الملاحظات

الرد على الموضوع

أضف مشاركة إلى الموضوع: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل

رسائلك

اضغط هنا للدخول

رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.

 

يمكنك إختيار أيقونة لرسالتك من هذه القائمة

الخيارات الإضافية

  • سيتم تحويلها www.example.com إلى [URL]http://www.example.com[/URL].

عرض العنوان (الأحدث أولاً)

  • 13/07/2008, 09:24 AM
    د. حسين علي محمد

    رد: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل

    ـ 25 ـ

    أسوار الدير العالية ـ بتداخل حجارتها البيضاء والبنية ـ يبدو من ورائها ـ كالانبثاق ـ برج الكنيسة المفتوح الجوانب ، يتدلى من أوسطه جرس نحاسى ضخم . البوابة الحديدية تفضى إلى ساحة ضخمة على جانبيها أشجار . يتوسطها بناية من الحجارة اختلط فيها البياض والبنى . من حولها خلاء تتناثر فى مدى أفقه بنايات صغيرة وزراعات .
    لاحظ أن الراهبات يرتدين الملابس البنية الفضفاضة ، من الرأس إلى القدمين . يختلفن عن الراهبات اللائى يرتدين الملابس البنية المختلطة بالبياض . يتكرر التقاؤه بهن فى شوارع القاهرة .
    قالت الراهبة :
    ـ هل هى راهبة أم أو راهبة أخت ؟
    ـ لا أفهم .. لكنها كانت غير متزوجة ..
    ابتسمت :
    ـ تقصد راهبة أماً !
    كيف تبدو فى ثياب الراهبات ؟ كيف تعيش الرهبنة ؟ هل كان دخولها الدير محاولة للخلاص من حصار الأزمات ؟ أو أنها تريد تغيير حياتها بالفعل ؟
    كان قد قرأ ، وحدثته سيلفى ، عن الحياة فى الدير : التقشف ، التأمل ، غرف العبادة ، الجدران العارية ، الزى البسيط ، العمل فى صمت ، لا حوارات جانبية ، ولا كلام بصوت مرتفع .
    لم يطل وقوفه أمام البوابة الحديدية المغلقة ..
    اعتذرت الراهبة بأن الأخت كريستينا ـ تنبه للصفة الجديدة ، ولتغير الاسم ـ لا تستقبل زواراً :
    ـ نذرت الأخت كريستينا نفسها عروساً للسيد المسيح ..
    أردفت فى نبرة تمثيلية :
    ـ هجرت الدنيا إلى أحضان المسيح ، عذراء ، طاهرة ، فى موكب أصحاب الرب .
    رسم على شفتيه ابتسامة تذلل ، وظل واقفا .
    قالت وهى تغلق البوابة ثانية :
    ـ دعنى أتحقق من الأمر .
    مضت إلى داخل الدير .
    التقط رسماً على جدار المدخل من اليمين ، العذراء المتوجة على العرش تحمل على ذراعيها الطفل يسوع ، أحاطت برأس كل منهما هالة نورانية .
    طالعته ـ بعد انتظار دقائق ـ راهبة ، حدس أهميتها من تجاعيد الوجه ، والشعر الأبيض المتسلل من تحت لباس الرأس ، والنظرة المتجهمة .
    قالت :
    ـ هذا دير .
    غالب ارتباكه :
    ـ أعرف .
    ـ هل تعرف أن الزيارات ممنوعة ؟
    داخل صوته تذلل :
    ـ أطمئن عليها وأنصرف ..
    قالت الأم إن الأخت كريستينا تطيل التعبد منذ دخلت الدير . اجتازت اختبارات الروح على الصفاء والتجرد . تشارك فى الصلوات ، وفى الطقوس المختلفة .
    منذ عادت إلى التردد على الكنيسة ، لم تهز جرس كرسى الاعتراف . تظل واقفة ، حتى تلمح الأب ـ الذى لا تعرفه ـ قادماً بخطواته المهرولة . تطمئن إلى جلستها وراء ثقوب النافذة ذات الخشب المعشق . تهمس باعترافها ، ما فعلته ، وما جرى لها ، فى الأسبوع الفائت ، ما يشغلها وما تعانيه ، لا تنصت إلى نصائح الأب قدر حرصها على أن تعترف ، تتكلم فى كل ما يخطر ببالها ، كأنها تنظر فى مرآة ، أو تكلم نفسها بصوت مرتفع . تخشى أن تتوالى الأيام ، تواجه ما تغيب صورته ، قبل أن تهمس باعترافها الحقيقى . تروى ما حدث دون أن تبدل ، أو تضيف ، أو تحذف .
    آلمها أنها أرادت أن تصلى ، لكن الكلمات استعصت عليها ، نسيت ما ينبغى قوله ، مفردات اعتادت سماعها من أمها وأبيها . عجزت عن البوح بما فى نفسها ، وما تطلبه .
    لم تتصور أن الأمور ستجرى على هذا النحو . شعرت أنها تتجه إلى هدف لا تعرفه ، شيء مخيف لا تدرى متى يحدث ، ولا كيف تبدو ملامحه .
    اختلط كل شىء : هل ما تزال ابنة لميكيل جوتييه وكاترين فرنسيس ، وتقيم فى فيلا الزيتون ، ورحل أخواها إلى خارج البلاد ، وانتقلت أختها إلى بيت زوجها القبطى ، ومعارفها وأصدقائها من غير المصريين .. هل مازال ذلك كله صحيحاً ، أم أن ما عاشته ـ فى الفترة الأخيرة ـ بدّل كل شئ ؟! هل تبدّل شهادة ميلادها ؟ هل تقطع صلتها بالزيتون ؟
    هذه الفيلا ليست بيتى .
    أنظر إلى ما حولى : الجدران والأسقف والأثاث والنوافذ والأبواب ، المرئيات التى اعتدتها ، أشعر بغربة عن المكان تماماً ـ رغم أنى لم أغادره ـ ولا صلة لى به . طوحت بى حياتى الجديدة بعيداً عن البيت وأهله .
    أدركت خطورة ما وراء الأفق ، بما لن تفلح الأكاذيب فى صده . شعرت أن أمراً ما ، قاسياً ، يلوح ، يهدد حياتها .
    لم تعد تدرك الصواب من الخطأ .
    وجدت فى الرحيل عن مصر فراراً من كل ما أوقعت فيه نفسها ، من كرة الثلج التى تضخمت ، فحطت على صدرها .
    أسقطت فكرة السفر إلى أمريكا ، لن يرحب أنطوان بالفكرة ، وإذا سافرت دون أن تبلغه ، فقد يرفض استضافتها ، أو استقبالها . لن ينسى أنه لم يحصل على ما أراد . ظلت الفيلا ملكاً للأسرة ، ربما لا يرد على رسالتها ، أو يرد بالاعتذار .
    ناوشتها صورة جان فى سيدنى الاسترالية . حدثها ـ فى رسائله ـ عن البحر والبنايات والشوارع والكنائس والحدائق وتماثيل الميادين . أرفق برسائله بطاقات صور ملونة ، حاولت أن تجد فيها الحياة هناك . تحركت فى داخلها مخاوف الرحيل إلى المجهول ، المغامرة ، ومواجهة ما لا تعرفه .
    هى لن تستطيع البقاء فى البيت ، أو أنها لن تستطيع البقاء فيه بمفردها .
    فطنت إلى إيماءة المعنى فى كلمات عياد المتكررة عن احترام ذكرى الأب الراحل ، واحترام وصيته .
    تأملت الخالة إيفون بالعجز فى ملامحها وتصرفاتها ، ولويجى الذى يلزم البيت . قد تجد عملاً يدر عيها إيراداً ، لكن الإقامة فى بيت الخالة إيفون سيفرض عليها ـ بعد وقت العمل ـ ما لا تطيقه . الملاحظات والتعليقات والأوامر التى كانت تنغص عليها العيش ، قد تتكرر بما لا تستطيع مواجهته ، وقد لا يحتملها العجوزان .
    تقاطعت الطرق ، وتشابكت . لم تعد تعرف إلى أين تتجه .
    أهملت فكرة الاختفاء من العالم . تلاشت الفكرة فى اللحظة التالية لظهورها . التخلص من الحياة يحتاج إلى شجاعة ، لا تملكها .
    ماهر كأنه الأمل المستحيل ، لا تعرف إن كانت تحبه ، أم أنه علاقة عابرة حاولت ـ بالتعرف إليه ـ أن تفر من أزمتها ؟
    مثل الومضة التى تستعيد عوالم كاملة ، رأت الأب لوقا فى ملامحه الطيبة ، وثوبه الكهنوتى المختلط الأبيض والبنى .
    الدير !
    بدت الفكرة قارب نجاة حقيقياً ، تصعد إليه من خطر الأمواج الصاخبة حولها ، يمضى بها إلى اليابسة والأمان وتناسى الالتفات إلى الوراء .
    حين زارت الأب لوقا ، لم يجهد نفسه فى تذكرها ..
    ارتجفت ملامح وجهه بانعكاس المفاجأة .
    اكتفى بالقول :
    ـ كيف حالك ؟
    عرفت أنه لم ينسها ..
    وهو يحاول إخفاء مشاعره :
    ـ فى هذا الأمر لابد من الرجوع إلى آراء ربما كانت أكثر حكمة !
    عاودت التردد على الدير ، تؤكد ما اعتزمته . تنقر باب مكتب الأب لوقا بنقرات خافتة . يتناهى صوته . تدخل . تقف أمامه حتى يأذن لها بالجلوس . لا تعيد عرض ما حدثته فيه ، ولا يسألها إن كانت قد رجعت عن قرارها ..
    لما دفع إليها أوراقاً ، وقال : املئى البيانات ، أدركت أنها تخطو أولى خطواتها إلى داخل الدير .
    قالت الأخت :
    ـ خدمة الرب يمكن أن تؤدى فى أى مكان ..
    قالت سيلفى :
    ـ يشغلنى فقط أن أخدم الرب ..
    ثم وهى تمسح دمعة فى عينها :
    ـ أنا أفر إليه مما أعانيه !
    حدثته الراهبة عن حياة سيلفى فى الدير : أداء الصلوات والطقوس ، تنظيف حجرتها ، ترتيب فراشها ، حياكة ـ أو رفو ـ ثيابها .
    ومضت على شفتيها بسمة ، وهى تشير إلى امتلاك الأخت كريستينا ـ فهم أنها تقصد سيلفى ـ صوتاً جميلاً ، فهى تشارك فى كل التراتيل داخل كنيسة الدير .
    قالت وهى تتأهب للعودة :
    ـ منذ دخلت الأخت كريستينا الدير لم يعد لها صلة بالعالم الخارجى .
    لم يقاطع فى إصغائه .
    حدّست أنه لا ينصت لها .


    محمد جبريل ـ الإسكندرية 15/4/2004


    [align=center](انتهت الرواية)[/align]
  • 13/07/2008, 09:21 AM
    د. حسين علي محمد

    رد: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل

    ـ 24 ـ

    رفت ابتسامة تلقائية على شفتيه وهو يتأمل واجهة سينما على بابا : الرجال يفضلون الشقراوات ، لص بغداد ، إسماعيل يس فى الجيش .
    خلف السينما وراءه ، واتجه ناحية اليسار . بادله رواد المقهى ـ على الناصية ـ نظرات معرفة . كان قد تكرر مرافقته لسيلفى فى زياراتها المتباعدة إلى الخالة إيفون . مضى ناحية باب البيت الخشبى المتآكل . وجد لجسده منفذا بين الأجولة المرصوصة على جانبى المدخل الضيق ، وروائح التراب والرطوبة والشواء والطبيخ والعطن .
    تلمست قدماه السلمة الأولى ..
    حدجته الخالة إيفون بنظرة متأملة ، تستشف ما بداخله :
    ـ تسأل عن سيلفى ؟
    حرك رأسه دلالة الموافقة .
    ـ ألم تزر دومينيك وعياد ؟
    ـ لا أعرف البيت .
    وهى تنظر فى عينيه :
    ـ سيلفى دخلت الدير ..
    أضافت للدهشة المرتسمة على وجهه :
    ـ أثّر فيها غيابك عنها ..
    حدثته عن الأيام الأخيرة قبل أن تلجأ سيلفى إلى الدير ، تعتزل فيه .
    قالت فى نبرة باردة :
    ـ بدا القرار صعباً .. بدا القرار الوحيد . تفر مما أوقعت فيه نفسها من مشكلات .
    وزمت شفتيها ، فبدت الكرمشة حول الفم :
    ـ قد يغفر الله ذنوبنا ، لكن الناس يرفضون المغفرة .
    وأدارت وجهها نحو النافذة :
    ـ أزمعت سيلفى أن تلجأ إلى الدير .
    حاول أن يقول شيئاً ، يسأل ، أو يوضح ، أو يعترض . شعر كأنه فقد القدرة على مجرد تحريك شفتيه . ظلتا ترتعشان ، دون أن تنفرجا . كأن شيئاً ما قد انتزع من داخله . تحركت مشاعره بما لا يقوى على التعبير عنه . لا يدرى حقيقة الشعور الذى تملكه .
    أغمض عينيه ، كأنه لا يريد أن يرى ما حوله .
    تنحنحت لتزيل احتباس صوتها :
    ـ لم أفلح فى إثنائها عما اعتزمت فعله .
    همست بالسؤال ، دون أن تلتفت إليه :
    ـ ألم تر ـ ذات يوم ـ ما بداخل حقيبتها ؟
    اخترقها بنظرة مستاءة :
    ـ ما شأنى بحقيبتها ؟!
    وأحاط رأسه بيديه كمن يعجز عن التصرف :
    ـ لماذا ؟
    وهى تضغط على الكلمات :
    ـ إنها تحرص على وضع صورة العذراء تحمل المسيح .
    ثم فى هيئة من يرفض أن يعطى المناقشة أكثر مما أخذت :
    ـ كلمتنى عن اعتزامها التحول إلى الإسلام .. ثم أبلغتنى ـ فى زيارتها الأخيرة ـ بحرصها على ديانتها .
    وبدا كأنها تستعد للنهوض :
    ـ دعائى أن يرشدها الله إلى التصرف السليم !
    ومضت فى ذهنه لحظات ، غلبه فيها التأثر لقول سيلفى إنها لا تتصور حياتها بدونه ، إذا ابتعد عنها ، فإن كل الصور تشحب ، تظل صورته وحدها واضحة الملامح . وقالت : لا أتصور ماذا كان سيحدث فى حياتى لو لم تظهر أنت فيها . وقالت : لولا حبى لك كنت سأقتل أنطوان ، أو أقتل نفسى !. وقالت : مادمت معى فلن أحزن على فترة ما قبل لقائنا . وقالت : إذا أسلمت فإنى سأدعو الله أن أموت قبلك كى تدفننى !
    هل كانت تستمتع باللعبة ؟!
    داخله حزن لم يكن شعر به من قبل ، غضب لم يعهده فى نفسه . قهره الإحساس بعدم القدرة على التصرف . أضاف إلى مشاعره أن الوقت قد فات ، لم يعد بوسعه أن يفعل شيئاً .
    غلبه الذهول ، فلا يدرى شيئاً مما حوله . أحس أنه محاط بما لا يفهمه ، ولا يدرك كنهه .
    هل كانت سيلفى بنتاً حقيقية ؟ هل تعرف إليها بالفعل ؟ هل عاش معها حياة حقيقية ؟!
    ساوره الشك إن كان قد تعرف إليها ، وحدث بينهما ما حدث . تلاحق الكذب ، تراكم ، لم يعد يصدق إن كان ما رآه قد رآه بالفعل ؟
    وهو يتهيأ للانصراف :
    ـ أين هو الدير ؟
  • 13/07/2008, 09:20 AM
    د. حسين علي محمد

    رد: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل

    ـ 23 ـ

    قالت :
    ـ سأظل على الكاثوليكية ..
    اختلط صوتها الهامس بصراخ العصافير فى لحظات ما قبل الغروب .
    رمقها بنظرة عدم تصديق :
    ـ ماذا ؟
    ظلت على صوتها الهامس .
    ـ أجد نفسى فى ديانتى الأصلية ..
    أدرك أنها صادقة فى ما قالته . كذبت كثيراً ، تراكمت أكاذيبها ، وتفرعت ، وتضخمت ، صارت بلا حد . لكنه أيقن من صدقها هذه المرة . ما قالته يصعب اختراعه . إسلامها من أجل زواجهما . لم تسأله عن الإسلام ، ولا عن مدى اتفاقه ، أو اختلافه ، مع الكاثوليكية . عكس التماع عينيها ، وتهدج صوتها ، صدق ما ترويه .
    قال بالانفعال الذى يخفق فى كتمه :
    ـ هل الديانات فيها أصيل وزائف ؟!
    رفعت عينين منداتين بالدمع :
    ـ أنت لم تعلمنى الإسلام ، من الصعب أن أكون بلا دين .
    استعاد قول أمه ، وهى تسحب السجادة الصغيرة من تحتها :
    ـ هل تصلى سيلفى ؟
    أظهر الدهشة :
    ـ لماذا تطلبين منها ما لا أفعله ؟!
    حدجها بنظرة متأملة كأنه يعيد اكتشافها :
    ـ هل تعرفين المسيحية ؟
    زاد ارتباكها :
    ـ ولدت فى بيت مسيحى ..
    لاحظ أنها تتجنب نظراته ، كأنها لا تريد أن يفطن إلى ما تعانيه .
    ظل ينظر إليها وهو صامت ، كأنه عاجز عن تصديق ما قالته . استطردت وهى تشرد فيما لم يتبينه :
    ـ والكنيسة قريبة من البيت !
    أنصتت إلى دروس الأب يوحنا فى قضايا اللاهوت : ما إذا كان الروح ينبثق من الأب وحده ، أو من الأب والابن معاً ؟ ، شروط المعمودية ، مادة العماد ، إتمام المعمودية : بالرش أم بالتغطيس ، حقيقة الاختيار السابق والمقدر ، الخمير والفطير ، الكهنوت ، النعمة الرسولية ، المطهر ، العصمة .. مفردات حفظتها ، دون أن تعرف من معناها إلا القليل .
    وهو يعانى ارتباكاً :
    ـ هل ترين الخير فى قرارك ؟
    ران انكسار على صوتها :
    ـ لم أعد أتوقع الخير حتى من نفسى .
    انبثق فى صدره أمل :
    ـ ما قاله موظف الشهر العقارى نصيحة ..
    شوحت بيدها :
    ـ لا تنتزع موافقتى فى هذه الظروف !
    يتصور أن الندم والشعور بالذنب يعذبانها ، يتصور أنها طفلة عابثة ، لا تعى تصرفاتها ، ولا تقدر ما قد تنتهى إليه .
    شعر أن الدنيا تظلم فى عينيه ، وأن الأرض تميد به ، والملامح تختلط ، وتتشابك ، وتتشوه ، وأنه يفقد السيطرة على نفسه ، وروحه آخذة فى الذوبان ، وقدماه تخذلانه .
    فكر فى أن يفعل شيئاً ، أى شيء ، يخلصه من إحساس العجز الذى يتملكه ، اقتحمته رغبة فى أن يحطم شيئاً ، أى شيء ، كل شيء .
    علا صوته بما لم تعهده منه ، ولا عهده هو فى نفسه . فطن إلى أنه يريد أن يخلص نفسه من مشاعر الغضب . اجتاحه إعصار من المشاعر الغاضبة .
    كان جانب جسده آخر ما رأته وهو يميل من الشارع الصغير إلى شارع نصوح الهندى .
  • 13/07/2008, 09:19 AM
    د. حسين علي محمد

    رد: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل

    ( 22 )

    قال ماهر فى ابتسامة مشفقة :
    ـ أسرتك تتساقط كأوراق شجر الحديقة ..
    الخريف فى بداياته . الفجوات تتسع بين الأغصان والأوراق ، لتساقط الأوراق الصفراء ، داخل الحديقة وخارجها . يتناهى صوت الأذان من جامع قريب ، يختلط بأصوات العصافير فوق الأشجار .
    حدجته بنظرة مؤنبة :
    ـ إذا كنت تقصد سفر جان وأنطوان فقد فرا من الموت !
    واتجهت نظرتها إلى ما وراء الأشجار :
    ـ لا شيء يغريهما بالبقاء !
    فى صباح حفل الزفاف ، سافر جان مع عروسه إلى أستراليا ، اقتصرت الحياة فى الفيلا على أنطوان وسيلفى .
    طالت إقامة أنطوان فى القاهرة حتى يتاح له بيع الفيلا . لما واجهه عياد برفض دومينيك وسيلفى ، حزم حقائبه ، وأعد نفسه للسفر .
    لاحظ ماهر تغيراً فى تصرفاتها ، فى السهر والصحو والمنام والوقوف فى النافذة المطلة على الشارع الخلفى ، والأوراق الصغيرة تكتب فيها ، ثم تكرمشها ، وتقذف بها من النافذة ، أو تمزقها .
    كان الحزن يقتلها لتناقص قطع الأثاث . الطرقات الغريبة يعقبها فصال بين أنطوان والرجل ذى الجلباب . ترفع قطعة أثاث من موضعها . كل ما فى البيت يرتبط بحياتها ، بفترات من حياتها ، حادثة نقشت ملامحها ، أو عابرة : كراسى ، مناضد ، شمعدانات ، أيقونات ، أكواب كريستال ، فازات ، ساعة حائط بندولية ، لوحات مقلدة ، كتب . حتى الراديو رفعه أنطوان من موضعه على الرف الخشبى ، ثم لم تعد تراه .
    استمهلت ماهر ـ ذات أصيل ـ وهو يتهيأ للانصراف . دخلت إلى حجرتها ، وأطلت برأسها متلفتة .
    تقدم ليعاونها فى حمل ما بيدها .
    ـ صورتى فى إطار ، احتفظ بها حتى لا يبيعها أنطوان .
    شك فى أن يكون شخص ما قد دخل حياتها . لعله يقف وراء نافذة ما فى البناية المقابلة . لم يحاول سؤالها عما بدّل حياتها ، أو يشغلها . يثق أنها ستكذب . هذا هو ما ألفه منها فى الفترة الأخيرة . لو أنها أرادت أن تحصل على ما هو بديهى ، وما هو من حقها ، ولا يحتاج إلى عناء ، فهى تكذب ، تكذب لمجرد أن تكذب . لو أنها سألت نفسها ، فقد لا تجد الإجابة التى تقنعها .
    ربما أخذ هيئة المنصت لما ترويه . تروى وتروى . يعرف أن معظم الأحداث والمواقف من اختراع رأسها الصغير ، وأنها تجد فى الكذب متعة ، تدفعها إلى المزيد من الحكى .
    تمنى لو أنها لم تعد تكذب عليه . توقفت عن الكذب عليه . تنطوى البراءة الظاهرة على نفس طيبة بالفعل ، ترفض الكذب واللؤم والتخابث والتسويف والمماطلة .
    لا تمل الكذب والروايات التى يخترعها الخيال . الكذبة هى كذبة ، بصرف النظر عن اللون الذى تدعى الانتساب إليه ، لا يهم إن كانت بيضاء أو سوداء ، أو أى لون آخر .
    لم يعد يجد فى نفسه ميلاً لأن يلتمس لها الأعذار . لو أنه أظهر عدم التصديق لمعظم ما ترويه ، ربما راجعت نفسها قبل أن تبصق كذبة جديدة ، تتوقف عن الحكى فى ما يصعب تصديقه . تتوقع رد الفعل ، فلا تقدم على الفعل .
    قالت :
    ـ أنتظر موافقة بالعمل فى شركة سياحة ..
    ـ خبر يستدعى الفرحة .
    وهى تسلم نفسها لشرود :
    ـ وقعت إقراراً بأنى حاصلة على بكالوريوس تجارة ..
    استطردت للدهشة فى عينيه :
    ـ جارنا الخطاط .. يجيد تزوير الشهادات والوثائق ..
    حاول السيطرة على مشاعره :
    ـ ألا تخشين السجن ؟
    ظلت صامتة .
    تصاعد مد القلق فى داخله :
    ـ هذه جريمة عقوبتها السجن .
    أنصت ـ مذهولاً ـ لتبريرها عن حقيقة ما جرى . هى لا تدرى لماذا فعلت ما فعلت . قدم الخطاط عرضه ، فوافقت .
    تحولت إلى كائن غامض لا يعرفه . لو أنه يعرف فى ماذا تفكر ؟ ما يملأ رأسها الصغير من تصورات ؟ ما يتحرك فى نفسها من مشاعر ؟
    ماذا تخفى هاتان العينان الزرقاوان البريئتان ؟!
    كتم مشاعره المهتاجة . يعى سرعة هياجه ، واندفاعه ، وعجزه عن التحكم فى عواطفه . وهو يحاول الاحتفاظ بهدوئه :
    ـ سحنة المرء ونصيبه من الذكاء وظروفه الاجتماعية والمادية أمور لا حيلة له فيها ، لكن الكذب مسئوليته التى يجب أن يحاسب عليها !
    أردف فى صوت مقتضب :
    ـ لا أتصور أنك تفعلين هذا .
    ثم وهو يغالب شعوراً باليأس :
    ـ عدينى ألا تكذبى لأى سبب !
  • 13/07/2008, 09:18 AM
    د. حسين علي محمد

    رد: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل

    ( 21 )

    عند اقترابه من البيت بدا العمال مشغولين بتثبيت القوائم الخشبية ـ أمام الفيلا ـ فى مساحة عرض الشارع . أدرك أنهم يعدون سرادقاً لحفل زفاف جان .
    ترك لخياله ـ حتى المساء ـ تصور الحضور : أقارب الأسرة ، الجيران ، الزملاء القدامى للمسيو ميكيل .
    تدلت أسلاك اللمبات على أشجار الحديقة ، مئات اللمبات الملونة الصغيرة ، أحاطت بأشجار الحديقة ، وتخللتها . فتحت نوافذ البيت المقابل على آخرها ، أطل منها رجال ونساء . وتزاحم الأطفال حول الحديقة يحاولون رؤية ما وراء الأشجار ، ما تخفيه الأغصان والأوراق . حتى سكان البيوت البعيدة ، أطلوا من النوافذ والشرفات ، ومن فوق الأسطح .
    اعتادت سيلفى زيارة أسرة الطابق الأرضى فى البيت المواجه ، تأنس إلى شخصية الزوج الخطاط ، الهادئة ، وإلى تعامله معها كابنة لا يضيق بتوالى أسئلتها وملاحظاتها ، وإلى الفوضى فى حجرة مكتبه : الدولاب الصغير ، المفتوح الضلفتين ، اختلطت فيه رصات الملابس والكتب ، حوض السمك الملون ، وأقفاص العصافير ، وزهور البلاستيك ، والأقلام المتباينة الأطوال ، والكتب ، والمجلات ، والورق المقوى ، والأحبار ، وأقلام الفحم والبسط ، والشموع ، والتماثيل الصغيرة ، والدمى البلاستيك ، وبقايا الطعام ، والأكواب الفارغة ، والزجاجات المختلفة الأحجام والألوان ، والمعلبات ، والجدران المغطاة بلوحات ملونة ، وعود لم تره يأخذه من موضعه ، وصور شخصيات لا تعرفها .
    تبدى إعجابها بلوحاته ، المستمدة من الحروف العربية ، واللوحات المقلدة .
    تضحك لفشلها فى تعدد محاولات تقليده .
    عرفت أنه كان ـ إلى جانب كتابة الخطوط ورسم اللوحات ـ يجيد تزوير الأوراق الرسمية والمستندات والبطاقات الشخصية وجوازات السفر . حتى العملات يتقن تزويرها . وكانت هى السبب ـ كما قال ـ فى أن يقضى أعواماً داخل السجن .
    حدثها عن مرافقته لأخته ، المغنية الطفلة ، إلى حفلاتها فى القاهرة وخارجها ، وعن مرافقته لأخته الممثلة ، الطفلة كذلك ، إلى الإذاعة ، تغنى لشقيقها القمر فى برامج بابا شارو . حين كبرتا ، خلا إلى خطوطه ولوحاته التى يحبها .
    ظل أخوتها على حرص الأبوين فى تجنب الاختلاط . يكتفون ـ إذا التقت الأعين ـ بإيماءة التحية ، أو هزة الرأس . يواصلون السير ، كل فى طريقه .
    طالعه ما لم يتوقعه . عرف من سيلفى أن الحضور أصدقاء لجان وأهل العروس . شارك النسوة فى النوافذ بزغاريد ، ظهر فى ملامح جان المستغربة أنه فوجئ بها . رافقت الزغاريد موسيقا وأغنيات ورقصات .
    أدهشه أنه وجد ما يدعو إلى الدهشة .
    تصور أن زفاف الكاثوليك له مظاهره التى لا يعرفها . استمع إلى أغنيات العوالم ، وصفق على إيقاع أداء الراقصة ، وجارى الحضور فى دفع النقوط .
    غنى العوالم يا امه القمر ع الباب ، وقولوا لمأذون البلد ، وأهواك . آخر الليل ، استبدلت الراقصة ببدلتها غلالة حريرية ، تكشف عن جسدها .
    نسى تصوره بأن الفرقة تؤدى أغنيات لا يرددها المسيو ميكيل ، تلك الألحان التى يحب سماعها ، وإن لم يفهم معانيها .
    أخذ على جان فكرة السفر إلى الخارج . لكى تعمل فلابد أن تمتلك مهنة . شهادة التجارة المتوسطة لن تتيح لك أى شئ . مجرد أن تغسل الأطباق ، وتقطع الخضروات فى المطاعم ، أو تعمل فى بناء العمارات أو غسل السيارات . وقد يسعدك الحظ بالعمل فى مزارع تقطير الكروم إن سافرت إلى جنوب فرنسا ..
    ولوح بإصبعه محذراً :
    ـ أفضل الواقع الذى أعرفه بدلاً من المجهول الذى لا أعرفه !
    وهو يرفع كتفيه :
    ـ لا أسافر إلى المجهول .. أهاجر إلى استراليا ..
    ثم وهو يغالب التأثر :
    ـ لفيكتوريا أخوة يعيشون هناك . أسافر على كفالتهم !
    وتخلل شعره بأصابعه :
    ـ قد أغسل الصحون كما يفعل الشبان المصريون ، وقد تفيدنى الإنجليزية وأسرة زوجتى فى عمل أفضل .
    قال :
    ـ تعرفت إليها فى الأوتوبيس . وجدت فيها ما يقنعنى بالزواج .
    لم يتحدث عن ظروف لقاءاتهما التالية ، كيف تصارحا بالأسرة والديانة والظروف الشخصية [ وشى اسمها ـ فيكتوريا ـ بديانتها ] ومن طرح على صاحبه فكرة الهجرة إلى استراليا ؟ وما موقف الأب ـ ساعاتى فى شارع عثمان بن عفان ـ من الأمر برمته ؟ هل وافق ، أو أبدى تحفظاً ، أو أنهما أزمعا التصرف دون أن يضعا حساباً للرفض ؟ . ما عدا ذلك فقد غابت الملامح عن بقية التفاصيل .
    عقدا قرانهما فى كنيسة اللاتين . أنهيا العقد ساعة العصر ، وأعدا حقائبهما ليسافرا بعد حفل الزفاف .
    قال جان لأنطوان ، قبل أن يلحق بعروسه فى سيارة التاكسى ، الواقفة أمام الفيلا :
    ـ أترك لك كل شيء ، لكن لا تظلم دومينيك وسيلفى .
  • 13/07/2008, 09:16 AM
    د. حسين علي محمد

    رد: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل

    ( 20 )

    قال أنطوان :
    ـ التقيت الأب يوحنا اليوم فى الكنيسة ..
    لم يجب ..
    أضاف أنطوان وهو يتفحصه :
    ـ سألنى عنك ..
    ظل صامتاً ..
    عرف أن الأب يوحنا تدهورت صحته ، فلم يعد يغادر الكنيسة لزيارة أبنائها . لم يعد هو يتردد على الكنيسة للصلاة ، ولا للاعتراف ، ولا لحضور حفلات عقد القران ، أو القداس ، أو الصلاة فى الجنازات .
    كان الأب قد رفع يده فى الهواء بعلامة الصليب :
    ـ جعل المسيح رسله أساقفة ، والأساقفة أقاموا قسساً وشمامسة ..
    ودارى قلقه بابتسامة فاترة :
    ـ نحن نحيا لخدمة الجماعة المسيحية ..
    ثم فى لهجة مثقلة بالحزن :
    ـ دعه لا يفعل مثل الذين يصفهم الإنجيل بأنهم يحبون الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم شريرة .
    داخلت صوته نبرة إشفاق :
    ـ أنا الذى قمت بتعميده ، ويجب أن يظل فى مستوى حسن ظنى ..
    قال جان :
    ـ لم يسألنى أحد قبل التعميد إن كنت سأقبل التعميد أم لا..
    قال الأب فى حزن ظاهر :
    ـ يقول سانت نيبوليتس : " إنى أنكر خالق السماوات والأرض ، وأتنكر لتعميدى ، وأتنصل من عبادتى السابقة التى قدمتها للرب ، إننى أتعلق بك يا إبليس ، وبك أومن " .
    وهو يظهر الحيرة :
    ـ عندما عمدّت لم أكن أعرف معنى الحرام والحلال . لم أكن واعياً .
    وانتزع ابتسامة باهتة :
    ـ يجب أن يكون التعميد بعد البلوغ !
    قال أنطوان :
    ـ لاحظ أنك لم تعد تتردد على الكنيسة ..
    رمقه بنظرة مستريبة :
    ـ هل يخضعون زائرى الكنيسة للمراقبة ؟
    وافتعل ابتسامة تهويناً للأمر :
    ـ أنا أتردد على كنيسة أخرى ..
    ـ هذه هى الكنيسة الوحيدة للكاثوليك فى الزيتون ..
    صرخ :
    ـ أنت تحاكمنى !
    وأخلى وجهه لتمازج السخط والغضب :
    ـ أنت تأمل فى جائزة لإيمانك ، وأنا لا يشغلنى جزاء عدم إيمانى .
    ـ الإيمان ليس جائزة ، إنه ضرورة !
    ـ أنا لم أعد أعتقد فى كل ما تعلمته . أظن أنى نسيته !
    وتداخلت فى صوته بحة :
    ـ أحب أن تصدر تصرفاتى عن إرادتى الحرة !
    وأشار بيده ناحية الكنيسة :
    ـ هذا الرجل الذى يكره نفسه ، هل هو من تعترف أمامه بخطاياك ؟!
    وخنق التأثر صوته :
    ـ ما أعرفه أن المسيحية دين .. وهذا الرجل جعل من المسيحية مهنة يتكسب منها !
    ولوح بيده فى عصبية واضحة :
    ـ الكنيسة مسئولة عن الدعوة لتعاليم الإنجيل ، لا شأن لها بحياة الناس الخاصة .
    ثم بلهجة مهونة :
    ـ لماذا لا نحيا حياتنا ، ونؤجل الاختلاف إلى ما بعد ذلك ؟
    ـ ماذا تعنى ؟
    ـ سنعرف بعد الموت إن كان هناك حساب أم أنه مجرد وهم !
    تحركت يدا أنطوان بالحركة السريعة من الجبهة إلى جانبى الصدر :
    ـ أنت تكفر !
    واجهه بنظرة مستخفة :
    ـ بالعكس .. أعرف أن الله هو الأب ..
    وعلا صوته :
    ـ أليس عذاب جهنم والنار الأبدية غريباً عن طبيعة الله ؟
    وشاب لهجته عناد :
    ـ هل يؤذى الأب أبناءه ؟
    قال أنطوان :
    ـ هل امتناعك عن دفع أجر الجناينى جزء من حالة الرفض التى تعيشها ؟
    وهو يرفع كتفيه :
    ـ أنا أساعد فى البيت بقدر ظروفى !
  • 13/07/2008, 09:15 AM
    د. حسين علي محمد

    رد: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل

    ( 19 )

    وقف عياد ودومينيك أمام القس ، يد كل منهما فى يد الآخر . تحدث الأب عن الزواج ، والواجبات التى يعنى بها الزوجان .
    أعاد النظر فى الأوراق بين يده ، ثم اتجه إلى عياد بنظرة حيادية :
    ـ يا عياد ، هل تتخذ هذه المرأة التى أنت ماسك يدها لتكون زوجة شرعية لك ؟ وهل تعد ـ بوقار فى حضرة الله وأمام هؤلاء الشهود ـ أن تكون لها زوجاً محباً وأميناً ، طالما كنتما على قيد الحياة ؟
    همس عياد وهو يحنى رأسه :
    ـ نعم .
    اتجه الأب بنظرته إلى دومينيك :
    ـ يا دومينيك ، هل تتخذين هذا الرجل الذى أنت ماسكة الآن يده ليكون زوجاً شرعياً لك ؟ وهل تعدين ـ بوقار فى حضرة الله وأمام هؤلاء الشهود ـ أن تكونى زوجة محبة وأمينة ومطيعة طالما كنتما على قيد الحياة ؟
    همهمت دومينيك فى ارتباك ، بما يعنى الموافقة .
    قال الأب :
    ـ أصرح بأنكما زوج وزوجة ، والذى جمعه الله لا يفرقه إنسان .
    ثم علا صوت القس :
    ـ باسم ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع مشرع شريعة الكمال ، وواضع ناموس الفضائل ، نعلن فى هذا المحفل الأرثوذكسى ، وأمام هيكل رب الصباؤؤت ، زواج الابن المبارك الأرثوذكسى البكر عياد على خطيبته الابنة المباركة الأرثوذكسية البكر دومينيك ، باسم الآب والابن والروح القدس ، إله واحد ، آمين .
    مبارك الله الآب ضابط الكل ، آمين
    مبارك ابنه الوحيد يسوع المسيح ربنا ، آمين
    مبارك الروح القدس المعزى ، آمين .
    صحبت عياد إلى كنيسة العذراء بشارع طومانباى . عقد قرانها على طقس الأقباط الأرثوذكس . تخلت عن كاثوليكيتها ، ودخلت أرثوذكسيته .
    قال أنطوان :
    ـ أنا أرفض زواجك من دومينيك !
    قال عياد :
    ـ لم أطلب موافقتك . دعها تقرر مصيرها ..
    ـ أنا أخوها الأكبر .
    ـ وهى تجاوزت الحادية والعشرين .
    هدده أنطوان بأن دومينيك ـ حين تموت ـ لن تدفن فى مقابر الكاثوليك .
    قال عياد دون أن يترك هدوءه :
    ـ أنت لا تعرف من يموت قبل الآخر ؟ ولا من يدفن من ؟!
    قال أنطوان :
    ـ إذا أردت أن تتزوج دومينيك ، فلا تتوقع مساعدتى .
    استطرد فى تلقائية متكلفة :
    ـ حقيبة ثيابها هى كل ما ستخرج به من البيت !
    قالت الخالة إيفون :
    ـ الأرثوذكسية والكاثوليكية مذهبان فى ديانة واحدة ..
    قال لويجى :
    ـ الاختلاف موجود ..
    قالت إيفون :
    ـ لكن الديانة واحدة ..
    وشى صوت دومينيك بالحيرة :
    ـ أوافق ؟
    ـ لماذا ترفضين ؟
    وافق مطران كنيسة البازيليك على زواجها من عياد . هو المطران نفسه الذى عنّف سيلفى حين عرضت عليه فكرة الزواج من مسلم . بدا ودوداً ، ومتسامحاً :
    ـ قد تختلف المذاهب ، لكن الكاثوليك والأرثوذكس أبناء ديانة واحدة .
    زارت البطريركية المطلة على شارع رمسيس . تحدث الكاهن عن حقها فى أن تحتفظ بمذهبها ، لكنه اشترط أن ينتمى أبناؤها ـ حين تنجب ـ إلى المذهب الأرثوذكسى :
    ـ هذا هو شرطنا للموافقة على الزواج .
    قال عياد وهما يهبطان درجات البطريركية :
    ـ نوافق حتى نتزوج ، ثم نقرر ما ينبغى فعله .
    انتقلت من الفيلا إلى بيت عياد فى منشية الصدر . اقتصر الأمر على الإكليل فى حفل الكنيسة . أهملا ما يسبق الزواج من خطوات ، ربما اختلفت فيها تقاليد المذهبين .
    الشقة ذات حجرتين وصالة صغيرة فى شارع الجراج . وجدت فى السوق المجاورة بديلاً مشابهاً لسوق الزيتون . يصحبها عياد ، أو تذهب بمفردها .
    استقبلت حفاوة الجارات بحيرة : هل تبدّل ما ألفته من عزلة فى فيلا الزيتون ؟ أو تخالط من عرضن الصداقة ؟
    الصحن الفسيح ، الأضواء العالية ، فى المواجهة ، تمثال من الرخام للسيدة العذراء ، وصينية من الفضة يتوسطها شمعدان ، بداخله شمعة مطفأة . وثمة الوجه الجميل ، المتعب ، المكلل بتاج الشوك ، الشموع المتراصة المشتعلة تحت تمثال العذراء ، المجمرة التى يتضوع منها البخور ، الأيقونات المحيطة بالمكان ، الدكك الخشبية ، الماء المصلى عليه ، اختلاف لون العباءة من البنى إلى الأسود ، يضاف إلى الثانية عمامة سوداء مستديرة ، تراتيل الشمامسة .
    تأملت العمم السوداء ، والطيلسانات المطرزة بالصلبان الذهبية ، صحن الكنيسة الواسع ، العالى الجدران ، المنقوش الأسقف والأفاريز . الأيقونات ، القناديل المذهبة ، المتدلية من السقف العالى ، الشمعدانات النحاسية ، النجف الكريستال .
    أنصتت لقرع الأجراس ، وضرب الصنوج ، والصلوات ، والدعوات لأم النور ، والمزامير ، يرتلها الشمامسة بأصوات متناغمة ، بالعربية والقبطية ، تتوزع فى صحن الكنيسة .
    مدت لسانها بعد أن مضغت اللقمة الصغيرة . أحست بلذعة قطرة النبيذ الأحمر على طرف اللسان .
    أربكها الفارق بين طقوس الكاثوليكية وطقوس الأرثوذكس . حاكت عياد الواقف جانبها فى كل ما فعله .
    ثانى يوم أحد ، أهملت التردد على أى من الكنيستين ، حتى تعى طقوس مذهبها الجديد . ثم تناست الأمر تماماً ، فلم تعد تتردد على الكنيسة .
  • 13/07/2008, 09:14 AM
    د. حسين علي محمد

    رد: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل

    ( 18 )

    ركعت دومينيك أمام تمثال العذراء . قالت كلاماً كثيراً . روت عن أمها وأبيها وعياد وأنطوان والمرض الذى يعذبها .
    نذرت للعذراء أن تتنازل عن كل الثياب فى دولابها للفقراء ، إن هى يسرت لها الشفاء من المرض .
    حركت شفتيها فى صلاة صامتة ، ورسمت علامة الصليب .
    ظلت ـ منذ وفاة أبيها ـ تتردد على الكنيسة كل صباح ، وتعترف للأب يوحنا مرة كل أسبوع . ترتدى زى الحداد . تبدّل ما بين الفستان والتايير ، لكنها تحرص على السواد . ربما ارتدت ثياباً ملونة داخل البيت ، لكنها تحرص على الفستان الأسود ، فى خروجها من البيت . وكانت تطيل الصلاة فى حجرتها ـ قبل أن تتجه إلى النوم ـ أمام أيقونة العذراء ، وصورة أمها وأبيها .
    قالت سيلفى :
    ـ سأظل معك فى الفيلا حتى ترتبى أمورك ..
    قالت دومينيك :
    ـ لا تؤجلى زواجك لأجلى ..
    ـ ما زلنا نبحث عن شقة ، وعن وظيفة لى ..
    واصطنعت ضحكة :
    ـ ماهر لن يزعجه غيابى عنه ..
    واحتضنتها بنظرة مشفقة :
    ـ إن أراد يستطيع زيارتنا .
    إذا حلت الأزمة بدومينيك ، فإن سيلفى تعمد إلى إسدال الستائر ، وإغلاق الأبواب والنوافذ . لا يترامى صراخ دومينيك ـ إذا صرخت ـ إلى الطريق . ربما عانت فى الليل من التقلصات العنيفة ، والقيء ، والتوجه إلى دورة المياه .
    تستغيث بالعذراء لتنقذها مما تعانيه ، تناديها ، تدعو باسمها ، أو باسم ابنها ، أو باسم الصليب .
    يعاودها الدوار والرغبة فى التقيؤ ..
    تمسك خصرها بيدها ، وتميل على الأرض . يتناثر القيء على الأرض ..
    لا تشعر بالراحة إلا إذا تقيأت ما بجوفها ..
    إذا حزنت أو غضبت . غالبت الدوار ، ومالت نفسها إلى الغثيان ، تعود من الحمام بعد أن تفرغ ما بجوفها . ربما طفر القىء من فمها دون أن تقدر على منعه ..
    تهمس سيلفى فى إشفاق :
    ـ أنت تتقيئين من نسمة الهواء !
    تواصل الصراخ ، والصياح ، تمزق ثوبها ، تخمش وجهها ، تشد شعرها ، تضرب الأثاث أو الجدار برأسها ، أو بلكمات متوالية . يعروها ما يذهلها عن الدنيا . تزوغ عيناها . يغلب البياض عليهما ، تعروها ارتعاشات ، وتقلصات عنيفة ، ويتخشب جسدها ، ويتداخل ، ويعوج فمها ، ويسيل الزبد الأبيض على الشفتين والذقن .
    يحاذر أنطوان وجان من أن يلامسا جسدها ، وإن رفضا أحاديث الجان والعفاريت .
    تظل سيلفى جالسة إلى جانب سرير دومينيك . تحرص أن تظل مستيقظة ، وإن غلبها النوم فى أحيان كثيرة .
    تشعر أنها تحب دومينيك كما لا تحب إنساناً فى الدنيا ، تختلف عن كل من فى البيت ، لا تلاحقها بالملاحظات والتعليقات والمؤاخذات والانتقادات والأوامر التى لا تنتهى . تمتلك قدرة ـ بلا حد ـ فى التسامح ، والتماس الأعذار ، وكره الشر ، لا تضمره ـ ولا تعلنه ـ لأحد . تسميها ـ فى مداعباتها ـ سانت دومينيك .
    روت سيلفى بواعث ما تعانيه دومينيك : لاحظ الأب يوحنا علاقة حب بينها وبين راهب شاب فى كنيسة اللاتين ، فسعى لنقله .
    أزمعت ـ لما حدث ـ أن تظل بلا زواج ، ثم ظهر عياد فى حياتها .
    ***
    لاحظ ماهر ضيق أنطوان بتلميحات عياد إلى ميراث دومينيك من أبيها ، إلى ما يجب أن ترثه من العجوز . أثاره الشعور بعدم الندية الذى بدا أن أنطوان ينظر ـ من خلاله ـ إليه ، وإلى عياد ، وربما إلى إخوته .
    قال بجرأة مدفوعة بالانفعال الذى يعرفه فى نفسه :
    ـ أريد سيلفى بثيابها .
    أضاف دون أن تشغله إمارات الغضب على وجه أنطوان :
    ـ لا أريد أى شيء !
    ثم وهو يغالب انفعاله :
    ـ ترفض دومينيك لعياد ، وترفض سيلفى لى ..
    واقتحمه بنظرة غاضبة :
    ـ ماذا تريد ؟!
  • 13/07/2008, 08:06 AM
    د. حسين علي محمد

    رد: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل

    (17)

    تنقل - بألفة المكان - بين الصالة - لم يعد يقصر جلوسه فيها - والحجرات المحيطة بها، البوفيه الأسود المغلق ضخم بمساحة الجدار، خلف الأنتريه ذي الكنبة والكرسيين والمنضدة الرخامية، علق في أوسط الجدار جسد المسيح العاري علي الصليب، وإكليل الشوك علي رأسه، والطعنة في جنبه الدامي، إلى جواره صليب من العاج الأسود، أهداه للمسيو ميكيل تاجر قبطي من المتعاملين مع البنك.
    حجرة المائدة في زاوية بين المدخل وجانب الحديقة، تلاصقها حجرة نوم أنطوان وجان، الجدران مكسوة بالورق الملون، الترابيزة المربعة الصغيرة، المغطاة بمفرش كروشيه أبيض، تفصل مابين السريرين، بينهما - أعلي الجدار - لوحة - بدا أنها منقولة عن كارت بوستال - لامرأة عارية، ممددة علي شيزلنج، إلى جوار النافذة المطلة علي الحديقة والشارع، دولاب ملابس من ضلفتين، ومكتبة صغيرة علقت علي جوار النافذة، في المنتصف طاولة خشبية مستطيلة، يتقابل في طرفيها كرسيان، خمن أنها لتناول الطعام والكتابة، في يمين الصالة حجرة نوم دومينيك وسيلفي، تتوسط الجدار لوحة فيها خضرة منبسطة وأشجار وأبقار ترعي، قرأ علي العلبة الصغيرة كالحق عبارة «المناولة الأولى»، دقق في الصورة، لم يتأكد ما إذا كانت صورة الطفلة الصغيرة لدومينيك أو سيلفي، يشي بذلك الذبول الذي يشحب الصورة.
    تقابل الحجرة حجرة نوم الأبوين، تركها الأب منذ أقعده المرض في السرير، يتمدد علي كنبة الصالة، أو يجلس في الردهة الخالية، يغني أو يقرأ الصحف، أو يسلم عينيه لإغفاءة.
    في نهاية الصالة، إلى اليسار - طرقة ضيقة، مفروشة بسجادة طويلة، تفضي إلى حجرة الصالون والي الحمام والمطبخ.
    لم تعد الحجرة مغلقة، كان تصوره أنهم يحتفظون بأثاثها المطعم بالذهب، والكراسي ذات الكساء الحريري الدمشقي، المتداخل الألوان، والنجفة المورانو، والسجادة العجمية الفاخرة.
    تفتح دومينيك النوافذ علي الجانبين، ومن الخلف بينما تظل نوافذ الواجهة مغلقة، لا تفتح إلا حين تنشغل دومينيك بتنظيف الشيش والزجاج، أو لتأذن للهواء - وقت الصباح - بالدخول، إذا حل الشتاء، يغلق زجاج النوافذ، ويظل الشيش مفتوحا للنور.
    الأشجار - خلف الحديقة - لم يقلمها الجنايني، فتكاثفت، ألقت ظلالا دائمة علي النوافذ الخلفية، اكتفي أنطوان بنفض رأسه لشكوى دومينيك من أن فروع الأشجار لامست النوافذ بما قد يجعل فتحها صعباً.
    زقزقة العصافير في الصباح الباكر، وفي وقت الغروب تعلو بما يغيب بقية النهار، تتشابك، تبدو كالصراخ المستغيث.
    هبط الدرجات الخمس المفضية إلى الحديقة، والباب الحديدي الخارجي، مال إلى اليسار، نزل البدروم - أسفل الفيلا - في نهاية ممر الحديقة، اشتد المرض علي الأم، طلب أنطوان معاونته في نقل قطع أثاث من حجرة الأبوين إلى البدروم، لم يعد في الحجرة سوي السرير الذي ترقد عليه الأم، وبوفيه مغلق وضعت حاجياتها فيه، وفوقه.
    أضاء أنطوان لمبة تدلت من سقف البدروم، تكومت قطع الأثاث علي الأرضية البلاط، ولصق الجدران، وفي الأركان: كراسي محطمة، مرتبة صغيرة سودها التراب، علبة صفيح مغلقة، أجزاء من أجهزة كهربائية، ملفات قديمة بيانو منزوع الأسلاك، صندوق بيرة زجاجاته ناقصة، فازة فخارية مكسورة العنق، سلال متداخلة، لوحة مرور علاها الصدأ، فاختفت أرقامها.
    قالت:
    - يهمك الأمر؟
    غالب ارتكابه:
    - ألا يهمك؟
    وهي تشيح بيدها:
    - إنها حادثة قديمة..
    - من؟
    - كنت صغيرة..
    - لابد أنك تذكرينه.. من هو؟
    - صديق لأخي أنطوان..
    وشردت بعينيها فيما يشبه التذكر:
    - دخل حجرتي - ليلة - بعد عودتي إلى البيت، لم استطع المقاومة..
    - وهل أخبرت أنطوان.. أو أمك أو..
    قاطعته في لهجة مستغربة:
    - ماذا كانوا يفعلون؟
    قال في سرعة، ليقضي - ربما - علي عدم التصديق في داخله، إن حياتها لا تعنيه من قبل أن تعرفه.
    وقال:
    - ما مضي من حياتك ملك لك تستطيعين إخفاءه
    أضاف بلهجة متواطئة:
    - أمامنا حياة جديدة!
    وومضت عيناه بالتذكر:
    - من رفيق؟
    أعادت نطق الاسم:
    - رفيق؟
    - ذكرت اسمه في أثناء..
    وسكت.
    قالت:
    - مجرد اسم نطقته في لحظة جنون!
    نسب المشكلة إلى صديق لم يسمه، همس بها لمحسن عبد العاطي، يكبره بأعوام كثيرة، وعمله في المراجعة يتيح له معرفة ما قد يغيب عنه، خمن أنه سيفيده بما يمتلكه من خبرة.
    رجح عبد العاطي أن يكون الله خلقها بدون دم، ذلك ما يحدث لبنات كثيرات، ربما فقدت الغشاء في صباها دون أن تعي، وربما أسباب كثيرة تختلف عن باعث السقوط.
    شعر أنه أميل إلى تصديق المعني.
    ألفا الاندفاع - حين تخلو الفيلا - لممارسة الحب، يستعيدان ما تكرر حدوثه دون أن يشيرا إلى ما سبق، تشغلهما اللحظة بتوقعاتها وتوترها، يضيفان إلى لحظة الذروة لمسات وقبلات، يتأمل تباين بشرته السمراء وبشرتها البيضاء الوردية.
    فاجأته بأوضاع لم يكن يعرفها، ولا تصورها، داري ذهوله في تصنع بالفهم والخبرة، حرص ألا يظهر حتى ما يتصاعد في نفسه من الشعور بالإرهاق، أو القرف.
    أشار إلى بطنها، وهي تودعه - ليلة - علي الباب الداخلي للفيلا:
    - أخشى أن يفاجئنا ما لا نتوقعه.
    تأمل نبرتها الهادئة:
    - لماذا حبوب منع الحمل إذن؟!
    التقطت ابتسامة علي شفتيه..
    قال لنظرتها المتسائلة:
    - لما دعوتني لزيارة أسرتك، تصورت أنها عزومة مراكبية!
    فسر المعني:
    - دعوة مجاملة.
    وعادت الابتسامة إلى شفتيه:
    - لكنك دعوتني إلى حجرة نومك!
    قالت في نبرة مستاءة:
    - كلام لا أحبه..
    ورفعت عينين تنطقان بالغضب:
    - ماذا تريد أن تقول؟
    (يتبع)
  • 13/07/2008, 08:06 AM
    د. حسين علي محمد

    رد: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل

    (16)

    ألقي نظرة سريعة علي الناحية المواجهة، امتداد نصوح إلي محطة القطار مزدحم بعربات اليد والباعة والمارة، والغروب القريب يدفع محل كريشة والمحال المجاورة إلي الإضاءة.
    رأي عبدالرحيم بائع الأقمشة في الدكان المقابل للكنيسة. شتمه المسيو ميكيل حين عرض الزواج من دومينيك. يقف خلف البنك بقامته القصيرة، وشعره المفلفل، وبشرته السمراء، ووجهه المستدير، والشفتين الممتلئتين، يعلوهما أنف أفطس. الأرفف من خلفه، رصت فوقها أثواب القماش، يقيس ما يعد لبيعه بالمتر الخشبي. كان الرجل -في رواية سيلفي قد كون ثروته من تجارة السوق السوداء، ومن بيع أكفان الموتي. أضاف إلي بيع الأقمشة بالبطاقات - في أعوام الحرب العالمية الثانية - مواد التموين التي تباع بالبطاقات: السكر والزيت والصابون والشاي. خصص لبيعها دكاناً صغيراً ملاصقاً.
    مال إلي شارع نصوح الهندي، الكناس العجوز يكوم أوراق الشجر المتساقطة في جابني الشارع.
    قبل أن يميل في اتجاه الفيللا، لامست أنفه رائحة الياسمين، ذابت في أريجها روائح القمامة في الخرابة المهجورة أول الشارع، والبرك الصغيرة المتناثرة.
    طالعته - بمفردها - تستند بكوعها علي سور الشرفة. أحكمت الروب المشجر حول نفسها، وتطلعت إلي الطريق الخالية، من خلال أغصان الشجر التي تساقط معظم أوراقها.
    قالت لنظرته المتلفتة:
    - دومينيك مريضة.
    ونترت قطرات مطر حملتها الريح إلي داخل الشقة:
    - صحبها عياد إلي الطبيب.
    فطن إلي أنه لا يوجد في البيت سواهما، سيلفي وهو، ارتباكه وكلماتها المتوترة.
    عرف من كلماتها أن دومينيك تقوم بأعمال البيت، لا تشاركها خادمة مقيمة في البيت، أو تتردد عليه.
    ناوشه السؤال، إذا كانت هذه حياة أسرة، كانت أمها أميرة، وكان أبوها - قبل رحيله - موظفاً في بنك أجنبي؟
    الفيللا تشي بعز قديم، لا يجد امتداداً في حياة أهلها.
    أهمل ما هب عليه من الريح الساخنة، تعمق الاختلاف وما يباعد بينهما، حتي الحياة في فيللا الزيتون، وفي شقة المواردي، تجعل لكل منهما عالمه الخاص، لا صلة له بالآخر.
    قال ليبدد الصمت المنفعل:
    - هل لايزال أنطوان يرفض زواجنا؟
    قالت:
    - أدرك أنه لا فائدة، وإن فرض مقاطعة صامتة!
    - هل أكلمه؟
    - سيتصور كلامك ضعفاً.
    وأشاحت بذقنها:
    - من كنت أخشي غضبهما ماتا.
    ووشي صوتها بالاستياء:
    - أنطوان تهمه أخلاقنا، لكنه بلا أخلاق، ما يفعله لمجرد السيطرة علينا!
    زادت من إحكام الروب حول صدرها:
    - برد؟
    كانت الريح تعصف بأشجار الحديقة. يصدر عنها ما يشبه الحفيف أو الوسوسة، يتوالي سقوط الثمار علي الأرض في ارتطام مكتوم، رؤوس الأشجار تهتز، وهبات الهواء الباردة تنفذ من بين الفروع. تنفض قطرات الماء العالقة بها، تتناثر القطرات في المساحة وراء إفريز الشرفة وداخل الفيللا.
    ثم وهي تتهيأ للقيام:
    - لندخل..
    وعلا صوتها بلهجة مرحبة:
    - خروج دومينيك فرصة لتشاهد حجرتنا.
    الحجرة تطل علي منور يفصلها عن البيت المجاور من الخلف. جدرانها من عروق الخشب المطلية باللون الأبيض، في الوسط سجادة صغيرة ذات ألوان وكومودينو فوقه فازة من الكريستال، فيها زهور صناعية بهتت ألوانها. علي الجانبين سريران منفصلان، أحدهما - الذي اختارت سيلفي الجلوس عليه، منكوش الأغطية.
    لا يدري من همس بالنداء، ومن اقترب بالاستجابة.
    نزعت الروب، كومته، وألقت علي السرير جوارها:
    قالت:
    - هنا أدفأ.
    التقطت نظرته المحدقة في بطن ساقها.
    وهي تفرد راحة يدها في وجهه:
    - عينك!
    قال:
    - تتكلمين كالمصريين!
    - أنا كذلك بالفعل..
    ومالت برأسها ناحيته:
    - من تظنني؟
    فطن إلي النهدين المتحررين من السوتيان، تحت قميص النوم الأسود، المطرز بالدانتيل. يشي المنبت باستدارتهما المتماسكة، وطزاجتهما. شعر - للمرة الأولي منذ تعرف إليها - بتوتر في ذكورته.
    مدفوعاً بجرأة لم يعهدها في نفسه:
    - ممكن؟
    اتسعت عيناها بالتساؤل..
    همس:
    - ألمس صدرك؟
    وضعت في عينيها ليناً محرضاً:
    - ما يمنعك؟
    وشي ارتجاف أصابعه بارتباكه. حاول الملامسة بالجرأة المواتية، ترك لأصابعه الإبانة عن ألق التعري، لامس الجسد الباذخ بيدين تائهتين. جاست اليدان في الأحراش الناعمة الباذخة، وما كانت العينان تخالسه النظر. باحت الأسرار بطلاسمها. اختلطت، وتشابكت، وجوه وملامح وكلمات: شارع المواردي، وفيللا الزيتون، وغناء المسيو ميكيل، والانتظار، والشوق، واللهفة، وتهويمات الأحلام، والشوق، والرهبة، والتوتر، والاكتشاف، والفقد المستعاد، واندفاع الطوفان، وإهالة التراب علي جسد الأم، واجتذاب الدوامة للقرار الذي لا يدركه، وميدان ابن سندر، وتعالت أجراس الكنيسة، وعظات الأب يوحنا، وقول الخالة إيفون: هل توافق علي أن تحتفظ سيلفي بدينها؟ والنافذة المطلة علي النيل، وزفرة السيدة كاترين: لم تعد الزيتون كما كانت، وزحام شارع السلطان سليم، واستطالة الظلال، والإيماءات، وتوسط قوس قزح وسط السماء، وتطوح الذاكرون - علي أنغام الأورغن - في خيمة الصوفية، وأبحار القارب في أمواج متلاطمة، وعلو أجراس النشوة، وترامي صوت أم كلثوم من راديو قريب: »شمس الأصيل نورت فوق النخيل يا نيل. وثمة القرب والبعد والانثناء والتقلب والتمدد والعناق والتصلب، وهمس الغمغمات والتمتمات والدمدمات، والأنين الخافت، والعينين المغمضتين، والشفتين السخيتين بما لم يتوقعه، تشابكت الأيدي والأقدام بدا الجسدان قطعة واحدة، متكورة.
  • 13/07/2008, 08:05 AM
    د. حسين علي محمد

    رد: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل

    ( 15 )

    تغيرت الجلسة.
    جلس أنطوان علي رأس المائدة، واخوته علي الجانبين. أعاد أنطوان كلمات الصلاة التي كان يرددها أبوه قبل تناول الطعام »تباركت يا رب، يا من تعولنا منذ حداثتنا، وتهبنا خيراتك، وتهيئ الغذاء للجميع، لأن أعين الكل تترجاك، فأنت تعطيهم طعامهم في حينه، تفتح يدك فتشبع كل حي رضي، لك المجد والتسبيح والبركة والشكر علي كل ما أعددت لنا من الطعام الموضوع علي هذه المائدة المعدة لغذاء أجسادنا، اجعله شفاء وقوة لحياتنا الجسدية، امنح خلاصاً ونعمة وبركة وطهراً لكل المتناولين منه، ارفع عقولنا إليك كل حين، لطلب طعامنا الروحي غير البائد، اعطنا أن نعمل للطعام الباقي للحياة الابدية، وهب لنا نصيبنا في الاشتراك في وليمتك السماوية، امنحنا خبز البركة وكأس الخلاص، واملأ قلوبنا من البهجة والفرح، انعم علينا بحياة مطمئنة هادئة، وسعادة في النفس، وصحة في الجسد، وقداسة في الروح، علمنا أن نطلب رضاك في كل شيء، حتي اذا أكلنا او شربنا او عملنا اي شيء، نعمله لمجد اسمك القدوس، لأن لك المجد الي الابد، آمين«.
    دعا الله ان يبارك افراد الاسرة، ويبارك البيت، ويحفظ علي الجميع نعمة الحياة..
    فعلوا ما كانوا يفعلونه عندما يصلي أبوهم، أحنوا رءوسهم، واخفضوا أعينهم، ورسموا علامة الصليب، وحاولوا التأمل.
    ***
    قال جان:
    ـ أنطوان أخذ كل شيء لنفسه.. لم يترك لنا شيئاً..
    ثم في نبرة مفعمة بالأسي:
    ـ مشكلة أنطوان تصوره أن كل ما في البيت ملكه الشخصي، هو الوريث الوحيد حتي من قبل أن يرحل أبي!
    بدا أن أنطوان لم يعد يعطي حساباً لأي شيء، لا علاقات أسرية، ولا أخوة، ولا حتي قوانين تمنعه من التصرفات الخاطئة، ما يريده يأخذه، لا يسأل ولا يناقش، دائم التوجس، يرمق ما حوله بعينين متلفتتين.
    ورفع عينين متحيرتين:
    ـ كيف نواجه الظروف في الأيام المقبلة؟
    رسم الأب علي صدره إشارة الصليب:
    ـ تذكر قول إنجيل متي: »فلا تهتموا للغد، لأن الغد يهتم بما لنفسه. يكفي اليوم شره«..
    ***
    امتلأت نفسه بالشكوك والمخاوف وعدم الاطمئنان. تحددت ملامح الصورة بما لا تتحدث عنه، ولا كان يعرفه. الأم إيطالية من نابولي، والأب نمساوي الأصل، مصري الجنسية، وظل إلي المعاش موظفاً في فرع بنك باركليز بالموسكي. لم تكن الأم قد ماتت، وإن كانت تعاني مرض الموت، ولا قتل المصريون الأب في بورسعيد. غناؤه الأوبرالي أعلن تقدم صحته، ورواياتها التالية تحدثت عن عمله في فرع بنك باركليز بالموسكي حتي أحيل إلي المعاش.
    لم يعد يدرك أين الصدق وأين الكذب في كلامها.
    قال:
    ـ هل مازلت تذكرين آيات القرآن؟
    أدركت ما يعنيه:
    ـ لا أذكر أي شيء إلا يتمي المفاجئ!
    تناوشته الأفكار، واختلطت. لم يعد يشغله شيء محدد، لا شيء إطلاقاً. تحولت المواقف والرؤي والتصورات إلي ما يشبه التكوينات الشاحبة، يصعب تبينها.
    بدت تصرفاتها لغزاً يصعب حله، اختلطت الحقيقة والخيال، لا يدري ـ وهو ينصت لها ـ إن كان ما ترويه قد حدث بالفعل، أم أنها تخترع حكايات لا أصل لها.
    لم يتصور أن الملامح البريئة تخفي كل هذه القدرة علي الكذب. الكذب يتساقط من شفتيها، يتناثر مع رذاذ لعابها، بما يفرض الأسئلة، أو أنه بصقات تقذف بها دون أن تعي تأثيراتها.
    يأخذه الذهول من جرأتها علي الاختلاق بالكذب، وما صوره خيالها. الكذب حبل، غاب طرف بدايته، ولا تبدو له نهاية. كيف لم يفطن إلي كذبها، وأنها تروي ما لم تعشه. هي تكذب، وتكذب، وتكذب. تروي الكذبة، توشيها بالأضواء والظلال، تحورها، ربما تلغي حكايتها الجديدة حكاياتها السابقة. ترسم البراءة علي ملامحها، ترفع عيناً تطلب تصديقه.
    لماذا كذبت عليه؟
    كتم السؤال في نفسه.
  • 13/07/2008, 08:05 AM
    د. حسين علي محمد

    رد: النص الكامل لرواية «ذاكرة الأشجار» للروائي الكبير محمد جبريل

    (14)

    حين مات الأب ، بدا كل شىء كأنه إعادة لما عاشوه عند رحيل الأم . كل الخطوات منذ لحظات الوفاة حتى العودة من مدافن مار جرجس . رحل الأب دون معاناة ، شهق بالألم ، وظلت عيناه الزرقاوان المفتوحتان ساكنتين .
    مد أنطوان يده ، فأغمضهما .
    عانت الأم حتى بدا موتها متوقعاً ، ربما تمنوا ـ كل واحد بينه وبين نفسه ـ أن تأتى النهاية التى طال توقعها . أجهدهم الإشفاق ، والترقب ، وأوقات الأزمة ، واستدعاء الطبيب ، والأدوية فى مواعيدها ، وعودة الأب يوحنا إلى الكنيسة دون أن يعطيها المسحة الأخيرة .
    ما كاد ظل الحزن الثابت ـ بعد رحيل الأم ـ يتحرك ، يستعيدون أيامها كمادة للتذكر ، وليس للحزن ، ربما ابتسموا ، أو علت ضحكاتهم ، لتصرف أو لقول .. ما كاد الحزن يشحب ، حتى رحل الأب .
    عاد الحزن ظلاً ثابتاً ، كما كان .
    قالت سيلفى :
    ـ بعد وفاة أمى ، توقعت أن يلحق بها أبى .
    أردفت فى تأثر واضح :
    ـ من المستحيل أن يعيش بدونها !
    تملك الأب فى يوم رحيلها ما يشبه الشرود ، أو الذهول . غنى ، ونادى باسم كاترين ، ورفض طلب أنطوان أن يستبدل ملابسه ، وتابع خروج التابوت من البيت بعينين ساهمتين ، ولم يشارك فى الجنازة . ظل فى البيت بمفرده ، حتى عادوا من المقابر . لم يظهر الاهتمام ، ولا وجه أسئلة من أى نوع .
    بدا التغير واضحاً فى تصرفات العجوز . ظل على ميله إلى الغناء . يعلو صوته بألحان أوبرالية ، لكنه أطال الصمت ، والانطواء على نفسه . يكتفى بساندوتشات تعدها له دومينيك أو سيلفى ، لا يجلس إلى المائدة . ينتقل بين الشرفة وحجرة النوم . غلب عليه الحزن وبطء الحركة .
    لم تتصور سيلفى أن البيت يخلو ـ فى بضعة أشهر ـ من أمها وأبيها . بدا المستقبل محملاً بالتوقعات القاسية .
    قالت سيلفى :
    ـ يجب أن نؤجل خطبتنا مرة ثانية ..
    رمقها بارتياب ، خمن أنها تخفى ما لا تبوح به .
    قالت :
    ـ قد يكون التأجيل حتى أجد عملاً ، ويتاح لنا العثور على شقة مناسبة .
    اتجه إليها بالسؤال :
    ـ كل بحثنا فى الزيتون .. لماذا لا نبحث بالقرب من بيتنا فى المواردى ؟
    ثم وهو يغالب توتره :
    ـ متى تزورين أسرتى ؟
    ـ لن أحتاج إلى دعوة ..
    ورفعت إصبعها فى وجهه :
    ـ لأزور أسرتك وليس للبحث عن شقة . يصعب أن أبتعد عن الزيتون .
هذا الموضوع لدية أكثر من 12 ردود. اضغط هنا لعرض الموضوع بأكمله.

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •