الملاحظات

الرد على الموضوع

أضف مشاركة إلى الموضوع: العلمانية

رسائلك

اضغط هنا للدخول

رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.

 

يمكنك إختيار أيقونة لرسالتك من هذه القائمة

الخيارات الإضافية

  • سيتم تحويلها www.example.com إلى [URL]http://www.example.com[/URL].

عرض العنوان (الأحدث أولاً)

  • 01/06/2020, 09:22 PM
    طارق شفيق حقي
    دور ساطع الحصري في ترسيخ الطائفية في العراق
    عبد الخالق حسين

    لعب المفكر ساطع الحصري (1880-1968)، أحد الرواد الأوائل في حركة القومية العربية، دوراً كبيراً في ترسيخ الطائفية في الدولة العراقية الحديثة، وربطها بالقومية العربية، حيث اعتبر بحق عرابها، وأسبغ عليها طور الحداثة. وغني عن القول أن الطائفية كانت موجودة في العراق منذ تأسيس الدولة الأموية، ولكن كما أشرنا في الفصل السابق وما قبله، أنه خلال حرب الجهاد، وثورة العشرين، ومهما كان موقفنا منهما، توفرت أجواء وظروف جيدة للتقارب بين الشيعة وأهل السنة، وبالتالي كان ممكناً استثمار هذه الأجواء للتخلص من الطائفية، ولكن هذين الحدثين (حرب الجهاد وثورة العشرين) دفعا المحتلين لأخذ موقف انتقامي من القائمين بهما، ولقي هذا الموقف التأييد والدعم من القادة العراقيين الجدد، خريجو المدرسة التركية، الذين أرادوا الاستمرار على الموروث التركي العثماني في العزل الطائفي. ولذلك يعتقد البعض أن الإنكليز كانوا قد استوردوا الحصري إلى العراق خصيصاً لهذا الغرض.

    ولم يتوقف دور الحصري عند الحدود العراقية فحسب، بل تعدى تأثيره في مختلف المجالات السياسية والفكرية والتربوية إلى البلاد العربية الأخرى، فهو مفكر موسوعي، وصاحب المؤلفات العديدة في الفكر القومي العربي، واعتُبِرَ فيلسوف العروبة بعد أن غادر العراق عام 1941. لذلك فالرجل يستحق منا وقفة لمناقشة دوره في تكريس الطائفية وتنشيطها، إثارة نعرتها في الدولة العراقية الحديثة دون أن نغمط حقه.

    ونظراً لأهميته، فقد صار الحصري بعد وفاته موضوعاً للباحثين في كتابة البحوث والرسائل الجامعية، ليس في البلاد العربية فحسب، بل وفي أمريكا وروسيا وغيرهما. ولعل من أهم هذه البحوث هو الكتاب القيم الذي ألَّفه الباحث الأمريكي ويليام كليفلاند، الأستاذ في جامعة برنستون، الموسوم: "الحصري من المفكرة العثمانية إلى العروبة"، وكتاب آخر للباحثة الروسية، تيخونوفا الموسوم: "ساطع الحصري رائد المنحى العلماني في الفكر القومي العربي." ويعتبر كتاب كليفلاند من أهم المصادر في هذا الصدد.

    يقسّم كليفلاند حياة الحصري إلى ثلاث مراحل. المرحلة الأولى هي التي قضاها في خدمة الدولة العثمانية، والتي حاول الحصري إحاطتها بالكتمان والغموض. إلا إن كليفلاند استطاع الحصول على موافقة الحكومة التركية والإطلاع على الوثائق التاريخية في العهد العثماني التي تخص حياة الحصري. فاكتشف الباحث القسم الغامض من حياته.

    والحصري مشكوك في أصله، فهو يدعي أنه من سلالة الإمام علي (ع)، ولقبه الحصري يعود إلى بلدة في اليمن، إلا إن الشاعر محمد مهدي الجواهري يؤكد في كتابه (ذكرياتي ج1) أنه سأل الكثيرين ممن التقاهم من أهل اليمن، عن وجود مكان في اليمن بهذا الاسم، فأنكروا ذلك. ويدعي الحصري أن والداه استقرا في مدينة حلب، وأنه من مواليدها عام 1880، وهذا ما ينكره كليفلاند حيث دقق في سجلات المواليد في تلك الفترة في حلب، فلم يعثر على اسمه. ويستنتج الباحث أنه على الأغلب أن ساطع الحصري قد ولد في إسطنبول حيث نشأ وتعلم فيها، ولم يرحل إلى البلاد العربية حتى بلغ الأربعين من عمره وبعد سقوط الدولة العثمانية.

    فالمرحلة الأولى من حياة الحصري البالغة أربعين عاماً، هي مرحلة العثمنة، (من العثمانية) حيث عاش وتثقف في إسطنبول وباريس. ففي هذه المرحلة كان الحصري من أبرز المدافعين عن الفكرة العثمانية ضد الأفكار الداعية إلى إجراء إصلاحات في الدولة على ضوء تقسيم الشعوب قومياً.. ولم يكن ذلك على أساس ديني.. لأنه ظل في جميع مراحل حياته بعيداً عن الإسلام. ولم يكن قومياً عربياً في مرحلته التركية العثمانية، وعندما قام الحاكم التركي جمال باشا في سوريا، الملقب بجمال السفاح، بإعدام القوميين العرب ومنهم عبد الغني العريسي وعبد الكريم خليل الذي كان صديقاً للحصري، لم يتحرك الحصري ولو بكلمة تأبين لصديقه، ولم يساهم في حركة دعاة الدستورية والحرية، وكان من جماعة الأتراك الشباب (تركيا الفتاة) التي كانت تطالب بعصرنة الإمبراطورية العثمانية، فكان مع العثمنة وضد القومية العربية، ولم يغيّر موقفه منها إلا بعد أن سقطت الدولة العثمانية على أيدي الحلفاء في الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، وانسلخت عنها الأقطار العربية.

    والجدير بالذكر، أن في أواخر العهد العثماني كان شقيق ساطع الحصري، بديع بيك، متصرفاً للواء الناصرية. وكانت الحكومة المركزية في إسطنبول قد خططت عملية اغتيال السيد طالب النقيب لأنه كان من دعاة الحركة العربية، فأناطت هذه المسؤولية بالسيد بديع بيك مع القائد العسكري التركي في البصرة فريد بيك. ولكن جماعة النقيب كانوا أكثر حذراً ومهارة، وقرر السيد طالب النقيب أن يتغدى بهما قبل أن يتعشيا به! فقُتِلا على أيدي رجال النقيب في 19 حزيران 1913 في تلك المحاولة. (1). ولعل هذه الحادثة كان لها أثر بليغ في إثارة حقد الحصري على العراقيين الذي ظهر في سلوكه فيما بعد.

    ولما تأسست المملكة العربية السورية، غيَّر الحصري موقفه السياسي ورحل إلى الشام عام 1920 حيث كان في الأربعين من العمر، فانتمى إلى جماعة الأمير فيصل بن الحسين (شريف مكة)، وعُيّن مديراً للمعارف. وهنا بدأت المرحلة الثانية من حياته. وكان يجهل اللغة العربية مما أثار حنق السوريين عليه، وكان يجيد التركية (لغة الأم) والفرنسية كلغة ثانية.

    بعد سقوط المملكة السورية في واقعة ميسلون عام 1920، عاد الحصري إلى إسطنبول، ثم إلى إيطاليا وبعدها سافر إلى القاهرة بحثاً عن عمل في التدريس، وهنا سمع من الدوائر الإنكليزية أن هناك مخططاً لتأسيس مملكة في العراق، وتنصيب فيصل ملكاً لها، فراح يبحث عن أحوال العراق وشعبه والتقى بالشاعر العراقي عبد المحسن الكاظمي الذي كان مقيماً في القاهرة آنذاك حتى وفاته عام 1935. وكل ما اهتم به الحصري من معلومات عن العراق هو أن في العراق طائفة شيعية تشكل الأغلبية العربية، وكانت مضطهدة من قبل الحكم العثماني. فقرر الانتماء إلى جماعة فيصل ثانية. (2)
    وصل الحصري بغداد في آب1921، لتبدأ أخطر مراحل حياته التي ظلت مجهولة على القارئ العربي بينما عُرفت المرحلة الأخيرة بتفاصيل وافية بعد خروجه من العراق عام 1941، ونشره عدداً من المؤلفات القومية المهمة حتى وفاته.
    يقول الأستاذ حسن العلوي: "لم يقم الحصري بأية علاقة مع أي عراقي خلال عشرين عاماً من عمله وإقامته في العراق. ولم يذكر العراق بخير،.. لكنه تحدث كثيراً عن العجم.. وكثرة العداوات.. والمؤامرات على شخصه. فخلال الأشهر الست الأولى من وصوله بغداد، قضاها مع الإنكليز وانعقدت بينه وبين عدد منهم مثل كورنواليس، وغاربيت، والمس بيل، ومع سميث فيما بعد، أواصر عمل مشترك ومودة روحية." (3)
    اعتمد الإنكليز على ساطع الحصري لتحقيق المخطط البريطاني كعراب للقومية العربية في العراق وربطها بالطائفية، واضطهاد أربعة أخماس عرب العراق، وحرمانهم من حقوق المواطنة في بلدهم. عمل بإجهاد لتنفيذ هذا المخطط الطائفي خلال عمله في العراق كمدير عام للمعارف. ولم يشعر الحصري بأي انتماء للبلد الذي عاش فيه عشرين عاماً، ولم يعرف أو يقدر مشاعر سكانه إزاء تاريخهم وأعرافهم.

    فلسفة الحصري
    يؤكد كليفلاند أن الحصري أرتكز إلى أفكار التنوير البرجوازي الأوربي وليس إلى مذاهب جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده الإصلاحية، فقد شغل موقع "المراقب الأجنبي"، الذي حلَّق بعيداً فوق البنية الاجتماعية المحيطة (4). أما نضاله ضد دعوات الإقليمية والجامعة الإسلامية فيصفها الباحث بقوله: "إن اقتراحاً مثل هذا التعديل الجديد والجذري في الولاء لا يمكن أن يتقدم به إلا شخص، لا يضرب جذوراً عميقة في المجتمع العربي، ولا تهمه الاعتبارات السياسية والارتباطات المحلية" (5).

    وقد تأثر الحصري بفلسفة فيختة وهيغل، لذلك اقتبس أفكار هذين الفيلسوفين الألمانيين وإضفاءها على القومية العربية. وفي هذا الصدد تقول الباحثة الأمريكية ج.هايم التي ترّد مآثر الحصري في حقيقة الأمر إلى "تقديم فيختة وهيغل في صورة أساتذة للفكر العربي الإسلامي" . وتقول في مكان آخر إن نزوع الحصري إلى صياغة نظريته في قوالب تتوافق شكلياً مع الإسلام، إنما جاء من كونه "قد اتخذ من فيختة، لا القرآن مصدر إلهام له." (6) وليس غريباً من شخص كالحصري، المعجب بالفلسفة الألمانية (هيغل وفيختة) أن يتبنى الفاشية في التنظير القومي، فيؤكد كليفلاند ذلك عن الحصري قوله: "إن النظام الذي يجب أن تتجه نحوه آمالنا ومساعينا هو نظام فاشستي." (7)
    والحصري لا ينكر موقفه من الدين ودوره في العروبة. فهو برغم تأكيده على "الدور العظيم المنقطع النظير الذي قام به ظهور الإسلام في تكوين الأمة العربية، وتوسيع نطاق العروبة" إلا إنه يستدرك قائلاً: "ومع كل ذلك لم تر أبحاثي مجالاً ولا لزوماً لاعتبار الدين من المقومات الأساسية للقومية العربية" فرغم "إن الحركة الإسلامية … أوجدت تحولاً انقلابياً خطيراً في أحوال العرب… لم تبق مرتبطة بالقومية العربية ارتباطاً تاماً، لأن بعض الجماعات استعربت دون أن تعتنق الديانة الإسلامية. وبعكس ذلك فإن بعض الجماعات اعتنقت الديانة الإسلامية دون ان تستعرب." (8).

    دور الحصري في التربية والتعليم
    عُيّن الحصري مديراً للمعارف بالإضافة إلى كونه مستشاراً للملك. ومن الأحداث اللاحقة تبيَّن أن كلمته كانت فوق كلمة الوزير، بل وحتى فوق كلمة الملك في بعض الأحيان، لأنه كان مدعوماً من قبل الإنكليز، حيث أنيطت به، وبإيعاز من الإنكليز، مهمة نشر الطائفية ومعاداة الشيعة، والطعن في عروبتهم ووصفهم بالعجمة والشعوبية.
    وكان للحصري تأثير بالغ في وضع المناهج التدريسية، وتوجيه طلاب المدارس وجهة تفضي إلى اغتراب العراقيين عن تراثهم الأدبي. ففي كتب الأدب العربي وتاريخه، لم يذكر أي أديب أو شاعر عراقي من أصول شيعية، قديم أو معاصر، رغم كثرتهم ودورهم الكبير في خدمة الأدب العربي، من أمثال: الكميت بن زيد الأسدي، والمتنبي، والمعري، والمعاصرين منهم من أمثال: محمد رضا الشبيبي، ومهدي المخزومي، وباقر الشبيبي، والفقيه والشاعر الكبير محمد سعيد الحبوبي، أو الجواهري، واستمرت الحالة هذه طوال العهد الملكي، بينما ركز على الأدباء والشعراء العرب من سوريا ومصر وغيرهما دون العراقيين.

    والجدير بالذكر أن الحصري هو الذي أدخل في المدارس عقوبة الجلد والطرد ضد تلامذة، العقوبة المذلة التي أثبت علم النفس آثارها النفسية المدمرة على شخصية التلميذ ومستقبله، ودفعه لممارسة العنف مع الآخرين. وبهذه المناسبة، أقترح على المسؤولين عن التربية في العراق الجديد، وحرصاً على تربية الجيل الحالي والأجيال القادمة تربية علمية صحيحة، وحمايتهم من العقد النفسية والانحرافات الأخلاقية، اقترح بحث البرلمان العراقي على إصدار قانون يمنع بموجبه العقوبات الجسدية في جميع مراحل التعليم.

    دور الحصري في تمذهب السلطة
    ومما تقدم، نعرف دور الحصري في بناء الدولة العراقية الحديثة على أساس الطائفية التي مارستها الحكومات العراقية المتعاقبة بضراوة ضد غالبية الشعب العراقي، ابتداءً من حكومة عبد الرحمن النقيب إلى حكومة صدام حسين، باستثناء فترة حكومة ثورة 14 تموز 1958، لأن قائدها الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم أصر على معاملة العراقيين بالتساوي، وبدون أي تمييز عنصري، أو طائفي، أو عشائري، أو مناطقي ... لذلك انتقموا منه شر انتقام.

    لقد تركزت حملة الحصري وحكومة "النخبة" على التشكيك في عروبة الشيعة التي استمرت لحد هذه اللحظة. والمعروف أن العشائر في الوسط والجنوب هم من العرب، ومن المهزلة بمكان ان تبرز الحاجة للدفاع عن عروبتهم، فهم عشائر التميم، والخزاعل، والزبيد، وربيعة، والخفاجة، وآل فتلة، والجبور، وبني حجيم، وبني أسد، والأزيرج، وبني كعب، وبني لام، وشمر، وعنزة وغيرهم. فهؤلاء أختلطوا بأقوام وادي الرافدين من السومريين، والأكديين، والبابليين والآثوريين والكلدانيين وغيرهم. وبمرور الزمن اختلطت هذه العناصر البشرية في بوتقة واحدة وهي الأمة العراقية.

    كما وتركزت حملة الحصري ضد ثورة العشرين وتشويه سمعة قادتها. فيذكر في مذكراته على لسان أحد الإنكليز وهو(غاربيت) تنديداً واسعاً بالثورة والثوار قائلاً: "يجب أن نعذر هؤلاء-الإنكليز- لأنهم شاهدوا الفظائع التي ارتكبها الثوار. إنهم ذبحوا بعض الضباط الإنكليز ذبح الشاة. وقد مثلوا بأيديهم وبأرجلهم وقطعوها إرباً إرباً، وقد وجدنا أكثر من عشر جثث بمثل هذه الأحوال الفجيعة. نحن سعينا أن نخفي ذلك. لم نقل العرب يحاربون هكذا، بل قلنا لعائلاتهم أننا دفناهم بالاحتفالات اللازمة، ولكن هناك من عرف ذلك وشاهده فإذا ما رأيتموهم يسلكون مسلك القسوة يجب أن لا تتعجبوا على ذلك" (9) . ويقول العلوي لا شك فمن التعابير الحاقدة، يظهر جلياً أنها عبارات الحصري نفسه وليست غاربيت.

    ويلخص حسن العلوي موقف الحصري من العراق على الشكل التالي (10): - مناوئ إلى حد البغض للوطنيين العراقيين سنة كانوا أم شيعة.
    - مناوئ للعراقيين الشيعة وطنيين كانوا أم عملاء.
    - مناوئ للأكراد في الحالتين.

    وكان الحصري يمارس الطائفية بدهاء، خاصة في تعامله مع الطلبة الشيعة في إرسال البعثات إلى الخارج، إذ يذكر الراحل عبد الكريم الأزري عن إنحياز الحصري ضد طلبة الشيعة في إرسال البعثات فيقول: " لا أذكر تماماً عدد طلاب البعثة العلمية الموفدة إلى خارج العراق في السنة الدراسية 1931 ولكني أتذكر أن عدد الطلاب في البعثة من الشيعة كان أقل بكثير من عدد اليهود وكان قد حدث حادث ليس غريباً ولا غير متوقع للبعثة المذكورة إذ أوفد معظم طلاب البعثة العلمية إلى (صفد) في فلسطين لكي يدرسوا اللغة الإنكليزية هناك ويتقنوها. وهناك في صفد التحق أحد طلاب البعثة من اليهود بإحدى المنظمات الصهيونية التي تبنته."(11)

    فتنة أنيس النصولي
    كلما أرادت بريطانيا توقيع أية معاهدة أو اتفاقية مجحفة ضد العراق، كانت توعز للحصري أن يقوم بعملية لشق وحدة الصف الوطني، وذلك بإثارة فتنة طائفية لإشغال الشعب وإلهائه في قضايا جانبية وتمرير المعاهدة. فعندما أرادت بريطانيا توقيع اتفاقية النفط وكان الحصري قد استورد مدرساً لبنانيا للتدريس في العراق يدعى أنيس النصولي الذي قام بنشر كتاب تعرض فيه بشخصية الإمام علي، وفرضه على طلبة المدارس، وكان عملاً مدبراً متحدياً مشاعر العراقيين، وأثار الكثير من الاضطرابات.

    جاء في كتاب النصولي الموسوم: (الدولة الأموية في الشام) وطبعه في مطبعة دار السلام في بغداد في سنة 1926، وسبب ردود أفعال عنيفة من قبل الشيعة لأنه تعرض بالإمام الحسين وتبجيل بني أمية وخاصة يزيد بن معاوية، ومما جاء فيه سب الحسين قوله: " ولطالما استمسك بنو أمية بعروة الخلافة وبينوا جلالها وأهميتها الدينية، فادعوا أن الله ناصرها ومذل أعدائها، وإن الذين يسعون في الخلافة عليها هم الكفرة الفجرة. ولا غرابة في ذلك فالعاهل الأموي كان خليفة رسول الله، ومن يخرج على الخليفة فإنما يخرج على رسول الله، ومن يخرج على رسول الله فإنما يخرج على الله ومقره جهنم وساءت مصيرا." والجدير بالذكر أن حسين جميل كان مؤيداً للنصولي، ولم ير في كتابه إهانة لمعتقدات الشيعة". ويعلق عبدالكريم الأزري قائلاً: "إني أوجه هذا السؤال، بل الامتحان الوجداني، إلى حسين جميل، المفكر والمحامي، والقانوني الضليع، راجياً منه جواباً صريحاً، وكل أملي أن يخرج من هذا الامتحان بنجاح."(12)

    وكان المخطط هو فرض كتاب النصولي على المدارس الثانوية في درس التاريخ بتعليمات من الحصري طبعاً، الأمر الذي أثار فتنة، وخرجت الجماهير إلى الشارع محتجة على هذا الإجراء الطائفي، مما حدا بوزير المعارف، السيد عبدالمهدي المنتفكي آنذاك، بفصل النصولي الذي غادر العراق، وأكد ذلك الشاعر محمد مهدي الجواهري في قصيدته "تحية الوزير" التي مطلعها: (13)
    حيِّ الوزير وحيِّ العلمَ والأدبا ........ وحيِّ من أنصـف التاريخ والكتبا
    هم حـاولوها لأغراضٍ مذمَّـمةٍ ........ حتى إذا سُعِّرَتْ كانوا لها حطبــا
    هذا نتاجُ شعورٍ جـاش جائشُـه ....... راعوا عواطفَ هذا الشعب يا غُربا

    وفتنة طائفية أخرى
    وفي حزيران /يونيو 1933، واجهت حكومة رشيد عالي الكيلاني نزاعاً طائفياً ظهرت شرارته الأولى بنشر كتاب "العروبة في الميزان" الذي كتبه المدعو عبد الرزاق الحصّان الذي كان يعمل في وزارة المعارف العراقية، أي تحت إمرة الحصري أيضاً. وكان قد طرح في كتابه هذا فكرة مفادها أن الشيعة في العراق لم يكونوا عرباً، بل أنهم انحدروا من المجوس القدماء، وهم في العراق من بقايا الساسانيين، كما أنه قدم وصفاً لنزعة الشيعة نحو إبداء الولاء إلى إيران، وإن تاريخهم هو تاريخ الشعوبية نفسه. ولقد أحدث الكتاب غضباً كبيراً بين الشيعة وخاصة في المدن المقدسة، ويكرر التاريخ نفسه إذ نجد نفس التهمة، وإلى يومنا هذا، توجه إلى شيعة العراق وقادتهم السياسيين. وقد قدمت الاحتجاجات إلى السلطات في كل من النجف وكربلاء والحلة والكوفة وغيرها من المدن والأقاليم. كما وجرت أعمال عنف وهجوم على دوائر الحكومة. وأخيراً اضطرت الحكومة بمصادرة الكتاب وتمت محاكمة المؤلف وحكم عليه بالسجن.(14). وكان واضع الرسالة (عبدالرزاق الحصان) من حاشية نوري السعيد، وظهر فيما بعد أن ياسين الهاشمي كان وراء المؤلف، وقد تبناه شخصياً طه الهاشمي طيلة حياته. (15)

    معاناة الجواهري على يد الحصري
    يذكر أن الحصري فَصَلَ الشاعر محمد مهدي الجواهري من سلك التعليم لأنه وصف في قصيدة له أحد مصايف إيران عام 1927، متهما إياه بالشعوبية والتبعية الإيرانية، وأصر على فصله رغم تدخل الملك فيصل الأول، مما أضطر الملك تعويض الجواهري بتعيينه موظفاً في البلاط. وقد خصص الجواهري عشرات الصفحات من مذكراته عما عاناه على يد الحصري من تعسف بدوافع طائفية بحتة. (الجواهري: ذكرياتي ج1).

    وقد بقت تهمة التبعية الإيرانية تلاحق آل الجواهري، وحرم العديد منهم من شهادة الجنسية العراقية التي بدونها لا يسمح لشبابهم بدخول الجامعات العراقية أو الحصول على وظيفة في الدولة. فخلال خدمتي في المناطق النائية كطبيب في قضاء أبي صخير عام 1971، تعرفت على الكثير من أفراد ينتمون إلى عائلات تحمل لقب الجواهري، ومنهم شباب خريجو المدارس الثانوية. ولما سألتهم لماذا لم يلتحقوا بالجامعة لإكمال دراستهم، كان جوابهم أن السلطات ترفض منحهم شهادة الجنسية وذلك لكونهم أقرباء شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري. فهل هناك إجحاف أكبر من هذا بحق مواطنين ساهم آباؤهم في ثورة العشرين التي تعتبر السبب المباشر لتأسيس الدولة العراقية، ولهم دور في إغناء الثقافة العربية في العراق والعالم العربي، أن يحرموا من أبسط حقوق المواطنة؟ وما زال الألم يعتصرني على هؤلاء الشباب المتحمسين لتلقي العلم، والمعرفة، ويطمحون في مستقبل زاهر لهم في وطنهم العراق، وقد حرموا من تحقيق طموحاتهم لا لشيء إلا لأنهم شيعة ومن أقارب محمد مهمدي الجواهري، وبقرار من إنسان غير عراقي أصلاً ألا وهو الحصري.

    موقف الحصري من الطوائف الأخرى
    لم يقتصر حقد الحصري على الشيعة فحسب، بل كان ضد الشعب العراقي ككل كما يبدو من أعماله الأخرى، وما الطائفية إلا إحدى الوسائل الفتاكة التي استخدمها لتنفيذ مخططه في عرقلة مسيرة الشعب العراقي بسلام. لقد عمل كل ما في وسعه على تدمير ثقة الإنسان العراقي بنفسه، فزرع فكرة في نفوس العراقيين أن العراقي لا يصلح لأي شيء. وكان العراقي لا يحصل على تعيين في وزارة المعارف إلا بشق الأنفس، إذ كان يصر على استيراد المعلمين من سوريا ولبنان ومصر وتفضيلهم على العراقيين. علماً بأن كان هناك الآلاف من خريجي المدارس الدينية في النجف وكربلاء والكاظمية وبغداد وسامراء، يصلحون للتدريس في اللغة العربية وآدابها ومادة التاريخ والرياضيات.. وغيرها.

    ولما أمر الملك فيصل بفتح دار للمعلمين في الحلة وأخرى في الموصل، رفض الحصري المشروع بشدة، وذكر في مذكراته فيما بعد، أنه رفض المشروع لأنه كان في الحلة يفيد الشيعة وفي الموصل يفيد المسيحيين، وقال ما نصه: "وأنا لم أتردد في الحكم بأن تنفيذ هذه الخطة- إنشاء دار للمعلمين في الحلة وأخرى في الموصل- يعرض الوحدة الوطنية لخطر عظيم لأنه كان من الطبيعي في تلك الظروف أن تكون الأكثرية الساحقة من طلاب دار المعلمين في الموصل من أبناء المسيحيين وفي الحلة من أبناء الجعفريين."(16)

    وكان يرفض الاعتراف بخريجي المدارس الجعفرية، وأصر على عدم تعادل شهادتها بالشهادة الثانوية. وكانت تُرفض طلبات الطلبة الشيعة في القبول في كلية الحقوق. ولما كثرت الاحتجاجات على هذا السلوك، أوعز الملك بفتح صف إضافي في كلية الحقوق لقبول الطلبة الشيعة من خريجي المدارس الجعفرية. والجدير بالذكر أن إجراء الملك هذا واجه معارضة ليس من قبل الحصري وحده، بل ومن مسؤولين آخرين سنأتي عليه في فصل قادم.

    موقف الحصري من المدارس الجعفرية
    وفي المرحلة الثالثة والأخيرة من حياته، وبعد أكثر من عشرين عاماً من مغادرته العراق، حاول ساطع الحصري أن يظهر نفسه مدافعاً عن حقوق الطوائف الأخرى ويدافع عن نفسه في مواقفه المتشنجة ضد العراقيين أيام كان مديراً عاما للمعارف. وبهذا الخصوص تدافع الباحثة السوفيتية تيخونوفا عنه وتستشهد بأقواله من مذكراته في العراق فتقول: "فقد اصطدم في منصبه كمدير عام للمعارف العراقية بإحدى المشكلات السياسية الداخلية. وكانت من بين الدوافع الرئيسية لاستقالته افتراءات الإقليميين (كذا)، الذين راحوا يتهمونه بـ"احتقار العراقيين" وبـ"خدمة الدخلاء"، وتهجمات بعض الجماعات الجعفرية، التي وصمته بمعاداة الجعفرية، وذلك بسبب إجراءاته للحد من تأثير "المدارس الإيرانية."(17) وهنا العذر أقبح من الفعل، إذ يعتبر الحصري المدارس الجعفرية في العراق التي أسسها أسرة أبو التمن البغدادية المعروفة، مدارس إيرانية. ألا يعتبر هذا السلوك طائفياً؟.

    الحصري يغير مواقفه متأخراً
    والمفارقة، أن الحصري يحاول في كتابه (حول القومية العربية) الصادر في بيروت عام 1961 أن ينتقد تماماً غيره على ما كان يمارسه هو في حياته العملية عندما كان مديراً للمعارف في العراق في العشرينات والثلاثينات، حيث لعب دوراً بارزاً في تسعير الخلافات المذهبية، وموقفه المتحيز ضد الشيعة، فيعيب في كتابه هذا على كتاب د.جمال حمدان، الموسوم بـ(دراسات في العالم العربي) الذي يتحدث فيه عن "الأقليات الدينية" (والتسمية لجمال حمدان) حديثاً، بعيداً عن اللياقة والاحترام. فعندما يذكر "الطوائف والمذاهب الإسلامية المختلفة، كالشيعة والدروز والعلويين، يقول: "إن ذلك في حقيقة الأمر ليس إلا جموداً دينياً، تحجر في بيئات محلية جبلية منعزلة". أما الحصري فيرفض رفضاً قاطعاً مثل هذا الطرح للمسألة، فيقول: " وغني عن البيان أن أمثال هذه الأقوال تتنافي مع مقتضيات السياسة القومية الرشيدة، لأن أولى قواعد السياسة المذكورة يجب أن تكون احترام جميع الأديان والمذاهب القائمة في البلاد، وتجنب كل ما يجرح عواطف معتنقيها ومشاعرهم الخاصة". (18) فهل انتبه الحصري ولو متأخراً إلى مواقفه الخاطئة إزاء الطوائف الأخرى لكي ينتقد الآخرين على مواقفهم المتعسفة التي تشبه ممارساته هو عندما كان في العراق؟ وهل غيرته الأيام ولكن بعد فوات الأوان؟؟
    كذلك اتخذ الحصري موقفاً متعسفاً من الإقليمية دون أدنى احترام لمشاعر المواطنين إزاء ثقافاتهم الوطنية والإقليمية وذلك لتركيزه على القومية العربية ككل. وهذا يعكس حياته التي قضاها في التنقل وعدم الاستقرار في أي قطر من الأقطار العربية، بمعنى أنه لم ينتمِ إلى أي بلد عربي، إذ قضى السنوات الأربعين الأولى من عمره في تركيا وعشرين عاماً في العراق، وقضى السنوات السبع والعشرين الأخيرة من عمره في الكتابة والتأليف، متنقلاً بين الشام وبيروت والقاهرة.(19). لذلك يعلل الباحث الأمريكي ويليام كليفلاند نضال الحصري ضد دعوات الإقليمية والجامعة الإسلامية فيصفها بقوله: "إن اقتراحاً مثل هذا التعديل الجديد والجذري في الولاء لا يمكن أن يتقدم به إلا شخص لا يضرب جذوراً عميقة في المجتمع العربي، ولا تهمه الاعتبارات السياسية والارتباطات المحلية".(20)

    ويظهر ذلك جلياً من مذكراته بجزئيها، وكما يقول العلوي: "فقد قضى عشرين عاماً في العراق وخرج منه دون أن يأتي ولو بإشارة إلى ذكر نخلة، أو نهر، أو جلسة بغدادية، ولم يظهر فيه أنه أرتاح يوماً لا لرائحة التراب العراقي المرشوش، ولا لرائحة خبز التنور، ولا أحب حياة الناس البسطاء في أسواقهم ومقاهيهم... ولكنه تحدث كثيراً عن كثرة العجم.. وكثرة العداوات.. وكثرة المؤامرات على شخصه.. لذلك لم يترك الحصري أثراً طيباً بين العراقيين، ولم تكن له مدرسة شعبية أو أتباع شعبيون."(21)

    ورغم أن الحصري قد كرس ما تبقى من حياته بعد مغادرة العراق عام 1941 وحتى وفاته عام 1968، في سبيل العروبة وقضية القومية العربية والوحدة العربية، إلا إنه وكغيره من القوميين العرب في العراق، قد ألحقوا أشد الأضرار بحركة القومية العربية بسب بناء القومية العربية على أساس معاداة الشيعة في العراق والتشكيك بولائهم الوطني. وبذلك فقد ضحوا بالعروبة والقومية في سبيل الطائفية البغيضة. وقد لعبت هذه السياسة دوراً كبيراً في الدمار الذي لحق بالعراق بصورة خاصة، والعالم العربي بصورة عامة.

    تلامذة الحصري
    والحق يقال، أن الراحل ساطع الحصري ترك جروحاً عميقة في الشعب العراقي، وتراثاً لا يختفي أثره بمجرد رحيله عن العراق أو إلى العالم الآخر، إذ خلَّف تلامذة أوفياء ساروا على نهجه بكل إخلاص، وما يجري الآن من حرب الإبادة ضد الشعب العراقي من قبل فلول البعث وحلفائهم أتباع القاعدة إلا نتاج الماضي وجهود هؤلاء، ومنهم السيد خير الدين حسيب (رئيس مركز دراسات الوحدة العربية) الذي قال عنه العلوي: [ يعتبر الوريث الشرعي لساطع الحصري في الطائفية وتبنى المشروع البريطاني في التشهير بالشيعة وطعن أصولهم العربية في العراق بطريقة استفزازية التي وردت في مذكرات الحصري وعلى لسان غلاة الطائفيين، يطعن في أحد منشوراته بمذهب الأغلبية العربية العراقية فقد جاء في الصفحة 216 من التقرير الذي يحمل اسم (مستقبل الأمة العربية): "ان المذهب الشيعي امتزج بالقومية الفارسية"](22)

    ومنذ سقوط حكم البعث الفاشي عام 2003، طلع علينا نفر من الكتاب من تلامذة الحصري الصغار، راحوا ينشرون مقالات ظاهرها البكاء والنحيب على الشعب العراقي، والحرص على وحدة العراق أرضاً وشعباً، وباطنها السم الزعاف لتسميم العقول، والبكاء على عهد صدام البائد، وتحقير العراق الجديد، الذي يعتبرونه قد انتهى بعد حكم صدام، فمشاركة كل العراقيين من مختلف الأطياف في الحكم، في عرفهم "محاصصة طائفية وعرقية بغيضة" وفيه نهاية العراق كدولة، وكل هذه الانتخابات والمؤسسات الديمقراطية هذه هي "ديمقراطية كسيحة"، والإدعاء بأن العراق ما كان يعرف الطائفية من قبل إلى أن جاء الأمريكان فخلقوا لنا هذه المشكلة.
    ننقل هنا غيضاً من فيض من بعض العبارات وعناوين المقالات لتي ينشرها هؤلاء، مثل: )يريدون العراق "طولة عجم"(، و: "نهاية العراق من دون شهادة وفاة !!"، و"العراق السابح في بحر الظلمات"..الخ. واعتبار الذين يحكمون العراق من بعد صدام هم "من سقط المتاع استوردهم الأمريكان". طبعاً يقصد بسقط المتاع فقط أولئك السياسيين من طائفة معينة، بدليل أن الكاتب مدح وروَّج للمشاركين في العملية السياسية من هم من طائفته، ونسي أن الذين وصفهم بـ"سقط المتاع" كانوا قد قادوا أكبر معارضة في التاريخ ضد أبشع نظام ديكتاتوري فاشي همجي يقتل معارضيه بأحواض الأسيد، ويطاردهم بكاتمات الصوت في كل مكان من المعمورة. كما و يعتبر هذا الكاتب خريجي المدرسة التركية العثمانية الذين رحبوا بالاحتلال البريطاني أوائل القرن الماضي، وتعاونوا معه، بأنهم وطنيون مخلصون وديمقراطيون ليبراليون، والويل لمن ينتقدهم، بينما يعتبر الذين تعاونوا مع الاحتلال الأمريكي في سبيل الخلاص من أبشع نظام فاشي، هم من سقط المتاع!! واعتبار كل من عارضه في الرأي متطفلاً على الثقافة، يجب عزله ما لم ينل شهادة حسن السلوك منه!!، وكإجراء ترهيبي، يعتبر هؤلاء كل من يكتب ضد الطائفية التي مورست في العهود السابقة هو طائفي "يدعو إلى الإثارة للانقسام والجهر بالانتقام".
    وهكذا يجيدون ليّ عنق الحقيقة، ورفع سيف تهمة الطائفية ضد كل من يتجرأ لفضح الطائفية ومعالجتها. يقول المثل العربي:"رمتني بسهمها وانسلت".
    وليث شعري، كيف يمكن لهؤلاء توحيد الأمة العربية في "وحدة ما يغلبها غلاب" كما يدعون، وهم يميزون بين مكونات الشعب العراقي أبشع تمييز وبدوافع طائفية؟؟
    ــــــــــــــــ
    المصادر
    1) علي الوردي، لمحات اجتماعية، ج3، ص214-215، دار كوفان- لندن، 1992
    2) حسن العلوي، الشيعة والدولة القومية في العراق، ص 254-255، مطبوعات CEDI فرنسا عام 1989.
    3) حسن العلوي، نفس المصدر، ص 257
    4) وليم كليفلاند، الحصري من المفكرة العثمانية إلى العروبة، ص71.
    5) وليم كليفلاند، نفس المصدر، ص 133
    6) تيخونوفا، ساطع الحصري رائد المنحى العلماني في الفكر القومي العربي، ص14، دار التقدم، موسكو، 1985
    7) كليفلاند، نفس المصدر، ص142
    8) تيخونوفا، نفس المصدر، ص53، مقتبس من أبحاث مختارة في القومية العربية، ج2، ص125-126، دار التقدم، موسكو، 1985).
    9) مذكرات الحصري، ص258
    10) حسن العلوي، الشيعة والدولة القومية في العراق، ص 258،
    11) عبدالكريم الأزري، مذكرات الأزري، ج1، ص30-31
    12) عبدالكريم الأزري، مشكلة الحكم في العراق، لندن، 1991، ص 237
    13) د.سعيد السامرائي، الطائفية في العراق، ص 116، ط1، 1993، مؤسسة الفجر، لندن، عن ديوان الجواهري، المجلد الأول، ص 214
    14) د.خالد التميمي، محمد جعفر أبو التمن، ص320-321، دار الوراق، لندن، 1996.
    15) حسن العلوي، التأثيرات التركية، ص 12، دار الزوراء، لندن، 1988، نقلاً عن مذكرات الهاشمي، ج2 ص 244
    16) مذكرات الحصري، ص 80.
    17) تيخونوفا، نفس المصدر، ص30
    18) ساطع الحصري، حول القومية العربية، ص97
    19) تيخونوفا، نفس المصدر، ص27
    20) كليفلاند، نفس المصدر، ص 133
    21) حسن العلوي، الشيعة والدولة القومية في العراق، ص 256.
    22) حسن العلوي، نفس المصدر، ص 288
    ــــــــــ
    الفصول السابقة
    الطائفية السياسية في العراق (مقدمة: لماذا هذا الكتاب؟)
    http://www.abdulkhaliqhussein.com/?news=385

    الفصل الأول: دور الطائفية في الأزمة العراقية*
    http://www.abdulkhaliqhussein.com/news/342.html

    الفصل الثاني: جذور الانقسام السني – الشيعي في الإسلام*
    http://www.abdulkhaliqhussein.com/news/384.html

    الفصل الثالث: الطائفية في العهد العثماني
    http://www.abdulkhaliqhussein.com/?news=386

    الفصل الرابع: الطائفية في عهد الاحتلال البريطاني وحرب الجهاد
    http://www.abdulkhaliqhussein.com/news/390.html

    الفصل الخامس: ثورة العشرين ودورها في تأسيس الدولة الطائفية
    http://www.abdulkhaliqhussein.com/?news=405
    ــــــــــــــــــــــــ
    الموقع الشخصي للكاتب http://www.abdulkhaliqhussein.com/
  • 01/06/2020, 08:23 PM
    طارق شفيق حقي
    الدنيوية
    كل من تسألهم عن الدنيوية يملكون مفتاحاً واحداً لها وهو :
    "فصل الدين عن الدولة"
    إذا كان هذا المفتاح يخص الساسة فما بال الناس في حياتهم الاجتماعية ينادون بتطبيق الدنيوية ؟
    ذلك لأنهم ارتضوا الحياة الدنيا
    ماذا يقول الله :
    "وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُور"

    "إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ " يونس

    الركون للدنيا والانغماس لا يخص غير المتدين ، بل هي نزعة يشترك بها الجميع، وحين نريد تقويم هذه الظاهرة نقف من الجميع موقفاً واحداً .
    كل الناس تركن للدنيا وتنسى حظها من الآخرة، وما تعاليم الدين وحكمته إلا تذكرة بليغة القول للإنسان ليتذكر حظه من الآخرة.

    التيارات الشكلانية الإسلاموية التي نشرت القتل في بلاد المسلمين ما فعلت فعلتها إلا بنزاع دنيوي، لماذا ينازعون التيار الدنيوي الحاكم إلا قتالاً على الملك والحكم ولو أخذت حركتهم اسما دينية وخطاباً دينياً كذباً وزوراً، وما عادت هذه الجعجعة تنطلي على العقلاء والبسطاء على حد سواء.

    وكما هناك تيار دنيوي يرتضى بالحياة الدنيا
    فهناك تيار معجل أسميته المعجلون، الذين يعجلون بالآخرة
    هناك فرق دينية عجلت بالسفر لفلسطين تمهيداً واستعجالاً لنزول المخلص المسيح أو الماشيخ .
    المعجلون اليهود
    المعجلون المسلمون من فرقة الخوارج
    هذه الفرقة عجلت بتوزيع جنان الله على أنصارها، وعجلت بتوزيع حوريات الجنان على مقاتليها
    إنهم المعجلون

    لقد استفاد العقل الغربي من ظاهرة المعجلين ودعموها بأحدث الوسائل النفسية والطبية، فأضافوا التجارب المخبرية من أيام هتلر حتى بوش الابن، ذخروها بإعلام لا يحاسب وأموال لا تعد وأحدق عرف عمليات الناتو لتكون الذراع الآخر لحرب لا تبقي ولا تذر مع الدنيوية السياسية.

    إذن هناك تيار أسميناه المعجلون
    وتيار الدنيوية، التيار الذي يحب الفصل وتقديم خيرات الحاضر على الآخرة.

    فكان المرض النفسي الجماعي الذي حق أن نصفه بمرض " انفصام الشخصية"

    هل هو انفصام شخصية جماعي ؟
    هل هو انفصام شخصية اجتماعي ؟

    الانفصام عموماً شكل من أشكال الفصل بين جوانب الشخصية

    فهل سيكون الحل بانتصار أحد جوانب شخصيتنا العربية على الجانب الآخر ؟

    هل نغلب الفكر الدنيوي على الأخروي ؟

    أم نغلب الفكر الأخروي على الفكر الدنيوي ؟

    يقول الله تعالى :

    "وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ 77 القصص

    يقول الإمام علي كرم لله وجهه :
    "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت"

    طارق شفيق حقي
  • 01/06/2020, 08:22 PM
    طارق شفيق حقي
    تصحيح العقل
    سأجري التصحيح التالي على ترجمة مصطلح" Secularity "

    Secularity = الدنيوية والترجمة الخاطئة المتداولة هي العلمانية
    المصطلح الخاطىء الرائج وهو العلمانية بفتح العين لا بكسرها
    وكلما ردد أنصار العلمانية هذا المصطلح تراهم يربطونها بالعلم
    فيقولون: لماذا لا نعود للعلم
    وحين كانت الأزمة في سوريا قالوا : الحل بالعلم
    العقل الذي يربط العلمانية -ويكسر العين كذلك- يقوم بفعل فهم سياق تاريخي وأحداث تاريخية قامت به النخب الفكرية بالتخلي عن الدين في أوربا لأنه كان عائقاً أمام تطور العلماء وبالفعل تطورت أوربا علمياً ومادياً بشكل لافت.
    أولاً يجب ذكر الملاحظات التالية للأحداث التي جرت في أوربا:
    1- سبب تقدم أوربا هو انتقال العلم من الشرق للغرب، العلماء يؤرخون بداية عصر النهضة بسقوط القسطنطينية وانتقال العلم لأوربا، ومنهم من يؤرخ بداية عصر النهضة مع تتلمذ الطلاب الأوربيين على يد علماء الأندلس وانتقال الكتب الأندلسية لأوربا.
    2- الكنيسة التي قتلت العلماء وأحرقت بعضهم، لم تكن ضد العلم، بل بالعكس قامت بدمج الأطروحات العلمية القديمة في مفاهيم وتعاليم وكراريس الكنيسة - وهنا كان مقتلها - فالعقول التي تعاملت مع النصوص المقدسة نقلت القدسية للنظريات العلمية القديمة- وحين ولدت نظريات علمية جديدة كدوران الأرض رفضت الكنيسة الأطروحات العلمية الجديدة وكانت المشكلة.
    3- الحروب الأهلية الدينية التي شكلت أحد الدوافع لتبني العلمانية، لم تكن بسبب العلم بل كانت صراعاً سياسياً ، لكنها استغلت مشاكل اجتماعية في رفض حرية معتقد الآخر، فحروب فرنسا الأهلية التي دامت ثلاثين سنة كانت بسبب رفض الكنيسة الكاثوليكية لأنصار المذهب البروتسانتي بالتعبد في كنائس الكاثوليك أو بإقامة كنائس خاصة بهم ، والأهم بوصول ملك بروتسانتي يحكم غالبية كاثوليكية، ولعب الفاتيكان دوراً هاماً في تأجيج هذه الحرب الأهلية كما كان لإسبانيا وبريطانيا أصابع في دعم هذا الاقتتال.
    4- مؤسس الفكر العلماني وهو الفيلسوف اليهودي إسبنوزا المسمى الباروخ ، ينحدر من أسرة يهودية عانت الاضهاد الديني في إسبانيا، وإسبانيا دولة منعت أي مواطن إسباني من اعتناق غير الديانة الكاثوليكية وحتى فترة التسعينات من العصر الحديث.
    هذه الأرضية الاجتماعية دفعت النخب اليهودية من البحث عن نظام سياسي بأبعاد لا دينية لتحل لهم مشاكلهم الاجتماعية التاريخية.
    كما دفعت كثيراً منهم كردة فعل للإلحاد وكره الدين باعتباره السبب في نزف الدماء.
    وهناك كثير من التفاصيل الاجتماعية التي لا بد من فهمها بسيقها التاريخي وبعدها الاجتماعي، فشكلت العلمانية حلاً للشباب الأوربي
    لكن مع تعميق فهمنا للسياق الاجتماعي والديني في أوربا، يجب علينا أن نفهم الفوارق الجوهرية بين المذاهب الإسلامية والمذاهب المسيحية، يجب علينا أن نفهم سبب تخلفنا العلمي كما فهمنا سبب تخلف أوربا العلمي.
    إن تطبيق الحل الغربي على مشكلة مختلفة تماماً لن يؤدي لحل هذه المشكلة، كمن يعطي دواء ناجعاً لمرض انسداد الشرايين لمريض السكري.
    فلو أبعدنا هذا البعد العلمي عن العلمانية
    وتفرغنا للمعاني الأخرى وللبعد الذي لايخص العلم والسياسة
    سنتوقف عند الشريحة الواسعة من الشباب والتي رأت في العلمانية = الدنيوية حلماً لها
    فكان أن رفضت هذه النخب الشبابية تسلط الكنيسة وطرحها الأخلاقي
    كما تمتعت الكنيسة الأوربية بخلقها لمشاكل اجتماعية لا حل لها
    كالطلاق، والزواج المختلط بين الطوائف المسيحية ومع الديانات الأخرى
    فكان الزواج المدني حل من حلول الواقعية لحل مشكلة زواج كاثوليكي بـ بروسطانتية كمثال
    لكن لو افترضنا أن الزواج المدني قد حل مشكلة تسلط الكنيسة حول الزواج المدني ورفضها للطلاق
    فلماذا تراجعت أعداد المتزوجين عبر التاريخ القريب والمعاصر منذ أن طرحت العلمانية حلولها الاجتماعية
    لماذا وصل الشباب الأوربي للمساكنة وتخليه عن الزواج ؟
    لماذا قبل الشباب الأوربي بالاجهاض كحل للتخلص من تبعات المساكنة والقيود المالية والقانونية التي قد تلحق بالطرفين ؟
    ولماذا كانت المثلية المرحلة التي تلت المساكنة ؟
    و لا بد من ذكر زنى المحارم و التزاوج مع الحيوانات ؟
    فهل كانت علمانية ؟ أم دنيوية
    إن الزواج يعد في الديانة المسيحية أحد الأسرار السبع وهو رابط مقدس
    إن الثغرة في الكنيسة الكاثوليكية لا في الدين المسيحي
    هذه الثغرة خلقت دافعاً للبعد عن الدين
    ومقارنة مع النظا الإسلامي الذي يبيح تعدد الزوجات ويبيح الطلاق في حالة فشل الزواج، ويبيح بزواج الشاب من ابنة عمه بينما حرمت الكنيسة ذلك، ويبيح الزواج بين السنة والشيعة والأباضية والزيدية والإسماعيلية وسائر الطوائف الإسلامية .
    بينما تحرم الكنيسة الكاثوليكية زواج الشاب الكاثوليكي من فتاة بروسطنتية
    يبيح الدين الإسلامي للمسلم بالزواج بكتابية، بينما تحرم الكنيسة الزواج من الأديان الأخرى .
    لقد سد حمل الإسلام تشريعاً متكاملاً ، بينما خلقت تشريعات الكنيسة مشاكلاً لا حصر لها، والسبب هو أن الديانة المسيحية لم تكتمل ورفع المسيح، ودخلت الكنائس في مشاكل التأويل .
    لكن رغم ذلك مالذي دفع الشاب الأوربي بالانغماس خلف كافة انواع الشهوات المحرمة وغير المحرمة، الجائزة وغير الجائزة
    إنها الدنيوية
    طارق شفيق حقي
  • 21/03/2020, 12:14 AM
    طارق شفيق حقي
    دولة علمانية بدولة مدنية
    ويمكن للعلمانيين تبني مصطلح العقلانيين
    ولقد وجدت اليوم من تكلم حول ما ذهب إليه في مصر وقد جاء : "ما دفع بعضالباحثين لاجراء تعديلات اصطلاحية فأحلت "الدولة المدنية" بدلاً من "الدولةالعلمانية" واقترح البعض "دولة مدنية بمرجعية دينية"لا أحد يكتشف حجم شكلية الخلاف وخطر المصطلحات المستوردة كما هي إلا من يعني بدقة المصطلح وتشكيله وفق بيئتههناك دول أوردت عبارات علمانية الدولة في الدستور كأمريكا والهند
    وهناك دول لم تورد أي عبارة تحدد دين الدولة وهي علمانية
    وهناد دول تورد في دستورها دين الدولة مثل مصر لكنها تضمن مفاهيم علمانية في الدستور
    هناك دول لم تفصح عن عبارة " فصل الدين عن الدولة"وقالت " حياد الدولة عن الدين "فإذا جوهر الخلاف هو هذه العبارة " عدم تدخل علماء الدين بعمل الساسة"
    فهذا الجوهر لا أحد يختلف عليه إلا ربما الأحزاب الدينية التي تريد استغلال الدين لمآرب سياسية والتي نرفضها في بلادنا وقد رفضها الشعب في كل البلاد العربية
    يمكننا قول " فصل الاختصاصات في الدولة "
  • 21/03/2020, 12:12 AM
    طارق شفيق حقي
    في النهاية فكرة الفوضى هي فكرة علمانية :
    "ويتضح (معمار) الفكر الواحدي المادي المعلن للعلمانية أكثر عند جاك دريدا، فإذا كان نتشه أعلن موت الإله، فإن دريدا يعلن موت كل الأنظمة باستثناء نظام الفوضى وغياب المركز، الشيء الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى اختفاء الإنسان(34). فالمنظومة التفكيكية التي أعلنها دريدا لم تترك جانباً من جوانب الحياة فارتقت إلى عقيدة شعائر ونسق على المستوى النظري على الأقل."
  • 03/10/2018, 09:51 PM
    طارق شفيق حقي
    العلمانية إلى أين ؟ طارق شفيق حقي
    الأصدقاء والأخوة العقلانيين
    كلمة عقلانيين هنا هي قاسم مشترك يجمع ولا يفرق، فقد يقول متدين أنا أقبل كذلك بوصفي عقلاني فنكون بذلك اقتربنا من بعضنا البعض.
    ولأننا نضالنا في خندق واحد ضد عدو واحد فكان لذلك أن هدم الجدران الوهمية بيننا كطوائف ومذاهب وقوميات.
    لو نظرنا كمثال عجيب لرجل كردي من أصول تركية عاش في دمشق ودافع عن الشام ومات فيها ودفن بجانب رجل كردي ثانٍ يتهمه دعاة القومية اليوم بأنه لم يبني دولة قومية كردية.
    الذي جعل الإمام البوطي رحمه الله يتجاوز جنسيته الطبيعية وقوميته ولغته الأولى، هو القاسم المشترك مع إخوانه في الشام.
    هذا ما يعرفه علماء الاجتماع بالمواطنة، المواطنة أن تتخطى ما ولدت عليه نحو القاسم والجامع المشترك مع الآخر.
    إذن المشكلة باختصار ليست في قواعدنا التي انطلقنا منها، بل في المنطقة الجامعة لنا والتي يسميها البعض الهوية، فما هي هويتنا ؟
    استبدل دعاة العلمانية والدولة القومية الهوية الدينية للبلاد بالهوية القومية ، فنشأت مصطلحات معروفة علينا أن نسأل أنفسنا بصراحة ما هو وزنها ومكانتها اليوم بعد الخريف العربي.
    نحن بحاجة لأن نعترف لا أن نستكبر ونتعالى ، فالمرحلة القادمة مرحلة تحول جوهرية وعميقة، نحن أمام واقع بأن الدول القومية قد سقطت الواحدة تلو الأخرى ، ومن لم يسقط منها ويتهاوى دخل في نفق مظلم من النزاعات الداخلية والفقر والضعف.
    كادت سورية أن تسقط لولا إرادة الله وقيم إيجابية تحلى بها الشعب السوري كالوحدة وتجاوز الطائفية وقبول الآخر.
    في ترة من الفترات كنت أناقش إخواني من التيار الديني حول فكرة الخلافة ومدنية الدولة ، فلا خلافة بدون نبي والخلافة النبوية التي ينتظر الناس عودتها ستكون بعد نزول نبي الله عيسى، وأن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم كان نبي الله ولم يكن ملكاً ولا رئيساً بل حتى الخلفاء الراشدين لم يكونوا ملوك ولا أمراء وهي فترة خاصة ، وأن الأحزاب الدينية تفرقنا وتخرب أوطاننا ، وقتها كان تقبل هذه الأفكار من الصعوبة بمكان.
    لكن لكي لا أفهم أني أدعوهم للرهبانية والتعلق بالآخرة وترك الدنيا، فيمكنهم دخول المعترك السياسي عبر الأحزاب السياسية ومهمة تمكين الأحزاب هنا هي مهمة الساسة لهدم هذا الجدار.
    ثم أن دخلت مع إخواني العقلانيين في حوارات مطولة حول العَلمانية أو العالمانية وتبين لي أننا أمام صعوبات لا تقل عن تلك مع إخواني في التيار الديني.
    على العقلاني أن يفهم أن العلمانية ليست جملة واحدة لا نسمع غيرها وهي فصل الدين عن الدولة، بل هي مجموعة مصطلحات كالمواطنة والمجتمع المدني والديمقراطية والحريات الشخصية وحرية المعتقد وحرية السوق وربما هذه أهم نقطة فيها لأن حرية السوق هي التي شكلت العلمانية.
    كانت أوربا مجموعة دول اقطاعية تتحكم الكنيسة بثلث الأراضي فيها وتدفع الزكاة لها كما أن الكنيسة كانت المشرفة على التعليم والعلاج وكانت تتحكم بالزواج والطلاق وتتحكم بالقوانين المدنية وتتحكم بالسلطة الحاكمة ومن كان يخرج عنها كانت تقود ضده حرب مقدسة ومن يخرج عليها من الأفراد كانت تقيم عليه محاكم التفتيش، فالحروب الصليبية لم تكن ضد المسلمين فحسب بل كانت تقام ضد المهرطقين والكفار بالكنيسة.
    نقطة التحول إلى العلمانية في أوربا بدأت من احتكاك أوربا بالمجتمع المدني الإسلامي حيث لا يوجد كهنوت يتحكم بالناس ويمكن لأي شخص عادي يتقن كتاب الله أن يكون شيخ دين وإماماً ولا يوجد إشكاليات في الزواج بين الطوائف والمذاهب، وكانت حرية المعتقد تذهل من يحتك بالمجتمع الإسلامي وقتها .
    كان هذا أحد أهم العوامل والذي أخذ وقتاً طويلاً للتقبل الاجتماعي وتقبل التمرد على الكنيسة، كثير من الجنود الصليبيين أثناء فترات الهدنة مع المسلمين كانوا يسافرون لمدن المسلمين وكانوا يتعرفون على طريقة عيشهم في المشرق ، وحين العودة كانوا ينقلون هذه الأفكار لمجتمعهم ، من كان يتمرد على الكنيسة كان يقتل ولقد قامت الكنيسة بحروب مقدسة ضد من أسمتهم الكفار ، وهم ليسوا بكفار بل كفروا بالكنيسة بعد تأثرهم بالتمدن العربي.
    كان لانتقال العلم الفلسفي من الأندلس والعلوم المادية من المشرق دوراً في تحريك عجلة التمرد ضد الكنيسة، لقد قيل لنا بأن الكنيسة أعدمت العلماء لأنها ضد العلم، وهذا دجل وكذب، وبقليل من البحث في تاريخ العلم في أوربا لاكتشفنا أن الكنيسة كانت هي راعية العلم في أوربا، لكن ما لم يقال لنا وقد كشف اليوم للباحثين، بأن الكنيسة كانت تخشى الأفكار الفلسفية والاجتماعية والسياسية والدينية التي توجد في كتب علماء المسلمين ، لقد أعدمت الكنيسة كثيراً من العلماء ولنقل أشهرهم كان غاليليو، لقد تعلمنا بأن غاليليو هو من اكتشف البندول ، لكن بعد البحث تبين بأن المسلمين العرب اكتشفوا البندول ، وقد قيل لنا بأن غاليليو قام بتجربته الشهيرة من فوق برج بيزا حول تساقط الأجسام بينما التجربة هي بالأصل للعالم العربي المسلم المصري ابن يونس.
    كما قيل لنا بأن الجاذبية اكتشفها نيوتن بينما اكتشفها العالم العربي المسلم الدمشقي ابن الشاطر.
    وقيل لنا بأن كوبرنيكس هو من اكتشف بأن الأرض تدور حول الشمس بينما من اكتشف ذلك هو ابن الشاطر.
    وقيل لنا بأن نيوتن اكتشف وقانين الحركة وأهمها قانون الفعل ورد الفعل بينما مكتشف قوانين الحركة العالم المسلم أبو البركات ملكا
    والقائمة طويلة لكن شاهدنا هنا أن كتب علماء المسلمين لم تكن في العلوم المادية فحسب بل الفلسفة والفقه والطب والفلك فهذا أبو البركات ملكا من أعظم فلاسفة المسلمين ومن الذين ردوا على الفلاسفة المشائين .
    بل إن علماء المسلمين سافروا إلى أوربا ذاتها لنقل علومهم، فالعالم الأندلسي الإدريسي حضر إلى بلاط الملك روجر الثاني وأثبت له بأن الأرض كروية ولكم تخيل حجم الانبهار في أذهانهم وهم كانوا لقرون يظنون بأن الأرض مسطحة، أفلا يتأثر هذا الجمهور المنبهر بعلوم العرب بأفكارهم ودينهم وسلوكهم بل حتى في طريقة قصهم لشعرهم واتيكيت المطبخ والمائدة وحتى الأسماء وترطين كلمات عربية ضمن جملهم الأعجمية، كما يجري اليوم في مجتمعنا المنبهر بالغرب والمقلد له في كل الميادين.
    ولقد كان الملك فردريك الثاني والذي سمي أعجوبة العالم وقتها يستدعي علماء المسلمين لصقلية ويتعلم منهم وتذكر كتب التاريخ أنه خرج عن الكنيسة وطبق القانوني المدني عوض قانون الكنيسة والتي قامت ضده بحروب مقدسة، وهذه الأمثلة الحية عن أسباب التمرد على الكنيسة نتيجة الاحتكاك بالمدنية العربية هي خير دليل بأن الكنيسة حاربت العلم القادم من الشرق خشية تأثر المجتمع بأفكار الشرق الحضارية وضياع ملكهم للناس باسم الدين وكل عنفها لم يمنع الثورة ضدها، رغم أنها اتبعت لآلية جديدة في احتواء العلم القادم من الشرق وهو إخفاء المصادر والمراجع ونسبها لعلماء الغرب لكن الوعي الشعبي كان قد وصل إلى ذروته .
    بعد هذا العرض المطول ماذا عن العلمانية في بلادنا بعد الخريف العربي ؟
    لن نجري مقارنة ونوضح الاختلاف الجوهري بين العلمانية في الغرب ودوافعها وبين العلمانية في الشرق.
    لكن لنقف عند النقطة التي انطلقنا منها وهي أن المجتمع كان في أوربا اقطاعياً ، لكن مع ولادة الصناعة في أوربا تشكلت فكرة حرية السوق ، وتشكلت علاقات بين المنتجين في المدن بسبب هذا الحراك الاجتماعي الاقتصادي الجديد مقارنة مع الاقطاع في الريف، وظهرت قيم الحرية وضرورة المساواة ، وتشكلت النقابات العمالية والصناعية وكان الربح سبباً في تجاوز أهل المدنية لما ولدوا عليه من مناطقية أو دينية أو طائفية أو قبلية، بالتوازي مع ظهور عامل التميز عن المجتمع الاقطاعي والبعد عن الكنيسة.
    هذه العوامل الثورية والدوافع كانت وليدة هذه البيئة، في عالم الاقطاع والملكية لا يوجد طموح لأي فرد ولا يوجد حلم ولا يوجد ذاتية ولا يوجد كرامة.
    المجتمع الصناعي شكل حلماً لكل فرد بتشكيل إقطاعه المستقلة الخاصة فهول ملك نفسه ، ولذة تولد الذات والكرامة والحرية والطموح والمستقبل دفعته للقبول بتجاوز الطبيعيات التي ولد عليها وقبول الآخر والتفاهم معه للرقي بهذا المشروع.
    هنا تماماً تشكل المجتمع المدني عبر النقابات والتجمعات ومن ثم الصحافة والإعلام والجمعيات ثم الأحزاب السياسية التي تشكلت على هذه الأرضية فالدولة المدنية الغربية الحديثة والبرلمان ومجلس الشيوخ ورقابة الصحافة ونقد البناء .
    ثم أن تولدت فكرة الدولة القومية في الغرب كعامل للخروج النهائي عن بقايا تأثير الكنيسة في المجتمع، وإن ظلت أوربا تستمد الأخلاق من الدين المسيحي فليس لديها البديل.
    وما يجب أن نفهمه بأن فكرة الدولة القومية لها أبعاد اجتماعية معقدة وتنافس مرير في المجتمع الأوربي.
    بينما الدول القومية العربية لم تولد بذات السياق الاجتماعي بل قام المستعمر بصنع هويتها العلمانية وهوية الدول العربية القومية ونحى عامل الدين كلياً .
    ولنتذكر هنا فيلسوف العرب ساطع الحصري وقد حيد الهوية الدينية وأعلى من شأن الهوية القومية وهو ذاته كان طوراني الهوى لكن بريطانيا جلبته من تركيا لينقل أفكارها في كل من سورية والعراق.
    ذاتها بريطانيا التي دعمت تشكل القومية العربية لتكون هوية مضادة ضد العثمانيين، قامت لاحقاً بدعم أحزاب دينية سياسية كالإخوان المسلمين والوهابية لتكون خنجراً في خاصرة العرب المسلمين.
    المثقف العربي يعرف ما قامت به بريطانيا وكيف دعمت القومية تارة والأحزاب الدينية تارة أخرى.
    لكن السؤال اليوم أين نحن من العلمانية اليوم ؟
    بعد كل هذه الحروب كان على المثقف أين يجيب على هذا السؤال، لا أن ينتظر الخطاب الرسمي ليشرح له ما حدث .
    يمكننا القول بأن الدول القومية العلمانية قد تهاوت واحدة تلو الأخرى لأن الفكر الوطني الجامع لم يتشكل فيها بشك طبيعي بل بشكل قسري ، وفكرة العلمانية ذاتها انتهت عالمياً.
    التيار العقلاني اليوم ينتظر الشروحات والتفسيرات من الخطاب الرسمي رغم أن يرى الأحداث جيداً من حوله لكن آليات الحكم لديه مسلوبة.
    بعد كل هذه الرايات الدينية التي رفعت في سورية هل بقى للعلمانية من مكان ؟
    نحن لا نتجه لدولة دينية كما يظن البعض، لكن نتجه لقبول العامل الديني كأداة فاعلة مؤثرة وجودياً، المثقف العقلاني ( الذي يمسي نفسه علماني ) كان قد تقوقع أثناء الحرب على نفسه وعلى طائفته وهذا كان المطلوب منه أن يفعله.
    بعض من تجاوز خوفه من العقلانيين وعبر عامل خارجي وهي وسائل التواصل الاجتماعية رأى كل شيء ، رأى المشهد كاملاً
    واستطاع بقليل أو كثير من التفكير والحوار أن يفهم ما كان وما يمكن أن يكون وهم قلة.
    على العقلانيين أن يتحضروا لصدمة وجودية كصدمة الطفل المفطوم لأنهم لم يحاولوا فهم العالم والمجتمع إلا مما تلقنه لهم القنوات الرسمية ، وهذا التأخر في فهم التغيرات العميقة بل وربما رفضها سيكون عائق أمام الخطاب الرسمي كما سيشكل ردة فعل وجودية رافضة.
    سورية لن تذهب لدولة دينية كما يظن البعض، لأنها دولة مدنية
    لكن العلمانية التي تربوا عليها ستختلف كثيراً عما تعلموه أو حفظوه عن ظهر قلب.
    هذه الصدمة الوجودية هي ذاتها الصدمة عند التيار المتدين الحالم بدولة دينية يحكمها حكام يطبق شرع الله بل إرادته .
    شكل الدولة السورية المستقبلية سيكون لا هذه ولا تلك، وأظن أن على الجميع أن يتجاوز هذه الشكليات ليبحث عما ينفعه ويصلح علاقته بالآخر ويبحث عن الهوية الجامعة للشعب السوري الذي انتصر على أعتى هجمة صليبية وهابية لن تكون الأولى ولن تكون الأخيرة.

    طارق شفيق حقي
  • 25/04/2018, 10:02 PM
    طارق شفيق حقي
    عزمي بشارة والتبشير في تونس - طارق شفيق حقي

    ألقى عزمي بشارة في تونس محاضرة بعنوان السياقات التاريخية لنشوء العلمانية وكانت بدعوة من رئيس الجمهورية وقتها المرزوقي ولفيف من المثقفين والساسة كراشد الغنوشي عام 2012
    و نحبو نذكر أن راشد الغنوشي و المنصف المرزوقي في تاريخ (2012/11/26)
    تم تكريمهما من معهد تشتام هاوس الماسوني في بريطانيا ChathamHousePrize وذات المعهد الماسوني كرم عبد الله غل رئيس تركيا السابق


    نذكر هنا أن دور عزمي بشارة وتبشيره في تونس هو ذات عمل صموئيل هنتنغتون والذي ألقى محاضرة في تركيا
    كانت بعنوان: أنتم علمانيون فيما أوروبا تصبح دينية، وكان يدفع الأتراك للتخلي عن عقد الماضي وأخذ دور قيادي للدول المسلمة وهذا المشروع الكبير كان لإعادة خلق خلافة إخوانية إسلامية تكون رأس حربة بيد الناتو لتواجه روسيا والصين.
    يقول في المحاضرة :

    "بينما تتقدّم تركيا في اتّجاه علماني، يبدو أنّ أوروبا تتقدّم في اتّجاه ديني. حتى الآونة الأخيرة، كانت أوروبا بلا شكّ المنطقة الأكثر علمانية في العالم. لكنّ هذا الواقع بدأ يتغيّر، والسبب هو هجرة المسلمين الكثيفة إلى أوروبا والتفاعلات المتزايدة بين البلدان الأوروبية والبلدان الإسلامية المجاورة. وقد أرغمت هذه التطوّرات الأوروبيين على مواجهة السؤال الآتي من جديد: "من نحن؟".

    ويقول أيضاً : "كان صعود الدين عنصراً أساسياً في هذا الدور الجديد للثقافة. من الثورة الفرنسية إلى النصف الأخير من القرن العشرين، بدا أنّ البلدان والشعوب في كلّ مكان تقريباً يبتعدون عن الديانة. لكن قبل بضعة عقود، تلاشت هذه النزعة وبدأ باحثون يصدرون كتباً تحمل عناوين مثل "انتقام الله" و"إلغاء العلمانية في العالم"."

    في محاضرة عزمي بشارة والذي عاد مرة أخرى لتونس عام 2016 وكما كان الماسوني جمال الدين الأفغاني يطير من بلد عربي إلى آخر ، كذلك عزمي بشارة ينتقل من بلد عربي إلى آخر ليعلمهم فن الثورات العربية وأصول الديمقراطية بشكلها الغربي ، حتى إنه استشهد في معرض كلامه عن مصطلح العلمانية بجمال الدين الأفغاني وأكد أن تعريفه للعلمانية هو الأدق وهذا الاستشهاد ليس استشهاداً عابراً.
    ماذا يريد عزمي بشارة من العقول التونسية ؟
    يقول في منتصف محاضرته علينا أن نعترف أن على تونس أن تتقبل مرحلة انتقالية طويلة الأمد هي عبارة عن تعايش بين الأحزاب والتيارات الدينية وما يقابلها من تيارات علمانية، ويؤكد أن تجربة تونس لا بد أن تنجح من تونس خرجت الثورات العربية ومنها سيخرج النظام الجديد المحتذى.
    طبعا النظام المحتذى هو الذي يريد الغرب تسويقه في العالم العربي، كما بدأت الثورات العربية من بلد صغير كتونس .
    هذا يؤكد أن الغرب اليوم بات يدعم التيار العلماني كما يدعم التيار الديني ليس في تونس فحسب، بل في كل البلاد العربية، اللهم إلا من رحم ربي ، وبالتالي المواطن العربي الذي يهرب من نار أي فريق ظناً منه أنه سيقع في جنة الآخر، لا شك أنه سيقع في الجحيم الذي صنعه الغرب بالشكل الذي يريد ، فاللعبة السياسية تحتاج لمركب متناقض يضمن حرية الاختيار التي تصب لا محال في مصلحة الغرب، كما إن وجود البديل يضمن التدخل السريع وتعديل المناخ السياسي وربما العسكري في أي لحظة كانت .
    يقوم عزمي بشارة بدور تنويري باهر، فهو يعلم العلمانيين أبجديات العلمانية من جديد، ويصحح لهم المفاهيم الخاطئة المتوارثة عن العلمانية ، والسؤال لماذا الآن ؟
    في موضوع شائك كالعلمانية وبقليل من الفلسفة والخطابة يمكنك أن تصبغ عليها أي صبغة كانت حسب الحاجة، يمكنك أن تعطيها طابع الإلحاد والكفر كالعلمانية الشيوعية ، يمكنك أن تتكلم عن النموذج الصلب للعلمانية كفرنسا وتركيا أتاتورك وتونس بورقيبة ، يمكنك أن تتكلم عن علمانية مرنة كبريطانيا وأمريكا فالملكة في بريطانيا لها مكانة دينية، وربما لاحظنا كيف أقسم ترامب على الانجيل حيت تم تنصيبه ، ويمكن الوقوف عند التجربة الروسية مطولاً فبوتن تم تنصيبه من قلب كاتدرائية كما ينصب القياصرة ، و غطس مؤخراً في عيد الغطاس في المياه المتجمدة وهو يزور الكنيسة برفقة زوجته وبناته وهم يرتدون الحجاب كما ترتديه مريم العذراء.
    لا بد أن نتحلى بقليل من الجرأة في وصف المشهد السياسي العربي، فالدولة العربية التي قامت على الهوية القومية قد سقطت بشكل مدوي وأظهرت الوقائع الدموية هشاشة العلمانية بوصفها أداة سياسية للحكم.
    من اللافت أن عزمي بشارة يصحح كثير من المغالطات حول العلمانية بفتح العين لا بكسرها، أي العالمانية وبشكل أدق الدنيوية ، وهو هنا يقول كيف للمثقف العربي أن يقول أنا علماني رغم أنه ليس بسياسي أو له موقع سياسي.
    وهذا صحيح فالعلمانية هي أداة إجرائية سياسية تسهل الحكم للحاكم السياسي، وإن كانت اليوم عبارة عن مصطلح مفتوح الدلالة يدل تارة على الإلحاد ويدل تارة على اللادينية ، وأكثر عبارة تلخص العلمانية في أذهان الناس هي " فصل الدين عن الدولة" رغم أن الدول الإسلامية التي نشأت عبر التاريخ كانت دول مدنية ولم تحمل صبغة دينية اللهم إلا الخلافة الفاطمية.
    لكن الصحيح ليس في فصل الدين عن الدولة، بل كان في تحكم الدولة بالدين، فالتاريخ الغربي يثبت أن رجال الدين والذين كانوا شركاء في الحكم ولهم قرار تنصيب الملوك ،وللكنيسة أملاك تقدر وقتها بثلاثين بالمائة من أملاك أوربا، أي أموال طائلة ، فالكنيسة لم تعد سلطة روحية بل أصبحت سلطة مادية تتملك بكل ما تعنيه كلمة الملك، وبالتالي كان هناك نوع من استغلال الدين والتحكم به ، ثم أن كانت الحروب الأهلية في أوربا، وكمثال الحروب الأهلية في فرنسا التي قتل الملايين.
    هنا نعرف ما الحاجة لفصل الدين عن الدولة وبناء عقد اجتماعي جديد، فالواقع أن الدول الأوربية كانت دول ذات هوية دينية والكنيسة أصبحت تهيمن على القرار السياسي وتنصيب الملوك، وبالتالي فإن وجود كنيسة مخالفة أو ما نسميه في الشرق المذاهب والطوائف، فهو يعني بالضرورة اقتسام الأرباح والنفوذ ، فكانت الأقليات تتبع سياسياً موقف الكنيسة التي تنتمي إليها حتى لو تضارب ذلك مع مصلحة الوطن، فكانت غاية الدولة والمنظرين للمواطنة والعلمانية ليس فصل الدين عن الدولة، بل تحكم الدولة بالدين بحيث لا تجد الدولة أقلية ما توالي دولة أخرى بسبب الانتماء الديني، وكان جل هم هؤلاء خلق دين جديد هو الدولة يدين الناس به بدلاً عن المذاهب والطوائف التي تفرقهم وتفرق الوطن.
    هذه النظرة ربما أصبحت قديمة بعض الشيء، وهي تحتاج لكلام كثير، لكن يمكننا أن نقول أنه بعد العولمة أصبحت الدول الغربية ذاتها في مهب الريح، وباتت أمريكا تخشى على نفسها من فقدان هويتها كما أوربا.
    ولعوامل كثيرة وليس حباً بالهوية الدينية ارتفعت مرة أخرى أصوات تنتقد العلمانية بكل قسوة في الغرب ذاته، وهذا لم يولد بالصدفة ، بل كان نتيجة حتمية لفشل مشروع الحداثة وما بعد الحداثة في تقديم الحلول الدائمة .
    وبات تفكك أوربا وأمريكا منظوراً وواضحاً ، وكان المشروع السياسي الجديد هو تعايش كل من التيارات الدينية الصاعدة مع التيارات العلمانية في الغرب، وهناك شعور أن المطلوب هو القبول بالآخر والقبول بمرحلة انتقالية لمرحلة لا نعلم شكلها لكن قبول الآخر أفضل من التغيير الشامل غامض النتائج.
    هنا ما يهمنا لماذا يريد عزمي بشارة من الشعب التونسي أن يتفهم التغيرات الجديدة، ويفهم حقيقة العلمانية ومعرفة سياقاتها التاريخية، بل إن عزمي مدح الخليفة العثماني الذي سبق أتاتورك وقال إن جهود ورياح التغيير قد بدأت من عهده، إذن فمن أسس للعلمانية هم العثمانيون أجداد أردوغان ، وكان راشد الغنوشي يتأمل هذا الكلام بكثير من الترحاب وكما مدح هنتنغتون أردوغان في تركيا مدح عزمي بشارة جد أردوغان .
    يمدح عزمي بشارة بكثير من العبارات الأحزاب الدينية وخاصة الإخوان المسلمين في مصر وفي تركيا وفي تونس، ومجد كثيراً حزب العدالة والتنمية في تركيا ، وبرر وجود أحزاب دينية كالحزب المسيحي في ألمانيا، بل كان عمله دقيقاً في مهاجمة الفكر السائد للعلمانيين ورفضهم للأحزاب الدينية، بأن العلمانية كذلك تقدس لزعيم وتقدس مفاهيم علمانية كما القداسة لدى الآخر، وبالتالي حيادة الدولة بخصوص الدين لا تمنع بحسب عزمي بشارة وصول تيارات دينية تقدس مفاهيم معينة لكنها تمنع هذا الحزب أو غيره من فرض هذه القداسة على الشعب.
    هناك دور دقيق للمبشر المبيض عزمي بشارة في عمله في تونس، كما إن له دور دقيق في الملتقى المسيحي الذي انعقد في قطر، ولماذا تهتم قطر بشؤون المسيحيين.
    لا شك أن هذا الجهد الفكري هو من بيوتات فكرية كتشتام هاوس ومعهد راند ومعهد بروكنغز وغيرهم من المعاهد الماسونية التي تنام بأحضان قطر ، لكنها تعمل في الخلفية.
    في قطر يقول عزمي بشارة لا بد أن نصدح أن هناك مسألة مسيحية بحكم القتل الذي يتعرض له المسيحيون في مصر ، وكأن عزمي بشارة لم يرى أعداد القتلى من المسلمين في مصر.
    لكن الفكرة هي صناعة مظلومية قبطية في مصر تحمي بشكل دولي ومن ثم قد تكون في لحظة بورما ما، للضغط على حكومة مصر وابتزازها سياسياً.
    من شارك من المثقفين المسيحين عن حسن نية ربما ، لا يعرف أن عزمي بشارة بأموال قطرية إخوانية وتوجيه صهيوني ماسوني يريد أن يغسل عقولهم فيشكل جنوداً يظنون أنهم يدافعون عن حقوق المسيحيين بينما هم يدافعون عن مآرب ماسونية إخوانية ضد مصر.

    طارق شفيق حقي
  • 25/11/2016, 11:35 PM
    طارق شفيق حقي
    دور ابن رشد في بزوغ العقلانية الحديثة في الفكر الاوروبي

    تفاصيل النشر:

    المصدر:
    الكاتب: ماجد فخري
    تاريخ النشر(م): 1/12/1999
    تاريخ النشر (هـ): 23/8/1420
    منشأ:
    رقم العدد: 13416
    الباب/ الصفحة: 23



    > اخترت ابن رشد الطبيب والفقيه والفيلسوف الاندلسي محوراً لحديث اليوم لسببين: الاول ان العالم انتهى السنة الماضية من احياء ذكرى وفاته منذ ثمانمئة عام اي 1198 وذلك في عدد من المدن منها قرطاجة في تونس ودمشق وواشنطن والرباط واستنبول، فضلاً عن احتفالات جرت في اواخر العام الماضي بقرطبة مسقط رأس ابن رشد واشبيلية وملقة بالاندلس.
    الثاني، ان دخول ابن رشد الاوساط الفكرية في الغرب في مطلع القرن الثالث عشر كما سنرى فتح صفحة جديدة في تاريخ الفكر الاوروبي ومهّد لبزوغ عصر النهضة في القرن الخامس عشر الذي يمثل بداية العصور الحديثة من الناحية الفكرية بالنسبة الى اوروبا. وكما سنرى على وجه التخصيص كان لفلسفة ابن رشد دور مميز في بزوغ العقلانية والعلمانية الحديثة في اوروبا.
    ابن رشد وأثره في تطور الفكر الاوروبي
    قبل التطرق الى موضوعنا الرئيسي يجدر بنا ان نلقي نظرة عابرة على المراحل التي مرت بها الفلسفة والعلوم القديمة، كما دعيت في المصادر العربية قبل انتقالها الى الوسط العربي في مطلع القرن الثامن للميلاد ومن ثم انتقالها الى اوروبا الغربية عبر الاندلس في اواخر القرن الثاني عشر.
    في سنة 529 امر الامبراطور البيزنطي يوستنيانوس باغلاق مدرسة اثينا التي كانت المعقل الاخير للوثنية في بلاد اليونان، فرحل سبعة من اساتذتها الكبار وعلى رأسهم سنبلقيوس ودامسقيوس الى بلاد الفرس وحلّوا ضيوفاً على البلاط الفارسي في حقبة كان كسرى انو شروان او الملك العادل يرعى الدراسات اليونانية من طب وعلم وفلسفة. وبلغ من عناية كسرى بالعلوم والدراسات اليونانية ان أسس في اواسط القرن السادس معهد جنديشابور الذي اصبح اهم مركز للطب والعلوم في الشرق الاوسط قبل مطلع القرن العباسي. ومنه كان العلماء والاطباء يفدون على بغداد التي اصبحت في مطلع القرن التاسع المحور الرئيسي للدراسات العلمية والطبية ولا سيما في عصر المأمون مؤسس بيت الحكمة الشهير.
    الى الجنوب، كانت الاسكندرية قد اصبحت منذ القرن الثالث للميلاد وريثة اثينا الكبرى في ميدان العلوم والطلب. ومنها انطلق عدد من كبار الفلاسفة والعلماء المصريين والسوريين الذين كان لهم ابعد الاثر في تطور الفكر اليوناني القديم، نذكر منهم افلوطين وتلميذه فرفوريوس الصوري وياملينخوس القنسريني وسواهم، وهم من اركان الفلسفة الافلاطونية المحدثة التي وسمت الفلسفة العربية فيما بعد بسمتها الخاصة.
    اما ارسطوطاليس الذي عرف في الاوساط العربية باسم المعلم الاول صاحب المنطق فلم يلق في بادئ الامر العناية التي لقيها استاذه افلاطون، وخليفته افلوطين الآنف الذكر. من هنا اهمية ابي الوليد ابن رشد المتوفى سنة 1198 والذي احيت المؤسسات الفكرية في انحاء العالم ذكراه المئوية الثامنة. فقد عرف ابن رشد هذا في الاوساط الاوروبية الغربية ابتداء من القرن الثالث عشر، كما سنرى، باسم الشارح الاكبر وارسطو باسم امير الفلاسفة Princeps Philosophorum.
    كان ارسطو هذا، كما هو معروف، استاذ الاسكندر الكبير وواضع أسس العلوم جميعاً، وحتى الاسماء التي ما زلنا نطلقها على هذه العلوم فهي من ابتكار ارسطو، كعلم الطبيعة Physica وما بعد الطبيعة Metaphysica وعلم النفس Psychologia والاخلاق Ethica والسياسة Politica والمنطق Logic وفروعها المختلفة. ومن الطريف مع ذلك ان العناية بفلسفة ارسطو وبهذه العلوم التي استحدثها اصيبت بنكسة كبرى في اوروبا الشرقية اولاً واوروبا الغربية في ما بعد، فلم يترجم من آثاره الى اللاتينية الا عدد ضئيل من المنطقيات على يد القنصل الروماني بونثيوس الذي قضى حتفه في السجن سنة 525، ومن ذلك التاريخ حتى مطلع القرن الثالث عشر استمر نجمه في نحوس. ولما بدأ المترجمون بنقل شروح ابن رشد على ارسطو الى اللاتينية انقلبت الآية واصبح كلا الشارح والحكيم اي ابن رشد وارسطو محور الدراسات الفلسفية والعلمية طيلة قرون.
    استقبال ابن رشد في اوروبا الغربية
    احدث دخول ابن رشد ثورة فكرية منقطعة النظير في الاوساط الفكرية في اوروبا الغربية انطلاقاً من باريس بادئ الامر، فانقسم الفلاسفة واللاهوتيون الى قسمين: اولاً، انصار ابن رشد الذين عرفوا باسم الرشديين اللاتين وعلى رأسهم سيجر البرابانيي توفي 1284. وثانياً، خصوم ابن رشد وعلى رأسهم القديس توما الأكويني توفي 1274. وكان الخلاف بين الفريقين يدور حول عدد من القضايا الدينية والفلسفية مثل ازلية العالم ووحدة العقل الهيولاني والعناية الالهية وخلق العالم من العدم وحرية الارادة وسواها.
    وبلغ من حدة الخلاف هذا ان اضطرت السلطات الكنسية للتدخل سنة 1270 ثم سنة 1277 واصدار لائحة بالقضايا المشبوهة دينياً بلغت 15 قضية في الادانة الاولى و219 قضية في الادانة الثانية. وجدير بالذكر ان عدداً كبيراً من هذه القضايا كان مستوحى من اقوال ارسطو او شروح ابن رشد. مع ذلك لم يقتصر تأثير ابن رشد على الفريق الاول الذي تمسك بمقولاته دون حرج متذرعاً بذريعة عرفت آنذاك باسم الحقيقة المزدوجة وفحواها ان للقضايا المتنازع فيها وجهين: وجه ديني ووجه فلسفي. في باب الوجه الديني على العالم ان يلتزم بالتعليم الديني او العقيدة. وفي باب الوجه الفلسفي يمكنه الالتزام بقول ابن رشد من دون تناقض. الا ان بعض الرشديين اللاتين كجون الجوندوني Jean De Jandun لم يلتزموا حتى بهذا الموقف اللبق بل ذهبوا الى ان الوجه الصحيح للحقيقة المطلقة هو قول ابن رشد الذي رعاه هذا العالم:
    Perfectissimus et gloriosissimus veritate amicus et defensor
    الصديق الاكمل والنصير الاعظم للحقيقة من دون ان يبالي بمعارضة الكنيسة او انصارها.
    اما الفريق الثاني، فقد ناصب ابن رشد العداء على أسس دينية او لاهوتية بحتة ملتزماً بتعاليم الكنيسة من دون تحفظ ، كما مرّ. الا ان افراد هذا الفريق لم ينج من تأثير تعاليم ارسطو او شارحه الاكبر. في الباب الاول كان زعيمهم القديس توما الاكويني من اعظم شراح ارسطو ايضاً. وفي الباب الثاني، بقي مديناً على رغم تحفظاته، لابن رشد في النهج الذي نهجه هذا الفيلسوف، حتى ان ارنيست رينان قال في كتابه الشهير "ابن رشد والرشدية" 1856 ان القديس توما من دون ادنى تناقض واحد من اعظم خصوم ابن رشد وفي الوقت نفسه من اعظم اتباعه. ذلك ان اسلوبه في تفسر ارسطو كان عين الاسلوب الذي استحدثه ابن رشد. يضاف الى ذلك ان الخلاف بينهما يمكن رده في بعض الاحيان الى قراءة مختلفة لنصوص ارسطو لا تبلغ حد المناقضة. ففي باب مسألة ازلية العالم مثلاً ميز ابن رشد بين ما يدعوه الإحداث المنقطع النظير والإحداث الدائم وذهب الى ان مذهب ارسطو في ازلية العالم يمكن تأويله على الوجه الثاني، اي ان العالم ما زال مخلوقاً او محدثاً منذ الأزل بينما ذهب القديس توما الى ان ارسطو لم يقطع بصورة باتة في مسألة الازلية. وان الكتاب المقدس ينص على ان العالم مخلوق او محدث في الزمان اي ان لديه بداية زمنية وعلى المؤمن ان يأخذ بهذا القول، الا ان ابن رشد والاكويني ذهبا الى ان العالم مخلوق من العدم، مع ان ارسطو لم يشر الى شيء من ذلك.
    كذلك كان الخصمان متفقين على مقولة اخرى، وهي "ان ارسطو هو الذي ارسى قواعد المعرفة الصحيحة، وعلى فلسفته يجب ان يبنى العالم او الفيلسوف خلافاً لفلسفة افلاطون وخليفته افلوطين التي كان اوائل حكماء الكنيسة وعلى رأسهم اغسطينوس توفي 430 في الغرب وابن سينا والفارابي في الشرق قد بنوا عليها صروحهم الفكرية. ومع ان تأثير ابن رشد لم يتواصل في الشرق، فقد تواصل في الغرب وعنه انبثقت الحركة اللاهوتية الكبرى التي عرفت بالمدرسة اللاتينية Scholasticism، وكانت من اعظم منجزات الفكر الاوروبي في القرن الثالث عشر واستمرت حتى مطلع النهضة الاوروبية في القرن الخامس عشر. ويمكن الجزم بأن هذه الحركة الفكرية الكبرى كانت مستحيلة قبل دخول ارسطو من خلال شروح ابن رشد الحلبة الفكرية الكبرى كانت مستحيلة قبل دخول ارسطو من خلال شروح ابن رشد الحلبة الفكرية في اوروبا الغربية. ذلك ان ارسطو كان قد اصبح نسياً منسياً في اوروبا طيلة سبعة قرون، كما مر، بينما تواصل اثره في الاوساط الفكرية العربية، ابتداء بالكندي توفي 866 وانتهاء بابن رشد.
    بزوغ العقلانية الحديثة
    يجمع المؤرخون على ان عصر النهضة فتح صفحة جديدة في تاريخ اوروبا الفكري. وقد اتصف هذا العصر بفتين رئيسيتين: 1- العودة الى الجذور الكلاسيكية في الميدان الادبي، و2- النزعة العقلية الجديدة التي قامت اصلاً كتحد للسلطات الكنسية ونادت بالتذرع بالعقل او البصيرة في الميادين السياسية والفكرية والدينية. ومع ذلك لم تبلغ هذه الحركة اشدها حتى مطلع القرن السابع عشر اذ يقرنها المؤرخون عادة باسم الفيلسوف والعالم الرياضي رينيه ديكارت توفي 1650 الذي استحدث طريقة جديدة في البحث العلمي والفلسفي تستند الى الرياضيات، ولا سيما الهندسة التي برع فيها هذا الفيلسوف بوجه خاص. ولكن يتساءل المرء اليوم عن جذور هذه النزعة العقلية وهل ولدت ولادة تلقائية ام انها تستند الى اصول تتجاوز القرن السابع عشر زمنياً؟
    يتساءل أتيان جيلسون، اعظم مؤرخي الفلسفة المتوسطة، عن مصدر العقلانية الاوروبية في كتابه الرائع "العقل والوحي في العصور الوسطى Reason and Revelation in the Middle Ages 1938، ثم يجيب "انها ولدت في اسبانيا في ذهن فيلسوف عربي، كرد فعل واع، على النزعة الكلامية او اللاهوتية لعلماء الكلام العرب ويعني الاشاعرة… وهكذا خلّف للجيل اللاحق نموذجاً من الفلسفة العقلية الصرفة، وهو نموذج كان له اثر باقٍ في تطور الفكر المسيحي ذاته". وهو لا يكتفي بالرجوع الى المصادر اللاتينية لابن رشد، بل يدعم حججه بأقوال ابن رشد في كتابه الشهير "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال"، حيث يذهب هذا الفيلسوف الى ان الفلسفة، وهي "النظر في الموجودات من حيث هي مصنوعات، اي من حيث دلالتها على الصانع"، لا بد ان تتفق مع الشريعة اخت الحكمة الرضيعة. وحيث يبدو ان بين هاتين تضارباً، فعلى العالم اللجوء الى التأويل اي الغوص على باطن الآيات القرآنية ومدلولاتها التي لا قبل بادراكها الا "لأهل البرهان"، كما يقول، وهم الفلاسفة. ويستشهد في هذا المقام بالآية القرآنية التالية: "هو الذي انزل عليك الكتاب، فيه آيات محكمات هن ام الكتاب، وأخر متشابهات. وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم. يقولون ما اوتينا من العلم الا قليلاً". آل عمران 5 - 7.
    اما في رده العام على الغزالي والاشاعرة في "تهافت التهافت" و"الكشف عن مناهج الادلة"، فقد نهج ابن رشد نهجاً آخر في دفاعه عن العقل، وذلك في معرض تفنيد ما ذهب اليه الغزالي من انكار الرابطة السببية بين الاشياء. يقول ابن رشد في هذا الرد ان السببية، اي ارتباط المسببات بأسبابها ارتباطاً ضرورياً، هي سبيلنا الوحيد الى ادراك طبائع تلك المسببات من جهة، والحكمة الالهية الكامنة وراء هذا الارتباط من جهة ثانية. فمن "رفع الاسباب فقد رفع العقل"، كما يقول، وأبطل الحكمة الالهية التي اقتضت وجود الاشياء على الشكل الذي وجدت عليه. "وبالجملة فكما ان من انكر وجود المسببات مترتبة على الاسباب في الامور الصناعية، او لم يدركها فهمه، فليس عنده علم بالصناعة ولا الصانع، كذلك من جحد وجود ترتيب المسببات على الاسباب في هذا العالم فقد جحد الصانع الحكيم، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً"، كما يقول في "الكشف عن مناهج الأدلة". ومتى ابطلنا تلك الحكمة لم يعد لنا سبيل الى الرد على القائلين بالاتفاق او الصدفة من دهريين وسواهم، بل لم يعد لنا سبيل الى التدليل على وجود الصانع الاعظم انطلاقاً من النظام الذي تتسم به المصنوعات والذي من شأنه ان يفضي بنا الى اثبات وجوده كسبب الاسباب او السبب الاول.
    الكشف، طبعة محمود قاسم - القاهرة - ص 199.
    فاذا قارنّا النزعة العقلية هذه عند ابن رشد وعند ديكارت تبين لنا ان عقلانية ابن رشد تمتاز عن عقلانية الفيلسوف الفرنسي من وجوه عدة. اولها ان الطريقة التي يطرحها ديكارت كمخرج من الشكوكية المطلقة ويبنيها على اربع قواعد معروفة مردها الى البساطة والوضوح من جهة، والى البداهة الرياضية من جهة ثانية، هي مستمدة من النهج الرياضي او الهندسي الذي تذرع به ديكارت في حل الاشكالات الفلسفية والرد على القدما، على رغم انه لم يستطع التنصل كلياً من محاذير النهج الفلسفي القديم، لا سيما في بابي الخلقيات والدينيات. فهو يقول في "مقالة الطريقة" انه في هذين البابين لم يستطع الخروج عن نهج الاجداد، بل استمر على التزامه بما درج عليه منذ نعومة اظفاره وما كان يؤمن به مواطنوه وذووه من معتقدات دينية كاثوليكية على وجه التخصيص.
    وثانيها ان الطريقة الرياضية او الهندسية التي يطرحها ديكارت لا قبل لها بمعالجة المشاكل الفلسفية او العلمية التي توورثت عن القدماء، اي انها طريقة قد تفي بحل المشاكل الرياضية او المنطقية البحتة ولكنها عاجزة عن معالجة المشاكل الفلسفية والخلقية واللاهوتية والكوزمولوجية، مثل خلق العالم وحرية الارادة وماهية السعادة والتمييز بين الخير والشر ومقوّمات المجتمع الصالح والعلائق البشرية القومية والعالمية، وهي مشكلات دار عليها جزء كبير من فلسفة ارسطو التي بنى عليها ابن رشد وشرحها وعمل على التدليل على تماسكها بأسلوب عقلي شامل غير مقصور على البديهيات الرياضية. وواضح ان هذه الطائفة من المشاكل كانت وما تزال محور كل نشاط عقلي او فكري مسؤول وهي تمثل بالاضافة الى ذلك اهم المشاكل التي واجهتها البشرية وما زالت.
    ابن رشد والعلمانية الحديثة
    لم يقتصر اثر ابن رشد في الغرب اللاتيني على القضايا الفلسفية واللاهوتية التي كان يدور حولها الجدل إبان القرن الثالث عشر في باريس وبادوا وبولونيا، بل تعداه الى الميدان السياسي. وقد حمل لواء الرشدية في هذا المجال الشاعر الايطالي الشهير دانتي اليغيري توفي 1321 الذي كان من أوائل روّاد العلمانية السياسية في أوروبا. وذلك إبان الصراع بين انصار البابوية وأنصار الامبراطور. ويبني دانتي نظريته السياسية الجديدة في مطلع كتابه "الملكية" de Monarchia على نظرية ابن رشد في العقل الهيولاني الذي دار حوله الجدل في الأوساط الفلسفية واللاهوتية آنذاك. وفحوى هذه النظرية ان هذا العقل واحد يشارك فيه جميع ابناء البشر وهو عقل بالقوة فحسب، خلافاً للعقل الفعّال الذي هو عقل بالفعل والذي يحقق العقل الهيولاني فعاليته "بالاتصال" به. وعند دانتي ان هذا العقل الهيولاني الذي يشترك به جميع البشر يمثل "ماهية الانسان وطاقته الخاصة ويميزه عن سائر المخلوقات العليا او الدنيا". لذا يترتب على البشر كما يقول دانتي "ان يتوخوا كمجموعة واحدة تحقيق طاقات العقل الهيولاني دوماً في ميدان النظر او التأمل اولاً وفي ميدان الفعل او العمل ثانياً" وذلك على مدى العمر. وذلك هو السبيل الوحيد الذي يمكّن البشرية من بلوغ هدفها الأقصى وهو السلام الشامل كوسيلة لبلوغ السعادة الدنيوية.
    بناء على هذه المقدمة المبنية على موقف ابن رشد من العقل الهيولاني، يتطرق دانتي الى معالجة المشاكل السياسية الرئيسية التي يدور عليها كباب الملكية، وأهمها: هل الحكم المدني كاف لبلوغ هذه الأهداف البشرية؟ مجيباً على طريقة ارسطو بالإيجاب، ومتحدياً بذلك انصار البابوية الذين كانوا يذهبون الى ان الحكام الزمنيين أو الأباطرة والملوك يستمدون سلطتهم من البابا او خليفة بطرس مؤسس الكنيسة. فينقض الأدلة التي كانوا يتذرعون بها استناداً الى الأناجيل او الى "بيعة قسطنطين" الذي كانوا يذهبون الى انه استمد سلطته السياسية من البابا سيلفستر الذي شفاه من مرض البرص. والنتيجة الأساسية التي ينتهي اليها دانتي في هذا الباب هي ان الامبراطور او الحاكم الذي نُصّب لتأمين السعادة القصوى للبشر انما يستمد سلطته مباشرة من الله وليس من خليفة بطرس او البابا. لذا ينبغي ان تكون السلطة المدنية او الزمنية مستقلة عن السلطة الدينية او الروحية وهو ما يعرف بالعلمانية اليوم، فلا يحق للبابا او اعوانه والحالة هذه ان يملوا ارادتهم على الحكام المدنيين كما كانت الحال طيلة العصور الوسطى وحتى زمن دانتي نفسه.
    ومن الدلائل الاخرى على رشدية دانتي ان ولعه تحوّل، لدى وفاة بياتريس محبوبته الأولى ودليلته في معارج الفردوس، الى التعلق بالحكمة او الفلسفة التي يدعوها في احد مؤلفاته "مليكة الكون Regina Tutti او ابنةالإله Figlia Dei" ويرمز اليها باسم السيدة اللطيفة أو الأنيسة Donna Gentile. فهو قد اختار اذاً العقلانية الارسطوطاليسية التي كان ابن رشد رائدها آنذاك، وتحول الى حد ما عن الموقف الذي صرح عنه في "الكوميديا الإلهية"، وهو ان وراء الفلسفة حكمة اعلى تتمثل في اللاهوت. وبعد وفاته بست سنوات اتهم دانتي فعلاً بالرشدية وأحرق كتابه "الملكية" في وسط مدينة بولونيا بأمر من البابا يوحنا الثاني والعشرين. الا ان النداء الذي اطلقه في الدفاع عن نظرة عقلية وإنسانية جديدة لم يذهب ادراج الرياح. فقد اقتفى أثره اثنان من المع المفكرين السياسيين الذين اعتمدوا الرشدية ايضاً أساساً لفلسفتهم السياسية آنذاك هما مارسيليوس البدوائي Marsilius of Padua توفي 1345 وجان الجاندوني، اشد المتعصبين للرشدية وزميل مارسيليوس، الذي رفض البوح بالتحفظ الذي اتسم به موقف عدد من الرشديين اللاتين في باريس وبادوا آنذاك، كما مر.
    من هنا يتبين مدى تأثير ابن رشد في تطور الفكر الغربي. فبغض النظر عن أثره في احياء فلسفة ارسطو بعد قرون من النسيان في أوروبا الغربية، فقد قامت في أوروبا الغربية هذه حركة رشدية تعتبره حجة في مضمار تفسير فلسفة ارسطو من دون منازع انقسمت الى قسمين:
    1 - قسم معتدل اقرّ بامتياز التفسير الرشدي لأرسطو من دون ان يتخلى عن المعتقدات الدينية، 2- قسم آخر لم يتوقف عند هذه التحفظات بل اعتبر ابن رشد الناطق الأكبر باسم الحقيقة المطلقة. وكان من نتائج انتشار الرشدية في اوروبا ان ترجمت جميع شروحه على ارسطو، وصلنا منها 38 لم يبق منها بالعربية سوى 28.
    دروس وعبر
    فإذا تساءلنا الآن: ما هي العبر التي يمكن استخلاصها من هذا العرض التاريخي؟ ولماذا كان لابن رشد وللعقلانية الجديدة التي كان اهم دعاتها هذا الأثر عند ذلك المنعطف التاريخي في اوروبا الغربية، ومهد لانبثاق النهضة الأوروبية في القرن الخامس عشر، بينما اتسمت تلك الحقبة بهيمنة الجمود العقلي والفكري الذي اذن ببداية عصر الانحطاط في العالم العربي؟ لم يكن لنا مناص من الاقرار بأن ظهور ابن رشد على مسرح الفكر العالمي يمثل بداية اليقظة الفكرية الكبرى في الغرب من جهة ونهاية تلك اليقظة التي بدأت في القرن التاسع ببغداد برعاية الخليفة العباسي المأمون توفي 833 في الشرق من جهة ثانية.
    فإذا القينا نظرة موضوعية على الأوضاع الفكرية والعقلية السائدة في العالم العربي والعالم الغربي اليوم تبين لنا ان المعادلة الآنفة الذكر لم تتغير منذ زمن ابن رشد. ويبدو لنا جلياً ان نهوض العالم العربي من سباته على يد قادة الفكر وأهل الحل والربط مرهون باستعادة تلك اليقظة العقلية التي كان ابن رشد من اهم رموزها في الشرق والغرب في مطلع العصور الحديثة.
    * ألقيت هذه المحاضرة في جامعة الشارقة - الامارات العربية المتحدة.
  • 09/06/2015, 11:31 PM
    طارق شفيق حقي
    المراحل التارخية لتطور العَلمانية الغربية‎
    بوجمعة حدوشنشر في الجسور يوم 20 - 02 - 2014
    ظهرت العلمانية الغربية في القرن السابع عشر، و أخذت عدة معان؛ "فكانت تعني "فصل الدين عن الدولة" في القرنين السابع عشر والثامن عشر."[1] هذاالقرن الذي تميز"بظهور روح الشك العام في كل شيء تقريبا، ومع ذلك فقد ظهرت فلسفات إيجابية متنوعة يدور محورها حول كلمتين هما في الواقع صنمان استحدثهما الهاربون من نير الكنيسة ليحل محل إلههما المخيف وهما العقل والطبيعة.


    أما العقل فلم يعد مقيد بأغلال الثنائية الديكارتية بل بدأ يبحث عن ذاته ويسلك طريقه لكي يتصرف كما لو كان "إلها" بالفعل، وتعالت أصوات الباحثين والفلاسفة منادية بأن العقل هو الحكم الوحيد والعقل هو كل شيء وما عداه فهو وهم وخرافة…
    أما الطبيعة فإله "جذاب" رحب الصدر ليس له كنيس ولا التزامات ولا يستدعي طقوسا ولا صلوات، وكل ما يطالب به الإنسان أن يكون إنسانا طبيعيا يلبي مطالبه الطبيعية في وضوح وصراحة."[2]
    وهكذا "قامت العلمانية اللادينية على الإلحاد وإنكار وجود الله تعالى وإنكار الأديان، وهي ردَّة في حق من يعتنقها من المسلمين مهما كان تعليله لها، وكانت العلمانية عند قيامها في مرحلتها الأولى في القرنيين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، تنظر إلى الدين على أنه ينبغي أن يكون أمرا شخصيا لا شأن للدولة به إلا ما يتعلق بجباية الضرائب للكنيسة، ولعل هذا كان خداعا لأهل الدين، ثم امتدت المواجهة للدين على النحو الذي تطورت إليه بعد ذلك، وكان الخلاف محتدما بين رجال الدين ورجال العلمانية على السلطة، مما جعلهم ينادون بفصل الدين عن الدولة ليستقل كل فريق بسلطته."[3]
    "وهكذا استمر الحال في القرن الثامن عشر، لكن بعد أن قويت شوكة هذا العقل وفاق ما عداه من معايير تنظيم الحياة، اقتحم القرن التاسع عشر مبعدا ذلك الدين عن الدولة ومقصيا رجاله عن مجتمعه، باعثا إياهم للدول الأخرى في مهمات رسمية أخذت أسماء عدة منها: التبشير والإستشراق، لذا فقد عُرف القرن التاسع عشر في أوروبا بعصر الإلحاد."[4]
    "وكان أول من دعا إلى فصل سلطة علماء الدين عن السياسة والحكم الفيلسوف ديكارت، ثم تبعه بيكون، ثم سبينوزا، ثم جون لوك، وهم جميعهم ملحدون مارقون،
    وفي(1778) مهّد جان جاك روسو للثورة ضد الكنيسة والإقطاع، فألّف كتاب: (العقد الإجتماعي) الذي اعتبره الفرنسيون إنجيل ثورتهم التي قامت عام (1789).
    أما اليهودي سبينوزا فقد كان رائد العلمانية، واعتبرها منهجا للحياة ولسلوك الناس، وأصدر بآرائه العلمانية كتاب: (اللاهوت والسياسة) ثم جاء فولتير صاحب كتاب: (القانون الطبيعي) الذي أنكر وجود الله وأنه خالق الكون، ونسب الخلق والإبداع للطبيعة ذات القدرات الخارقة. ثم دعا وليم جودين عام (1793) من خلال مقالاته وكتاب: (العدالة السياسية) إلى العلمانية وإلى الإبتعاد عن الدين.
    وابتدأت الثورة الفرنسية بتظاهرة غوغائية احتشدت أمام الباستيل، ثم هدّمته وطالبت بالحرية والمساواة والإخاء وهي نفس الشعارات التي ترفعها الماسونية السوداء .
    وفي عام (1859) أصدر تشارلس دارويين كتابه: (أصل الأنواع) الذي أنكر فيه الخلق الألهي، وقال بأن كافة الكائنات الحية البدائية قد ظهرت قبل مليارات السنين بشكل تلقائي، ثم راحت تتطور حسب ظروف البيئة حتى تمخضت عن كافة المخلوقات التي تدب الآن على سطح الأرض بما فيها الإنسان.
    وأيّد هذه النظرية الملحدون: دوركايم، وفرويد، وكارل ماركس مؤسس الفكر الشيوعي الذي قال: إن الدين أفيون الشعوب، كما أيدتها الماسونية والشيوعية ومؤيدو الفلسفة الوجودية مثل جاك بول سارتر وكولن ويلسون وغيرهم."[5]
    "وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهر مكابران آخران بالغا في عدائهما لله وللأديان السماوية، هما: جورج هوليوك، وتشارلس ساوت، اللذان أصدرا مجلة (عرّاف العقل) وكرّسا كتابتهما للتجديف والطعن بالدين، فقالا مما قالاه: "لم يكن العهد القديم إلاّ تسجيلا فاضحا للشذوذ والشهوات الجنسية ولسفك الدماء، ودعوة ماجنة للفجور والإلحاد فاقت كافة روايات الدعارة ذات الصيت الواسع"!.. لقد خلطا بين التورات الإلهية وبين التلمود الموضوع من قبل حاخامات مارقين وفلاسفة متنطعين ملحدين بعد مئات السنين من انتقال موسى عليه السلام إلى الرفيق الأعى!..لقد صوّر هذان المفكران الأنبياء والقديسيين ابتداء بموسى عليه السلام وانتهى ببطرس نصابين وسفاكي دماء، كما أنكروا وجود الله وقالا: إنهما يشعران بالغثيان إذا ما لامسهما مسيحي!…
    كما تحاشى هذان المفكران كلمة الكفر والمادية والإلحاد، وأطلقا على فلسفتهما اسم (العلمانية) ليتّقوا بذلك محاربة الناس وعدائهم وتصدِّيهم وبذلك نجحا في تضليل البشر وفي خداعهم وأوقعاهم في حبائل مكرهما وفكرهما، بل وكفرهما."[6]
    هكذا أخذت العلمانية في التطور بعد أن اعتنقها كبار المفكرين والفلاسفة، وحاولوا إقناع الناس أنها هي الخلاص من طغيان الكنيسة، ومن كل الجهل والتخلف الذي كانوا يعيشونه.
    "وقد ذكر الدكتور العرماني أن العلمانية قد مرّت في تطورها بأدوار هي كما يلي:
    الدور الأول: وقد كان دور الصراع الدموي مع الكنيسة، وسمي هذا الدور بعصر التنوير أو بداية عصر النهضة الأوربية، ويعود سببه إلى تأثر الأوربيين بالمسلمين إثر اختلاطهم بهم عن طريق طلب العلم في الجامعات الإسلامية، وقد ذاق علماء الغرب في هذا الدور ألوانا من العذاب على أيدي رجال الكنيسة إثر ظهور الإكتشافات العلمية هناك ووقوف رجال الكنيسة ضد تلك الإكتشافات وجها لوجه.
    الدور الثاني: ظهور العلمانية الهادئة وتغلب رجالها على المخالفين من رجال الكنيسة، وفيه تم عزل الدين عن الدولة، وانحصرت مفاهيم الكنيسة في الطقوس الدينية فقط بعيدة عن الحياة الإجتماعية كلها.
    الدور الثالث: وقد اكتملت قوة العلمانية ورجالها، وحل الإلحاد المادي محل الدين تماما."[7]
    إذن قامت العلمانية في البلاد الغربية نتيجة لتحريف الكنيسة للدين المسيحي، وإحلالها مكانه دينا عنصريا لا يعترف بالضعفاء، بل يستغلهم ويأخذ منهم ممتلكاتهم وأرزاقهم، فكان من حقهم أن يثوروا على هذا الدين، بل ويبعدوه عن كل مجالات حياتهم.
    boujamaa_hadouch@hotmail.com
    https://www.facebook.com/hadouchboujamaa
    [1] التيار العلماني الحديث وموقفه من تفسير القرآن الكريم، ص: 46
    [2] العلمانية، سفر بن عبد الحمان حوالي، ص: 159 160
    [3] المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمع وموقف المسلم منها، د.غالب بن علي عوجي، ج: 2، ص: 648،
    ط: الأولى 1427/2006
    [4] التيار العلماني وموقفه من تفسير القرآن الكريم، ص: 47
    [5] الإسلام يتصدى للغرب الملحد، د.محمد نبيل الشنواتي، ص: 169 170 ط: الأولى
    [6] نفس المصدر، ص: 44 45
    [7] المذاهب الفكرية المعاصرة، ج: الثاني، ص: 686
  • 09/06/2015, 11:31 PM
    طارق شفيق حقي
    المراحل التارخية لتطور العَلمانية الغربية‎
    بوجمعة حدوشنشر في الجسور يوم 20 - 02 - 2014
    ظهرت العلمانية الغربية في القرن السابع عشر، و أخذت عدة معان؛ "فكانت تعني "فصل الدين عن الدولة" في القرنين السابع عشر والثامن عشر."[1] هذاالقرن الذي تميز"بظهور روح الشك العام في كل شيء تقريبا، ومع ذلك فقد ظهرت فلسفات إيجابية متنوعة يدور محورها حول كلمتين هما في الواقع صنمان استحدثهما الهاربون من نير الكنيسة ليحل محل إلههما المخيف وهما العقل والطبيعة.


    أما العقل فلم يعد مقيد بأغلال الثنائية الديكارتية بل بدأ يبحث عن ذاته ويسلك طريقه لكي يتصرف كما لو كان "إلها" بالفعل، وتعالت أصوات الباحثين والفلاسفة منادية بأن العقل هو الحكم الوحيد والعقل هو كل شيء وما عداه فهو وهم وخرافة…
    أما الطبيعة فإله "جذاب" رحب الصدر ليس له كنيس ولا التزامات ولا يستدعي طقوسا ولا صلوات، وكل ما يطالب به الإنسان أن يكون إنسانا طبيعيا يلبي مطالبه الطبيعية في وضوح وصراحة."[2]
    وهكذا "قامت العلمانية اللادينية على الإلحاد وإنكار وجود الله تعالى وإنكار الأديان، وهي ردَّة في حق من يعتنقها من المسلمين مهما كان تعليله لها، وكانت العلمانية عند قيامها في مرحلتها الأولى في القرنيين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، تنظر إلى الدين على أنه ينبغي أن يكون أمرا شخصيا لا شأن للدولة به إلا ما يتعلق بجباية الضرائب للكنيسة، ولعل هذا كان خداعا لأهل الدين، ثم امتدت المواجهة للدين على النحو الذي تطورت إليه بعد ذلك، وكان الخلاف محتدما بين رجال الدين ورجال العلمانية على السلطة، مما جعلهم ينادون بفصل الدين عن الدولة ليستقل كل فريق بسلطته."[3]
    "وهكذا استمر الحال في القرن الثامن عشر، لكن بعد أن قويت شوكة هذا العقل وفاق ما عداه من معايير تنظيم الحياة، اقتحم القرن التاسع عشر مبعدا ذلك الدين عن الدولة ومقصيا رجاله عن مجتمعه، باعثا إياهم للدول الأخرى في مهمات رسمية أخذت أسماء عدة منها: التبشير والإستشراق، لذا فقد عُرف القرن التاسع عشر في أوروبا بعصر الإلحاد."[4]
    "وكان أول من دعا إلى فصل سلطة علماء الدين عن السياسة والحكم الفيلسوف ديكارت، ثم تبعه بيكون، ثم سبينوزا، ثم جون لوك، وهم جميعهم ملحدون مارقون،
    وفي(1778) مهّد جان جاك روسو للثورة ضد الكنيسة والإقطاع، فألّف كتاب: (العقد الإجتماعي) الذي اعتبره الفرنسيون إنجيل ثورتهم التي قامت عام (1789).
    أما اليهودي سبينوزا فقد كان رائد العلمانية، واعتبرها منهجا للحياة ولسلوك الناس، وأصدر بآرائه العلمانية كتاب: (اللاهوت والسياسة) ثم جاء فولتير صاحب كتاب: (القانون الطبيعي) الذي أنكر وجود الله وأنه خالق الكون، ونسب الخلق والإبداع للطبيعة ذات القدرات الخارقة. ثم دعا وليم جودين عام (1793) من خلال مقالاته وكتاب: (العدالة السياسية) إلى العلمانية وإلى الإبتعاد عن الدين.
    وابتدأت الثورة الفرنسية بتظاهرة غوغائية احتشدت أمام الباستيل، ثم هدّمته وطالبت بالحرية والمساواة والإخاء وهي نفس الشعارات التي ترفعها الماسونية السوداء .
    وفي عام (1859) أصدر تشارلس دارويين كتابه: (أصل الأنواع) الذي أنكر فيه الخلق الألهي، وقال بأن كافة الكائنات الحية البدائية قد ظهرت قبل مليارات السنين بشكل تلقائي، ثم راحت تتطور حسب ظروف البيئة حتى تمخضت عن كافة المخلوقات التي تدب الآن على سطح الأرض بما فيها الإنسان.
    وأيّد هذه النظرية الملحدون: دوركايم، وفرويد، وكارل ماركس مؤسس الفكر الشيوعي الذي قال: إن الدين أفيون الشعوب، كما أيدتها الماسونية والشيوعية ومؤيدو الفلسفة الوجودية مثل جاك بول سارتر وكولن ويلسون وغيرهم."[5]
    "وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهر مكابران آخران بالغا في عدائهما لله وللأديان السماوية، هما: جورج هوليوك، وتشارلس ساوت، اللذان أصدرا مجلة (عرّاف العقل) وكرّسا كتابتهما للتجديف والطعن بالدين، فقالا مما قالاه: "لم يكن العهد القديم إلاّ تسجيلا فاضحا للشذوذ والشهوات الجنسية ولسفك الدماء، ودعوة ماجنة للفجور والإلحاد فاقت كافة روايات الدعارة ذات الصيت الواسع"!.. لقد خلطا بين التورات الإلهية وبين التلمود الموضوع من قبل حاخامات مارقين وفلاسفة متنطعين ملحدين بعد مئات السنين من انتقال موسى عليه السلام إلى الرفيق الأعى!..لقد صوّر هذان المفكران الأنبياء والقديسيين ابتداء بموسى عليه السلام وانتهى ببطرس نصابين وسفاكي دماء، كما أنكروا وجود الله وقالا: إنهما يشعران بالغثيان إذا ما لامسهما مسيحي!…
    كما تحاشى هذان المفكران كلمة الكفر والمادية والإلحاد، وأطلقا على فلسفتهما اسم (العلمانية) ليتّقوا بذلك محاربة الناس وعدائهم وتصدِّيهم وبذلك نجحا في تضليل البشر وفي خداعهم وأوقعاهم في حبائل مكرهما وفكرهما، بل وكفرهما."[6]
    هكذا أخذت العلمانية في التطور بعد أن اعتنقها كبار المفكرين والفلاسفة، وحاولوا إقناع الناس أنها هي الخلاص من طغيان الكنيسة، ومن كل الجهل والتخلف الذي كانوا يعيشونه.
    "وقد ذكر الدكتور العرماني أن العلمانية قد مرّت في تطورها بأدوار هي كما يلي:
    الدور الأول: وقد كان دور الصراع الدموي مع الكنيسة، وسمي هذا الدور بعصر التنوير أو بداية عصر النهضة الأوربية، ويعود سببه إلى تأثر الأوربيين بالمسلمين إثر اختلاطهم بهم عن طريق طلب العلم في الجامعات الإسلامية، وقد ذاق علماء الغرب في هذا الدور ألوانا من العذاب على أيدي رجال الكنيسة إثر ظهور الإكتشافات العلمية هناك ووقوف رجال الكنيسة ضد تلك الإكتشافات وجها لوجه.
    الدور الثاني: ظهور العلمانية الهادئة وتغلب رجالها على المخالفين من رجال الكنيسة، وفيه تم عزل الدين عن الدولة، وانحصرت مفاهيم الكنيسة في الطقوس الدينية فقط بعيدة عن الحياة الإجتماعية كلها.
    الدور الثالث: وقد اكتملت قوة العلمانية ورجالها، وحل الإلحاد المادي محل الدين تماما."[7]
    إذن قامت العلمانية في البلاد الغربية نتيجة لتحريف الكنيسة للدين المسيحي، وإحلالها مكانه دينا عنصريا لا يعترف بالضعفاء، بل يستغلهم ويأخذ منهم ممتلكاتهم وأرزاقهم، فكان من حقهم أن يثوروا على هذا الدين، بل ويبعدوه عن كل مجالات حياتهم.
    boujamaa_hadouch@hotmail.com
    https://www.facebook.com/hadouchboujamaa
    [1] التيار العلماني الحديث وموقفه من تفسير القرآن الكريم، ص: 46
    [2] العلمانية، سفر بن عبد الحمان حوالي، ص: 159 160
    [3] المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمع وموقف المسلم منها، د.غالب بن علي عوجي، ج: 2، ص: 648،
    ط: الأولى 1427/2006
    [4] التيار العلماني وموقفه من تفسير القرآن الكريم، ص: 47
    [5] الإسلام يتصدى للغرب الملحد، د.محمد نبيل الشنواتي، ص: 169 170 ط: الأولى
    [6] نفس المصدر، ص: 44 45
    [7] المذاهب الفكرية المعاصرة، ج: الثاني، ص: 686
  • 26/02/2015, 11:58 PM
    طارق شفيق حقي
    العلمانية في الفكر السياسي العربي المعاصر
    خالد ياموت (http://www.kalema.net/v1/?wri&cv=-1)
    العلمانية في الفكر السياسي العربي المعاصر
    تحليل خطاب التيار التوفيقي
    خالد ياموت*
    - العلمانية في الفكر السياسي العربي المعاصر: تحليل خطاب التيار التوفيقي
    - ماجستير في العلـــوم السياسية
    - إعداد الطالب: خالد ياموت
    - تحت إشراف: الدكتور محمد الدامر
    - جامعة محمد الخامس - كلية الحقوق - أكدال
    - الموسم الجامعي: 2003 - 2004
    1ـ في طرح المسألة

    اتخذ الفكر السياسي العربي المعاصر عبر تاريخه أشكالاً تعبيرية، تداخل العاملان الداخلي والخارجي، في نسج أنساقه المعبر عنها في الخطاب السياسي. فهو من جهة يحمل في أحشائه اجتهادات الفقه السياسي المتوارث، كما يخضع للثقافة السياسية المشكلة للوعي الجمعي المنشدة إلى الدين، والتجربة التاريخية للاجتماع السياسي العربي. ومن جهة أخرى يحاول التعايش مع مفاهيم سياسية غربية جديدة تهم الفكر والعمل السياسي، الشيء الذي طرح معه إشكالية الاستنبات والاستيعاب، وتبني مفاهيم الحداثة السياسية، وتطبيقها في الممارسة السياسية العربية الراهنة...
    إن طرح مسألة الفكر السياسي العربي المعاصر في سياقي تطور الدولة، وما تطرحه في شكلها القطري في عهد ما بعد الاستعمار، من >فشل< المنظومة الليبرالية والاشتراكية... يحيل في الوقت الراهن على إحدى الإشكالات التاريخية المتصلة بالعمل السياسي والممارسة السياسية، وهو علاقة السلطة السياسية بالدين الإسلامي. إن السياق العملي للسياسة والدين نفسه يستمدان ديناميتهما من الدينامية التاريخية، بوصفهما فاعلين في الاجتماع السياسي العربي المعاصر. وفي ظل تنوع الرؤى بتنوع زاوية النظر في إشكالية الديني والسياسي، يمكن إدراج عودة المدرسة التوفيقية من جديد مع بداية ثمانينات القرن العشرين، وما يجعل منها مدرسة خاصة، ويعلي من منظورها للإشكاليات المعرفية والسياسية العربية المعاصرة، تشكلها من مفكرين بارزين، ومؤرخين وأساتذة العلوم السياسية وأساتذة الأنثربولوجيا، وأساتذة الفلسفة السياسية... من ناحية موازية تشكل هذه المدرسة استمراراً للتوفيقية الحديثة التي تزعمها كل من الأفغاني ومحمد عبده، ولعبت دوراً كبيراً في تجديد الدين والسياسية على السواء، كما استطاعت الخروج من عدة أزمات فكرية، ناتجة عن استيراد بعض إشكالات التاريخ الأوروبي وحشرها في السياق العربي الحديث والمعاصر. ليكون بذلك النظر التوفيقي دائم الالتصاق بالفكر السياسي العربي الإسلامي منذ القرن الهجري الأول.
    وتُعدُّ إشكالية العلمانية (بفتح العين)، وطريقة طرحها في الخطاب السياسي العربي المعاصر عبر إيديولوجياته المتعددة، أهم إشكالية تبرز مدى أهمية الطرح التوفيقي، وما لعبه عبر التاريخ الإسلامي عموماً من دور فعال في احتواء الأزمات، وطرح بدائل تنطلق من التجربة التاريخية الخاصة، مع الاستفادة من الإنتاجات الإنسانية المتعلقة أساساً ببناء الدولة في إطار مفاهيم الحداثة السياسية والفكر السياسي المعاصر، من تبني الديموقراطية والمواطنة...
    2ـ في طرح الإشكالية

    ترتبط السلطة السياسية عبر تاريخ تشكلها بالبنية السوسيو-ثقافية للاجتماع السياسي، وبما أن البناء العمودي والأفقي للدولة، يقوم على تفاعلات الحراك الاجتماعي، فإن مجموع هذه العوامل هي التي تصوغ العمل السياسي، وتنزرع في كل مؤسسات الدولة. من هذه الزاوية المسلم بها في علم الاجتماع السياسي، تتخذ إشكالية العلمانية في الفكر السياسي المعاصر بعداً يستلزم البحث في الذهنية السياسية العربية المعاصرة، وتاريخ تشكلها وعلاقتها ببعض نماذج بناء السلطة خاصة الناتجة عن الحروب الدينية في أوروبا.
    نقل الفكر السياسي العربي النخبوي إشكالية العلمانية من واقع الصراع الناشب بين الكنيسة الدينية والرؤية الدنيوية للسلطة السياسية، الذي حاولت معاهدة وستيفاليا سنة 1648م معالجتها اعتماداً على مفهوم العلمانية الذي ظهر لأول مرة في نصها، ليقصد به كل ما هو غير تابع للكنيسة. في القرن التاسع عشر تطورت العلمانية واللائكية، بوصفها حركةً وتصوراً سياسياً، هدفه الأساس يكمن في فصل الدين عن الدولة، غير أن هذا التعريف سرعان ما تطور على شكل متتالية مندمجة في الحقل السياسي في المرحلة الأولى، وتقتحم المجال الاقتصادي والاجتماعي... في المرحلة الثانية، لتنتهي إلى كونها رؤية للعالم لا تترك صغيرة ولا كبيرة في الشأن الشخصي والشأن العام، إلا ولها رؤيتها الخاصة به.
    ينطلق التصور العلماني العربي المعاصر المعتدل، من ثنائية قائمة أساساً في الفكر السياسي الغربي، تقول بوجود مجالين منفصلين الواحد دنيوي صرف، والثاني سماوي متعالٍ ومقدس، مقطوع الوصل مع الشأن الوضعي، وعليه يصبح الدين شأناً شخصياً، لا يعتد به أصلاً ولا فرعاً في المجال السياسي.
    ورغم إيمانها بكون الدين لا يتجاوز جوانية المؤمنين به، فإن العلمانية المعتدلة عربياً لا تطالب بإلغاء الدين، وإنما فقط حبسه من التوغل في المجال الاجتماعي السياسي، لأن الدين سيحتل المواقع السياسية الحساسة، مما يحول دون انشغال الدين بنفسه، إذ يعوض ذلك بالانشغالات اليومية للسياسة. وبما أن الدين مقدس فإن فصله عن السياسة والدولة هو الحل الوحيد.
    أما التصور العلماني العقائدي، فإنه وإن كان ينطلق من الثنائية المشار إليها أعلاه، فإنه ينتهي إلى رفض الدين تصريحاً، أو بطرحه للعلمانية تصوراً شاملاً لجميع مناحي الحياة. إن هذا الطرح لا يتحدث عن فصل الدين عن الدولة والسياسة، بل عن فصل الدين عن الحياة، مسترجعاً بذلك التجربة الغربية التي نظرت للدين الطبيعي والدين الوضعي. كما يقول: إن حركة المجتمع لا نهائيات ولا غائيات لها، بل حركة منفتحة على التحول الدائم، وبالتالي لا وجود للثابت الذي يشكله الدين والميتافيزيقيا، الشيء الثابت الوحيد هو العلمانية مرجعيةً، وبناء على ذلك حلت >الحتمية العلمانية< مكان >الحتمية الدينية<، وأصبحت العلمانية ميتافيزيقية جديدة، ناسخة ورافضة للدين الإسلامي، كما يرفض هذا الأخير العلمانية بجميع أصنافها.
    لسنا أمام خيار واحد تقول التوفيقية العربية المعاصرة، إننا حسب المعطى السوسيوسياسي أمام أنظمة سياسية متباينة داخل المنظومة العلمانية نفسها، من جانب أخر، لم يمر العالم الإسلامي من نفس التجربة الصراعية الغربية بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، التي أنتجت نظرية السيفين -سيف قيصر وسيف الكنيسة- في الغرب المسنودة من الدين المسيحي نفسه، الذي قال: >بإعطاء ما لله لله وما لقيصر لقيصر<. والإسلام من الناحية المعيارية والتجربة السياسية من خلال الدولة التاريخية المسماة الخلافة، أو من خلال الدولة القطرية المعاصرة ظل حاضراً في عمق الدولة والسياسة.
    والإسلام حينما يرفض الفصل بين الدين والدولة والسياسة، لا يعني تقديمه لنظرية ثابتة لبناء النظام السياسي للدولة، بل يرى هذه الأخيرة -حسب التيار التوفيقي المعاصر-، أمراً دنيوياً، لكنه ينبني على مرجعية وخلفية دينية، تحث على تطبيق أمور من الدين لا تقوم إلا بقيام الدولة. ولأن الإسلام معيارياً على هذه الشاكلة، فإن التجربة التاريخية تراث يستأنس به في بناء الدولة. والاستعمال السيئ للسلطة السياسية والدين، ناتج عن غياب مبدأ الشورى/ الديموقراطية، وطغيان التسلط السياسي الذي استغل الدين بعد أن سيطرت الدولة ورجالها على الدين. وهذا ما جعل الحقل السياسي العربي المعاصر يشهد مع تنامي الحركات الإسلامية نوعاً من صراع دين الأمة مع دين الدولة ورجالها.
    الحل الذي تقول به المدرسة التوفيقية، يكمن في بناء نظام سياسي مدني غير منفصل عن الدين، بل يقوم على التمييز والتقسيم بين المجال الديني، والمجال السياسي، ويأخذ من الحداثة السياسية ما يتوافق وخصوصيتنا الثقافية، والتاريخية.
    إن بعض ما أنتجته التجربة الغربية في الشان السياسي، يجد له شرعية في نصوص الدين الإسلامي، فالديموقراطية لا تختلف عن الشورى التي تجعل مصدر السلطة ليس هو الدين، بل الإرادة العامة للشعب، كما تجعل تداولها أمراً يعود إلى اختيارات هذه الإرادة الشعبية... فالبيعة أو التعاقد السياسي المتجدد، خاصية تمنح الشرعية للسلطة. فليس هناك تفويض ولا تعيين من الله، وليس هناك من يمثل الله في الأرض، الأمر في السياسة يعود للأمة تشرع للسياسة وفق مقاصد الدين وضماناً للمصلحة الفردية والجماعية. ولأن الدولة الإسلامية مدنية بطبيعتها، فإن الأخذ بمفهوم المواطنة المعاصر لا يمر عبر تبني العلمانية، وإنما بتطبيق النص الديني الذي يعترف بالأديان الأخرى، ويعطيها شرعية الوجود داخل الدولة المدنية ونظامها العام.
    لسنا إذن أمام الدولة الدينية ولا الدولة العلمانية، إننا في الواقع أمام خيار الدولة المدنية.
    3ـ أهمية الموضوع

    يكتسي موضوع العلمانية أهمية خاصة في الواقع السياسي العربي والغربي على السواء، فلا زال النقاش حول الدستور الأوروبي يشهد تعثراً بسبب الاختلاف حول الإشارة إلى الإرث المسيحي للقارة... أما في الدائرة العربية، فإن علاقة الدين بالسياسة تجعل من حدود كل منهما حدوداً مبهمة، تصل إلى المطابقة وما يفرز ذلك من تآكل مساحة السياسة باسم الدين، أو استخدام السياسة للهيمنة على الدين خاصة في عصر الدولة العربية الحالية... ومن ثم فإن إعادة طرح سؤال: أين ينتهي الديني ويبتدئ السياسي؟ أصبح مدخلاً من مداخل إعادة بناء السلطة والفكر السياسي العربي المعاصر.
    كما يجد هذا الموضوع راهنيته في كونه من أهم مواضيع علم السياسة التي نوقشت خارج دائرته، حيث غلبت الدراسات >اللاهوتية<، على وجهة نظر الإنثربولوجيا السياسية وعلم السياسة، وعلم الاجتماع السياسي، الشيء الذي دفعنا إلى مناقشة العلمانية بوصفها إشكالية في السياسة، أكثر مما هي إشكالية من الدين.
    4ـ المنهج المتبع في طرح الإشكالية
    انطلاقاً من الفرضية العلمية التي ترى إشكالية العلمانية سوسيولوجية بالأساس، لتعلقها بالممارسة السياسية أكثر من انشدادها إلى النص المجرد، اخترنا من الناحية النظرية اعتماد المنهج التاريخي المقارن، والاستناد في التحليل على علم الاجتماع التاريخي والسياسي، مع استعمال تقنية تحليل الخطاب. ولعل ما يبرر هذا الاختيار، كون موضوع العلمانية معقداً ومركباً، مما يتطلب معالجة علمية تدمج مناهج علمية متعددة، تصبو إلى تقديم أقرب صورة ممكنة لحقيقة علاقة الدين بالسياسة، في وسط عربي يتميز بالخصوصية، وباختلافات من دولة إلى أخرى، إثنياً ودينياً.
    5ـ الصعوبات وخطة العمل

    لعل أول ما يعترض الباحث في قضية العلمانية، هو طريقة ومناهج مناقشة الإشكال نفسه على المستوى العربي والمغربي، حيث نجد انتشار الكتابات التي تناقش الموضوع من باب العقيدة الدينية، أو دون مراعاة السياق التاريخي والحضاري المنبت للإشكال، كما يواجه البحث في هذا الموضوع مشكل قلة الكتابات الصادرة عن المتخصصين في علم السياسة وعلم الاجتماع المتناولة لهذا الإشكال.
    ولتنافي الضياع في ثنايا الإشكالية، ناقشنا الموضوع من الزاوية الإبستيمولوجية والفلسفية... قبل أن نناقش علاقة العلمانية بالحداثة السياسية، خاصة الديموقراطية والمواطنة، وإمكانية قبول أطراف النسق السياسي المغربي للعلمانية واللائكية.
    الهوامش:

    ?* باحث في العلوم السياسية: جامعة محمد الخامس أكدال الرباط.


    عن موقع مجلة الكلمة
  • 26/02/2015, 11:54 PM
    طارق شفيق حقي
    العلمانية وما بعد العلمانية
    خالد ياموت (http://www.kalema.net/v1/?wri&cv=-1)



    يواجه الفكر العربي الإسلامي المعاصر في تناوله لمسألة العلمانية إشكالاً نظرياً عويصاً، يمكن تلخيص مضمونه في السؤال التالي: كيف ننطلق من مقدمات معرفية مختلفة للوصول إلى مرجعية معرفية موحدة؟
    ليست العلمانية من المقولات والمفاهيم البسيطة التي يمكن مناقشتها دون النظر العلمي إلى عامل التاريخ، الدين، الاجتماع الثقافي والسياسي والقومي المفرز لها، فالتعدد الواقع في علة الوجود، يجعل دائرة التناول المتمركزة حول السبب الواحد تبسيطاً لا يؤدي إلى أية غاية علمية مهما وفّرت لصاحبها من ارتياح نفسي. يتحتم علينا منهجياً ألّا نطلق أحكاماً جاهزة حول هذه القضية المركبة، لذلك سننطلق نظرياً من فرضية علمية، تؤكد أن تناول مسألة العلمانية ونقيضها، إنما ينبثق من البناء المعرفي الهوياتي الذي تنسجه العوامل المتعددة المشار إليها سلفاً. إضافة إلى هذا الجانب المعياري سنتابع إنجاز العلمانية في الواقع وتنظيرات علم الاجتماع الغربي حول هذه المسألة، لنتناول في الأخير المأزق المعاصر للعلمانية، وظهور تيار ما بعد العلمانية.
    العلمانية: التاريخ ومنهج طرح القضية
    لمعالجة مفهوم العلمانية معالجة جدية سنعتمد التعريف المعرفي للمصطلح بمعناه العريض، والذي يعني الكلي والنهائي، المقابل للجزئي. هذا البناء التصوري ميزة تنفرد بها الرؤية المعرفية/ الإبستيمولوجية، خاصة وأنها تعني توضيح المقولات القبلية في الفكر الإنساني(1)، مما يعني وجود قاعدة خلفية قيمية لجميع الأفكار، "ومن ثم فإن هنالك بعداً معرفياً كلياً ونهائياً في أي خطاب تحليلي، مهما بلغ من الحيادية والتجريدية والسطحية والمباشرة"(2).
    إن دراسة العلمانية تنطلق من هذه الرؤية، لذا فهي تحتاج إلى نموذج تفسيري جديد، يتجاوز النظرة الضيقة المعرِّفة لها بأنها فصل للدين عن الدولة.
    من أجل ضبط المصطلح لا بد من رده إلى أصله اللغوي، مع استحضار مستمر لعلاقته (بعائلة) من الكلمات تشترك معه في الجذر نفسه، وأكثرها أنتج في نفس فترة ظهور مصطلح العلمانية.
    ومن منطلق علم تاريخ الأفكار، فإن العلمانية (secularism) مشتقة من الكلمة اللاتينية (Seculum) التي تعني عصر أو جيل، لتتخذ مع القرون الوسطى معنى هو (العالم) أو الدنيا (في مقابل الكنيسة). وظل هذا المعنى في حياد تام في البداية، حيث قصد بعلمنة ممتلكات الكنيسة، نقلها إلى سلطة غير دينية - سياسية - أي الدولة.
    في فرنسا خلال القرن الثامن عشر، اعتبرت الكنيسة الكاثوليكية العلمانية، مصادرة غير شرعية لممتلكاتها، أما وجهة نظر فلاسفة التنوير الممزوجة بالمادية والإلحاد فقد اعتبروا نزع الملكية أمراً شرعياً. وبعد الثورة الفرنسية "نحت العلمانية الغربية منحى وسطياً يختلف بوضوح عن الاتجاه اللاديني ويدافع عن التسامح الديني، ولا تقوم العلمانية بهذا المعنى المعاصر على الفصل بين الدين والدولة كما هو شائع لدينا، وإنما على الفصل بين الكنيسة ونظام الحكم"(3).
    لقد خاضت العلمانية كحركة سياسية، معركة تحرير العقل الغربي من هيمنة اللاهوت والميتافيزيقية، والعزوف عن معالجة الأمور الدنيوية بالعقل والتجربة، فانعكس التطور الفكري الداعي إلى إشاعة العلم وإخراجه من يد الكنيسة وتحكمية رجال الدين، فظهرت المؤسسات الخاصة، وتمأسست قطاعات اقتصادية مهمة تشكل عصب المجتمع، فراعت العلمانية نفسها الشروط السوسيو-سياسية التي تطورت فيها، فحدث نوع من التوافق والمساومة بين الدولة الحديثة، والمعاصرة، مع المركزية الدينية المتمثلة في الكنيسة.
    فتمتعت الدولة بالهيمنة على الدنيوي (أزعم أن العلمانية هي سيطرة الدولة على الدين وليس فصل الواحد عن الآخر)، تاركة للكنيسة، والمؤسسات الدينية، إمكانيات واسعة للاشتغال داخل المجتمع، وفي نشاطها التبشيري الخارجي، دون أن يحدث هنالك أي تعارض مع الحريات التي رسخها التطور الديموقراطي الغربي(4).
    على المستوى اللغوي انتقلت الكلمة الفرنسية (لائيك/laïque)، التي تعني، خاص بجمهور المؤمنين المشكلين لطبقة متميزة إلى اللغة الإنجليزية. أما laïcisme فتعنى نظام سياسي يقصي نظام الكهنوتية عن الدولة. أما فعل laïcize فيعني نزع الصبغة الكهنوتية عن القانون، والتعليم خاصة. فيما تعني laïcization نقل وظائف رجال الدين إلى رجال لهم تدريب، وتكوين دنيوي لا علاقة له بالدين...(5)
    وعلى هذا النحو تطورت العلمانية الفرنسية المؤسسة على تعليم علماني، وبخصوصية بالغة ضمنت بقاءها وبقاء الثقافة السياسية لرجال الثورة، الشيء الذي يفسر اصطدامها المتكرر مع الدين إلى اليوم.
    الأنساق التصورية للعلمانية
    إن الخطوات المنهجية الموصلة لإدراك مفهوم العلمانية لا يقتضي استحضار علم تاريخ الأفكار، والمدلول اللغوي المتطور للمصطلح فحسب، بل إن فهم معنى العلمانية يتوقف على فهم تلك العلاقة القائمة في المجالات الدلالية لفعل Secular المتداخلة مع أفعال أخرى.
    وبناء على (الموسوعة البريطانية)، فإن هنالك عائلة من الأفعال في اللغتين الفرنسية والإنجليزية تبدأ بالمقطع de، وهذه الأفعال تصف التحديث العلماني. أول هذه الأفعال التي يتطرق إليه مؤلف مدخل التحديث في الموسوعة هو فعل deconstruct(6).
    أما فعل demystify، ويقصد به نزع السر عن الظواهر. فهو حسب المسيري "أن يقوم الإنسان بتفكيك الظواهر الإنسانية وردها إلى قوانين الحركة المادية العامة... وبذلك يتضح أن الإنسان إن هو إلا كائن طبيعي/ مادي"، وهذا التحوير المادي للإنسان يرفع عن داخله ما يحتويه من أسرار وغيب، ويلغي الجانب المحيط بالإنسان، ويجعل من هذا الأخير مركز الكون(7)، فيغيب الإله ويتأله الإنسان. ومن الأفعال القريبة إلى هذا المعنى فعل desunk (كشف حقيقة الأسطورة)، أي ما يشير عادة إلى تلك العملية الهادفة إلى تحطيم المثاليات والأحلام... النبيلة التي قد يشعر بها الإنسان، والغاية من كشف حقيقة الأسطورة(8)، هو ترك الإنسان يكتشف حقيقة دوافعه المادية.
    أما يعري ويكشف.. الذي يعبر عنه فعل denude، فيستهدف إيصال الإنسان إلى حقيقة باعتباره كائناً مادياً طبيعياً لا يختلف عن غيره من الكائنات الطبيعية، فهو خاضع للقانون الطبيعي، وليس له مجاله الخاص، وفكرة مركزية الإنسان هي محط افتراء ووهم لا أقل ولا أكثر(9)، حيث استندت إلى الزيادة الإنتاجية دون الاعتبار بالقيم الإنسانية، فأصبح المعيار المادي هو المركز والمطلق الذي به توزن جوانب الحياة العامة، لتصبح المرجعية العليا هي المادية المطلقة(10). وحين تصل إلى هذا المستوى ترفع أو بالأحرى تلغى جميع المحرمات، والحدود الموضوعة أمام السلوكات الإنسانية، أخلاقية كانت أم إنسانية، فنزع القداسة في هذه الحالة تصبح متتالية تتحقق تدريجياً، فتفرض الواحدية المادية على الكون ويُسرَّى قانون واحد على كل الأشياء، فتظهر الإمبريالية كنزعة للغزو، ويتحول العالم إلى مادة نافعة يجب توظيفها لحساب الإنسان الذي ينظر بدوره إلى المعرفة كأداة لزيادة عنصر التحكم(11).
    أما (dehumanization) "فتعني إنكار وقمع تلك الصفات والأفكار والنشاطات التي تميز الإنسان عن غيره من الكائنات، ومنع تحقيق الإمكانيات الإنسانية للإنسان (في مقابل خصائصه الطبيعية المادية التي يشترك فيها مع غيره من الكائنات)"(12) وهو ما يعني في النهاية طمس إنسانية الإنسان ومركزته مادياً، وإفقاده القدرة على تجاوز الحتميات الطبيعية. وهذا النمط من التفكير نجد له تعبيرات معاصرة مثل حتمية قانون السوق... حيث يصبح هذا الأخير يتحكم في السلوك الإنساني، وإن اقتضى قانونه تجاوز الأخلاق وما هو إنساني فإن ذلك يصبح مشروعاً.. وينتهي الأمر بإنكار الحرية عن الإنسان، لأن نظام الفصل هذا لا يعني فصل الدين عن السياسة، أو الدولة أو الاقتصاد... بل فصل الخصائص الإنسانية عن السلوك والشعور الإنساني، وهي صيغة وصلت إليها العلمانية خلال القرن العشرين.
    من الأفعال ذات الصلة بالتحديث المعلمن فعل decenter(13)، الذي يقصد به إزاحة الإنسان عن المركز، وتعويضه -أي الإنسان- بأي شيء آخر، وتنتهي عملية التنحية هنا بأن يصبح كل شيء هو مركز الكون، وانتشر هذا التصور المعلن لموت الإنسان كنتيجة حتمية لإعلان موت الإله (عند نتشه)، وهذه الرؤية العلمانية "تنكر وجود أي مركز وتنفي أي إطار مرجعي" وتعلن ميلاد الحرية التامة، والخضوع التام لقانون الصدفة، ونظام فلسفي خالٍ تماماً من الفلسفة، والإنسانية، والمطلق(14).
    وبما أن العلمانية عملية تفكيكية خضع لها التصور الإنساني فإن إسقاط السمات الشخصية التي يعبر عنها فعل depersonalizeيمثل اتجاهاً واضحاً في العالم الحديث، وقد حقق ويحقق نسباً عالية من التنميط، ويغير الخصائص الفردية الحسية والمادية والسلوكية للإنسان، لتخضع لقالب واحد تندثر من خلاله فكرة الفردية لأنه ليس هناك ما يميز الفرد كفرد متفرد(15).
    ورغم دقة هذه المصطلحات، فقد اعتمدت على تقديم زاوية واحدة من ظاهرة العلمنة الواقعة اجتماعياً، لذلك فظهور عدد كبير من المصطلحات يشير إلى جانب من جوانب الحداثة العلمانية، الذي نجم عنه في النهاية بناء تصور شامل للحياة يتبنى الرؤية المادية، وعرف تطبيقاته الأولى مع النجاح السياسي للعلمانية.
    العلمانية عودة أخرى إلى المفهوم وإشكالاته
    بعد هذا التناول الأولي للعلمانية، سنحاول تقديم وجهة نظر أكثر تفسيرية على الشكل التالي: العلمانية ما هي؟ علاقتها بالمقدس والترشيد، ثم سنتحدث عن العلمانية بنوعيها العلمانية الجزئية والشاملة، لنختم بمأزق العلمانية المعاصرة أو ما يطلق عليه بما بعد العلمانية الذي سكه جون كين.
    يرى المفكر الإسلامي عبد الوهاب المسيري أن العلمانية اتجهت نحو مزيد من التركيب والإبهام مع التعريف الذي جاء به جون هوليوك الذي عرفها بأنها "الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية، دون التصدي لقضية الإيمان سواء بالقبول أو الرفض"(16). والملاحظ على هذا التعريف انطلاقه من مرجعية مادية واضحة، فالحديث عن إصلاح حال الإنسان لا يتم إلا وفق رؤية للعالم تتحدد معالمها وفق مرجعية معينة، وأن هذا يفترض وجود نموذج متكامل ورؤية شاملة للكون، وهو ما تمثله العلمانية. ومن ثم "ألا يعني تبني الطرق المادية تبنياً للرؤية المادية للإنسان"، وهل من الممكن "إصلاحه" بالطرق المادية. "ألا يعني هذا رفضاً كاملاً للإيمان، وليس مجرد عدم التصدي له كما يدعي هوليوك؟"(17).
    بالنسبة للمسيري فالقضية تتجاوز قطاع من قطاعات الحياة، ومن غير العلمية الحديث عن الدائرة الصغيرة -فصل الدين عن الدولة-، دون استحضار الرؤية الكاملة الكامنة في التصور العلماني، إن الأمر كما وقع في التاريخ السياسي الحديث والمعاصر، لا يتعلق بفصل الدين عن الدولة بل يتعلق أساساً بالمرجعية، ومن شأن إعمال المنهج التجزيئي المس بالرؤية العلمية لعلاقة السياسي بالديني.
    السؤال المركزي الذي يمكن وضعه في ظل الحديث عن العلمانية، هو لمن المرجعية العليا، للدين أو الدنيا أو هما معاً؟ إن فكرة الجوهر -المرجعية-، هي الركيزة الثابتة في كل خطاب بما هي رؤية للعالم في أعلى مستويات التجريد، ويمكن الحديث عن مرجعيتين في هذا الإطار: الأولى تؤمن بوجود الإله وما فوق المادة، وبالتالي فهي مرجعية نهائية متجاوزة، وأخرى تحتكم إلى المادة وهي بذلك مرجعية كامنة، لأنها ترتكز إلى نقطة داخل العالم المكتفي بذاته(18).
    فإذا انتقلنا إلى تعريف العلمانية، فإن أول ما نلاحظه هو "أن القاسم المشترك في كل المفردات في جميع المعاجم يجعل الأمر الذي يوصف بأنه (علماني) يرتبط بشكل أو بآخر بهذه الدنيا وهذا الزمان، الآن وهنا، ولا يشغل باله بأي أبعاد أخرى ولو لم ينكرها"(19).
    حسب معجم أكسفورد فالمباني العلمانية (على سبيل المثال)، هي المباني المكرسة للأغراض الدنيوية، والمدرسة العلمانية: "هي تلك التي تعطي تعليماً غير ديني"، والواضح أن العلمانية تحمل هنا مدلولاً سلبياً، فهي تعني "غير كهنوتي"، و "غير مقدس" وليس بالضرورة معادياً للدين أو المقدس. إذن هذا التعريف يلزم الصمت تجاه الدائرة الكلية الشاملة -فصل الدين عن الحياة-، ويحصر نفسه في الدائرة الجزئية الصغيرة، التي تنظر إلى علاقة الدين بالسياسة فقط(20).
    إلا أن المتاعب النظرية تلاحق هذا التعريف، لأن العلمانية ليست غير دينية وحسب، بل تعني بالضرورة ما ينتمي للآن وهنا، وهذا الزمان والمكان، وهذا ما يؤكده معنى كلمة (Sécularison) الإنجليزية، والتي تعني العصر أو الجيل أو الدنيا...(21) مما يجعل معناها أكثر اتساعاً في نطاقه ويوصله إلى الدائرة الشاملة الممتلكة لرؤية شاملة للكون، وما يتفرع عنه من تصورات معرفية وقيمية. فـ"العلمانية تعرف باعتبارها العقيدة التي تذهب إلى أن الأخلاق لابد أن تكون لصالح البشر في هذه الحياة [الدنيا] وتستبعد كل الاعتبارت الأخرى المستمدة من الإيمان بالإله أو الحياة الأخرى [ الآخرة]"(22).
    ويمكن القول حسب رؤية معجم أكسفورد: إن الدين، والبعد الديني، لا يتمتع بالوجود الحقيقي، لأنه لا يقدم رؤية شاملة للكون، ولا يمثل المرجعية العليا والنهائية، كما أنه غير قادر على حل مشاكل الدنيا، ومن ثمة فالمادة هي المرجعية الأصلية، والقول بالعلمانية يتضمن استبعاد الدين في المرحلة الأولى، وإنهاءه في المرحلة التالية، ولكن كيف يمكن القضاء على الدين؟ من الواضح أن المعجم لا يقول ذلك بصراحة لكن الأكيد أن استبعاد التصورات الدينية يجعلنا أمام سيادة تصورات هذه الدنيا -(العصر) أي العلمانية- لوحدها(23).
    من الزاوية السوسيولوجية يقدم معجم علم الاجتماع المعاصر ثلاثة مواد لتوضيح مصطلح العلمانية: فهي (علماني secular) و (علمنةsecularization) و (مجتمع علماني Secular society)، وكلمة علماني في واقع الأمر (لا علاقة له بالدين non- religions)(24).
    ويستمر المعجم في الحديث عن العلمانية بمعنى فصل الدين عن الدولة، حيث يذهب (ج.م G.M. yinger) أن هذه الكلمة تشير إلى تلك "الاعتقادات والممارسات التي لا علاقة لها بالجوانب غير النهائية للحياة الإنسانية"، هذا التعريف لا يمتد إلى المنظومة المعرفية ولا يجعل الإيمان العلماني بقوة الإيمان الديني(25). غير أن المعجم يبين فيما بعد أن العلماني هو "العقلاني أو النفعي بشكل خالص أساسي"، ثم يضيف إلى هذا التعريف الغامض والهلامي تعريفاً آخر، يجعل من العلمانية منظومة متكاملة تحتوي على الميتافيزيقيا، "مما يعني أن قضية فصل الدين عن الدولة هنا هامشية، بل فرع تابع لمنظومة تأسيسية قاعدية وأصلية، ناظمة لشؤون الحياة، وهو ما يظهره بجلاء معجم علم الاجتماع المعاصر حينما يورد في مقال (للأري شاينر) مفاهيم للعلمانية كلها تتحدث عن المرجعية النهائية، فهي تنطلق من كون العلمانية هي: انحسار الدين وتراجعه، لكن سرعان ما ينتقل صاحب المقال المعنون (بمفهوم العلمنة في البحوث التجريبية) إلى الحديث عن الفصل بين المجتمع الدين"(26).
    ثم يعود ليخلط الفصل بين الدولة والدين والمجتمع بقوله بالتركيز على الحياة المادية بل التطلع إلى مستقبل روحي، وهي دعوة تخلق تقابلاً حتمياً بين الحياة المادية وما هو روحي. بمعنى آخر، فإن المجال السياسي والاقتصادي يخضع للتحكم المادي ولا يترك تدبيره للنزعة الروحية. في المرحلة الثانية يذهب المعجم في منهجه (التحكمي والتسلطي)، إلى القول باضطلاع منظمات غير دينية بالوظائف الدينية، مما يجعل التنظيم الديني، ومأسسة شؤونه، في حياد تام مع السياسة أمراً مستحيل الوقوع(27)، فهذا الوضوح في الرؤية للمفهوم جعلت من المعجم يتحدث عن اختفاء فكرة المقدس، بمعنى حلول التفسيرات العقلية محل التفسيرات الدينية في كل شيء. هذا وكأن العقل قادر على كشف أغوار جميع الظواهر المادية، وتحديد كل ما ينفع البشر في حياتهم الدنيوية. في المرحلة الأخيرة يقول المعجم (بالنظرية الإحلالية) فيرى أن العلمانية تعني إحلال المجتمع العلماني محل المجتمع المقدس(28).
    إن ما يقدمه المعجم هنا لا يتعلق بالمجالات الضيقة كالسياسة والاقتصاد، بل تعبير عن إجابة كلية، ترتكز إلى فلسفة العلمانية التي هي نفسها الميتافيزيقيا، ولا تعترف بالدين، إلا الذي تنتجه هي من تصوراتها المادية، وعبرت عنه الفلسفة الغربية الحديثة بالدين الطبيعي.
    العلمانية فلسفياً
    من الزاوية الفلسفية، هناك ثلاثة فلاسفة يعتبرون ثلاثي المتتالية العلمانية المتعينة، أبدعوا في البناء الفكري العلماني الغربي، فاسبينوزا انتهى إلى تحويل "العالم إلى منظومة واحدية [لا تقبل التماثل] رياضية مصمتة، الله فيها هو الطبيعة، والإنسان فيها لا يختلف عن أي شيء في الكون"(29)، إننا بالتالي في ظل حلولية كمونية واحدية اختصرها اسبينوزا في عبارته "الإله أي الطبيعة"(30) مع الفلسفة النتشوية تطورت فكرة الإله لتنغمس كلية في عالم الموت، فالعالم الذي يكون فيه الإله قانوناً طبيعياً ثابتاً هو عالم موت الإله، فأعلن بذلك نهاية الثنائية -الطبيعة والإله-، ويصل بالنسق الفلسفي العلماني إلى الواحدية الكاملة المؤمنة بعالم لا ضمان فيه لأي شيء، و "خال من المعنى لا قيمة فيه ولا غاية، لا كلية فيه ولا مطلقات"(31)، والإله محض مادة، وهذه الأخيرة سائلة لا قانون يحكمها غير القوة، ولا وجود إلا للأجزاء "فيموت الإله وتسقط فكرة الكل ذاتها"(32). وإذا تجاوزنا البعد الإلحادي لعبارة نتشه الشهيرة "لقد مات الإله" ونظرنا إلى تضميناتها المعرفية الخاصة، فإن واقع الأمر يجعلها تعني ما يلي:
    1- نهاية فكرة الإله المتجاوز والمفارق للمادة: المجاور للطبيعة والتاريخ، الذي يمنح الكون تماسكاً وهدفاً نهائياً، أي نهاية فكرة المركز الكائن خارج المادة، فهي حلولية كمونية كاملة.
    2- إنكار وجود أي حقيقة ثابتة متجاوزة لعالم التجربة المادية المباشرة وعالم الصيرورة.
    3- كل هذا يعني إنكار فكرة الكل ذاتها، باعتباره كياناً متماسكاً يعلو على الأشياء، أي إنكار فكرة المركز الكامن في المادة.
    4- العالم إذن أجزاء لا تشكل كلًّا ولا مركز لها.
    5- كل هذا يعني إنكار فكرة العام والعالمي والإنساني بشكل عام.
    6- كل هذا يعني نهاية الميتافيزيقيا، بل ونهاية فكرة الحقيقة، فالقضاء على بقايا الميتافيزيقيا المتمثلة في الحديث عن الكل المتجاوز أدى إلى القضاء على الحقيقة(33).
    ويتضح (معمار) الفكر الواحدي المادي المعلن للعلمانية أكثر عند جاك دريدا، فإذا كان نتشه أعلن موت الإله، فإن دريدا يعلن موت كل الأنظمة باستثناء نظام الفوضى وغياب المركز، الشيء الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى اختفاء الإنسان(34). فالمنظومة التفكيكية التي أعلنها دريدا لم تترك جانباً من جوانب الحياة فارتقت إلى عقيدة شعائر ونسق على المستوى النظري على الأقل.
    في المرحلة التاريخية الموالية لهذا الفكر الفلسفي، ظهر ماكس فيبر كعميد وقائد للمدرسة السوسيولوجية الغربية، فأعاد إلى الواجهة السياسية إشكالية الديني والسياسي، غير أن فيبر رأى أن الفكرة الدينية هامشية وأن المرجعية العليا وضعية، وجاء بمفهوم الترشيد (rationalization) ليعني به العلمنة(35).
    وترجع أصول كلمة الترشيد إلى العبارة الألمانية (wertrationelle) التي يمكن ترجمتها بـ(رشيد في علاقته بالقيم) وهو يعادل (تقريباً) (الترشيد التقليدي)، ويعني أن المرء لا يتعامل مع الواقع بشكل ارتجالي أو جزئي، بل بمنهج متكامل بنسق يحمل مجموعة من القيم الأخلاقية المطلقة (القيم الأخلاقية المقصودة هنا معلمنة). وكلمة مطلق عند فيبر في واقع الأمر تعني أن هناك مرجعية نهائية تعرّف الترشيد المادي بأنه تزايد الضبط المنهجي على كل مجالات الحياة مما يستوجب التحرر من القيم (وهو ما يعني انتفاء العامل الأخلاقي)، وهذا يقوم على تصورات عملية وقواعد ومبادئ عامة، هي نفسها تقوم على استبعاد الولاءات التقليدية والحماس الكاريزمي، والوسائل السحرية، والمرجعيات المتجاوزة لعالم الحواس والمادة (وهنا تختفي بالضرورة فكرة الإله، والميتافيزيقيا الدينية)... فنصل إلى إدراك الإنسان كون العالم يتحرك وفقاً لقوانين عقلانية مادية قابلة للاكتشاف، أي كامنة فيه، (وهذا يعني التمركز حول المادة حتى تصبح هي الميتافيزيقا الجديدة)، وبالتالي يعتبر القوى الأخرى [الدين] غامضة غير محسوبة مستعصية على الفهم(36).
    يذهب ماكس فيبر أن هناك خصوصية للحضارة الغربية تجعلها تتجه نحو الترشيد، الذي وصفه بأنه نزع السحر عن العالم. إن هذه المنظومة الفكرية تخلق مجتمعاً متطوراً رشيداً مهدداً بالقيود قال عنه فيبر: "لا أحد يعرف من سيعيش في هذا القفص في المستقبل لعله في نهاية هذا التطور الرهيب سيظهر أنبياء جدد تماماً"، يضيف فيبر عن حالة التحكم في المجتمع أنه سيسود فيه "متخصصون لا روح لهم، حسيون لا قلب لهم. وهذا اللاشيء سيتصور أنه وصل إلى مستوى من الحضارة لم يصل إليه أحد من قبل"(37) وتحدث هذه العملية من جراء الترشيد الداخلي حيث ينظر الإنسان إلى ذاته بمنظور الدولة له، "وبالطريقة التي ينظر إليه بها العالم الطبيعي لا باعتباره إنساناً مركزياً (ربانياً)، وإنما باعتباره مادة طبيعية توظف، وكياناً قابلاً لعملية البرمجة والتنميط التي خضعت لها البيئة الاجتماعية وأعضاء المجتمع، وذلك حتى يتفق كل شيء ومصلحة المجتمع، ويتسق والنموذج الواحدي المادي والقيم العلمية الرشيدة الصارمة والمرجعية المادية"(38).
    لقد وصف فيبر الترشيد بأنه "تحويل العالم بأسره (الإنسان والطبيعة إلى حالة مصنع)، أي تحويل العالم إلى نسق آلي منظم، يتم استخدام كل شيء فيه بكفاءة عالية، خاضعة للحسابات الكمية"(39) وعملية الترشيد أو ما يطلق عليه المسيري التطبيع تجعل من كل شيء دائر في إطار الطبيعة لا يخرج عنها مطلقاً، وبما أن العلمانية عملية بنيوية تحققت بظهور الدولة العلمانية القومية، فإن جميع الأنساق المؤثرة في بنية الدولة تمت علمنتها في إطار ما يطلق عليه المسيري -دائماً- بالثورة العلمانية الكبرى.
    فعلى المستوى الديني، تعمل عملية الترشيد، والتطبيع، والتحديث، على تغيير بنيته الداخلية فيصبح:
    1- النسق الديني منسحباً من العالم الخارجي، ويصبح مسألة خاصة بالضمير بين الإنسان وربه، بمعنى أنه مقطوع الصلة بالأنساق الاجتماعية، أو الفكرية أو السلوك الإنساني، ليشبه الانتماء الديني الانتماء إلى نادٍ للعب الشطرنج بتعبير المفكر الفرنسي ماكسيم رودنسون.
    2- ابتعاد الإيمان الديني أمام تعرضه لموجة العلمنة على الله -الخالق-، وعادة ما يأخذ هذا الشكل من التعلمن صفة الإصلاح الديني فتعاد صياغة النسق الديني بحيث يتم الادعاء، أن الوصول إلى فكرة الله تحل من خلال دراسة الطبيعة وقوانينها دون حاجة لوحي.
    3- تحول المؤسسات الدينية في المجتمع إلى مجرد جماعات ضغط.
    4- يصبح التفكير الديني الذي تمت علمنته فاقداً للبعد المجازي المركب، ويصبح أحادياً ذا بعد واحد تماماً مثل العقيدة العلمانية المتمركزة حول المادة.
    5- تفقد الشعائر الدينية معناها الخارجي، ولا تعبر عن طاعة المخلوق للخالق وابتغاء مرضاته، "وإنما النجاح في الدنيا مع استخدام الديباجات الدينية"(40).
    وهذا لا يعني أن عملية العلمنة لا تمس إلا الجانب الديني، بل كل جوانب الحياة حتى الأحلام والجنس الذي يمكن اعتباره نموذجاً للتفسير، بل إن هذا الموضوع يعطينا مفتاحاً لفهم آليات العلمنة، التي فصلت بشكل غريب هذه الفطرة الإنسانية إلى قطاعات مستقلة الواحدة عن الأخرى، بحيث أصبح الجنس نشاطاً لا علاقة له بالإنجاب ولا الحب، مما يفقد القطاعات بعدها الباطني، وتصبح نشاطات برانية(41)، ويصل الأمر إلى "لا علاقة للمرء بمن يحب".
    نحن والعلمانية أو من هنا نعلم
    من اللازم اليوم على الفكر العربي الإسلامي الخروج من بوتقة التاريخ الماضي، ومواكبة حركة العلمانية عبر تاريخها الغربي فليست -العلمانية- فصل لقطاع السياسة، أو الاقتصاد... عن الدين، والركون إلى هذا التعريف المتجاوز، البسيط، لم يعد مقبولاً في الفكر العلماني الغربي، سواء في المنظومة العلمانية المعاصرة أو عند تيار ما بعد العلمانية الذي يتزعمه البروفسور جون كين. ولتجاوز مطبات الفكر السياسي العربي الإسلامي المعاصر حيال قضية العلمانية، فإن المسيري يقترح في أطروحته المعرفية الحديث عن علمانيتين(42):
    الأولى أطلق عليها اسم العلمانية الجزئية: ويحمل هذا النوع رؤية جزئية إلى الواقع، بحيث لا تصدم الكليات والنهائيات التي يتبناها المجتمع، فهي بذلك لا تعادي الدين بل تقر له بالوجود، وتمنحه حرية الحركة (!) مثله مثل سائر الأفكار والمبادئ، وهي تعني في المدرسة الغربية فصل الدين أي الكنيسة عن الدولة، بحيث تصبح هذه الأخيرة دولة مؤسسات تنتشر فيها جمعيات ومؤسسات المجتمع المدني، بما فيها الدينية، التي تخضع للقانون (الوضعي طبعاً)، وهذا القانون يكون متفقاً عليه وفق الأسس الديموقراطية، التي تعطي حق الاعتراض، والالتزام بقرارات الأغلبية.
    فالعلمانية الجزئية لا تمنع التدين، والالتزام بالشعائر الدينية، ولا تسلب المتدين حرية العبادة، أو تأسيس جمعيات أو أحزاب دينية(43)، ولا تتدخل في شؤون الفرد الخاصة، بل تلتزم الصمت حيال كثير من أمور الحياة العامة كذلك. وهو ما يؤكد تركها للحيز الإنساني للإنسان يتحرك فيه إذا شاء ذلك.
    والعلمانية الجزئية هنا باختصار كما يعرفها المسيري "هي علمانية تطالب بفصل الدين عن الدولة وحسب، والدين هنا يعني المؤسسة الدينية التي تحتكر لنفسها الكتاب المقدس ومفاتيح الخلاص والجنة"(44).
    أما النوع الثاني، أي العلمانية الشاملة: فهي تعبر عن رؤية العالم، بحيث تسعى إلى تنظيم كل مناحي الحياة، لتصل إلى إحساس الفرد الباطني، إنها تعتني بكامل حياته الخاصة والعامة، لتعطي للمجتمع صورتها الواحدية عن الوجود، تصورياً وتصرفياً، فليست القضية عند العلمانية الشاملة فصل للدين عن الدولة أو الكهنوت عن السياسة، بل إحلال نظام، ورؤية تسقط كل المطلقات والغائيات والإنهائيات (وهو ما يؤكد أن هذا النوع من العلمانية مثله مثل الدين الإسلامي فيما يخص الرؤية المتكاملة للحياة)، غير أنها تتناقض مع الإسلام، لأنها تسقط رؤيتها الميتافيزيقية الخاصة على الحياة، وتؤكد على فصل كل القيم الدينية، والأخلاقية والإنسانية... عن العالم.. وتصفي بذلك تركيبة الإنسان، ومقدرته على التجاوز -بتعبير المسيري-، فيختفي الإنسان الفرد، الحر، الواعي، المسؤول أخلاقياً واجتماعياً... وتنزع القداسة عن العالم (الإنسان والطبيعة)، فيسقط في قبضة الصيرورة المادية، ويظهر الإنسان الطبيعي(45)، ومعه الدين العلماني.
    هذا الشكل من العلمانية يعتبر عملية إحلالية، تزيل كل شيء: الدين والمقدس، إنسانية الإنسان، مقوماته الأخلاقية، والاجتماعية، وتحشره في كل مادي خالص، ليتحوسل الإنسان (إي يصبح وسيلة)، ويتمركز حول اللذة، والاستهلاك. وبكلمة، يختزل الإنسان وقيمته في الحياة إلى الحيز الطبيعي، حيث يصبح مثله مثل أي موجود طبيعي في السوق مادة استعمالية.
    ولا يخفى على كل باحث في هذا الموضوع أن المشاكل الرئيسة التي يعاني منه الفكر السياسي العربي الإسلامي المعاصر، هو معالجته للعلمانية من داخل منظومة الفصل والوصل بين الدولة والدين، مما يختلف مع مسار العلمنة التاريخي، كما لا يراعي الواقع السياسي، والسلوكي المعلمن كما أنتجته التجربة السياسية الغربية الحديثة، والمعاصرة، "ولذلك -يقول المسيري- أقترح أن تناقش مسألة العلمانية لا في إطار فصل الدين عن الدولة وإنما في إطار المرجعية النهائية للدولة"(46).
    فالعلمانية الشاملة بالخصوص تفرض هذا النوع من المعالجة للموضوع، ولابد من النظر إلى المرجعية أهي كامنة أم متجاوزة. "فالعلمانية (الشاملة) قد لا تكون إلحادية أو معادية للإنسان على مستوى القول والنموذج المعلن... ولكنها على المستوى النموذجي الفعال، ومستوى المرجعية النهائية، تستبعد الإله، وأية مطلقات من عملية الحصول على المعرفة..."(47)، الشيء الذي يفسر كون العلمانية الشاملة "رؤية شاملة للعالم ذات بعد معرفي (كلي ونهائي) تحاول بكل صرامة تحديد علاقة الدين والمطلقات والماورائيات (الميتافيزيقية) بكل مجالات الحياة"(48)، بمعنى آخر "هي رؤية للكون شاملة تتخلل كل شيء، وتسم عالمنا الإنساني بميسمها المادي (ولذا أسميها العلمانية المادية أو العدمية) ولا يمكنها أن تتصالح مع الدين أو مع منظومات أخلاقية تتسم بقدر من الثبات، فهي ملتزمة بشيء واحد: قوانين الحركة المادية"(49).
    مأزق العلمانية وما بعد العلمانية
    رغم فعالية النموذج العلماني على مستوى الواقع الغربي، ومساهمته الكبيرة في إنتاج مجتمع تسود فيه الديموقراطية والحداثة، فإن ذلك لا يعني مطلقاً أن العلمانية مشروع محدد المعالم، بل متتالية اتسعت دائرتها حتى مسَّت كل جوانب الإنسان -في إطار العلمانية الشاملة-، بحيث لم تعد هنالك الحياة الخاصة أو العامة، فاقتحام العلمنة وتحققها التدريجي وتغطيتها لمزيد من المجالات كرس إشكالية المفهوم، و"جعل الدال - العلمانية، قاصراً عن الإحاطة بالمدلول"(50)، من جهة أخرى أدى سيطرة النموذج العلماني الفعال إلى خلخلة المجتمع الغربي، وأصبحت المنظومة المعرفية الواحدية المادية مهيمنة على التفكير، فزادت الجريمة، وانتشر الاستثمار في البشر، وعادت بقوة تجارة الرقيق الأبيض، فأصبح قطاع الدعارة نشاطاً فوق وطني، وفي الوقت نفسه قطاعاً منتجاً ومساهماً في بناء الاقتصاد الوطني، وأصبحت المصلحة العليا للدولة من المنظور العلماني تشرعن تدمير الإنسان (القضية الصومالية.. الأفغانية والعراقية...)، وأصبح النقاش مركّزاً حول المادة، فيما أن التكنولوجيا العسكرية تطورت بطريقة جعلت من أرباح الحرب تتجاوز كلفتها(51)، لذا فشلت محاولات المنظمات الدولية الراعية للسلم العالمي في ردع قوى النموذج العلماني الإمبريالي، وأصبح القانون الدولي آلية من آليات إعاقة تقدم الدول الضعيفة، وربما هذا ما دفع المسيري إلى القول بأن الإمبريالية ليست إلا مجرد إحدى تجليات النموذج الغربي الأخلاقي، والعلماني، والإبستيمولوجي. فالعلمانية هي النظرية الأساس، والإمبريالية هي جانبها التطبيقي الأهم"(52).
    هذا الوضع الذي وصلت إليه العلمانية على المستويين الإنساني (القطري) (أي إنجازاتها دخل الدولة بالغرب)، وقبولها بالسيطرة واحتواء الآخر (مع القرن التاسع عشر، واستمرت الإمبريالية مع القرن الواحد والعشرين)(53). جعل كثيراً من المفكرين داخل (الجغرافية الفكرية) الغربية يتحدثون عن مأزق العلمانية، وفشلها في الوصول إلى حياة إنسانية تضمن السعادة البشرية، والحقوق الطبيعية المادية، والروحية المعنوية.
    وتعبيراً عن هذا المأزق شهدت مراجعات العلمانية والحداثة داخل المنظومة الغربية أبعاداً يمكن وصف بعضها بالرديكالية، من ذلك ما يذهب إليه إفنج كريستول (Irving Kristol) حيث أكد هذا المثقف اليهودي الأمريكي في كتابه الأخير حول العلمانية بأن العلمنة >رؤية دينية حققت انتصاراً على كل من اليهودية والمسيحية"، ففي الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال تمت علمنة الدين نفسه، وأصبحت العقائد نوع من المهدئات النفسية التي تساعد الإنسان على تجاوز التوترات التي يفرزها عالم العلمانية المادي. من جهة أخرى بدأت تفقد العقلانية العلمانية (مصداقيتها مع التدريج)، وحسب كريستول فإن ذلك يعود لسببين هما:
    1- الفلسفة العقلانية العلمانية تزودنا بوصف دقيق للمسلمات المؤسسة لنسق أخلاقي، لكن الإشكالية الكبرى أن الإنسان لا يقبل الأنساق الأخلاقية من منطق مادي -علماني-، بل من منطق إيماني غير عقلي، واستمرار العلمانية في أطروحتها في هذا المجال أوصلنا إلى (البربرية العلمانية).
    2- أفرزت العلمانية عالماً لا معنى له، فجاءت الحركة الرومانسية في القرن 19 كرد فعل على هذا اللامعنى، واليوم ما تزال المدرسة التفكيكية ومدرسة ما بعد الحداثة لا يؤمنان بالعقيدة الإنسانية، وكلها مدارس "تشعر بالازدراء تجاه الفكر الإنساني الهيوماني". في ظل هذا الوضع يخلص كريستول إلى أن العلمانية ستتراجع أمام تزايد الانتماء الديني، وستعود المسيحية بقوة في المجتمع الأمريكي(54)، وهو توقع صادق إذا ما نظرنا إلى التوجهات السياسية والدينية للمحافظين الجدد، والسياسة الخارجية الأمريكية المحملة بشحنة دينية مسيحية قوية، والتي تلعب فيها المسيحية الصهيونية دوراً طلائعياً في صناعة القرار السياسي الخارجي منه والداخلي.
    أما الباحثة أجنيس هيلر (Agnes Heller) "فتؤكد أن الحضارة الغربية منذ عصر النهضة قد تلاقى فيها مصادر: المصدر الإغريقي والمصدر المسيحي، وأن هذا التلاقي أدى إلى علمنة الحياة اليومية والمساحة الأخلاقية (الدائرة الصغيرة والكبيرة). والعلمنة في تصورها تفكيك العلاقة بين الإيمان، والالتزام، والكنيسة، "أي الدين بحيث لا يعد أحدهما شرطاً للآخر"(55). من جهة أخرى تعقب العلمنة عملية إحلالية، تم بموجبها إحلال أسطورة الأصل الإغريقي محل أسطورة الأصل الديني، وبذلك تهاوى النسق المطلق لصالح السياق الاجتماعي الذي تم تكريس نسبيته ونسبية معاييره.. وبالتدريج تم تكريس الجسد كأساس للوجود والتحقق والمتعة، وأصبحت (الحرية) قيمة أساسية.
    في ظل هذا الوضع كان لابد للبحث عن مرجعية مؤطرة لهذا السلوك، بتعبير أجنيس في كتابها رجل النهضة "نشأت الحاجة لإيجاد دافع الآن وهنا وليس مطلقاً/ متجاوزاً، هذا الدافع هو الأنانية أو تحقق الذات"(56).
    أما البروفيسور جون كين الذي طالب بإعادة التفكير في العلمانية، فيرى أن العلمنة كامنة في المسيحية، باعتبار أنها عقيدة أدت ما سماه "ماكس فيبر تحرر العالم من الإيمان، وإزالة الإله من حقل المجالات الطبيعية، ومن مختلف مناحي الحياة"(57)، ويرى كين أن العلمانية "لم تفِ بوعودها لا في العالم الأول (حيث تنتشر العنصرية والجريمة والنسبية الفلسفية)، ولا في العالم الثالث (حيث تحالفت العلمانية مع الفاشية والقوى العسكرية والطبقات المستغلة)"(58).
    إن ما حققته العلمانية هو تقليص دور الدين ومن ثم إضعافه وهزيمته، وبما أن القضاء على الدين أمر غير ممكن، فإن كين يتحدث بناء على فشل العلمانية، عن (ما بعد العلمانية) لأنها فعلاً في مرحلة الأزمة(59).
    من جهة أخرى يرى جون كين بروفيسور السياسة بجامعة وستمنستر أن هناك حدوداً للعلمانية، فبالإضافة إلى أنها تحولت إلى دوغما سياسية، فإنها بالتأكيد "تحمل تناقضات داخلية لا يمكن القفز عنها، رغم أنها تناقضات لا تصل إلى حد إسقاط العلمانية من الداخل"(60).
    التناقض الأول: هو دعوة العلمانية إلى حرية الممارسة الدينية، والاجتماع الديني، وهو ما يجعلها في منافسة (شريفة) مع الدين الذي يملك قوة ذاتية توسعية في المجال السياسي، لأنه يحمل في طياته دوراً ما في عالم السياسة.
    أما التناقض الثاني: فيتجلى في إيمان العلمانية (بعدم اليقين الوجودي) الذي يحل محل الإيمان الديني، وهذا لا يحقق الإشباع الروحي.
    يضيف بروفيسور السياسة تناقضاً داخلياً آخر للعلمانية، حيث يرى ذلك التقارب بينها وبين الديكتاتورية الذي يتم تحت مسميات عديدة، ويتضح ذلك من خلال النموذجين: التركي والفرنسي. ففي تركيا تتحالف العلمانية ضد المد الإسلامي مع العسكر بدعوى حماية الدستور العلماني، أما في فرنسا فالعلمانية تتحالف مع "ممارسات ديكتاتورية مثل منع الحجاب، أو التضييق على المسلمين تحت مسمى الاندماج أو محاربة التعددية الثقافية"(61).

    الهوامش:
    * باحث في القانون الدستوري وعلم السياسة - جامعة محمد الخامس، كلية الحقوق الرباط أكدال - المغرب.
    (1) تنطلق رؤية عبد الوهاب المسيري المعرفية/ الإبستمولوجية للعلمانية من الفصل التام بين المنهج العلمي المطبق على الإنسان وذلك المطبق على الحيوان. والرؤية المعرفية عند المسيري لها إجابات كلية ونهائية عن الأسئلة المطروحة والبعد الكلي النهائي كامن في أي فعل إنساني. انظر: عبد الوهاب المسيري الموضوعية والتحيز وأزمة المنظور العلماني: رؤية معرفية. في المنهاجية الإسلامية في العلوم الاجتماعية حقل العلوم السياسية، إعداد وإشراف نادية مصطفى، وسيف الدين عبد الفتاح ، المعهد العالمي للفكر الإسلامي - مركز الحضارة للدراسات السياسية، الطبعة الأولى 2002 ص 449-456.
    (2) عبد الوهاب المسيري، في أهمية الدرس المعرفي، مجلة إسلامية المعرفة العدد 20 السنة 2000 ص 13.
    (3) عبد الوهاب المسيري: العلمانية تحت المجهر ص 64.
    (4) عبد الوهاب المسيري: نفس المرجع ص 65.
    (5) عبد الوهاب المسيري: العلمانية... رؤية معرفية، مجلة الغدير، المجلد الرابع، العددان 25 و 26، السنة 1994 ص 66.
    (6) عبد الوهاب المسيري: العلمانية تحت المجهر ص 78.
    (7) نفس المرجع: ص 79.
    (8) ينتشر هذا المفهوم ضمنياً في كتابات كثيرة من الفكر السياسي العربي المعاصر خاصة تلك التي تعتبر الأديان مجموعة من الأساطير المنظمة، أو تلك التي لا تزال تعتبر فكرة الإله فكرة تعويضية لما يشعر به الإنسان في مواجهته للظروف المادية (الاقتصادية خاصة).
    (9) عبد الوهاب المسيري: مرجع سابق ص 80.
    (10) عبد الوهاب المسيري: جريدة الأهرام المصرية 16 أبريل 2002 العدد 42134.
    (11) عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والهيونية، دار الشروق القاهرة، الطبعة الأولى 1999 ص.
    (12) عبد الوهاب المسيري: العلمانية تحت المجهر.. ص 80.
    (13) عبد الوهاب المسيري: نفس المرجع ص 82.
    (14) عبد الوهاب المسيري: الرؤية الإبستيمولوجية للإمبريالية، مجلة المنعطف العدد 10 السنة 1995 ص 57.
    (15) عبد الوهاب المسيري: العلمانية تحت المجهر ص 83.
    (16) عبد الوهاب المسيري، العلمانية تحت المجهر ص 12.
    (17) عبد الوهاب المسيري: نفس المرجع ص 13-14.
    (18) عبد الوهاب المسيري: م. س ص 57.
    (19) عبد الوهاب المسيري: العلمانية... رؤية معرفية، مجلة الغدير، المجلد الرابع العددان 25 و 26 السنة 19 ص 68.
    (20) راجع عبد الوهاب المسيري، العلمانية تحت المجهر ص 58.
    (21) نفس المرجع ص 58 و 59.
    (22) م. س ص 59.
    (23) رأينا أن كلمة الدنيا والعصر تعني العلمانية.
    (24) عبد الوهاب المسيري: م. س ص 60-61.
    (25) م.س ص 61.
    (26) تعبر هذه الصيغة عن المفهوم الحقيقي للعلمانية كما عرفت في التاريخ السياسي الغربي، فالعلمنة ابتدأت قاصدة خلق مجالين ديني ودنيوي إلا أنها انتهت بخلق دين جديد على شاكلة المسيحية الأرتوذكسية، وأصبح من غير الممكن (والمعقول) التنازل عن القيم العلمانية ويعتبر عدم تطبيقها عمل غير عقلاني وخارج نطاق الحرية والعالم الحر...
    (27) تظهر هذه الفكر صوابية القول أن أحد أهم التعريفات الحديثة والمعاصرة للعلمانية ليس هو فصل الدين عن الدولة بل تحكم وسيطرة الدولة عن الدين بمعنى آخر العلمانية هي نظام تكون فيه السلطة السياسية هي المسير والمهيمن عن الدين.
    (28) عبد الوهاب المسيري: العلمانية تحت المجهر ص 63.
    (29) عبد الوهاب المسيري: العلمانية ... رؤية معرفية، مجلة الغدير، المجلد الرابع العددان 25 و 26 السنة 1994 ص 74.
    (30) عبد الوهاب المسيري: الحلولية والتوحيد والعلمنة الشاملة: حالة اليهودية (أطروحة ماكس فيبر وبيتر برجر) مجلة التجديد، العدد الثاني السنة 1997 ص 25.
    (31) عبد الوهاب المسيري: العلمانية... رؤية معرفية مرجع سابق ص 74.
    (32) عبد الوهاب المسيري: الحلولية والتوحيد والعلمنة الشاملة: حالة اليهود (أطروحة ماكس فيبر وبيتر برجر) مرجع سابق ص 25.
    (33) عبد الوهاب المسيري: فريدريك نتشه.. فيلسوف العلمانية الأكبر، مجلة منير الشرق، السنة الثالثة العدد 36 نوفمبر 1994 ص 54-55.
    (34) عبد الوهاب المسيري: العلمانية... رؤية معرفية، مرجع سابق ص 74.
    (35) تعني كلمة ترشيد المأخوذة من كلمة (رشد) بمعنى (عقل) أو (عرف طريق الاستقامة) و (رشده) يعني (هداه إلى الطريق) و (الرشد). (الاستقامة على طريق الحق). ومن هنا نقول: (بلغ سن الرشد) للتعبير عن بلوغ الأطفال مبلغ الرجال والنساء، يراجع في هذا التعريف اللغوي عبد الوهاب المسيري: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، المجلد 2، دار الشروق الطبعة الأولى 2002 ص 9.
    (36) عبد الوهاب المسيري: العلمانية تحت المجهر ص 99.
    (37) عبد الوهاب المسيري: مرجع سابق، 100-102.
    (38) عبد الوهاب المسيري: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة ص 24.
    (39) عبد الوهاب المسيري: العلمانية... رؤية معرفية، مجلة الغدير، العددان 25 و 26 السنة 1994 ص 79.
    (40) عبد الوهاب المسيري: العلمانية... رؤية معرفية مرجع سابق ص 84-85.
    (41) نفس المرجع ص 78.
    (42) عبد الوهاب المسيري: العلمانية تحت المجهر ص 119-127.
    (43) في الوقت الذي تسمح الدولة العلمانية في ألمانيا وبلجيكا وإنجلترا بتواجد أحزاب لها طرح ديني تمنع العلمانية العربية هذا النوع من الأحزاب وهو ما يقع في تونس ومصر... ومرشح الوقوع في المغرب.
    (44 ) لمزيد من التعمق حول هذا النوع من العلمانية راجع: عبد الوهاب المسيري العلمانية: نموذج تفسيري جديد: من موقع www.wlam-online.net.
    (45) عبد الوهاب المسيري: العلمانية تحت المجهر ص 122-123.
    (46) راجع جريدة النبأ المغربية في حوارها مع عبد الوهاب المسيري، العدد 26 ص 8-9.
    (47) عبد الوهاب المسيري: العلمانية تحت المجهر ص 126-127.
    (48) نفس المرجع ص 120.
    (49) عبد الوهاب المسيري: العلمانية جريدة الأهرام عدد 16 أبريل 2002.
    (50) عبد الوهاب المسيري: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، المجلد 1، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى 2002 ص 213.
    (51) يظهر هذا النموذج بشكل واضح جداً، في النظام العالمي الجديد بقيادة الولاية المتحدة الأمريكية، فحرب الخليج الأولى أدت إلى ربح أمريكا لملايير الدولارات، التي دفعتها الكويت والسعودية وقطر، واليابان وألمانيا... وتكرر النموذج في احتلال العراق الذي تأخر حتى حققت الولايات المتحدة تحالفاً تشارك بموجبه دول بجيشها وأخرى بالأموال، وهي تسترجع نفقاتها الآن بالنفط العراقي الذي تسيطر عليه سيطرة كاملة، في حين تزداد حالة العراقي تدهوراً وهو مهدد بالموت بالرصاص أو الجوع، لكن المهم وفق النموذج العلماني الأمريكي هو فرض النموذج العلماني الواحدي، والكوني حسب زعمه.
    (52) لمزيد من العمق في هذه النقطة راجع: عبد الوهاب المسيري: الرؤية الإبستمولوجية الإمبريالية، مجلة المنعطف العدد 10، السنة 1995 ص 53.
    (53) حاولت الولاية المتحدة بعد احتلالها الأخير لأفغانستان وضع دستور علماني للبلاد إلا أن رد فعل أعضاء البوراجركا (البرلمان) والوضع الداخلي المتمزق أصلاً دفعها إلى التخفيف من الوقع العلماني في الدستور وأشير إلى الإسلام كدين لأفغانستان. الشيء نفسه بالنسبة للعراق مؤخراً حيث تحدث وسائل الإعلام (القدس العربي) عن مشروع دستور وضع من طرف بعض المدافعين عن الصهيونية مثل توماس فريدمان وغيره. وتبقى مسألة العلمانية النقطة الرئيسة التي أخرت المصادقة على مشروع دستور العراق بعد صدام حسين.
    (54) لمزيد من التدقيق راجع: عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة مرجع سابق ص 101-102-103.
    (55) نفس المرجع ص 103.
    (56) م.س، ص 104.
    (57) نقلا عن: فهمي هويدي: المقالات المحظورة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى 1998 ص 240.
    (58) عبد الوهاب المسيري: العلمانية تحت المجهر ص 145.
    (59) يرى عبد الوهاب المسيري أن (ما بعد) العلمانية أو (ما بعد) الإيديولوجيا و (ما بعد) الحداثة في واقع الأمر تعني نهاية، واستعمال الكاسحة (بوست/ ما بعد) هو إشارة إلى أن النموذج المهيمن فقد فعاليته ودخل مرحلة الأزمة ولكن لم يحل محله نموذج آخر.
    راجع عبد الوهاب المسيري: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، دار الشروق، القاهرة، المجلد الأول ص 110.
    (60) راجع قراءة في كتاب: العلمانية في الشرق الأوسط، لمجموعة من المؤلفين بموقع الجزيرة نت.
    (61) نفس المرجع


    عن موقع الكلمة
هذا الموضوع لدية أكثر من 12 ردود. اضغط هنا لعرض الموضوع بأكمله.

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •