجة .
    تصور ـ أيام معرفته الأولى بالأسرة ـ أن أمور البيت كانت فى يد الأم ، هى التى تفصل ، وتقرر ، وتسيطر ، وتفرض روحاً استبدادية .
    لم يكن المسيو ميكيل ضعيف الشخصية أمام آراء السيدة كاترين وتصرفاتها . كان أميل إلى التسامح ، وإلى ملاحظة الحياة أكثر من أن يعنى بالمشاركة فيها . جزيرته الخاصة يحيطها ، ويملأها ، بالأغنيات الأوبرالية . يراجع واجبات سيلفى المدرسية . يناقشها فى أجوبتها . ويعيب عليها رداءة خطها بالفرنسية . يجلس إلى مائدة الطعام فى المواعيد التى تحددها الأم ، لا يشارك فى المناقشات ، يكتفى بإيماءة ، أو بكلمات مقتضبة ، فى الرد على الأسئلة . أحيل إلى المعاش ، فهو يعيش رحلة ما قبل النهاية ، مرحلة انتظار ما يغيب بحياته .
    أصر على رفض اعتزام الأم وضع سلك شائك حول سور الفيلا : هل قفز الجيران على بيتنا من قبل ؟ لماذا يقفزون الآن ؟
    قال ماهر لسيلفى :
    ـ أنطوان وجان هما سليم الأول وطومانباى فى التاريخ . شنق الأول الثانى ، لأنه رفض التنازل !
    ثم وهو يظهر الحيرة :
    ـ أخشى أن ذلك ما سيحدث بين الأخوين .
    تأملته عيناها بارتياب :
    ـ ماذا تقول ؟.. أنطوان يقتل جان ؟!
    رسم ابتسامة مهونة :
    ـ لا أقصد القتل بهذا المعنى . أقصد أنه ربما أخذ منه كل شئ ..
    لم يشعر تجاه أنطوان ـ منذ زيارته الأولى إلى البيت ـ بمشاعر طيبة .
    تسرب إلى صوتها نبرة حزن :
    ـ أنطوان أخذ كل شئ بالفعل .. الفيلا ومجوهرات أمى وودائع أبى فى البنك .. كل شيئ !
    ـ هل تكتفون بالفرجة ؟
    قالت فى حزنها :
    ـ أمى ماتت .. وأبى فى دنياه يغنى .
    وجد فى تصرفات أنطوان ما يفسر إصرار سيلفى على التمرد ، ما يرد على إلحاح السؤال : لماذا ترفض ؟!
    تعددت زياراته إلى البيت .
    يهبط من الأوتوبيس على ناصية شارع السلطان سليم الأول . يميل من جانب سراى الطاهرة إلى الشارع . يخلّف وراءه المسلة الفرعونية وسط الحديقة الواسعة . يسير فى الشارع إلى تقاطعه مع شارع نصوح الهندى . يرفع رأسه ـ بعفوية ـ إلى برج الكنيسة الذى يمتد ظله ، وظل الأشجار الكثيفة داخل الحديقة ، على الطريق ، ويتقلص ، بارتفاع أوقات النهار . يميل فى شارع نصوح الهندى ، حتى الفيلا ـ فى نهاية الشارع ـ محاطة بالسور الحديدى والأغصان والأشجار العالية .
    يخوض ـ مع المسيو ميكيل ـ حوارات لا تنتهى عن معنى الحياة والموت : إذا كان قدرنا أن نموت ، فلابد أن نموت .. الموت يعنى أننا لم نعد أحياء ، هذا كل ما فى الأمر .. إذا جاء الموت فإن كلمة كان تجعل كل الأسماء والأحداث ذكرى ، تصبح ماضياً .. نحن نعيش تحت الضوء أعواماً محدودة ، ونعيش فى الظلام إلى الأبد ..
    يهمل نظرة يثبتها الأب فى عينيه ، يظل يتابعه بها .
    اختفى عمره الحقيقى خلف ملامحه الهادئة ، وعينيه الصافيتين ، وغزارة شعر رأسه ، وذقنه التى يحرص ـ كل صباح ـ على حلاقتها . قالت سيلفى إنه فى المعاش منذ سنتين ، وكان قد جاوز الخامسة والسبعين .
    لم يسأله المسيو ميكيل : من أنت ؟ ولا لماذا أنت هنا ؟ وما صلتك بسيلفى ؟
    يتحدث إليه كأنهما متجاوران فى القطار ، أو فى المقهى ، العلاقة العابرة التى لا صلة لها بما قبل ، ولا بعد ، تستغرق اللحظات فى ذاتها ، وتنتهى .
    لاحظ فى نفسه ميلاً للحديث عن لقاءاته بكبار المؤلفين ، راتبه المرتفع ، ظروفه الأسرية الطيبة . أرجع إلحاحه على الحكى إلى شخصية أنطوان المتعالية ، لا يشغله أن الفجوة تتسع بينه وبين الباقين .
    حين سأل أنطوان سيلفى عن تعرفها إلى ماهر : أين بدأ ؟ وكيف ؟ ظلت ساهمة .
    قال أنطوان فى لهجة ساخرة :
    ـ قد أكون رأيته يبيع الكتب القديمة على رصيف جامع العزيز بالله !
    واجهته سيلفى بملامح غاضبة :
    ـ ماهر يحمل شهادة جامعية لم يحصل عليها أحد فى بيتنا !
    اطمأن إلى إحساسه بأن أهل الفيلا ـ حتى عياد ـ لن يكونوا أصدقاءه ، لن يجلس إليهم ، ولا يناقشهم فى أمر ما . بدوا منشغلين عنه بما لا يتبينه . حتى علاقاتهم الشخصية تحوطها الظلال بغلبة العزلة والصمت . كل منهم مشغول عن الباقين .
    قال المسيو ميكيل لدومينيك وهى تتهيأ للذهاب إلى الكنيسة :
    ـ الله يريد منا أن نتذكره كل الأيام ، وليس يوم الأحد وحده !
    قال ماهر :
    ـ تتكلم عن الحياة الآخرة ، ولا تتحدث عن الدين ؟
    قال المسيو ميكيل :
    ـ ينبغى أن يكون تدينى عن إرادتى الحرة !
    وشاعت فى صوته نبرة تسليم :
    ـ أنا لا أحب الدين ولا أكرهه . إنه حالة علينا أن نتقبلها كما هى .
    ثم رفع رأسه كأنه توصل إلى قرار :
    ـ أحب الله ، وأومن به ، دون طقوس لا معنى لها ..
    وعلا صوته ـ فى اللحظة التالية ـ بغنائه الأوبرالى . لا تشغله النظرات الملتفتة ، أو المتسائلة ، أو الرافضة .
    أدرك أنطوان أن الأب لم يعد من هذا العالم ، يحيا فى عالم خاص صنعه لنفسه .
    لما اشتد المرض على السيدة كاترين ، تداخلت أوقات صحوها بأوقات الغيبوبة ، الألم والأنين والهذيان والهمسات المتحشرجة .
    تكلم المسيو ميكيل بلغة غير مفهومة ، حدس أنطوان أنها الألمانية ، هى لغة الأب التى طالما خاطبه بها فى طفولته ، بقى منها حروف وكلمات وأصداء . رفع الأب يديه فى هيئة المستغيث . تمتم باللغة نفسها . تكررت دعواته المستغيثة ، هى مؤمنة بك ، وأنا أيضاً ، أوقاتنا فى الكنيسة أطول من أوقاتنا فى البيت ، لماذا لا تنقذها ؟
    زاد المرض من قسوته حتى الموت . تبدلت تصرفات المسيو ميكيل وتعبيراته . مال إلى العزلة ، لا يأذن لأحد باختراقها . لم يعد يردد الدعوات ، ولا يعنى باستقبال الأب يوحنا ، ولا يدخل فى حوارات مع ماهر فرغلى ، وإن ظل على ترديده للأغنيات الأوبرالية .
    يقضى فى الشرفة معظم النهار ، ومساحة من الليل ، يعلو صوته بالغناء ، يتأمل ـ بنظرة غير محدقة ـ تكاثف الأشجار أمامه ، وحركة المرور القليلة فى الشارع الصغير الموصل بين نصوح الهندى وسنان ، وما بداخل النوافذ المفتوحة فى البيت المواجه .
    دفع المسيو ميكيل أنطوان وجان للحصول على دبلوم التجارة الثانوية ، ثم ألحقهما بالبنك . أهمل احتجاج الأم وصراخها . إذا كانت الوظيفة هى الهدف ، فقد حصلا على وظيفة يفوق راتبها ما يحصل عليه أصحاب المؤهلات العليا . أهملت الأم حزنها على اكتفاء الأب بقصر تعليم الولدين على المرحلة الثانوية . تمنت أن يواصلا تعليمهما الجامعى .
    أضاف إلى حزنها قعود دومينيك فى البيت ، بعد حصولها على الابتدائية . خافت السيدة كاترين من تأثيرات المرض . ماذا لو أن الغيبوبة أصابتها فى المدرسة ، أو فى الطريق ؟.
    وضعت أملها فى سيلفى ، حرصت أن تستكمل دراستها فى " النوتر دام دى زابوتر " ، وتلتحق بالجامعة ، اسم الكلية لا يهم ، المهم أن تحصل سيلفى على الشهادة العليا . اكتفت بالقول : لن تترك سيلفى التعليم حتى النهاية . لم تحدد طبيعة النهاية ، ما إذا كانت ستكتفى بشهادة الثانوية العامة ، أم تدخل الجامعة ؟
    أظهرت الانزعاج لما أخبرتها الراهبة فى " النوتر دام " عن الأجوبة التى كتبتها سيلفى على فخذها فى امتحان اللغة العربية :
    ـ هل هذا ما تعلمته من جارنا المزور ؟ هل تريدين دخول السجن مثله ؟
    حدثته سيلفى عن جار الطابق الأرضى فى البيت المقابل ، أخ غير شقيق لمطربة وممثلة معروفتين ، خطاط ، يجيد تقليد اللوحات الأصلية ، وإن دخل السجن مرة .
    همس ماهر بالسؤال الذى شغله :
    ـ لما دعوتنى إلى زيارتكم ، هل كنت تعرفين أنى سألتقى بأبيك ؟
    ـ طبعاً .
    ـ ماذا عن قتله بأيدى المصريين ؟!
    شوحت بيدها :
    ـ انس !
    عرف أن الكثير مما روته له سيلفى ـ قبل أن تدعوه لزيارة البيت ـ لم يكن حقيقياً ، وأنها ـ دون أن يدرك السبب ـ كذبت عليه .
    هل أرادت أن تحسن تقديم أسرتها ؟ هل خشيت من فقده ؟ هل كذبت لأن هذه هى شخصيتها ؟ . ليست دميمة فتحاول التعويض بالاختلاق ، واختراع ما ليس صحيحاً .
    لماذا تكذب إذن ؟!
    رد مع اقتباس  
     

  9. #9 رد: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (9)

    نزلا من الأوتوبيس في محطة الإسعاف. عبرا الطريق في اتجاه مبني الشهر العقاري.
    اخترقا زحام العرضحالجية والنداءات والشتائم والشهود وباعة الاستمارات والطوابع وكتب القانون.
    صعدا الدرجات الرخامية في المبني ذي الطوابق الثلاثة، يعلوه ـ متآكل الأطراف ـ العلم المصري ذو الألوان الثلاثة. في دائرة تحته نقش للعلم المصري القديم ذي الهلال. الأعمدة العالية، والبواكي في واجهة الطابق الأول، تفصل بينها وبين البناية طرقة طويلة بامتداد الواجهة، أرضيتها من البلاط الرمادي المربع، تطل عليها نوافذ من الحديد والضلف الخشبية.
    تبعته إلي الصالة الواسعة، في المواجهة. اصطفت في داخلها مكاتب، انشغل الموظفون وراءها بأوراق ودوسيهات ومناقشات مع المترددين علي المكاتب.
    مال علي الموظف الجالس وراء المكتب، علي يسار المدخل:
    ـ نريد أن نتزوج..
    لم يكن قد أعد نفسه لعلاقة زواج، الصداقة علاقتهما المعلنة، حتي نظرات أنطوان المتوجسة أهملتها، وصمتت عن التوضيح.
    نبهه شيء ما في نظراتها، وارتباك تصرفاتها، وملاحظة النظرات المتسللة، وميل صوتها إلي الهمس.
    واربت الباب، فدفعه مقتحماً:
    ـ هل تتزوجينني؟
    قال الرجل:
    ـ ما يمنعكما؟
    ـ هي مسيحية وأنا مسلم..
    ـ تزوجا بعقد مدني..
    ـ لا أفهم..
    ـ عقد لا شأن للمأذون به..
    ـ هل هو عقد صحيح؟
    هتف الرجل:
    ـ أنت في إدارة حكومية..
    استطرد وهو يرنو إلي سيلفي بنظرة متسائلة:
    ـ كم عمرك؟
    ـ الحادية والعشرون.. وأشهر..
    لحقه صوت الرجل:
    ـ يحسن أن تحصل علي موافقة الكنيسة.
    ***
    التقي بها الأب يوحنا في شارع سليم الأول. ابتسم لارتباكها الواضح:
    ـ لماذا لا تزورين الكنيسة؟
    ـ أتردد عليها أحيانا.
    وأغمضت عينيها كالمتنبهة:
    ـ زرتها قبل شهر..
    قال الأب:
    ـ كنت تترددين عليها دائماً..
    ورنا إليها بنظرة متوددة:
    ـ إنها مساوية للبيت في حياتنا.
    وربت ظهر كفها بطرف إصبعه:
    ـ احرصي علي صلاة الأحد..
    لم تعد تتردد علي مكتبه داخل الكنيسة، أو تجلس للاعتراف. حدّست أن أنطونيو روي له ما يدفعه إلي مجاوزة الإنصات.
    لو أنه أرهقها بالأسئلة، ربما اخترعت من خيالها، وبدّلت ما حدث. هو الأب يوحنا، وليس أباها ولا أمها ولا إخوتها، ولا حتي ماهر. خافت أن يؤذيها بما لا تتوقعه.
    منحتها عيناه إيماءة مشجعة:
    ـ أنتظرك لتؤدي طقوس الاعتراف..
    تغيرت ملامحها:
    ـ لم أفعل ما يدفعني إلي الاعتراف!
    قال أنطوان للأب يوحنا:
    ـ لا أحد يملك إقناعها..
    رسم الأب علامة الصليب علي صدره:
    ـ إن كل ما يحدث هو بمشيئة الرب!
    قال الأب لسيلفي في لهجة محرضة:
    ـ الكنيسة ترحب بك، ولو لمجرد الزيارة!..
    وضغط علي الكلمات:
    ـ لا يكون المسيحي كذلك إلا من خلال عضويته في الكنيسة..
    في دهشة:
    ـ أصبح راهبة؟
    ـ بل تكثرين من التردد عليها
    ران علي صوتها انكسار:
    ـ أحاول.
    وهو يهز رأسه في عدم اقتناع:
    ـ إذا لم يستخدم الإنسان عضلة ما فلابد أنها ستضعف.
    وواجه عينيها:
    ـ أذكرك بالزائدة الدودية!
    وتقلصت ملامحه بالتأثر:
    ـ أخشي أنك فقدت روح الصلاة..
    رد مع اقتباس  
     

  10. #10 رد: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (10)

    الوقت أصيل. الشمس علت الجدران، فاكتست المرئيات بالشحوب.
    الشارع الطويل المترب، الفاصل بين مبني الكنيسة والبيوت المقابلة، يشغي بتلاغط الأصوات والصيحات من الأبواب والنوافذ المفتوحة، ومن الدكاكين، ونداءات المقهي ـ أول الشارع ـ وعربات اليد، والباعة، والأطفال المشغولين باللعب، والكلاب، والقطط.
    ينتهي إلي باب الكنيسة الخشبي الضخم، علي ضلفتيه، تكوينات سوداء من الحديد في هيئة صلبان.
    غالب التردد قبل أن يضغط الجرس جانب الباب. داخلته رهبة من البناية ذات الأسوار العالية. حاول أن يتصور ما بالداخل..
    فتح له شاب يرتدي جلباباً بنياً، خمن أنه من الرتب الأقل في داخل الدير..
    طالعه مبني الكنيسة المبني بالحجارة البيضاء، في المسافة بين السور العالي، الخارجي، والممر الأسفلتي الذي يحيط بالمبني.
    دخل الراهب تسبقه ابتسامته، ويداه المرحبتان.
    ـ أنا أبوكم لوقا..
    التفت ماهر ـ بتلقائية ـ ناحية سيلفي.
    شجعته بإيماءة من رأسها..
    طمأنه عرضها بأن تظل معه إن أصر أنطوان علي رفض السماح لهما بالزواج.
    أدرك أن عليه ـ عليهما ـ تحدي كل الظروف والتوقعات، حتي يتزوج سيلفي. تصور أن خطبته لها ـ في توالي زياراته ـ أقرب إلي البديهية التي جاوزت الأسئلة والأجوبة والمناقشات.
    فاجأه أنطوان ـ ذات مساء ـ برفضه له، ولفكرة الزواج (أبوها مشغول بالغناء!). رفض مجرد المناقشة، لا مناقشة!
    ـ إذا أردت أن تتزوجي هذا المسلم فلا تنتظري منا مليماً.
    أضاف في لهجة متحدية:
    ـ كل ما ستأخذينه حقيبة ثيابك.
    وربت صدره بأصابع مرتعشة:
    ـ أبونا مريض.. أنا الآن مكانه..
    ملأ الغضب صوتها:
    ـ مادام أبي حياً، فلا شأن لك بي!
    قال الأب لوقا:
    ـ الزواج الوحيد الذي توافق عليه الكنيسة هو ما يقوم علي العقيدة الكاثوليكية..
    عرف ما لم يكن يعرفه، ولا تصور أنه يشغله: الطوائف الكاثوليكية في مصر سبع: الأقباط، الروم، الموارنة، اللاتين، الأرمن، السريان، الكلدان. تتفق جميعها في الاعتراف بالرئاسة العليا للبابا في روما. وحدة الاعتقاد الديني في جميع العقائد. وحدة قانون الزواج والإجراءات. وحدة نظام المحاكم الكنسية التي تبت في مواد الزواج. عدم إجازة الطلاق والاستعاضة عنه بالتفريق الجسماني.
    قال الأب لوقا:
    ـ ثقا من تعاطفي، لكنني لا أعد بمساعدة، لا أستطيع أن أفعل ما يوفق مسعاكم.
    لم تشده إليه ملامح مميزة، وإن ذكره بالأب يوحنا، يصغره بأعوام كثيرة، لكن الرداء المتداخل اللونين، والجو الكنسي، والكلمات المتضمنة عبارات دينية، تستعيد صورة الراهب الذي ميزه في زياراته إلي بيت المسيو ميكيل، وإن لم يتبادلا الحوار. حركته دائبة بين مكتبه المطل علي الباحة الداخلية للكنيسة، والمكتبة المتعددة الضلف الزجاجية. ربما فضل الجلوس علي مقعد منفرد بالقرب من المكتب والكرسيين المتقابلين أمامه.
    واتجه إليهما بابتسامة تطلب تصديقهما:
    ـ ذلك يعتمد علي المطران.
    لاحظ تبادلهما نظرات الحيرة. قال:
    ـ مقره في كنيسة البازيليك بمصر الجديدة، قد يجد حلاً لمشكلتكما.
    عرفت أن أنطوان كان يقف في الرصيف المواجه للكنيسة، هو أنطوان بقامته الطويلة، النحيلة، وشعره المنسحب إلي منتصف رأسه، وصدغيه الغائرين، وأسنانه المفلوجة، وعينيه الدائمتي التلفت.
    هل يراقبها؟
    أدارت وجهها إلي الناحية المقابلة. تهبه التصور بأنها لم تره، أو أنها تتجاهله. لم تشغلها اللحظة التالية، وما إذا كان سيختار المواجهة، أم يدفعه فهمه إلي تناسي المشكلة.
    كان دائم الانتقاد لمظهرها، وغيابها ـ معظم الأوقات ـ عن البيت، وتحريض أبيه، فلا تحصل إلا علي مصروف محدد.
    ضاقت بأن تكون طريقها الوحيدة هي المؤدية إلي المدرسة، أو إلي حيث يحدد أبوها وسيلة المواصلات إلي مبني البنك، تصحبه في مشاويره وسط البلد.
    تملكتها الرغبة في المغامرة، لا تدري إلي أين تذهب، تمضي من نصوح، تخلف طومانباي وسليم وكنيسة اللاتين، تركب القطار من محطة الزيتون، تهبط في محطته النهائية بكوبري الليمون، تخترق تقاطعات ميدان رمسيس، تسير في الشوارع التي لم تشاهدها من قبل، تتعرف علي الزحام والبنايات العالية والحدائق ودور السينما والمسارح والمطاعم والكافيتريات والمحال والبوتيكات وباعة الصحف، وما تقرأ عنه في » البروجريه «.
    قاموسه لا تنفد مفرداته من المحاذير والممنوعات. تملأ سمعها، فتسقطها. تهمل الالتفات إليها، تصم أذنيها عن السماع، وتبين ما يفيدها، وما ترفضه. يثيرها السؤال: أين تذهبين؟ أو: أين كنت؟
    واجهته بعينين غاضبتين:
    ـ هل أسألك؟!
    ـ من حقي أن أعرف.
    ـ لماذا ليس من حقي؟
    ـ ماذا تريدين؟
    وهي تدفع خصلة شعر متهدلة علي جبهتها:
    ـ ماذا تريد أنت؟
    أزمعت ـ لتسكته ـ أن تعيد إليه ما يوجهه من أسئلة. تضع أمامه حائطاً مسدوداً يصعب عليه اختراقه.
    لا تخشاه، ليس ثمة ما تخشاه. كان يهددها بأبيها، لا أحد يهددها به، منذ رحل أبوها.
    ***
    قالت أمه وهي تضع أطباق الطعام علي المائدة:
    ـ لا نراك إلا عند مجيئك للنوم.
    وعلا صوتها بالاستنكار:
    ـ هل ضاقت بك الدنيا فلم تجد بنتاً من دينك؟!
    أعادت ملاحظتها بإقدامه علي الفعل، دون أن يتدبر رد الفعل في التصرفات المقابلة.
    قال أبوه:
    ـ لو أن الحب يجمعكما بالفعل.. اقنعها بدخول الإسلام.
    وعلا صوته بنبرة مشفقة:
    ـ لا توجد قيود تحول دون تبديل غير المسلمين لدينهم..
    ونظر إليه بمعني أنه يقرأ مخاوفه:
    ـ المسلمون وحدهم يواجهون حكم الردة!
    انتزعت أمه بسمة فاترة:
    ـ أنت تضيع عمرك علي زواج، لن يحدث!
    رد مع اقتباس  
     

  11. #11 رد: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (11)

    كنيسة البازيليك ذات القباب الهائلة، المتداخلة، تتوسط الميدان، والأبراج المتقابلة، ومستطيلات الدوائر المصمتة، ونقوش الصلبان، والأفاريز المحيطة بالأسطح المتعددة، والنوافذ الزجاجية الملونة.
    خمن أنها بنيت في الخلاء، ثم أخذت الشوارع والحدائق ـ من حولها ـ شكل الدائرة، تهب ميدان الأهرام اتساعاً، بامتدادها ـ من الواجهة ـ إلي سينما الحرية، وسينما نورماندي، والكوربة، وبالميرا، والأمفتريون، وملاهي أدهم، وشركة مصر الجديدة، وجروبي بشرفته الواسعة المطلة علي مبني الوزارة المركزية، وشركة مصر الجديدة، وسينما بالاس، ونادي سبورتنج، ومن اليمين، صف من البنايات ذات النسق الموحد، تشي الطوابق العالية والأعمدة المنقوشة والأقواس الحجرية والمقرنصات والزخارف والبواكي ببدايات الحي، وتقاطعات الطريق إلي شارعي دمشق وبيروت، وشارع السباق، والميرلاند. فطن إلي مئذنة ـ علي ناصية الميدان ـ تلاصقت الأشجار حولها، أشبه بغابة تفضي إلي شارع بيروت. أدرك أنها لمسجد مما اعتاد وجوده بالقرب من أية كنيسة. من اليسار طريق مترو النزهة، وكنيسة الموارنة، والشوارع المتجهة إلي شارعي الثورة والعروبة، وقصر البارون إمبان بقبابه، وأبراجه المخروطية، وامتزاج عمارته والتماثيل الصغيرة ـ في الواجهة، وعلي الجانبين ـ بين النسقين الهندي والمغولي. من الخلف مستوصف الدليفراند، علي ناصية شارع هارون الرشيد، يستعيد فيه زحام شارع السد ، الدكاكين والأسواق والمقاهي والسيارات وعربات الكارو والحنطور واليد والباعة الجائلين والتندات واللافتات وامتداد المفارق، حتي المدرسة الإنجليزية.
    وهو يشير إلي الأبراج والقباب المتلاصقة:
    ـ بناية كبيرة.
    ومضت شفتاها ببسمة اعتزاز:
    ـ أنا كاثوليكية، تابعة للفاتيكان، في هذه الكنيسة يقيم مندوب البابا..
    الدرجات الرخامية تصعد إلي الباب الخشبي الضخم، يفضي إلي قاعة رخامية، علي جانبيها أعمدة تعلو إلي السقف العالي، وحجرات مواربة، أو مغلقة. تمازج الهدوء والسكينة والرائحة الذكية الغائبة المصدر.
    وقع أقدامهما علي الأرضية الرخام يعمقه الصمت السادر. تشاغلا ـ ربما للتخلص من الارتباك ـ بالنظر إلي الصور والأيقونات والتماثيل والأثاث القليل المتناثر في الحجرة الواسعة.
    تبادلا النظرات في جلستهما ـ متقاربين ـ علي الكرسي المواجه للباب المفتوح. خمن أن الحجرة لاستقبال الزوار. تناثر في أركانها مقاعد خشبية أشبه بما صف في قاعة الصلاة بكنيسة الزيتون. الزجاج الملون الشفاف يعكس ضوء النهار. الجدران خالية، إلا من رسم كبير ملون ـ وسط المكان ـ للسيد المسيح في وقفة دعاء. وثمة نجفة لا تتسق بساطتها مع فخامة المكان.
    النحنحة المترامية من خارج الحجرة، دفعتهما إلي الوقوف بتلقائية. القامة الطويلة، والنظرة المتجهمة، والملامح الساكنة، حركت في داخله إحساساً بعدم الارتياح، ولعله شعور بالكراهية. أعرف أنك لن توافق، لكن الظروف أجبرتني علي الوقوف أمامك، ولابد أن أنتزع موافقتك.
    تكلم ماهر فيما قدما لأجله.
    استنكر ـ في داخله ـ ما لجأ إليه من عبارات قد لا ترضي المطران، أو تضايقه، أفضّل السير في الطريق المضيئة، ليتك تعاملنا كما يعامل الأب أبناءه، تعاهدنا علي أن يحترم كل منا ديانة الآخر، وعبارات أخري كثيرة أملاها الارتباك، لم يعدّها، ولا تدبر وقعها في نفس الرجل الذي واجهه بعينين ملتمعتين، ساكنتين.
    اتجه المطران بنظرته إلي سيلفي:
    ـ أنت مسيحية.. وضع الله هذا الشاب في طريقك لاختبار مدي إيمانك..
    وجد في انكسار عينيها ما شجعه، فاستطرد:
    ـ عليك أن تثبتي قوة هذا الإيمان..
    كانت لهجة المطران هادئة، لكن النبرات بدت متوعدة، كأنها تتعمد بث الخوف في نفسها. آلمته الجرأة التي تصرفت بها الفتاة. خالفت دينها وأسرتها، وفرت مع شاب لا تعرف أصله، لتتزوج منه.
    قال إن ما حدث هو غواية من الشيطان، كي تتحدي سيلفي إرادة الله. هددها بأنه لن يكون لها مكان في الكنيسة الكاثوليكية.
    واكتست نبراته صرامة:
    ـ قد تواجهين بهذا القرار متاعب لا نهاية لها.
    ثم وهو يلوح بسبابته أمام وجهها:
    ـ لابد أن تراجعي قرارك.
    هذا هو الزوج الذي تريده. لا تتصور باباً يغلق عليها مع شخص آخر.
    قال المطران:
    ـ إذا تزوجت خارج الكنيسة، ستواجهين مصيرك بلا أهل ولا كنيسة..
    ثم وهو يهز إصبعه في وجهها:
    ـ ستواجهين مصيرك بمفردك.
    لاحظ زمّها شفتيها كمن تهم بالبكاء:
    ـ ما تنوين فعله يهبط بك إلي مرتبة المومسات..
    ضغط ماهر علي يدها لتتماسك أمام كلمات المطران القاسية..
    أصر علي الموافقة، وتصر علي الرفض، الموافقة حقي، أما الرفض فلابد أن تبتلعه في النهاية، لا شأن للدين ولا الكنيسة، ولا شأن لك، بقرار زواجنا.
    قالت، وهما يتجهان إلي محطة الأتوبيس في الكربة:
    ـ لماذا لا تتحول إلي المسيحية؟
    أشار إلي صدره بعصبية:
    ـ أنا ؟
    قالت:
    ـ لماذا أتحول إلي الإسلام؟
    ـ لأنه يوافق علي زواج الرجل بالكتابية، بغير المسلمة.
    وهي تعبر بيديها:
    ـ المسيحية لا توافق. المشكلة واضحة!
    ***
    واتاه السؤال. ألقاه دون تدبر:
    لم يكن محسن عبد العاطي ـ زميله في إدارة النشر ـ يخفي اعتزازه بأنه من حملة كتاب الله، وكان ماهر يطمئن إلي إلمامه بقضايا الزواج والطلاق والمواريث، وإن شدد علي عدم تفقهه في المذاهب السنية الأربعة، ولا مذاهب الإسلام الأخري.
    مط محسن عبد العاطي شفته السفلي:
    ـ اسأل الكنيسة!
    ـ حصل. قال الأب: كفر!
    بحلقت عينا محسن في استغراب:
    ـ هل كنت تتوقع موافقته ؟!
    رد مع اقتباس  
     

  12. #12 رد: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل 
    كاتب مسجل
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    1,123
    معدل تقييم المستوى
    15
    (12)

    نزل من المترو فى محطة الأسعاف ..
    مضى ـ للمرة الأولى ـ ناحية شارع بولاق . مبنى مصلحة الكهرباء والبنايات القديمة والدكاكين المتلاصقة والزحام . مال ـ كما حددت له العنوان ـ من الشارع الجانبى ، قبالة سينما على بابا . مقهى ـ على الناصية ـ تشغل مساحة الطابق الأرضى . امتلأت بالطاولات والدخان والصيحات والنداءات والشتائم . الحارة الضيقة تفصل بينه وبين البيت الذى يقصده ..
    تحسس طريقه ـ فى ظلمة السلالم الحجرية ـ يلتفت ـ بعفوية ـ إلى الظلمة المتكاثفة . توقفت خطواتها فى الطابق الأول ، وضغطت الجرس ..
    الخالة إيفون . هى الشقيقة الكبرى لأمها . رآها يوم جنازة السيدة كاترين ، واليومين التاليين .
    تقترب من الستين ، وإن بدت ـ على امتلائها ـ نشطة ، وخفيفة الحركة ، وتكثر من الكلمات المرحبة ، وتعبيرات الوجه واليدين . الوجه مستدير ، ممتلئ ، والجبهة عالية ، والصدغان متهدلان ، والعينان طيبتان ، لا تخلوان من مكر . لها شارب خفيف فوق شفتيها ، ترتدى فستاناً من الكستور المشجر ، بطول قامتها ، تحيط معصمها بسوار من الخرز الزجاجى ، وتدس قدميها فى شبشب من البلاستيك المتشابك .
    ما رسمه خياله لم يتفق مع ما شاهده .
    طرح التساؤل نفسه فى الأختين الأميرتين ، تقيم الصغرى فى فيلا بالزيتون ، والثانية فى بيت قديم ببولاق ؟
    الردهة الضيقة تفضى ـ على اليسار ـ إلى حجرة صغيرة ، بها كنبة فرشت بسجادة من مزق الأقمشة الملونة ، وكرسيان من خشب الزان ، ومنضدة مستطيلة ، فوقها بوتاجاز مسطح وأوعية . على الجدار المطلى ـ بالجير ـ بلون سماوى ، صورة نصفية كبيرة للعجوز الجالس قرب الشرفة ، ونتيجة انتهى عامها ، فلم تنزع من موضعها . الشرفة الخشبية ، المتشققة ، تطل ـ من الجانب الأيمن ـ على شارع بولاق ، تطأها قدما الخالة إيفون ، فتحدث صريراً .
    استعادت أيام ما قبل 1956 :
    ـ لم يعد إلا القلة من الجاليات الأجنبية . لا بأس من أن يعودوا إلى أوطانهم . أنا وعمك لويجى .
    أشارت إلى زوجها ..
    استعاد ماهر ملامحه فى الجنازة ، بجسده الممتلئ ، ووجهه المكور ، وأذنيه العريضتين ، وعينيه الخاليتين من الرموش ، والذقن العريضة ، والندبة البنية الداكنة بحجم الترمسة فى خده الأيمن . تتباين التجاعيد فى وجهه مع شعره المصبوغ بالسواد . يرتدى بلوفر من التريكو ، فى هيئة مربعات لونية ، يغلب عليها اللون الأسود .
    افتر فمه عن أسنان مهشمة ، مصفرة .
    ووشى صوتها بالتأثر :
    ـ ولدنا فى القاهرة ، لا نعرف مدينة سواها ، ولا نتصور أننا نبتعد عنها .
    لاحظ فى صوتها غنة واضحة . إن ابتسمت ضاقت عيناها ، بدتا خطين يعلوهما حاجباها المقوسان .
    وتطلعت إلى الصورة المعلقة على الجدار :
    ـ الشجرة الصغيرة يسهل نقلها . إذا كبرت فإن محاولة النقل تميتها .
    ورف على شفتيها ظل ابتسامة :
    ـ خمس سنوات بعد الحرب أثبتت صواب ما فعلناه .
    كانت سيلفى قد حدثته عن الخالة إيفون :
    ـ روت لى من الحكايات ما يكفى لأن أستعيدها على امتداد العمر . أتصور أنى نسيت ، لكننى ألتقط طرف الخيط ، فلا أصل لنهايته .
    وهو يغتصب ابتسامة :
    ـ إيطاليا بلد جمهورى . حدثتنى سيلفى عن أمها الأميرة .
    قالت الخالة إيفون :
    ـ نحن إيطاليون بالفعل ..
    واتته جرأة :
    ـ لكنها ليست أميرة ..
    دون أن تجاوز بساطتها :
    ـ قيام الجمهورية بدل أوضاع العائلات ..
    وأشاحت بيدها :
    ـ ذلك زمن قديم ، نحن الآن مواطنتان من مصر .. هى من الزيتون ، وأنا من بولاق ..
    وربتت صدرها :
    ـ أنا من بولاق .
    ثم فى نبرة متأثرة :
    ـ لا أحد من أبناء أختى يزورنى ، عدا سيلفى !
    وخنق التأثر صوتها :
    ـ حتى كاترين ـ أدعو لها بالرحمة ـ كانت سيلفى تنقل عنها السلام .
    خمن أن سيلفى تعانى ـ فطن إلى تأثرها بما كان لدى الأم ـ ربما ـ من ميول استعراضية ، تستخدم مفردات الأم ، وتحاكى ما كانت تحرص عليه من تصرفات .
    حدثته عن الاعتزاز الذى كانت تنظر به السيدة كاترين إلى نفسها . هى أعلى فى المكانة الاجتماعية من زوجها . من حقها ، وواجبها ، أن تفرض سيطرتها على البيت ومن فيه ، تتحكم ، وتصدر الأوامر والتحذيرات ، تحدد أوقات الطعام والفراغ والسهر وسماع الأسطوانات . وكانت ترتدى ثياباً أنيقة كما يليق بحفيدة أميرة إيطالية ، وتحرص على ثياب الخروج داخل البيت .
    يدفعها الشعور بالتفوق إلى إبداء ملاحظات قاسية . يتظاهر المسيو ميكيل بالموافقة ، وإن حرص ألا يترك لها فرصة حقيقية للسيطرة عليه .
    عرف ـ من تناثر كلمات أنطوان الملمزة ـ أن المسيو ميكيل تعرف ـ بعد إحالته للمعاش ـ إلى بائعة أربعينية ، لحيمة الجسد ، مكحولة العينين ، فى سوق الخضر القريب من الكنيسة . تحدث عن السأم الذى يدفعه للتردد على فرشتها داخل السوق . يضيفان إلى البيع والشراء حكايات تشرق وتغرب ، تتراوح ردود أفعالها بين البسمة والضحكة العالية . يضيفها إلى الكفين والقدمين المخضبة بالحناء ، واهتزاز الثديين إذا تحركت ، أو تكلمت ، وأساور الذهب الملتمعة فى ساعديها ، ومنديل الرأس الأسود الذى عصبت به رأسها ، زينت أطرافه بحواش مطرزة ،
    فطن أنطوان إلى أن العلاقة جاوزت الحكى لما رأى أباه يغادر ـ ذات مساء ـ بيت البائعة فى عطفة خزام .
    لزم المسيو ميكيل البيت دون أن يشير إلى ما كان ، ولا إلى بواعث انقطاعه عن البيت . هل رأى أنطوان ، الذى تظاهر بأنه لم يره ؟
    صادق أبونا امرأة من الشارع ، وها نحن نحاكيه .. صداقة أبينا والمعلمة فتحت الطريق للعلاقات الكاثوليكية الأرثوذكسية الإسلامية .. لو لم تمرض أمنا ، وانشغل أبونا بأمورنا ، بدلاً من الغناء الغبى والصرمحة وراء النسوان ، ما كنت [ ينظر إلى سيلفى ] تركت الدراسة ، وأمضيت وقتك خارج البيت .. هذا الرجل القبطى ، هل كان يتردد على الفيلا لو أن أبى عرف واجباته ؟.. أثق أن سكوت أمنا عن تصرفات زوجها هو الذى سيدخلها الجنة .
    قال أنطوان :
    ـ نحن ندفع ثمن الإقامة فى الزيتون .
    قالت الأم :
    ـ عندما أقمنا بالفيلا ، كان الحى كله فيلات وقصوراً وحدائق وزراعات ..
    وأشارت بيدها إلى ما حولها :
    ـ لم نكن نتصور هذه الأيام !
    وقالت فى نبرة متصعبة :
    ـ راح زيتون الحلم الجميل ، وجاء الكابوس الذى لا يرحل !
    كان الزيتون ـ فى ذاكرة السيدة كاترين ـ حياً للأجانب والأثرياء ، القصور والفيلات والحدائق والشوارع النظيفة . لا تذكر ـ بالتحديد ـ متى تبدل الحال . ربما فى أعوام الحرب العالمية الثانية . انتقلت ـ بعدها ـ إلى الحى أسر من الأحياء المجاورة والبعيدة . علت البنايات ، وافتتحت دكاكين الحرفيين ، وأقيمت أسواق الخضر والفاكهة .
    لم تكن تخفى استياءها من تغير صورة الحياة فى الزيتون . غاب ما كان يتسم به الحى من هدوء وتجاور للقصور والفيلات والحقول والحدائق . اختفت السواقى فى أطراف الحقول ، وأشجار الموالح والجوافة والموز والبانسيانا والكافور . تحولت الخضرة إلى أراض بور ، ثم بنيت فوقها العمارات والورش والمخازن والأسواق ، تخللتها الشوارع الضيقة والحوارى ، وقدم السكان الجدد بالزحام والضجيج والتلوث ، أعداد بلا حصر ، جاءوا من الأحياء البعيدة والقريبة .
    ترامت إلى الفيلا ـ فيما يشبه الصدى أو الهمس ـ تلك الصفة المقتضبة : الخواجات . حتى الحرفيون ورواد المقاهى فى شارع سنان كانوا يتهامسون بالصفة ، عند قدوم أفراد الأسرة من ـ وإلى ـ طريق جسر السويس .
    قالت :
    ـ سادة الزيتون الآن من لم يكونوا يجرءون على السير فى شوارعه !
    وأغمض التأثر عينيها :
    ـ كنت أكره الأشجار لأنها تحجب الرؤية .. الآن أحبها للسبب نفسه !
    ورافق إغماض العينين تحريك الرأس :
    ـ لم يعد حولنا ما يغرى بالرؤية !
    قال جان :
    ـ أهذا رأيك بعد أن ازدحم ما حولنا بالبنايات ؟
    ـ إنها ما لا يغرى بالرؤية !
    لاحظ ماهر غضب الخواجة لويجى لغياب المكرونة عن المائدة . نحن طلاينة ، المكرونة لا تخلو من مائدة الإيطالى !
    غالب ماهر ارتباكه :
    ـ ما على المائدة يكفى .
    ورسم على شفتيه ابتسامة :
    ـ بصلة المحب خروف .
    قالت الخالة إيفون :
    ـ تتركين ديانتك من أجل الزواج ؟
    قالت سيلفى :
    ـ ماهر وافق أن أظل على المسيحية .
    قال ماهر وهما يهبطان درجات الشهر العقارى :
    ـ الشهر العقارى يصر على موافقة الكنيسة ..
    قالت :
    ـ كما ترى .. لن توافق الكنيسة ..
    ـ والحل ؟
    ـ ما تريده سأفعله ..
    غالب تردده :
    ـ هل تعلنين إسلامك ؟
    أضاف للذهول فى عينيها :
    ـ ستظلين مسيحية . إعلان الإسلام للفرار من ضغط أهلك ورفض الكنيسة ..
    ـ دعنى أفكر ..
    ـ لسنا متعجلين !
    حركت رأسها فى ما يشبه اليأس :
    ـ كل الطرق مسدودة ..
    قالت الخالة إيفون :
    ـ هذه الطريق أيضاً ليست صحيحة . نعتنق ديناً لأننا نؤمن به وليس لأنه يجمعنا بمن نحب !
    ـ ماذا أفعل ؟
    شعر فى صوت سيلفى بتماوج الحيرة والقلق .
    قالت الخالة :
    ـ كما اتفقتما ، فليظل كل منكما على دينه .
    زفرت فى ضيق :
    ـ الكنيسة ترفض .
    ـ لكن القانون يوافق .
    واتجهت إلي ماهر بنظرة متسائلة :
    ـ لو أن سيلفى أرادت أن تذهب إلى الكنيسة .. هل توافق ؟
    وهو يومئ برأسه :
    ـ هذا شأنها .
    ـ مسايرة للظروف ؟
    ـ أظن أنى لست شديد التدين !
    قالت الخالة إيفون لسيلفى كالمتنبهة :
    ـ الدراسة .. ألا تنوين استكمالها ؟
    قالت :
    ـ لن أكون الوحيدة التى تدرس فى أثناء زواجها ..
    رد مع اقتباس  
     

المواضيع المتشابهه

  1. النص الكامل لرواية «صيد العصاري» للروائي الكبير محمد جبريل
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى مكتبة المربد
    مشاركات: 20
    آخر مشاركة: 04/08/2008, 03:12 PM
  2. مشاركات: 70
    آخر مشاركة: 29/05/2008, 10:43 AM
  3. النص الكامل لرواية «شغل الليل والنهار» لثروت مكايد
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى مكتبة المربد
    مشاركات: 36
    آخر مشاركة: 28/02/2008, 06:08 AM
  4. النص الكامل لمجموعة «ما لا نراه» لمحمد جبريل
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى مكتبة المربد
    مشاركات: 19
    آخر مشاركة: 25/01/2008, 08:26 AM
  5. النص الكامل لمجموعة «إيقــــاعات» للقاص الكبير محمد جبريل
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى مكتبة المربد
    مشاركات: 18
    آخر مشاركة: 23/12/2007, 11:20 AM
المفضلات
المفضلات
ضوابط المشاركة
  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •