الملاحظات

الرد على الموضوع

أضف مشاركة إلى الموضوع: نص كتاب الروائي محمد جبريل "للشمس سبعة ألوان"

رسائلك

اضغط هنا للدخول

رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.

 

يمكنك إختيار أيقونة لرسالتك من هذه القائمة

الخيارات الإضافية

  • سيتم تحويلها www.example.com إلى [URL]http://www.example.com[/URL].

عرض العنوان (الأحدث أولاً)

  • 30/05/2010, 11:33 PM
    د. حسين علي محمد
    مؤلفات محمد جبريل
    ...........................

    1 ـ تلك اللحظة ( مجموعة قصصية ) 1970 ـ نفد
    2 ـ الأسوار ( رواية ) 1972 هيئة الكتاب ـ الطبعة الثانية 1999 مكتبة مصر
    3 ـ مصر فى قصص كتابها المعاصرين ( دراسة ) الكتاب الحائز على جائزة الدولة ـ 1973 هيئة الكتاب
    4 ـ انعكاسات الأيام العصيبة ( مجموعة قصصية ) 1981 مكتبة مصر ـ ترجمت بعض قصصها إلى الفرنسية
    5 ـ إمام آخر الزمان ( رواية ) الطبعة الأولى 1984 مكتبة مصر ـ الطبعة الثانية 1999 دار الوفاء لدنيا الطباعة بالإسكندرية
    6 ـ مصر .. من يريدها بسوء ( مقالات ) 1986 دار الحرية
    7 ـ هل ( مجموعة قصصية ) 1987 هيئة الكتاب ـ ترجمت بعض قصصها إلى الإنجليزية والماليزية
    8 ـ من أوراق أبى الطيب المتنبى ( رواية ) الطبعة الأولى 1988 هيئة الكتاب ـ الطبعة الثانية 1995 مكتبة مصر
    9 ـ قاضى البهار ينزل البحر ( رواية ) 1989 هيئة الكتاب
    10 ـ الصهبة ( رواية ) 1990 هيئة الكتاب
    11 ـ قلعة الجبل ( رواية ) 1991 روايات الهلال ـ الطبعة الثانية .......... مكتبة الأسرة
    12 ـ النظر إلى أسفل ( رواية ) 1992 ـ هيئة الكتاب
    13 ـ الخليج ( رواية ) 1993 هيئة الكتاب
    14 ـ نجيب محفوظ .. صداقة جيلين ( دراسة ) 1993 هيئة قصور الثقافة
    15 ـ اعترافات سيد القرية ( رواية ) 1994 روايات الهلال
    16 ـ السحار .. رحلة إلى السيرة النبوية ( دراسة ) 1995 مكتبة مصر
    17 ـ آباء الستينيات .. جيل لجنة النشر للجامعيين ( دراسة ) 1995 مكتبة مصر
    18 ـ قراءة فى شخصيات مصرية ( مقالات ) 1995 هيئة قصور الثقافة
    19 ـ زهرة الصباح ( رواية ) 1995 هيئة الكتاب
    20 ـ الشاطئ الآخر ( رواية ) 1996 مكتبة مصر ـ ترجمت إلى الإنجليزية ـ الطبعة الثالثة 2002 مكتبة الأسرة
    21 ـ حكايات وهوامش من حياة المبتلى ( مجموعة قصصية ) 1996 هيئة قصور الثقافة
    22 ـ سوق العيد ( مجموعة قصصية ) 1997 هيئة الكتاب
    23 ـ انفراجة الباب ( مجموعة قصصية ) 1997 هيئة الكتاب ـ ترجمت بعض قصصها إلى الماليزية
    24 ـ أبو العباس ـ رباعية بحرى ( رواية ) 1997 مكتبة مصر
    25 ـ ياقوت العرش ـ رباعية بحرى ( رواية ) 1997 مكتبة مصر
    26 ـ البوصيرى ـ رباعية بحرى ( رواية ) 1998 مكتبة مصر
    27 ـ على تمراز ـ رباعية بحرى ( رواية ) 1998 مكتبة مصر
    28 ـ بوح الأسرار ( رواية ) 1999 روايات الهلال
    29 ـ مصر المكان ( دراسة فى القصة والرواية ) 1998 هيئة قصور الثقافة ـ الطبعة الثانية 2000 ـ المجلس الأعلى للثقافة
    30 ـ حكايات عن جزيرة فاروس ( سيرة ذاتية ) 1998 دار الوفاء لدنيا الطباعة بالإسكندرية
    31 ـ الحياة ثانية ( رواية تسجيلية ) 1999 ـ دار الوفاء لدنيا الطباعة بالإسكندرية
    32 ـ حارة اليهود ( مختارات قصصية ) 1999 ـ هيئة قصور الثقافة
    33 ـ رسالة السهم الذى لا يخطئ ( مجموعة قصصية ) 2000 ـ مكتبة مصر
    34 ـ المينا الشرقية ( رواية ) 2000 ـ مركز الحضارة العربية
    35 ـ مد الموج ـ تبقيعات نثرية ( رواية ) 2000 ـ مركز الحضارة العربية
    36 ـ البطل فى الوجدان الشعبى المصرى ( دراسة ) 2000ـ هيئة قصور الثقافة
    37 ـ نجم وحيد فى الأفق ( رواية ) 2001 ـ مكتبة مصر
    38 ـ زمان الوصل ( رواية ) 2002 ـ مكتبة مصر
    39 ـ موت قارع الأجراس ( مجموعة قصصية ) 2002 ـ هيئة قصور الثقافة
    40 ـ ما ذكره رواة الأخبار عن سيرة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله ( رواية ) 2003 ـ روايات الهلال
    41 ـ حكايات الفصول الأربعة ( رواية ) 2004 ـ دار البستانى للنشر والتوزيع
    42 ـ زوينة ( رواية ) 2004 ـ الكتاب الفضى
    43 ـ صيد العصاري ( رواية ) 2004 ـ دار البستانى للنشر والتوزيع
    44 ـ غواية الإسكندر ( رواية ) 2005 ـ روايات الهلال
    45 ـ الجودرية ( رواية ) 2005 ـ المجلس الأعلى للثقافة ـ الطبعة الثانية 2006 ـ مكتبة الأسرة
    46 ـ رجال الظل ( رواية ) 2005 ـ دار البستانى للنشر والتوزيع
    47 ـ ما لا نراه ( مجموعة قصصية ) 2006 ـ هيئة قصور الثقافة
    48 ـ مواسم للحنين ( رواية ) 2006 ـ دار البستانى للنشر والتوزيع
    49 ـ كوب شاى بالحليب ( رواية ) 2007 ـ دار البستانى للنشر والتوزيع
    50 ـ سقوط دولة الرجل ( دراسة فى القصة والرواية ) 2007 ـ دار البستانى للنشر والتوزيع
    51 ـ المدينة المحرمة ( رواية ) 2007 ـ دار مجدلاوى بالأردن
    52 ـ أهل البحر ( رواية ) 2007 ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب 2007


    كتب عن المؤلف
    .....................

    1 ـ الفن القصصى عند محمد جبريل ـ مجموعة من الباحثين ـ 1985 مكتب منيرفا بالزقازيق
    2 ـ دراسات فى أدب محمد جبريل ـ مجموعة من الباحثين ـ 1986 مكتب منيرفا بالزقازيق
    3 ـ البطل المطارد فى أدب محمد جبريل ـ د. حسين على محمد ـ 1999 دار الوفاء بالإسكندرية
    4 ـ فسيفساء نقدية : تأملات فى العالم الروائى لمحمد جبريل ـ د . ماهر شفيق فريد ـ 1999 دار الوفاء بالإسكندرية .
    5 ـ محمد جبريل .. موال سكندرى ـ فريد معوض وآخرين ـ 1999 كتاب سمول
    6 ـ استلهام التراث فى روايات محمد جبريل ـ سعيد الطواب ( دكتور ) 1999 دار السندباد للنشر
    7 ـ تجربة القصة القصيرة فى أدب محمد جبريل ـ د . حسين على محمد ـ 2001 كلية اللغة العربية بالمنصورة ـ الطبعة الثانية ـ 2004 أصوات معاصرة
    8 ـ فلسفة الحياة والموت فى رواية الحياة ثانية ـ نعيمة فرطاس ـ 2001 أصوات معاصرة
    9 ـ روائى من بحرى ـ حسنى سيد لبيب ـ 2001 هيئة قصور الثقافة
    10 ـ محمد جبريل ـ مصر التى فى خاطره ـ حسن حامد ـ 2002 أصوات معاصرة
    11 ـ سيميائية العقد فى رواية النظر إلى أسفل ـ د .عبد الرحمان تبرماسين ، العطرة بن دادة ـ 2004 أصوات معاصرة
    12 ـ التراث والبناء الفنى فى أعمال محمد جبريل الروائية ـ د . سمية الشوابكة ـ 2005 هيئة قصور الثقافة
    13 ـ المنظور الحكائى فى روايات محمد جبريل ـ د . محمد زيدان ـ 2005 أصوات معاصرة
    14 ـ بنية الخطاب الروائى فى أدب محمد جبريل: جدل الواقع والذات ـ آمال منصور ( جامعة بسكرة بالجزائر ) 2006 ـ أصوات معاصرة
  • 30/05/2010, 11:32 PM
    د. حسين علي محمد
    ثمة تعريف اشتقاقى للحرية بأنها " انعدام القسر الخارجى " . وكان القسر الخارجى ـ تحديداً ـ هو ما واجهه محمد قاضى البهار . كانت التهمة التى طاردت جهات البحث محمد قاضى البهار من أجلها ، أنه يمارس نشاطاً ضد الجماعة ، ضد الحكومة ممثلة الجماعة . ومع أن محمد قاضى البهار لم يكن مهموماً سياسياً ، ولا هو صاحب رأى ، فإنه وجد نفسه مدافعاً عن حريته فى ألا يكون مهموماً سياسياً ، وألا يكون له رأى !. وجد قاضى البهار نفسه معرضاً لفقد حريته الشخصية ، وهى الحرية الأهم . وكما يقول برجسون فإن الإنسان لا يكون حراً إلا عندما تصدر أفعاله عن شخصيته كلها .
    وفراراً بحريته ، نزل محمد قاضى البهار إلى البحر . توالت التقارير تؤكد خلو تصرفاته من كل ما يدعو إلى مصادرة حريته ، إلى اعتقاله ، لكن جهة الأمر أكدت النشاط المريب لقاضى البهار ، وأن إدانته ثابتة ، وأن احتاجت إلى الأدلة التى تدعمها ، ومارس كتبة التقارير ضغوطاً على قاضى البهار بلغت حد الإيذاء البدنى ، لتحصل على الأدلة التى تثق فيها جهة الأمر ، لفقت لقاضى البهار عدة تهم ، من بينها أنه شارك فى مناقشات قهوة البورى ، وزملاء العمل ، فعاب على النظام فساده وقسوته ، وأنه كان يحمل متفجرات فى حقيبته عندما زار ملهى " زهرة البنفسج " . أما تردده على زاوية الأعرج لأداء صلاة العصر ـ قبل توجهه إلى قهوة البورى ـ فلتدبير اغتيال بعض القيادات السياسية ، بعيداً عن أعين الأمن . أذكرك بمسرحية " حالة حصار " لألبير كامى " إن اقتناعنا هو أنكم مذنبون ، ولن تجدوا أنكم مذنبون ما دمتم تشعرون بأنكم متعبون ، إنهم يتعقبونكم ، وعندما يرهقكم التعب ، سيسير الباقى وحده " .
    لم تثبت التهم فى مواجهة صمت الشهود ، وإنكار رواد قهوة البورى مناقشات السياسة ، وتأكيد بائع الصحف سيد النن أن ما رآه فى طفولة قاضى البهار لم يعد يتكرر فى شبابه ، وأضاف أنه ربما اختلط عليه الأمر ، فشهد بما لم يشهده ، ونفى رواد القهوة أنهم يعرفون قاضى البهار أصلاً . وحين نزل محمد قاضى البهار مياه الأنفوشى ، واختفى ، فإنه ربما فعل ذلك فراراً من القوى الضاغطة ، لكنه مارس ـ بفعله ـ فى الوقت نفسه ـ حريته . وكما يقول سارتر ، فإن حريتنا هى الشيء الوحيد الذى ليس لنا الحرية فى أن نتخلى عنه .
    الحرية ـ فى أحد تعريفاتها ـ هى " اختيار الفعل عن روية ، مع استطاعة عدم اختياره ، واستطاعة اختيار ضده " . ولم يكن النزول إلى البحر هو اختيار محمد قاضى البهار الوحيد ، بل إنه الحل الذى لم يطالبه أحد ، لكنه لجأ إلى ذلك الحل دفاعاً عن حريات الآخرين ، فضلاً عن فراره هو نفسه بحريته ، فلن تعاود الشرطة حملاتها ضد سكان بيت الموازينى ، أو رواد قهوة البورى ، ولن تلجأ إلى اختطاف أحد أقاربه ، ولن تضرب أباه فى شارع خلفى . وكما يقول باكونين " أنا لا أكون حراً بمعنى الكلمة ، إلا إذا كانت كل الموجودات الإنسانية المحيطة بى ـ رجالاً ونساء ـ حرة هى الأخرى . أجل ، فإننى لا أصبح حراً إلا بحرية الآخرين " .
    ومع تأكيدى على أن تعدد مستويات الدلالة فى العمل الفنى هى اجتهاد الناقد ، وربما المتلقى العادى ، فلعلى أثق أن محمد قاضى البهار لم يمت . لقد نزل البحر واختفى . ذلك ما رأته الأعين التى رافقت رحلته الأخيرة من البيت إلى داخل البحر ، لا يلغى ما حدث إخفاق الشرطة فى العثور على جثة قاضى البهار ، أو ما يدل على غرقه ، ولا تلك الابتسامة الغامضة التى واجه بها تحريات الشرطة فى ظروف موته : أبواه والجيران وزملاء العمل ورواد القهوة . حتى أبناء الموازينى ، الذين لم يكونوا على صداقة بقاضى البهار " إذا جاءت سيرته ، وظروف اختفائه ، تسللت إلى شفاههم تلك الابتسامة الغريبة ، المحيرة ، كأنها العدوى " . هذه هى الكلمات التى انتهت بها رواية قاضى البهار ، وهى ـ كما ترى ـ نهاية مفتوحة ، ولعلها أقرب إلى نفى موت قاضى البهار ، وإلاّ : ماذا تعنى تلك الابتسامة الغريبة المحيرة ؟!
    ***
    يقول ألدوس هكسلى : " من الأفضل أن نخطئ فى الحرية ، على أن نصيب فى القيود " . وقد حاول منصور سطوحى أن يتحرر من السلطة التقليدية ممثلة فى القائد التقليدى ـ الأب ـ الذى كان يصدر أوامره معتمداً على مكانته ، وهى أوامر اتسمت ـ فى الأغلب ـ بالطابع التحكمى .
    كان منصور يريد أداء الفرائض الدينية عن اقتناع ، وليس لمجرد أن يتبع خطوات أبيه . كان يريد دخول الكلية التى يريدها ، ويتطلع إلى أصدقاء يطمئن إلى صداقتهم ، وإن رفضهم أبوه ، وإلى تعامل مغاير لما كان يعامله به أبوه ، بدت تصرفات منصور ـ عقب رحيل الأب ـ كأنها تعبير عن مقولة سارتر " إن حريتى هى الدعامة الوحيدة للقيم ، فليس ثمة شيء يمكن أن يلزمنى بأن أتخذ هذه القيمة أو تلك " . شك منصور فى حقيقة حريته ، فى حقيقة وجودها ، بعد وفاة أبيه ، وجد نفسه وحيداً ، بعيداً عن سياج الأسرة والوالدين والعادات والتقاليد والمجتمعات ، نفض عن نفسه ذلك كله ، أو أنه وجد نفسه خارجه ، واهتزت فى داخله قيم كثيرة ، وتبدلت نظرته إلى الكثير من الأمور ، ولم يعد المستقبل بمثل الاستواء الذى كان قديماً .
    الحرية ـ فى التعريف الفلسفى ـ تجربة روحية ، يحاول فيها الموجود الإنسانى ـ الذى هو مزيج من دم ونور ـ أن يستخرج من حياته المادية نفسها وسائط نموه ، ووسائل تحريره ، وأسس سورته الروحية " ( مشكلة الحرية 259 ) . إرادة الإنسان تتجه ـ دائماً ـ نحو الأفضل ، أو ما يبدو لها أنه كذلك ، وهى لحظة مسبوقة ، أو متزامنة ، مع تحقق الاختيار ، ولو لم يكن الإنسان ـ فى تلك اللحظة ـ سيد انتباهه ، لما أحس بحريته بصورة حقيقية . وكانت الدوافع المحركة لمنصور سطوحى بحثاً عن الحرية ، تعبيراً ـ فى واقعها ـ عن الحرية . وإذا كان ماكس جاكوب قد وصف ميرسو بطل " الغريب " لكامى بأنه " إنسان فاقد الوعى بما حوله " فإن منصور سطوحى يكاد يعبر عن الحالة المناقضة ، فهو مدرك تماماً لما حوله ، ويرفضه ، ويحاول التغلب عليه .
    جابرييل مارسيل يذهب إلى أن حرية الاختيار تتجلى فى لحظات الإشراق ، التى يتجلى فيها الوجود الإنسانى بسره وغموضه ونفحاته القدسية أمام الإنسان ، فينقاد له إطلاقاً ، ويفوض أمره إليه . فهل تكون النهاية التى اختارها منصور سطوحى هى مرفأ البحث عن الذات ، وعن تواصله مع الآخرين ، وعن الحرية الغائبة ، والسعى نحو الأفضل . تذكرنا هذه النهاية ، المرفأ ، بقول جان جينيه " إن الوسيلة الوحيدة لتجنب هول الهول هى أن تلقى بنفسك فيه " .
    ***
    إن ديكتاتورية السلطان خليل بن الحاج أحمد هى المقابل لتطلع الناس إلى الحرية . كان القهر صورة حكمه ، أحكم قبضته فلا يأذن حتى للهواء بأن يتخللها ، أو ينفذ منها ، له الكلمة النافذة ، والرءوس ـ مهما استطالت ـ تخشع إلى حد الركوع ، وربما السجود ، فى مجلسه . نشأ السلطان فى كنف أب يبيع الرقيق ، أهم ما يرويه معاصرو طفولته أنه كان يحبس مجموعة من القطط فى قفص حديدى ، ويعمل فيها سيخاً حديدياً . ولما نقل الطواشى شعوان ما رآه إلى والد خليل ، ظهر عليه ارتياح ، وقال : لو أنه ضعيف القلب ، فكيف يبيع الرقيق ؟!.. ثم مارس هو نفسه تجارة الرقيق . لذلك فإن نظرته إلى حرية الإنسان ـ حتى هؤلاء الذين باعدت الظروف بينهم وبين العمل كرقيق ـ على أنها تخضع لإرادة الحاكم ، هو الذى يهب ويمنع ، أوامره قضاء ، وعلى الجميع أن يخضعوا لها .
    لقد تبدى اختيار عائشة فى سؤال السلطان لعائشة : هل تريدين الإقامة معنا ؟، وفى ردها عليه : لو أعطيتنى الملك ما أخذته دون زوجى . حددت اختيارها ، وهو أن تكون حرة مع زوجها ، وأهل حدرة الحنة ، رغم الظروف القاسية التى كانوا يحيونها ، ولا تصعد إلى قلعة الجبل ، فتتحول إلى سجينة فى قصر السلطان .
    كان اختيار خالد عمار هو اختيار زوجه عائشة ، قال له مقدم الجند : هل تريد أن تعمل فى خدمة مولانا السلطان ؟
    قال خالد : من الصعب أن أجيد مهنة غير التى تعلمتها [ نسّاخ ]
    قال المقدم : الجندية لمماليك السلطان وحدهم ، وإن أمكننى الحصول على موافقة مولانا ، نلحقك بزمرة المماليك السلطانية .
    ـ أخشى أنى لن أستطيع .
    ـ للجندى المملوكى مرتبة جليلة ، فكيف ترفضها ؟
    ـ أنا من عامة الناس ، والعمل فى خدمة مولانا السلطان مما لا أقوى عليه .
    ـ الجندية تميزك عن موظفى دواوين السلطان .
    ـ لا أتخيل نفسى فى غير هذا المكان .
    اختار خالد الحرية ، مألوف أيامه بعيداً عن الحياة التى لا صلة له بها فى قلعة الجبل .
    حتى عبد الرحمن القفاص ـ والد عائشة ـ حاول أن يعتذر عن الخدمة فى قلعة الجبل . قال للسلطان خليل : أنا رجل سوقى ، لا أعرف غير صنع الأقفاص !.. لكن السلطان ـ كى يستدرج الرجل إلى حتفه ـ أصر أن يعمل فى القلعة ، بدعوى أن أمره لا يرد !
    ومع أن السلطان جعل من عائشة ضيفة على قلعة الجبل ، تقيم فى واحد من قصوره الثلاثة ، لا تغادرها ، بوسعها أن تخرج إلى القلعة ، قصورها وأبراجها ودورها، كل من فى القلعة يعلم بأمرها ، وأنها ضيفة السلطان . وبرغم أن خصياً قادها إلى حجرة بها كنوز هائلة من المجوهرات والذهب والفضة ، فإنها ظلت على حنينها إلى ناسها ، وظلت حزينة ، وقالت عن الكنوز التى عرضها عليها : الحق أنلا لا أفهم منها أى شيء ، ولا أعرف قيمتها !
    وكانت الجريمة التى عوقب بسببها والد عائشة وخالها وإمام مسجد شيخون وقاضى الشافعية والخليفة وزوج السلطان ، أنهم تفهموا اختيار عائشة ، وأنه لا شيء يعدل حياتها فى حدرة الحنة .
    أخيراً ، فإن الحرية هى اختيار عائشة ، فى مقابل عرض السلطان خليل بن الحاج أحمد عليها ، وإصراره ، أن تقيم فى قلعة الجبل ، طاردها وقتل كل من حولها حتى تغادر حدرة الحنة ، واختار الناس أن يناصروا حرية عائشة فى الاختيار ، وهو اختيار أفضى ـ فى النهاية ـ إلى زوال السلطان نفسه .
    ***
    إن عزلة الإنسان تنفى حريته ، فالحرية مسئولية اجتماعية ، وارتباط بالآخرين ، ووعى متنام بما يحيط به . لقد عاش سر شاكر المغربى فى داخله ، وكما يقول كودويل ، فإن الرجل الوحيد فى الصحراء ليس حراً ، إن حى بن يقظان وروبنسون كروزو لم يشعرا بحريتهما الحقيقية ، لم يصبحا أكثر حرية إلا بعد أن التقيا بسلامان وابسال وجمعة وغيرهم ، من نقلوا إليهما الشعور بالجمعية . وقد آثر شاكر المغربى أن يظل فى جزيرته المنعزلة ، حتى فى حراكه الاجتماعى للصعود إلى الطبقة الأعلى ، يخلو إلى أحلام عشقه المجنون ، يتخيل ويتصور ويمارس العزلة الكاملة ، فلا يبوح بسره لأحد " الإحساس بمخالفة الآخرين يضعنى فى جزيرة منعزلة ، أعانى الوحدة ، والسر الذى يصعب ـ إن لم يكن من المستحيل ـ أن أعلنه ، لم تصرفنى المعاملات المادية ، أو الصفقات ، عن الخلو إلى نفسى ، ولو فى حضور الآخرين ، واحتضان حلمى الغالى ، وبقيت على صلتى بالخيالات ، لا أفارقها ، وإن ظل السر داخلى ، أتحدث وأناقش وأسأل وأبيع وأشترى وأعقد الصفقات ، فلا صلة بين عملى وذلك المارد الذى يعلو صراخه ، فأضرب قبضتى ـ بلا مناسبة ـ فى حافة المكتب . لم تكن تؤلمنى أو تضايقنى تصرفات الآخرين ، مهما تمادت فى الإيلام ، إن أذنوا لى ـ ربما دون أن يدروا ـ باحتضان كنزى الجميل ، نتمرغ فى رمال الشاطئ ، نسبح فى بحار عميقة ، غامضة ، نعانق النجوم فى سماوات لا نهائية " إلخ . وعندما أصبح سره فى وعى غيره ـ نادية حمدى ـ حاول أن يسترده ، فأخفق ، فلجأ إلى تصرف مجنون ، وإن كان منطقياً ، ليفقد حريته ، وربما وجوده .
    بالطبع ، فإن " اعتراف المرء بذنوبه لا يكفى لتبرئة ساحته " .. ذلك ما تبينه كليماس بطل " السقطة " لكامى ، وإن لم يتبينه شاكر المغربى . تصور المغربى أن عليه أن يروى ما حدث دون أن يندبر العواقب ، وأن الحفاظ على حريتى مرتهن بالحفاظ على حرية الآخرين ، المرء لا يكون حراً بالفعل فى أفكاره وتصرفاته ، إلا إذا كان على معرفة حقيقية بما ينتويه ، وبالحرص المؤكد ـ فى الوقت نفسه ـ على أن يعثر " على المفتاح الوحيد لكل حرية كائنة ما كانت " ، والتعبير لجون ديوى .
    ثمة مقولة ترى أنه " بدون الحرية لن يكون ثمة فارق بين الخير والشر ، لأن الحرية هى التى تدخل القيمة فى العالم ، ومن ثم فهى لابد أن تظل وراء القيمة نفسها " ( مشكلة الحرية ص 263 ) ، فليس من شيء يعلو على الخير والشر معاً سوى الحرية ، وأتذكر كذلك قول البولندى شاينا " إن ما سيبقى من فنى ، هو حريتى التى تحيا فى الإنسان الآخر .. المتلقى " !
    فصول ـ 1988


    (انتهى الكتاب)
  • 30/05/2010, 11:32 PM
    د. حسين علي محمد
    ولعل الأستاذ يذكرنا بالشاعر الروسى بوشكين الذى أيقظ بقيثارته ـ فى نفوس الناس ـ مشاعر طيبة ، ولأنه ـ على حد تعبيره ـ بارك الحرية فى زمن قاس . أما على مستوى الهدف فإن الأستاذ هو كل المشاعل فى تاريخ البشرية ، بذلوا حياتهم ـ بإرادة واعية ـ فدية عن الآخرين ، عن حرية الآخرين . إنه سقراط والمسيح وجان دارك وتشى جيفارا وسلفادور الليندى وإبراهيم ناصف الوردانى وعبد الحميد عنايت وشفيق منصور . والقائمة طويلة ، تبين ـ بمجرد القراءة المتصفحة ـ أننا قد نلقى جزاء سلبياً على أفعالنا التى استهدفت صالح الجماعة ، لكن الجزاء الإيجابى ، التقدير والإنصاف ، لابد أن يبين عن قسماته فى أفق قادم ، قريب أو بعيد .
    ***
    منذ زمان بعيد ، ربما فى أوائل الستينيات ، كنت أناقش السياسى اليمنى رشيد الحريرى فى بعض القضايا العربية ، وتطرق النقاش إلى ظاهرة الانقلابات التى عاشها العالم العربى منذ انقلاب حسنى الزعيم فى سوريا ، ثم تكشّف ممارسات قادة كل انقلاب عن الحاجة إلى تغيير ، وقال لى رشيد الحريرى : أخشى لو أنه استمرت هذه الظاهرة ، فسيرفض الناس البيان رقم واحد ، حتى لو كان صاحبه معنياً بمشكلات الناس ، وبالتغيير .
    مرت الأعوام ، ثم تذكرت ـ فى توالى الأحداث على عالمنا العربى ـ مقولة السياسى اليمنى . توالت القيادات ، أو توالى الأئمة ، انتظر الناس قدوم الإمام ليغير واقع الديكتاتورية الذى يرسفون فى أغلاله ، لكن الممارسات ماتلبث أن تبين عن ملامح شوهاء يتمنى الناس زوالها ، وربما عملوا على زوالها بالفعل ، وكلمت صديقى سامى خشبة فى الفكرة التى تشغلنى ، تناولت فكرة المخلّص فى الأسوار ، وهأنتذا تفكر فى عمل آخر يتناول الفكرة نفسها ؟! . لم أجد رداً على ملاحظته إلا أن الفكرة تشغلنى ، وتلح فى أن أكتبها على أى نحو ، ثم سافرت إلى سلطنة عمان ، وحرضنى الجو الأسطورى الذى يشمل مظاهر الحياة فى مسقط القديمة على البدء فى كتابة إمام آخر الزمان ، الإمام المهدى الذى ينتظر الناس قدومه ، وتبين الممارسة عن نقيض ما كانوا ينشدونه ، أعجب لقول أحد النقاد إن الرواية تعريب لروايةجارثيا ماركيث " خريف البطريرك " ، فلم أكن قد تعرفت إلى أدب ماركيث ، فترة انشغالى بإمام آخر الزمان منذ أواسط الستينيات إلى أواسط السبعينيات ، حتى بدأت كتابة الرواية فى فبراير 1976 .
    ولعلى أعترف أنى أحاول ـ فى كتاباتى بعامة ـ أن أهمل المحظورات ، وأكتب فى حرية ، لكننى أتوقف طويلاً أمام المحظورات الدينية ، أحرص فلا أحاول اجتيازها ، مناقشة الدين من وجهة نظر غير مسنيرة ، تنتهى ـ فى الأغلب ـ بالتكفير ، تكفير صاحب وجهة النظر المستنيرة ، والخوض فى بحر الدين ينتهى كذلك ـ فى الأغلب ـ بغرق صاحبه ، أذكرك بمعاناة أستاذنا نجيب محفوظ منذ نشر روايته الرائعة " أولاد حارتنا " فى 1959 ، من هنا كانت تلك الكلمات التى قدمت بها إمام آخر الزمان " هذه الرواية نسج خيال ، وإذا كان إطارها يبدو دينياً ، فإن مضمونها أبعد ما يكون عن تناول القضايا الدينية ، إن الذى ينشد أمور دينه عليه أن يفتش عنها فى كتب الدين ، وما أكثرها ، وإذا توالت الأسماء ـ خلال الأحداث ـ لأماكن وبشر ، فى هذا القطر العربى أو ذاك ، فمرد ذلك إلى الواقع الفنى ، وليس إلى الواقع التاريخى ، وأكرر : هذه الرواية نسج خيال " .
    ***
    إن هدف الثورة هو إقامة شرعية جديدة ، تتواصل فى ظل الاستقرار الذى يقره الشعب ، فإذا لم يكن ذلك كذلك فهو انقلاب ، اغتصب السلطة ، وحقق استمراره بالعنف والقهر ، وليس بالشرعية ، والشعب الذى يمارس ضده هذا الحكم سلطته ، يعانى الغربة وعدم الانتماء ، وانقطاع الصلة بينه وبين من فرضوا أنفسهم أوصياء عليه .
    لقد رفع كل إمام شعارات زاهية براقة ، تصور الناس فى تنفيذها ـ إن نفذت ـ خلاصاً من كل المظالم التى عانوها فى حكم الأئمة السابقين ، لكن الممارسة ـ تطول أو تقصر ـ ما تلبث أن تكشف عن زيف الشعارات المعلنة ، وأنها لم تكن سوى واجهة تخفى وراءها عالماً من الديكتاتورية السافرة ، أملى كل إمام على الناس ـ بقوة السيف ـ أنه هو وحده الصواب ، ومن عداه على خطأ ، وبتعبير آخر ، فقد كان يواجه شعبه ورأيه فى رأسه ، وسيفه فى يده ، فلا يملك الناس إلا الموافقة صاغرين !. انغلقت السلطة على نفسها ، تصور الإمام نفسه مرجعاً وحيداً ، يخطط للناس أمور حياتهم ، يدفعهم إلى الالتزام بالسير فى طريق محددة ، فإذا حاول البعض أن يجاوز تلك الطريق ، أو أفلح فى ذلك بالفعل ، واجه عقوبات قاسية ، تبدأ بفقدان الحرية ، وتنتهى بفقدان الحياة .
    ثار الناس على الأئمة فى تعدد ممارساتهم ، أو تمنوا زوالهم فى أقل تقدير ، وبالذات فى الآونة التى يكون فيها الحكم مسيطراً ومباشراً ، لا يأذن بمعارضة أو تمرد ، فضلاً عن إمكانية الثورة .
    الغريب أن الكثير من هؤلاء الأئمة كانوا يدركون بشاعة حكمهم ، فهم يلجأون إلى إصدار القوانين التى تلزمهم بالرضا عن الوضع القائم ، أو يدفعون الرواة إلى المقاهى والساحات والأماكن العامة ، يذيعون الحكايات المختلفة عن ميل الإمام إلى نشر العدل والمساواة والحرية ، ويتهمون المعارضين بالمروق والفساد والإلحاد والإعداد لقلب نظام الحكم ، بل إن بعض الأئمة استند إلى فكرة الحق الإلهى ، الله هو مصدر السلطات وليس الشعب ، وبالتالى فإن الأفراد لا حقوق لهم تجاه الحاكم ، وليس لهم أن يطالبوه بحريات من أى نوع ، سواء كانت فردية أم سياسية .
    والحق أن مقتل حسن الحفناوى ـ آخر من قال الكلمات الجميلة ـ لم يكن تعبيراً عن رفض الناس للثورة ، لكنه كان تعبيراً عن إصرار الناس ـ إزاء المعاناة التى واجهوها فى توالى حكم الأئمة ـ على أن يتولوا قيادة أمورهم بأنفسهم ، القائد يظهر من الشعب ، لا يتحول المخلّص إلى جودو الذى طال انتظاره فى مسرحية بيكيت ، ولا إلى المهدى الذى ينتظره الشيعة ، ليزيل القهر عن أعناق الجماهير ، ويملأ الأرض عدلاً ومساواة . أخذ النقاد على نهاية الرواية ما توضح فيها من جهارة .
    قال الرويعى : لا يخرج الإمام إلا للعدل ، ومن سبق ظهورهم كانوا ظلمة .
    قال ياقوت نافع : إذا جاء فلن يختلف عمن سبقوه .د
    قال الكرديسى : ظهور الإمام حقيقة .
    قاطعه ياقوت نافع : مصيبتنا أننا لا نبحث عن إمام يحكمنا ، بل نصطنع إماماً يقودنا !
    قال الرويعى : الإمام يستمد وجوده من مبايعة الناس له !
    قال ياقوت نافع : فماذا لو اختار الناس أن يحكموا أنفسهم .. هل لابد من وصى ؟
    قال الرويعى : الزعامة مطلوبة فى كل الأحوال .
    قال ياقوت نافع : سيكون كل شيء على ما يرام حين يسقط النظام على أيدى الجماهير ، وليس عن طريق فرد ، أو أفراد ، أيا كان ، أو كانوا !
    أصارحك أنى أزمعت أن أكتفى بمقتل حسن الحفناوى ، ذلك الرجل الطيب الذى كان يقول كلاماً طيباً فى مقهى السيالة . تظل النهاية مفتوحة ، وتطرح الأسئلة نفسها : هل كان الرجل إماماً بالفعل ؟ وهل يظهر أئمة جدد ؟ وهل قرار الجماهير رفض البيان رقم واحد ، وما يتلوه من عكس ما يعلنه ، فلا حرية ولا ديمقراطية ولا عدالة ، إنما هو تسيد لفرد ، أو لطبقة ، على الجماعة . وعلى الرغم من نصيحة صديقى الدكتور طاهر مكى : دع نهاية الرواية كما هى ، حتى لو اتسمت بالجهارة ، فالجهارة مطلوبة !، فإنى أضفت فصلاً أخيراً ، كنت قد ضمنته مجموعتى " هل " ، يتحدث عن تطلع الناس إلى إمام حقيقى يقود الناس إلى الحرية والعدل .
    ***
    يقول لوناتشاركسكى : " إذا كانت الثورة تستطيع أن تعطى الفن روحاً ، فإن الفن يستطيع أن يعطى الثورة لساناً " .
    وقد انشغل أبو الطيب المتنبى ـ بتطلعاته وطموحاته وذاتيته ـ عن هموم المصريين عاش بينهم فترة طويلة من الزمن ، فلما غادر مصر ، وتبادل الرسائل مع عبد الرحمن السكندرى ، راجع موقفه ، وأزمع أن يغادر مصر ليكون صوتاً لثورتها المرتقبة .
    السلطة المطلقة طريق مؤكدة إلى الاستبداد . والثابت ـ تاريخياً ـ أن الحكام الذين مارسوا السلطة المطلقة ، جاءت بعض قراراتهم ةتصرفاتهم مشوبة بجنون العظمة حسب التعبير العلمى المعاصر ، والمثل الأوضح فى شخصيتى الإسكندر ونابليون بونابرت ، والنظام السياسى الذى يكرّس الديكتاتورية ، يمتد خطره إلى كل من يتصور معاداتهم له ، حتى لو لم يكونوا كذلك ، فالحرية الشخصية لا تعنيه فى قليل ولا كثير . كان كافور هو كل شيء فى الدولة ، هو الذى يفكر ، وهو الذى يأخذ القرار ، وهو الذى يعين أشخاص المنفذين . أما النتائج ، فإن الشعب ـ بالتأكيد ـ هو الذى يتأثر بها . كافور هو صاحب الحكم فى الرواية ، وهو صاحب الرأى ، ورأيه هو الذى ينفذ ، مهما تعددت الآراء المخالفة ، واتسعت مساحتها ، لا راد لرأيه فى مشكلات السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة وكل ما يتصل بأمور الدين والدنيا . من يفكر فى التنبيه إلى الخطأ ، أو يعترض ، فإنه يعرَض نفسه للمساءلة والتحقيق بما يفضى ـ فى الأعم ـ إلى فقدان الحرية ، وربما فقدان الحياة نفسها . حتى المتنبى ـ وهو شاعر ، ومن أصحاب الرأى ـ وجد من يحذره من الجهارة ، أو حتى التلميح ، برأيه ، فلا يواجه غضب الإخشيد .
    ولأن الاستبداد السياسى لابد أن يفرز ـ بحكم طبيعته ـ فئات صغيرة مستغلة ، تعين المستبد ، وتؤيده ، وتزين له تصرفاته ، فقد تخلقت مجموعات قليلة ، تتمتع بالكثير من الامتيازات ، وتستأثر بمزايا الاقتراب من الحاكم ، وتفرض تسلطها على مجموع الموطنين . كانت الحرية تعنى ـ فى نظر أعوان كافور ، وعلى حد تعبير الرئيس الأمريكى لنكولن ـ " حرية بعض الرجال أن يصنعوا ما يشاءون بالرجال الآخرين " . بدا المخالفون لتصرفات الحاشية " من حشو الرعية ، وسفلة العامة ، ممن لا نظر لهم ولا روية ، ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته ، أهل جهالة بالله ، وعمى عنهم ، وضلالة عن حقيقة دينه وتوحيده والإيمان به ، لضعف آرائهم ونقص عقولهم " إلخ ( الطبرى 2/631 ) . ولا يخلو من دلالة هذا الحوار بين المتنبى ومعاون المحتسب إبان اشتداد الضائقة الاقتصادية . قال أبو الطيب : الجوع فى الشوارع ، مع ذلك فإن الطعام يصل لى فى موعده . قال الرجل وهو يطمئن إلى ترتيب الصناديق والأوعية : أنتم من أعوان أبى المسك ، لا يجرى عليكم ما يجرى على العامة !. أما الجماعات الوافدة ، فقد كانت مشكلة أهل مصر الأولى فى مواجهتهم هى " إحاسهم بالخضوع لهذه الجماعات التى أتت من مناطق بعيدة ، تنشر الدمار والموت الأسود " ( المتنبى 44 ) فهو إحساس بفقدان الحرية .
    والملاحظ أنه حين قامت مظاهرات المصريين ضد الجوع ثاروا ضده ، وأوشك كافور أن يتبنى حقيقة الدوافع التى خرجت بالمظاهرات ، لكن ابن حنزابة صور له الأمر على غير حقيقته : كل الأسباب واجهة زائفة لهدف خبيث ، هو الخروج على حكم سيدى أبى المسك !.
    ومع أن ابن رشدين فسر ما جرى بأنه كان تعبيراً عن غضبة الجياع على الظروف الصعبة ، فإن الإخشيد مالبث أن هز رأسه فى اقتناع لملاحظة ابن حنزابة : من يهاجمون أعوان الأستاذ اليوم ، قد تسول لهم نفوسهم بأن يهاجموا قصر الأستاذ فى الأيام المقبلة . وأمر كافور بأن تثبت الأحكام التى صدرت على متزعمى المظاهرات . من هنا ، جاءت ثورة الجماهير على الحاكم إفرازاً طبيعياً لإهمال حقوق الأفراد وحرياتهم ، فليس ثمة إلا هو وأعوانه وحاشيته ، ولم يعد أمام الناس إلا الخروج عن طاعته ، ومقاومته ، ومقاومة السلام الزائف الذى وافق عليه فى الوقت نفسه ، وهذه الثورة المرتقبة تأكيد بأنه على الإنسان أن ينتزع حريته بيده ، وبتعبير آخر ، فإن الإنسان لا يكون حراً إلا إذا استحق ـ بالفعل ـ أن يكون حراً . الحرية عادة ، الحرية اعتياد وممارسة وفعل . وكما يقول برناردشو فإن الطائر لابد أن يطير مغادراً إذا تركت القفص مفتوحاً . والحقيقة أن استمرار الحبس دون فعل مقاومة من أى نوع ، يوطن النفس على أن تألف نقيض الحرية ، تألف الخنوع والاستكانة ، واعتبار ذلك قضاء وقدراً .
    ***
    (يتبع)
  • 30/05/2010, 11:31 PM
    د. حسين علي محمد
    كلام عن الحرية
    .............

    لم تتعدد تفسيرات أحد المعانى ، مثلما تعددت تفسيرات معنى الحرية . إنها ـ كما يقول التعبير الفلسفى ـ هى التى تجعل منا أشخاصاً ، لأننا بالحرية نهب أنفسنا الوجود ، بعد أن كنا مجرد أشياء . وقد عرّف ابن رشد الحرية بأنها لقاء بين ضرورتين ، ضرورة إنسانية وضرورة طبيعية . ويقول جون ستيوارت مل : الحرية حق طبعى يملكه الإنسان بحكم الطبيعة . أما برياديف فيعرّف الحرية بأنها القوة الداخلية المحركة للروح ، وهى السير غير العاقل للوجود والحياة والمصير . وفى تقدير هارولد لاسكى أن الحرية هى الأحوال الاجتماعية التى تنعدم فيها القيود التى تنعدم فيها القيود التى تقيّد قدرة الإنسان على تحقيق سعادته . أما ديفيد هيوم فيعرّف الحرية بأنها " القدرة على التصرف طبقاً لما تحدده الإرادة " ، ولكامى مقولة أتذكرها " إن الذى يغفر للإنسان كل شيء هو الحرية ، الإنسان حرية قبل كل شيء " .
    الاستبداد والديكتاتورية والطغيان مترادفات لنقيض الحرة ، للاحرية . يقينى أن الحرية فى حياة الإنسان لها نفس أهمية النوم والطعام والجنس وترددات الأنفاس . قيمة الحرية أنها ليست مطلقة ، ليست مشكلة نظرية ، قد تعنينا ، وقد لا تعنينا ، لكنها تتصل بوجودنا ، وبحياتنا اليومية . إنها ذات صلة وثيقة بالعلم والأخلاق والاجتماع والسياسة ، ذات صلة بالوجود الإنسانى فى مجمله .
    ولأن ما أكتبه هو شهادة مبدع مهموم سياسياً ، وليس مقالاً فلسفياً يفترض فيه الإحاطة بالأبعاد المختلفة لكلمة " الحرية " ، فإن كلماتى ستقتصر على الحرية السياسية ، إنها سدى اهتماماتى الشخصية ، والإبداعية فى الوقت نفسه . لن أحدثك عن الجبر والاختيار والميتافيزيقا والضرورة والإمكان والمصادفة والقضاء والقدر والحتمية ، ولا عن مشكلات الزمان ، والصلة بين العقل والإرادة ، إلخ .. ذلك كله أجدر به مقال فلسفى ، وليس شهادة مبدع يتحدث عن الحرية فى إبداعه ، وفضلاً عن أن الحرية تعنى ـ كتعبير مجرد ـ مفهوماً سياسياًَ ، فإن الحرية السياسية هى المعنى الذى تنطوى عليه كلمة " الحرية " فى الأعمال التى سأعرض لها فى هذه الكلمات .
    ***
    أوافق أستاذنا زكى نجيب محمود أن مشكلة الحرية السياسية هى على رأس مشكلاتنا المعاصرة ، وقد نشأت أساساً بسبب الفجوة الفسيحة العميقة التى تباعد بين أنظمة الحكم فى العصر الحديث ( تجديد الفكر العربى ص 76 ) . وأذكر أن أكثر من سبعين مفكراً عربياً شاركوا فى مؤتمر لمناقشة أزمة الدميقراطية فى الوطن العربى ، اختلف المشاركون ـ كعادة المثقفين العرب ـ فى الكثير من قضايا المؤتمر ، لكنهم أجمعوا على أن الحرية السياسية هى الهم العربى الأول ، وأنها البداية الحقيقية لحل مشكلات المجتمع العربى .
    الحرية السياسية ـ بالتعبير العلمى ـ هى " حق المواطنين فى المساهمة فى حكم الدولة ، وكذلك حقهم فى أن يكونوا حكاماً " .. وهى حكم الشعب لنفسه بنفسه ، هو الذى يختار الحاكم ، فإن رضى عنه أبقى عليه ، وإن سخط على تصرفاته عمل على إزالته ، والأسلوب ـ فى كل الأحوال ـ يعتمد الديمقراطية ، فلا مواجهات حادة من أى نوع ، لا تمرد ولا اعتقال ولا مصادرة ، إنما الرأى الحر ، رأى غالبية المواطنين ، هو الذى يقرر ما ينبغى ، وما لا ينبغى ، قبوله ، والاختيار ـ بالطبع ـ لا يقتصر على الحاكم ، الرأس ، وحده ، لكنه يختار قيادات تنوب عنه فى مجالات الحكم المختلفة ، بدءاً بالتشريع وانتهاء بالإرادة . والواقع أن الحرية الفردية لا تنفصل عن الحرية السياسية ، والعكس صحيح ، وفقدان الحرية السياسية يتزامن ـ بالضرورة ـ مع ضياع الحقوق المدنية ، والحريات الأساسية ، للجماعات والأفراد ، وضياع العدل الاجتماعى .
    ***
    من الناحية الشخصية كمبدع ، فإن حرصى على أن تكتب القصة نفسها ، يجعل من الصعب ـ إن لم يكن من المستحيل ـ وجود رقابة ، أو مؤثر ، على العمل من أى نوع . القلم يجرى على الورق ، نهاية لتلك الحركة ما بين الذهن والأصابع ، لا تشغلنى المحاذير ولا التوقعات ولا ردود الأفعال . وحين أنتهى من الكتابة ، فإن عنايتى تتجه إلى حذف كل ما لا ضرورة فنية له، جملة أو كلمة أو حرف ، وربما إضافة ما قد يبدو العمل ناقصاً بدونه . أيضاً ، فإنه قد يبدو متناقضاً حرصى أن يكتب العمل الأدبى نفسه ، مقابلاً للإيمان بأن مجموع أعمال الفنان يجب أن يشتمل على فلسفة حياة واضحة ، ومتكاملة . لكن ذلك كذلك بالفعل ، فأنا لا أتعمد الجهارة بوجهة النظر أو الموقف أو الرأى ، إنما أترك للعفوية ـ فى اللحظة التى تحددها ـ اختيار " الرف " الذى يحتاج إليه النص الأدبى .
    والحق أنى أحاول الإفادة من تلقائية الكتابة فى التحرر من الرقيب الكامن داخلى ، هو رقيب شكلته أعوام عملى فى الصحافة ، ورفض ما قد يغضب السلطة ، أو علماء الدين ، أو حتى القارئ العادى . إنه رقيب تسلل إلى داخلى من خلال عشرات القراءات والأحداث والخبرات الشخصية ،أو التى تلقيتها عن آخرين . واكتسى الرقيب المستقر داخلى لحماً وشحماً ، حين عملت ـ لسنوات ـ مشرفاً على تحرير جريدة " الوطن " العمانية ، مجتمع له عاداته وتقاليده وأوضاعه البالغة الهشاشة ، ثمة جاليات كثيرة ، ومذاهب دينية تنتمى إلى الإسلام ، لكنها تتباين فى اجتهاداتها ، وسلطة أبوية ، أو قبلية ، وظاهر متمدن ، أو متقدم ، يخفى واقعاً شديد السلفية ، ومحظورات رقابية لا حصر لها ، بحيث اقترحت ـ ذات يوم ـ أن تقدم لى قائمة بالمسموح ، فأعرف أن ما عداه من الممنوعات !. استقر ذلك كله فى داخلى ، كأنه عين تبصر ، وأذن تسمع ، وأنف يتشمم . ومع أن كتاباتى اقتصرت على الموضوعات الأدبية ، فإنى عانيت ـ فى عملى الصحفى اليومى ـ مشكلات كبيرة وصغيرة ، تناولت بعضها فى روايتى " الخليج " ، لعل أخطرها عندما استبدلت الخمور بالتمور فى تحقيق عن مصنع للتمور بمدينة نزوى العمانية . تهدد وزير الزراعة فى منصبه بمئات الرسائل والبرقيات التى تلقاها السلطان ، تحتج على إنشاء مصنع للخمور ، فأصر أن يبلغ الشرطة ، لم يرجع عن عزمه إلا بعد أن تأكد له عدم مسئوليتى ، لأن الرقابة ـ أولاً ـ هى المسئولة عن السماح للجريدة بالتوزيع ، ولأن الجريدة ـ ثانياً ـ كانت تطبع فى الكويت ، فلا حيلة لى فى مراجعتها . وكانت ألقاب الجلالة والسمو والسيادة والمعالى والسعادة تسبب لى ارتباكاً شديداً ، فلم أعتدها إلا بعد ممارسة طويلة.
    الأهم من أن أكتب عن الحرية ـ فى تقديرى ـ هو أن أكتب فى حرية ، أن يغيب ذلك الرقيب الخارجى الذى يحذف ويصادر ويعتقل ، إن لاحظ أن الكاتب قد شط فى رأيه ، أو أعلن المعاداة ، أو أن يغيب ذلك الرقيب الداخلى الكامن فى أعماقى ، خلقه توالى التجارب والخبرات.
    أزعم أنى حاولت ، ما وسعنى ـ أن أتخلص من كل العوامل التى تحول دون أن أكتب فى جريدة . كنت مضطراً ـ لظروف مادية ـ بحتة ـ أن أقبل العمل الوظيفى ، وإن اخترت العمل الأقرب إمكانية للتعبير عن الرأى فى حرية ، وهى الصحافة . أقسى الأمور على المبدع ، حين يتصور السلطة وهى تقرأ وتحلل وتستنبط الدلالات ، وتفرض سوء الظن . إنه يسقط العفوية ، ويعانى صياغة كلماته ، بحيث تؤدى المعنى الذى يريده هو ، أو يريده العمل الفنى ، ولا تؤدى المعانى التى قد تتصورها السلطة . أومن جداً وجيداً أنه لا فن حقيقياً بدون حرية حقيقية . يظل الفن فى إطار التمنى ما لم يرتكز إلى الحرية التى تحفز الفنان لأن يكتب عمله بعيداً عن أية مؤثرات أو ضغوط ، سواء كانت خارجية أم داخلية . حرية الفن هى التى تهبه الفرصة لأن يكون فناً ، إنه ـ بغير الحرية ـ قد يكون أى شيء ، لكنه ـ بالتأكيد ـ لا يكون فناً . أعنى بالفن الحر هنا ، ذلك الفن الذى يقول الحقيقة ، أو يحاول قول الحقيقة . قد يبدع الفنان عمله فى زمن استبدادى ، أو تسيطر عليه قوى شريرة ، لكنه يتجاوز ذلك الزمن ـ وإن كتب عنه ـ إما باللجوء إلى الرمز ، أو إلى أحداث التاريخ ، بما يسهل تبين الواقع فى ضوئها ، أو بالكتابة السرية ، أى تلك الكتابة التى تكتفى بالنسخ المحدودة ، والتوزيع غير المعلن .
    ***
    كان أبى ـ فى شبابه الباكر ـ عضواً بالحزب الوطنى القديم . ثم تحول انتماؤه ـ فى أحداث ثورة 1919 وما تلاها ـ إلى حزب الوفد . وكانت معظم ملاحظات أبى ـ فى مناقشاته مع أصدقائه ـ تتناول غياب الديمقراطية فى ممارسات حكومات الأقلية . وبالإضافة إلى قراءاتى فى مكتبة أبى ـ وكانت عامرة بمئات الكتب ـ فإنى أدين بفضل كبير لتلك المناقشات ، الهادئة أحياناً ، الصاخبة أحياناً أخرى ، فى جلستهم شبه اليومية عقب صلاة العشاء ، فى حجرة القعاد المطلة على المينا الشرقية .
    وحين أصدرت كتابى الأول ، المطبوع ـ وكنت فى حوالى الخامسة عشرة ـ صدرته بعبارة تقول : أشياء ثلاثة ، كرست حياتى للدفاع عنها : الحق والخير والحرية . ورغم تقضى أعوام كثيرة على صدور ذلك الكتاب / الكتيب الأول ، القديم ، ومع يقينى ـ فى الوقت نفسه ـ بأهمية أن يكون للأديب المبدع فلسفة حياة . أقول : رغم ذلك ، ومعه ، فإن القضايا التى تشتمل عليها أعمالى ، تتوضح فيها ملامح ذلك الشعار ـ هل تصح التسمية ؟! ـ بصورة واضحة .
    الحرية عند كامى هى أن يقول الإنسان لا . وقد تعددت مستويات الـ " لا " فى أعمالى ، ما بين الكلمات الطيبة اتى تحدث فى النفوس تأثيراً إيجابياً ، ينتهى بطلب الحرية [ الأسوار ] والتخلى عن فكرة انتظار الإمام المخلص ، أو الحاكم الذى ينشر العدل، وأن يصنع الشعب غده بنفسه [ إمام آخر الزمان ] والإعداد للثورة مقابلاً لتردى الحاكم فى هوة الديكتاتورية التى صنعها له أعوانه [ من أوراق أبى الطيب المتنبى ] والفرار بالذات من قسوة القهر الذى تمتد تأثيراته إلى الآخرين [ قاضى البهار ينزل البحر ] والإيمان بأن الفعل الأخلاقى لا يكون كذلك ، ما لم يصدر عن إرادة حرة [ الصهبة ] والحرص على القيم الجميلة ، فلا يسطو عليها الحاكم [ قلعة الجبل ] واستغلال حرية القللة فى تحقيق الثراء غير المشروع على حساب الجماعة [ النظر إلى أسفل ] . ولعلى أصارحك بأن الشخصيات الأقرب إلى نفسى فى أعمالى ، الأقرب إلى وجدانى وأفكارى ونظرتى إلى شمولية الحياة ، هى عماد عبد الحميد فى النظر إلى أسفل ، وبكر رضوان فى الأسوار ، ورءوف العشرى فى الخليج ، حُمّلوا بآراء وأفكار من آراء الكاتب نفسه ، لم يفرضها ـ فيما أتصور ـ وإنما جاءت فى عفوية الكتابة ، ووفق التزامى بأن يكتب العمل الأدبى نفسه . أبدأ فى كتابته وليس فى الذهن سوى أفكار غير محددة ، أو هلامية ، ثم ما يلبث العمل أن يبين عن قسماته وملامحه ، ليكتسب صورته الكلية فى النهاية .
    فى قصتى " تلك اللحظة " تصادر حرية المرء بتهمة غير محددة . الموقف نفسه يواجهه الأستاذ فى رواية الأسوار ، وبطل قصة التحقيق [ مجموعة " هل " ] ، ويضطر محمد يوسف المصرى إلى الاعتراف تحت قسوة التعذيب ، بأنه عضو فى تنظيم يخطط لقلب نظام الحكم . ثم يعانى محمد قاضى البهار [ قاضى البهار ينزل البحر ] تأثيرات سلسلة متوالية من التقارير البوليسية ، تصر أن تدينه بتهم محددة ، رغم خلو حياته مما يدين ، أو يبعث على الريبة ، انصياعاً لتوجيهات الجهة الأعلى بأن محمد قاضى البهار يمارس نشاطاً مشبوهاً ، ولا يجد قاضى البهار ـ فراراً من الضغوط القاسية ـ إلا أن ينزل البحر !. وتواجه الحرية ، حرية المواطن والوطن ، مأزقاً ، عندما ينتشر الفساد والمحسوبية والرشوة وغيرها من القيم السلبية [ أذكرك بروايتىّ من أوراق أبى الطيب المتنبى ، والنظر إلى أسفل [ ويصبح تغيير الأوضاع مسألة مهمة ، مطلوبة ، سواء بالاغتيال الفردى ، كما فى النظر إلى أسفل ، أو بالثورة الشعبية كما فى من أوراق أبى الطيب المتنبى .
    البطل المطارد ـ كما تكاد تجمع الكتابات النقدية ـ شخصية رئيسة فى معظم أعمالى ، سواء كانت قصصاً أم روايات ، وهؤلاء الأبطال لم يرتكبوا جريمة من أى نوع ، فيفرون منها . إنهم يفرون بحريتهم من مطاردة السلطة ، من قهرها ، حتى لو لم يمارسوا نشاطاً من أى نوع [ قاضى البهار ] أو لضمان الاستكانة وعدم التفكير فى الثورة [ المتنبى ] أو لأن الحاكم يحرص على أن يصادر كل ما فى حياة الناس ، حتى القيم الجميلة [ قلعة الجبل ] أو لمحاولة الخروج من أسوار المعتقل إلى حياة أكثر رحابة وإنسانية [ الأسوار ] . حتى مطاردة ناس الصهبة لمنصور سطوحى ، لا تخلو ـ فى ضوء الرغبة فى الفرار من سطوة الأب وقيود المجتمع ـ من دلالات يصعب إهمالها [ الصهبة ] إلخ .
    ***
    كانت الحرية ـ فيما أتصور ـ نبض روايتى الأولى الأسوار . صرخ نزلاء المعتقل فى نفس واحد : الإفراج .. الإفراج ، وأجروا القرعة التى دفعوا بها أحدهم ليكون فدية عن الآخرين . القضية هى صلة المثقف بمجتمعه . التخلف الذى يرسف الناس فى إساره يحول بينها وبين التحرك الإيجابى ، سعياً للخلاص من واقعها ، ويأتى دور المثقف مهماً ، ومطلوباً ، لرفض الواقع ، ومقاومته . ذلك هو الدور الذى تؤهله له ثقافته ، بل إن ما حصل عليه من ثقافة ـ متميزاً بذلك عن غالبية مواطنيه ـ يدفعه لأداء دوره ، ويفرضه عليه . لكن قضية الحرية هى الشريان الرئيس فى جسد الرواية ، فالمثقف يشغله غياب الديمقراطية فى حياة الوطن البلاد ، ثم يشغله غياب الحرية فى حياة الوطن المعتقل . وكانت مشكلة بكر رضوان الأولى هى أن فقدان الحرية لم يكن يمثل شاغلاً لهؤلاء الذين بذل حريته دفاعاً عنهم ، بدوا راضين بحياتهم ، ولا يعنيهم التغيير ، ويتساءل الأستاذ : أليس الأجدى أن نناقش مأساة موتنا البطئ داخل هذه الأسوار ؟ , وكلمة الإفراج التى لم تكن تجاوز جدران العنابر ، فى همس متردد ، تكاد تكون سراً ، يحرص الجميع عليه ، أصبحت محور النقاش المستفيض " ويعتق أولئك الذين ـ خوفاً من الموت ـ كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية ( عبرانيين 2 : 14 ) " وأفتى فقهاء ذلك العصر ببطلان الحبس " ( المقريزى ) . كانت الكلمة سلاح الأستاذ فى حربه من أجل الحرية لنزلاء المعتقل " كنت أقول كلاماً أتصوره طيباً " . لم يحمل سلاحاً ، ولا دعا إلى التدمير ، لكن كلماته الطيبة المؤثرة ذات الجدوى ، هى التى دفعت نزلاء المعتقل إلى التحول فيما يشبه كائن واحد ، يصرخ بآخر ما عنده : الإفراج .. الإفراج ! " ولم يدر أحد كيف ولا أين بدأت الفوضى تكسر الطوق البشرى فجأة ، ليتوزع بلا رابط فى الساحة الواسعة ، اختلطت البنادق والشتائم والصراخ والكرابيج والسيور الجلدية ونفير البروجى وطلقات الرصاص ، تحول الوجود كله إلى معركة ضارية بين النزلاء والحراس ، وامتد الزئير الوحشى إلى ما بعد الصحراء والأودية والجبال : الإفراج .. الإفراج .
    (يتبع)
  • 30/05/2010, 11:30 PM
    د. حسين علي محمد
    النثر ـ فى تقدير همنجواى ـ ليس مجرد زخارف على الهامش ، لكنه بناء معمارى فنى شديد الحيوية ، العمل الفنى يتألف من عناصر فنية ، لكل منها وظيفته المحددة ، والمرتبطة عضوياً بوظائف العناصر الأخرى ، بما يحقق التفاعل بين كل العناصر ، تحقيقاً لعمل فنى يسعى إلى التفوق . ومن ناحيتى ، فقد كنت أريد أن أمتلك صوتاً خاصاً بى فلا أقلد أحداً ، أحاول ـ فى كل ما أكتب ـ أن أرتاد آفاقاً ربما تكون مجهولة لى فى الأقل ، إن لم تكن مجهولة للكثيرين ، وكما يقول فرانسوا مورياك ، فإن على كل روائى أن يخترع أسلوبه الخاص ، وتكنيكه الخاص ، وإن كل رواية هى مثل كوكب آخر ، له قوانينه مثلما أن له نباتاته وحيواناته الخاصة . كل رواية مثل كوكب آخر ، لكننى أتصور ـ فى الوقت نفسه ـ أن الفنان لا يخترع أسلوبه الخاص ، وتكنيكه الخاص . أرفض كلمة " يخترع " ، فبالإضافة إلى الموهبة ، فإن الأسلوب والتكنيك ينبعان من داخل العمل نفسه ، هو الذى يفرضهما ، والأسلوب ـ والتكنيك ـ الذى قد يكتب به الفنان رواية ما ، قد يبدو مجافياً لرواية أخرى . تعجبنى النصيحة التى وجهتها شاعرة أمريكية إلى همنجواى : دع الناس فى حياتهم ، لا تقل شيئاً عنهم ، بل دعهم هم وحدهم يتكلمون . ويقول همنجواى : " فى روايتى العجوز والبحر كنت على علم بأمرين أو ثلاثة من الموقف كله ، لكننى لم أكن أعرف القصة " . وكان مشهد فتاة صغيرة فوق شجرة دافعاً لأن يكتب فوكنر مئات الصفحات ، هى روايته الرائعة الصخب والعنف . وكنت حين بدأت كتابة روايتى الصهبة أعلم بأمر واحد فقط ، هو طقس الهبة نفسها ، عملية نزع النقاب . وفيما عدا ذلك ، فلم أكن أعرف شيئاً ، اخترت للرواية أن تكتب نفسها ، كلما أضفت صفحات توضحت شخصيات ، وظهرت شخصيات لم تكن موجودة ، وتخلقت أحداث ربما غابت عن تصورى ، بحيث اكتملت فى النهاية رواية لم أكن أعرف من شخوصها سوى الفتاة المنقبة فى الصهبة ، والشاب الذى نزع نقابها ، أما بقية الشخصيات والأحداث فقد تخلقت أثناء كتابة العمل نفسه ، لم تشغلنى الحبكة ، ولا العقدة ، ولا اختلاط الواقع والخيال ، ولا تداخل سيرتى الذاتية بالسير الذاتية للآخرين ، ولا الأحداث القديمة بالأحداث المعاصرة ، والتفكير بالسرد .. كل ما تريد الرواية أن تكتبه ، كتبته حالاً .
    مع ذلك ، فإن " الحدوتة " هى النطفة التى يتخلق منها العمل الفنى . وعلى الرغم من اختلافى مع أرنولد بينيت بأن أساس الرواية الجيدة هو خلق الشخصيات ، ولا شيء سوى ذلك ، فلعلى أتفق تماماً أن خلق الشخصيات دعامة أساسية فى البناء الروائى ، الذى يستند ـ بالضرورة ـ إلى دعامات أخرى ، أولاها ـ أو هذا هو المفروض ـ الحدوتة ، وإن تصور بعض الروائيين والنقاد أن الرواية ليست فى حاجة إليها ، وأن ما يستعين به الفنان من أدوات يضع الحدوتة فى مرتبة تالية ، أو أنه يمكن الاستغناء عنها . وكانت الحدوتة ، الحكاية ، الفكرة ، إلى غير ذلك من المسميات ، هى الباعث الحقيقى لأن تتحول روايتى الأسوار فى ذهنى ـ قبل كتابتها بأعوام ـ إلى أحداث وشخصيات ، ثم تخلقت فى أشكال هلامية عدة ، قبل أن تأخذ ـ أثناء عملية الكتابة ـ سماتها النهائية . الحدوتة هى الدعامة الأولى فى بناء أى عمل روائى ، ثم تأتى بقية الدعامات ، وتشمل عندى الإفادة من العناصر والمقومات فى الفنون الأخرى . أتصور أن ذلك يتبدى ـ بدرجة وبأخرى ـ فى كل رواياتى بدءاً بالأسوار ، وانتهاء بأهل البحر . إن على الفنان أن يثرى إبداعه السردى بإسهامات الفنون الأخرى ، بما تملكه تلك الفنون من خصائص جمالية وتقنية ، فيتحقق للنص الأدبى أبعاد جديدة ، وتتحقق كذلك أبعاد جديدة للفنون الأخرى . ثمة التحقيق المطول [ إمام آخر الزمان ] والتقارير البوليسية [ قاضى البهار ينزل البحر ] والرواية التاريخية التى تدعى الاجتهاد [ قلعة الجبل ] وتقنية القص واللصق [ الأسوار ] ومخاطبة الآخر [ النظر إلى أسفل ] واليوميات [ من أوراق أبى الطيب المتنبى ] وتداخل الزمان والمكان [ الخليج ] واختلاط الواقع بالحلم [ الصهبة ] والتبقيعات النثرية [ مد الموج ] والاعترافات [ اعترافات سيد القرية ] والواقعية التسجيلية [ الحياة ثانية ] وتعدد الرواة [ بوح الأسرار ] والحكى السردى [ صيد العصارى ] وتوظيف التاريخ [ الجودرية ، ما ذكره رواة الأخبار عن سيرة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله ] وتوظيف التراث الشعبى [ زهرة الصباح ] واللوحات المنفصلة ، المتصلة [ رباعية بحرى ] وتقنية الموسوعة [ أهل البحر ] .
    وأحياناً ، فإن ضمير المتكلم ـ كما تقول ناتالى ساروت ـ أفضل وسيلة لإرضاء الكاتب والقارئ سواء بسواء ، إنه يهب إحساساً ـ ولو ظاهرياً ـ بالتجربة الحية والأصالة ، مما يقلل من شك القارئ ، ولكى يجذب الكاتب قارئه إليه ، فقد " جعل البطل يتحدث بضمير المتكلم ، واتضح بالفعل أن هذه الوسيلة أفضل الوسائل وأكثرها فاعلية فى هذا الصدد ـ لذا لجأ إليها الكثيرون ، ولازالوا يلجأون ( عالم الفكر ـ المجلد السابع ـ العدد الأول ص 235 ) . سبقنى إلى فنية تعدد الرواة ، أو تعدد الأصوات [ قصتى متتابعات لا تعرف الانسجام ، حولتها ـ فيما بعد ـ إلى رواية باسم بوح الأسرار ] أدباء كثر : فوكنر فى الصخب والعنف ، فتحى غانم فى الرجل الذى فقد ظله ، نجيب محفوظ فى ميرامار ، جبرا إبراهيم جبرا فى السفينة ، لورنس داريل فى رباعية الإسكندرية ، وغيرهم .. لكن حاجتى لتعدد الأصوات فى بوح الأسرار لم تكن لمجرد رواية ما حدث ، أو التعليق عليه ، الاتفاق أو الاختلاف ، وإنما لإعادة اكتشاف الحدث ، إعادة تفسيره ، تعميقه بالأضواء والظلال ، بما يهب القارئ فرصة حقيقية للتعرف إلى سيرة بطل الرواية محمد أبو عبده .
    ***
    الفن ـ مهما يخلص فى تصوير الواقع ـ فإنه يظل أقل واقعية من الواقع نفسه . الواقعية التامة مستحيلة فى الفن ، فالفن انتقاء يخضع لموهبة الفنان ورؤيته . يشير ديهاميل إلى أن بلزاك قد خلق نماذجه بنفسه ، فهو لا يصور الأشخاص الواقعيين ، إنما يعيد خلق هؤلاء الأشخاص . العناية بتفصيلات الزمان والمكان ، وإجادة رسم الجو والشخصيات .. ذلك كله يشكل ما يسمى الإيهام بالواقع ، شريطة أن يحتاجه العمل الفنى فعلاً ، فلا يأتى مجرد تزيدات ، أو نتوءات ، أو حواشى قد لا يحتاج العمل إليها . ومع ملاحظة أن نتاج الفن ـ كما يقول جوتة ـ يختلف عن نتاج الطبيعة ، فهو لا يكررها صورة طبق الأصل " النتاج الفنى هو طبيعة ثانية " . المتلقى حين يعلن ـ بينه وبين نفسه ـ : هذه الشخصية الروائية تشبه شخصية فلان الذى أعرفه ، يؤكد ـ ضمناً ـ أن الشخصية الروائية ليست من الخيال تماماً ، حتى لو تصور الفنان نفسه ذلك .
    ***
    اللغة ـ فى تعريف نقدى ـ هى أداة التعبير فى فن الأدب ، فهو إذن فن لغوى . الكلمات أهم أدوات الكاتب ، ومن هنا تأتى عنايته باللغة ، أو هذا المفروض . يقول العماد الأصفهانى : " لا يكتب إنسان كتاباً فى يومه إلا قال فى غده : لو غير هذا لكان أحسن ، ولو زيد لكان يستحسن ، ولو قدم هذا لكان أفضل ، ولو ترك هذا لكان أجمل ، وهذا من أعظم العبر ، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر " . لقد حاولت أن أعمل بالنصيحة نفسها التى تلقاها همنجواى من أحد نقاده ، فأتخلص من كل الألفاظ " القنبلية " ، وأصف الأشياء ببساطة أشد ، وأضع الكلمة المناسبة فى الموضع المناسب .
    معانى الكلمات مهمة جداً ، لكن إيقاعاتها وإمكاناتها الصوتية مهمة أيضاً ، وربما أرجأت نقل قصة لى على الآلة الكاتبة / الكومبيوتر ، لأن إحدى كلماتها تبدو نشازاً ، أو غير متسقة ، مع بقية الكلمات . وكما يقول فلوبير فإن " جملة نثر جيدة حقاً ، تساوى فى جودتها بيتاً من الشعر ، وبالدرجة نفسها من الإيقاع والجزالة " .
    أذكر أنى بدأت حياتى الأدبية شاعراً ، مثلما بدأ الكثير من الأدباء . الأدق أنى أحببت الشعر ، وحاولت أن أسبح فى بحوره ، وكتبت بالفعل بضع قصائد تحاكى محاولات شعراء قدامى ومعاصرين ، لكنها لم تكن تعبيراً بأية حال عن موهبتى الخاصة . فلما أدركت أنه من الصعب أن تكون لى موهبة حقيقية فى مجال الشعر ، عنيت بالكتابة القصصية والروائية ، وإن ظل حبى للشعر ، أحاول الإفادة من خصائصه اللغوية تحديداً فى كتاباتى النثرية . ولعلى أستعير قول لورنس ديرل بأنى شاعر تعثر فكتب نثراً ، أو أنى روائى شاعر ، يشغلنى التوتر فى الجملة ، الصورة ، التداعيات الداخلية ، إلخ .
    والحوار مهم أيضاً فى الرواية . إن حواراً قصيراً ، مكثفاً ، بين شخصيات الرواية قد يغنى عن سرد مطول يفتقد المعنى . وفى العديد من رواياتى إفادة مؤكدة من درامية الحوار ، فهو جزء من البنية الدرامية للرواية ، لا تستقيم بدونه ، جسر يستحيل إلا أن تمضى عليه بين فقرات السرد . لقد طالما حذر موباسان روائيى عصره أن يحكوا كل شيء " فذلك أمر غير ممكن ، لأنه يلزمك مجلد كامل كى تروى ما حدث لشخص واحد ، فى يوم واحد " . وكان رأى شوبنهاور أن على الكاتب أن يكتب ما يستحق ذلك بالفعل ، ويتحاشى التفصيل الممل عن أشياء يستطيع كل امرئ أن يعرفها ، أن يفرق بين ما هو لازم ، وما هو من قبيل التزيد الذى لا لزوم له . ويقول تشيخوف " الإيجاز توءم الموهبة " ، ويكتب فى إحدى رسائله : " قد يبدو غريباً أننى أحب ـ لدرجة الجنون ـ كل ما أتى مختصراً ، بل إنى لم أقرأ بعد ـ فيما كتبته ، أو ما كتبه غيرى ـ ما أطلبه من الإيجاز . وبالطبع ، فإن الإيجاز لا يتصل بطول العمل . ثمة فرق بين الإيجاز والتركيز . من المستحيل ـ على سبيل المثال ـ أن نتصور ثلاثية نجيب محفوظ فى غير الحجم الذى صدرت به ، مثلما أنه من المستحيل تصور الحرب والسلام ، والأبله ، والجريمة والعقاب ، فى صفحات أقل مما صدرت فيها . باختصار ، فإنه إذا كان التكثيف مطلوباً ، فإن الاختصار المخل غير مطلوب . وعلى حد تعبير بيرسى لبوك فإنه مما يدمر القصة هو الإفراط فى معالجتها ، أو التقصير فى هذه المعالجة " .
    وإذا كنت أشدد على أهمية اللغة ، فإنى أشدد كذلك على أهمية الجوانب الأخرى للعمل ، أن يكون العمل فناً له وهج الفن ، وخصائصه ، وقيمته ، وجدواه . " الموهبة اللغوية وحدها لا تكفى ، وكما يقول أرسكين كالدويل " هناك العديد من الكتاب الذين يملكون سيطرة كاملة على الشكل والتكنيك ، لكن ينقص قصصهم الإحساس ، أعتقد أن ذلك مهم " ( كيف أصبحت روائيا ص 85 ) .
    ***
    إذا كان تولستوى يذهب إلى ضرورة أن يتقمص الأديب شخصان ، هما الكاتب ذاته والناقد ، فإنى أفضل أن يبدأ دور الناقد بعد انتهاء الكتابة الإبداعية . القول بأن الناقد أديب فاشل دعابة سخيفة ، فالنقد الحقيقى ، المطلوب ، هو ما يمارسه الأديب على فنه ، وما يرتفع بمستوى أديب عن سواه ـ بالإضافة إلى الموهبة ـ هو ارتفاع حسه النقدى . المبدع الذى يفتقر إلى ملكة النقد ـ والرأى للروائية الإنجليزية إليزابيث بوين ـ لا وجود له ، بل إن مهنته كروائى لا تتحمل مثل هذا النقص . طبيعى أن الفنان لا يرضى تماماً عن نفسه ، ولا عن عالمه ، لأن الحدود بين الواقع والمثال هو المسافة التى تنطلق فيها جياد إبداعاته .
    مع ذلك ، فأن يكون الفنان صاحب عمل ما ، فذلك لا يعنى أنه هو أجدر الناس بفهم عمله . ربما كان الناقد أكثر فهماً للعمل من الفنان نفسه ، أكثر استنباطاً لمعانيه ودلالاته . استمعت فى البرنامج الثقافى الإذاعى إلى حوار بين نعمان عاشور ومحمد مندور . بدأ نعمان فى تلخيص مسرحيته عيلة الدوغرى . قاطعه مندور ـ بعد لحظات ـ فى بساطة : أخشى أنك لن تحسن تلخيص عملك ، أنت لم تفهم العمل بالصورة الممتازة التى فهمتها . ولخص مندور المسرحية ، وأذكر أنه كان أكثر قدرة على تسليط الضوء على مسرحية نعمان عاشور بأكثر مما حاول الفنان . وكان أبو الطيب المتنبى يحيل السائلين عن شعره إلى شارح ديوانه وناقد شعره ، أبى الفتح عثمان بن جنى ، ويقول : عليك بابن جنى فإنه أعرف بشعرى منى .
    ***
    تقول بيرل باك : " لكى تكون كاتباً جيداً ، فعليك أن تكد ، بمعنى أن تنهض فى الصباح ، وتبدأ فى الكتابة مبكراً ، والذهن صاف ورائق ، فضلاً عن أن تبدأ الكتابة حتى لو لم يكن الذهن رائقاً وصافياً . عادات العمل ضرورية للكاتب مثلما هى ضرورية للعامل ، وربما أكثر ، لأنه ليس ثمة من يجبر الكاتب على العمل ، وليس هناك من يساعده فى أداء عمله ، إنه رئيس نفسه ، وهذا الرئيس هو عامل فى الوقت نفسه . وتقديرى أنه على الفنان ألا يرجئ عمل اليوم إلى الغد ، بحجة أنه مشغول ، فالوقت لن يكون فى حوزته ـ ذات يوم ـ بصورة مطلقة . وعلى الرغم من حرصى على عادة الكتابة اليومية ، فإنى أتذكر ـ دوماً ـ قول روبرت هنرى " إن كل شخص يحترم الرسم يشعر بالخوف كلما بدأ لوحة " ، وأثق أن هذا الشعور يحياه كل مبدع بصرف النظر عن طبيعة إبداعه . ولعلى أتذكر كذلك قول أوراثيو كيروجا : " لا تكتب وأنت تحت تأثير الانفعال . اتركه يزول . استدعه مرة أخرى " .
    على الفنان ـ إن اعتبر الإبداع قضية حياة ـ أن يحاول الإفادة من كل ما يسمح به الوقت ، حتى لو كان مجرد دقائق قليلة ، أنا أطمئن إلى ما كتبته فى تلك الأوقات العابرة ـ إن جاز التعبير ـ ، أوقات ما بين عملين ، أوقات الانشغال فى عمل لا يتصل بالإبداع ، وأوقات الفراغ والضيق واللاجدوى . أجرى بالقلم على الأوراق لمجرد الاقتراب من الفن ، وربما وضعت نقطة الختام لعمل كنت قد أهملت إلحاحه منذ فترة طويلة . كانت روايتى مد الموج إبداع ما بين أوقات العمل الإدارى نائباً لرئيس اتحاد الكتاب لمدة عامين . وكانت قصتى القصيرة نبوءة عراف مجنون محصلة ضيق نفسى فى أيام الغربة ، حاولت رفضه فى استقالة ، فعبرت عنه فى قصة قصيرة . وكانت قصة أحاديث النفس المتداعية امتداد يوم صحفى كامل ، بدأ فى السابعة صباحاً ، إلى الثانية من صباح اليوم التالى . انصرف الجميع ، وخلوت إلى نفسى . أغرانى الورق الأبيض بأن أخط عليه كلمات ، كتبت جملة وشطبتها ، كتبت جملة ثانية ، استدعيت بقية الجمل ،حتى فرغت من كتابة القصة فى الصباح نفسه .
    حاولت ـ منذ تعرفت إلى الكتابة الأدبية ـ أن أكتسب عادة الكتابة اليومية ، بصرف النظر عن كل شيء ، حتى الأيام التى كان الإجهاد يلفنى فيها تماماً ، بعد تواصل عمل شاق ، كنت أحرص أن أكتب ، ولو بضعة أسطر . أتذكر قول جوجول : " لابد للكاتب أن يسيطر على قلمه ، كما يسيطر الرسام على فرشاته ، يجب أن يكتب شيئاً كل يوم ، فاليد ينبغى أن تألف الطاعة العمياء للأفكار . وكان استندال يرغم نفسه على العمل كل يوم ، وحاول كازنتزاكس ـ لما اشتد عليه المرض ـ أن يملى إبداعاته ، لكنه أخفق : مستحيل !.. لا أجيد الإملاء !.. عندما أمسك بالقلم فقط تأتينى الأفكار . والواقع أن الإملاء ـ بالنسبة للكاتب الذى تعود الكتابة ـ مسألة مستحيلة ، ذلك الاتصال العجيب بين الأفكار فى الذهن ، والقلم الذى يجرى على الورق . عملية الكتابة باليد ـ بالنسبة لى ـ مهمة للغاية . قد أملى موضوعاً صحفياً ، لكن العمل الإبداعى لابد أن ينطلق من الذهن إلى الورق ، عبر الوجه، والرقبة ، والكتف ، والذراع ، والأصابع . وكان الشعور الأقوى عند همنجواى أن أصابعه تقوم بالجزء الأكبر من تفكيره .
    أعترف أنى حاولت أن تكون لى عاداتى المصاحبة للكتابة ، مثل شرب القهوة والسجائر ، وسماع الموسيقا ، والتحكم فى مساحات الضوء ، فلم أوفق . تكفينى المعادلة السهلة : فكرة + مكان للكتابة + أوراق + قلم ، لا يشغلنى ـ بعد ذلك ـ أى شيء ، حتى الشاى تعرفت إليه متأخراً . كنت قد حاولت ـ قبلاً ـ أن تكون لى ـ مثل بقية الناس ـ هوايات أمارسها ، لكن الفشل كان هو الجدار الذى اصطدمت به كل محاولاتى . أوافق جون برين على أن إرادة الكتابة تخلق لك جو العزلة الذى تريده ، ليس بوسعك الانتظار حتى تتوافر لك الظروف المناسبة للكتابة : الجو الهادئ ، والضوء المناسب ، والموسيقا الخافتة التى تساعد على الكتابة ، والتخفف ـ ما أمكن ـ من الهموم الحياتية الخاصة . لن أنسى قعدة بيرم التونسى فى قهوة شعبية بشارع السد ، منشغلاً بإبداعاته عن الزحام الصاخب حوله ، كأنه يحيا فى جزيرة منفصلة عن الأمواج المتلاطمة من النداءات والدعوات والابتهالات والشتائم والصرخات . الكاتب يجب أن يعمل فى كل الأجواء ، بصرف النظر إن كانت حسنة أم رديئة ، وكما يقول نيكولاى استروفسكى ، فإن " الإلهام يأتى فى أثناء العمل " . كان مكتبى فى الجريدة ضمن ثلاثة عشر مكتباً ، فى مساحة حجرة متوسطة الحجم ، ومخزن لأوراق رئيس التحرير ، وبضعة دواليب للصحف ، وما يبيعه السعاة من سجاير وبسكويت وأقلام إلخ [ تغيرت الظروف ـ بعد عناء سنوات طويلة ـ إلى الأفضل ] مقولة . وكنت أتذكر فى ذلك اللغط مقولة همنجواى : إن المرء يستطيع أن يكتب فى أى وقت يتركه الناس وشأنه ، ولا يشوشون عليه ويقاطعونه . كانت الشوشرة فضل الزملاء المقيمين فى الحجرة ، والمترددين عليها لتناول فطورهم ، بعيداً عن الأعين فى الصالة الواسعة ، فضلاً عن السعاة الذين تتعالى أصواتهم ـ بلا انقطاع ـ فى طلب احتياجات الزملاء فى الصالة.
    الإخلاص للفن قد يدفع الفنان " إلى التضحية بنفسه ـ القول لبوريس بوريسوف ـ والابتعاد عن أى شيء يعرقل عملية الإبداع لديه ، بل إن الظروف قد تضطره لأن يتجاهل مصالح المقربين له ، والتصرف معهم بقسوة " . الفن يحتاج إلى ضحايا ، تلك مقولة شهيرة ، لكنها لا تتجه إلى الفنان وحده ، وإنما تشمل القريبين منه أيضاً . وإذا كنت ـ فى أحيان كثيرة ـ قد أهملت البعد الاجتماعى ، من حيث المشاركة فى الحياة العامة ، والخروج إلى المجتمعات ، فإن ذلك قد انسحب بالضرورة على القريبين منى ، زوجتى وابنىّ ، وأصدقائى الذين أحبهم ، لكننى لا أستطيع أن أبذل لهم وقتى على النحو الذى يريدونه ، وأريده أنا أيضاً .
    .............................
    نشرت فى "فصول" بعنوان " كتبت ما تريده الرواية " ـ العدد الأول صيف 1998
  • 30/05/2010, 11:29 PM
    د. حسين علي محمد
    لفلوبير عبارة شهيرة هى " أنا مدام بوفارى " ، بمعنى أنه عندما نتحدث عن مدام بوفارى ، فإنه كان يتحدث عن نفسه . والمؤكد أنى لست موجوداً خارج أعمالى . ما أكتبه يتضمن وجهاً من وجوه حياتى : قراءة ، مشاهدة ، تجربة ، إلخ . من الصعب أن أجد ذلك فى كل ما كتبت ، مع أنى أجد نفسى فى الكثير مما كتبت . أجد ناساً عرفتهم ، التقيتهم ، صادقتهم ، عايشت خبراتهم وتجاربهم ، ولحظاتهم الهانئة والمأساوية ، أجد العديد من الأماكن والأزمنة التى اتصلت بحياتى ، بصورة وبأخرى . لاحظ الناقد " لاكان " فى دراسة له عن الكاتب الفرنسى الشهير أندريه جيد أن تفصيلات السيرة الذاتية لحياة الكاتب ومنمنماتها ، تشكل بعداً أساسياً فى أعماله الفنية [ لا يخلو من دلالة قول همنجواى ، أنا لا أعرف إلا ما رأيته ] . وأتصور أن هذا هو الدور نفسه الذى تشكله سيرتى الذاتية فيما كتبته ، وأكتبه ، من أعمال . أذكر حين أنهيت قصتى " القرار " مفاجاة القصة لى بأن الشقة التى اختارها الراوى للإقامة بعيداً عن مشكلات أخوته ، هى الشقة نفسها التى أمضيت فيها طفولتى وصبلى إلى بداية العقد الثالث ، فى الطابق الثالث ، البيت رقم 54 شارع إسماعيل صبرى بالإسكندرية . وأتذكر قول باشلار : " إن البيت الذى ولدنا فيه بيت مأهول ، وقيم الألفة موزعة فيه، وليس من السهل إقامة توازن بينها ، إذ هى تخضع للجدل ، فالبيت الذى ولدنا فيه محفور بشكل عادى ، وفى داخلنا ، إنه يصبح مجموعة من العادات العضوية " , ولعلك لاحظت شبهاً واضحاً بين الكثير من الشخصيات التى قدمتها فى أعمالى ، ذلك لأن معظم هذه الشخصيات تعبير ـ بدرجة وأخرى ـ عن شخصية الكاتب نفسه .
    القصة يجب أن تكتب نفسها . فعل الكتابة اكتشاف . أرفض التصور بأن الكاتب يبدأ قصته وهو يعرف تماماً صورتها النهائية . القصة تكتسب ملامحها وقسماتها أثناء ولادتها . قد يأتى المولود فى صورة غير التى كان يتوقعها الفنان . قد تبين القصة ، أو الأحداث ، عن ملامح ربما لم تخطر فى باله . كاتب القصة يختلف عن كاتب السيناريو ، فى أن الثانى عنده قصة جاهزة ، فهو يحول القصة إلى مشاهد . وفى كل الأحوال ، فإن كتابة القصة ينبغى ألا تخضع للمنطق الصارم ، للعقلانية التى قد تفقدها تلقائيتها . الفنان مطالب بأن يخفض صوته إلى حد الهمس ، حتى يتحقق الإيهام بالواقع ، ولا يتحدث الفنان نيابة عن شخصياته .
    أحياناً ، أبدأ فى تصوير الشخصية ، ولها فى مخيلتى ملامح محددة ، ثم تذوى الملامح التى تصورتها أثناء عملية الكتابة ، لتحل ـ بدلاً منها ـ ملامح أخرى ، فتأتى الشخصية مغايرة ـ سلباً أو إيجاباً ـ لكل ما تصورته . وربما بدأت فى كتابة عمل ما وفى داخلى وهم أنى أمتلكه ، أعرف البداية والنهاية . فإذا بدأت فى الكتابة ، أسطر قليلة أو كثيرة ، لم أعد سوى أداة للتسجيل . القصة تكتب نفسها ، كأنها الأمواج التى تذهب بالقارئ إلى شواطئ لم يكن يتوقع ربانه الوصول إليها . وكما يقول سيمينون : " أنا لا أعرف فى البداية ماذا سيحدث لأبطالى بعد قليل ، فإذا عرفت ذلك ، انتابنى السأم والملل . أنا لا أكتشف الوقائع دفعة واحدة ، بل أقع عليها وأنا أنتقل من فصل إلى آخر ، وكأنى أحكى قصتى لنفسى لا للآخرين " . وبالتأكيد ، فإن ما أريده بعد أن أتم كتابة عمل ما ، يختلف عن الصورة التى كتبته بها فعلاً ، تغيب شخصيات وأحداث وأماكن كنت أتصور أنها أساسية ، لتحل بدلاً منها شخصيات وأحداث وأماكن كانت مختفية فى تلافيف الذاكرة ، ثم ظهرت فى وقت لم أحدده . انطلاقات الشعور لا تعرف الترتيب ولا المنطق ، ولا يحدها زمان ولا مكان ، فهى أشمل من كل زمان ومكان ، يختلط فيها الماضى والحاضر واستشرافات المستقبل . لم يبدأ همنجواى أياً من رواياته على أنها رواية ، لم يجلس إلى الورق ـ ذات يوم ـ ليكتب رواية ، لكنه كان يبدأ كل ما كتب على أنه قصة قصيرة ، قد تنتهى بالصورة التى أرادها ، وقد تطول فتصبح رواية . وقد بدأت روايتى من أوراق أبى الطيب المتنبى باعتبارها قصة قصيرة ، لكن اتساع القراءة فى الفترة التاريخية وسع كذلك من بانورامية الصورة التى يجدر بى تناولها ، فتضاعفت الصفحات القليلة ـ كما كنت أعد نفسى ـ إلى ما يزيد عن المائة والخمسين صفحة . وكانت تلك اللحظة ـ مجموعتى القصصية الأولى ـ كتاباً أولياً ، يتكون من ثمانى قصص ، هى أقرب إلى الاسكتشات ، أو الرسوم التخطيطية ، لأعمال أشد اقتراباً من فن القصة القصيرة ، أشد اقتراباً من النضج . باختصار ، فقد وشت تلك اللحظة بطموحاتى بأكثر مما رسخت تلك الطموحات . وكان على بعدها أن أعطى لنفسى إجازة ، أعيد خلالها تثقيف نفسى ، وأعيد النظر فى أوراقى ، وأناقش إعجابى بالأساتذة الذين قرأت لهم : هل يقف عند حد الإعجاب ، أو أنه يمتد ـ أحياناً ـ إلى التأثر والتقليد ؟ وهل الكتابة الروائية والقصصية هى الفن الذى ينبغى أن أخلص له بالفعل ؟ وإذا كانت الصرامة القاسية التى ألزم بها أستاذنا نجيب محفوظ نفسه فى مجال الكتابة الإبداعية ، هى المثل الأوضح ، والأقرب ، بين أساـذتى من الأدباء العرب ، فإن الصرامة القاسية نفسها كانت مثلاً لى فى السيرة الذاتية لأديب فرنسا الأشهر جوستاف فلوبير [ 1821 : 1880 ] . رفض فلوبير تكرار التجربة الأدبية ، أو التأثر برؤى وتجارب الأخرين ، جعل همه أن يفرز أسلوباً مميزاً ، طابعاً أدبياً يسم أعماله ، وشغله ـ فى الوقت نفسه ـ وجوب الانطلاق فى كل إبداعاته من تجربة حسية عميقة ، فلا يكتفى بالقراءة أو الإنصات ، إنما هو يعانق الناس والأشياء ، يتعرف فيهم وفيها ـ بصورة مباشرة ـ إلى شخصيات وأحداث عمله الأدبى ، أياً تكن طبيعة ذلك العمل ، وبصرف النظر عن المكان الذى ينتسب إليه ، وينطلق منه . وبالقدر نفسه الذى تمنيت أن أكتب عملاً ملحمياً ، رواية أجيال ، أو نهر ، مثل ثلاثية نجيب محفوظ ، فقد تمنيت أن أكتب عملاً عبقرياً مثل مدام بوفارى التى أنفق فلوبير فى كتابتها لأكثر من عشر سنوات . ألتزم بالصرامة التى تبلغ حد " الرهبنة " ، أشاهد ، أتعرف ، أقرأ ، أحاول الاستيعاب والهضم والفهم والتفهم ، وتقديم محصلة ذلك كله فى أعمال فنية . وحتى الآن ، فإن العمل ـ أى عمل ـ يشغلنى ، وأفكر فيه ، حتى يدفعنى ـ فى لحظة يختارها ـ إلى كتابته . جاوزت هذه الفترة فى الأسوار ثمانى سنوات ، واقتربت فى أعمال أخرى من الفترة نفسها ، فى حين أن " المتنبى " ألحت كفكرة ، ثم ألحت فى الميلاد ، بما لا يجاوز بضعة أيام ، لكن الأحداث امتدت ، وتشابكت ، فصارت القصة القصيرة قصة مطولة ، أو رواية .
    كانت المتنبى روايتى الثالثة . شدنى فى سيرة الرجل ما كان يتناوب حياته من أمل ويأس ، حتى لقى مصرعه ـ بصورة مأساوية ـ فى دير العاقول ، لكننى اخترت من حياة المتنبى ما يجعله شاهداً على الحياة فى مصر أعوام إقامته فيها ، وإن ارتكزت إلى مقولة كروتشى " التاريخ كله تاريخ معاصر " ، بمعنى أن التاريخ هو رؤية للماضى بمنظار الحاضر ، وفى ضوء مشكلاته ، وكان ذلك هو الباعث أيضاً لكتابتى روايات أخرى : إمام آخر الزمان ، اعترافات سيد القرية ، زهرة الصباح ، قلعة الجبل ، ما ذكره رواة الأخبار من سيرة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله . وجدت فى استعادة التاريخ إضاءة لأحداث معاصرة .
    ***
    أعترف أنى أحاول ـ ما أمكن ـ أثناء كتابة العمل ، ألاّ أسيطر على الفكرة بصورة مطلقة . تخف قبضتى على العمل ، أترك له تلقائيته . أختلف فى باعث تقدير برسى لوبوك لرواية تولستوى " الحرب والسلام " ، وأنه كان " يعرف تماماً أين يذهب ، ولماذا ، وليس أى شيء فى أية لحظة يشير إلى أنه لا يمتلك السيطرة الكاملة المحكمة على فكرته ( صنعة الرواية ص 37 ) . ثمة قول " لا وجود فى الحلم لشيء اسمه الضمير ، فالقاتل قد يقدم فى الحلم على السرقة أو القتل أو الاغتصاب ، وهو لا يبالى أو يستشعر ندماً . ويقول فولكت : " لا تعرف الغرائز الجنسية فى الحلم أى نوع من الكبح ، فلا حياء ولا رادع ولا منطق ، بل إن الأشخاص الآخرين أيضاً الذين يراهم فى الحلم ، كثيراً ما يكونون فى صورة أخلاقية مريعة " . وفى قصة " رحلة بورين " لأندريه جيد لا يدرى بورين : هل ما يحياه هو رحلة حقاً أم لا ؟ . يقول : نحن ربما نعيش حلماً ، إنه خداع ، فليست هنا رحلة أصلاً " . وفى روايتى الصهبة لم أعن بتدبر السؤال : هل كان ما جرى حقيقة أم حلماً ؟.. وفى البحر أمامها تطمئن نجاة إلى تردد زوجها الراحل على البيت ، وتستغنى به عن الآخرين ، أما نجم وحيد فى الأفق فهى تنطلق من اختلاط المشاعر والرؤى والتصورات . الإحساس بالحياة والحلم يكاد يكون واحداً ، ثمة رابط كبير بينهما ، بحيث ينتفى الخلاف ، أو عدم التشابه . وكما يقول بورخيس فإن الحياة وسيلة للحلم ، أو وسيلة للحياة . مع ذلك فإنى حين أدعو لأن يكتب العمل الأدبى نفسه ، لا أقصد أن تنطلق القصة ، أو الرواية ، فى تهويمات ، أو تفقد المعنى ، أو تلجأ إلى الغموض والتلغيز ، ذلك لأن تسلح الفنان بثقافة موسوعية سيفيده ـ ولو فى النظرة النقدية المتأملة الأخيرة ـ فى تبين قيمة ما كتبه ، سلباً وإيجاباً .
    ***
    الكثير من أعمالى يبدو فيها البطل واضحاً ، مسيطراً ، لا يفارقنا منذ بداية العمل إلى نهايته ، نتعرف إلى ملامحه النفسية ـ والجسمية أحياناً ـ وظروفه الاجتماعية والثقافية ، ونوازعه ، وأفكاره ، وآرائه . وعلى العكس من ذلك ، فإن بقية الشخصيات تعانى الشحوب ، لأنها تؤدى أدواراً مساعدة تعمق من دور البطل ، توضحه ، تجسده ، تثريه . والحق أنى لم أكن أعرف أن هذا هو ما تعتمده ـ فى الأغلب ـ الحكايات الشعبية ، فقد حاكيت إذن تكنيك الحكاية الشعبية ، دون تعمد !. وعموماً ، فإنى أفضل أن أقدم من ملامح الشخصية ما يساعد على التعرف إليها ، على فهمها . أحترم الميراث الإبداعى الروائى الذى يمتد عشرات الأعوام ، أتفهم قول همنجواى إن الرواية مثل كتلة جليدية عائمة فى البحر ، ثلثاها مغمور فى الماء ، فأنا أكتفى برسم الملامح التى تهب الشخصية بلا ثرثرة ، ولا زيادات مقحمة ، ولا كلام مرسل ، أو سرد ممل . أصور الشخصية لأضيف إلى الرواية وليس لمجرد تصوير الشخصية فى ذاته . وأحياناً ، فإن وصف الكائنات قد يقتصر على تقديم الدلالة الاجتماعية ، أو النفسية ، أو يصبح رمزاً ، أو معادلاً لما يمور به داخل الشخصية من انفعالات .
    ولعل فى مقدمة ما أعنى به أثناء الكتابة : تلك اللحظة التى يبدو فيها العمل قد انتهى ، فهو فى غير حاجة إلى حذف أو إضافة ، أو تدخل من أى نوع . أستطيع نقله على الآلة الكاتبة [ الكومبيوتر ] باعتباره مسودة نهائية ، أدفع بها إلى المطبعة ، وأنتظر ـ مطمئناً ـ آراء القراء والنقاد . أتذكر قول جراهام جرين : " هنالك لحظة فى الكتابة ، عندما يصل المرء إليها يشعر بأن الطائرة ، بعد أن قطعت ممراً طويلاً ، معبداً ، قد أقلعت ، وخرجت قليلاً عن السيطرة . عانيت طويلاً من تلك المشاعر التى لم تكن ـ بالتأكيد ـ مقصورة على ، لعلها المشاعر نفسها التى عاناها العديد من الأدباء ، والتى تدفعه إلى الهمس لنفسه : فلننتظر قليلاً ، أو : أنا لست على استعداد ، أو : إن تصورى لم ينضج بعد ، أو : إننى لم أجد بعد النغمة المطلوبة ، إلخ .. وكل التعبيرات للشاعرة الوسية الشهيرة " فيرا أنبر " ، فهى قد عانت تلك المشاعر إذن . وذات يوم ـ لا أذكر إن كانت قد سبقته إرهاصات ، أم أنه كان وليد اللحظة ـ قررت أن أتخلى عن التردد والوسوسة ، أن أنهى الإضافة والحذف والتعديل ، وأبدأ فى " تبييض " كومات الأوراق التى كتبت فى مدى سنوات وسنوات ، بخط ردئ للغاية ـ هو خطى ! ـ فهى لا تزيد عن مسودات يصعب أن تفتح مغاليقها إلا لكاتبها . المشكلة التى عبّرت عنها الشاعرة الروسية ، لما بلغت السن التى كان على الزمن أن يراعى فيها بكل عناية " فى هذه المرحلة من الحياة ، ينبغى على المرء ألا يقول : سأفعل كذا أو كذا يوماً ما ، بل عليه أن يفعل ما يجب عمله فوراً ، وإلا أصبحت عبارة " يوما ما " ، مطلقة وأبدية . وكان نقل " المسودات " على الآلة الكاتبة / الكومبيوتر هو الفعل الآنى الذى كان علىّ أن أحرص عليه . لم يكن ثمة سبيل آخر لمواجهة كومات الأوراق التى تكاثرت ، وتضخمت ، حتى أنى كنت أبذل جهداً فى تذكر بعضها .
    ***
    يقول ألان روب جرييه : " إن القصة هى التى تبتدع أسسها الخاصة " . التكنيك وسيلة لنقل معنى العمل الفنى إلى القارئ ، كلما أجاد الفنان اختياره ، كان ذلك فرصة لتقديم أقصى قدر من المضمون ، أوالتكنيك الذى أكتب به عملاً ما ، هو سر يستغلق حتى علىّ شخصياً . العمل يفرض صورته وأسلوبه وطريقة تناوله . من الصعب تفسير ذلك فى ضوء رؤى فنية أو نقدية محددة . ثمة العديد من الاعتبارات التى ربما غاب بعضها عن الكاتب نفسه . أحياناً ، يغيب الوجود المستقل للزمان أو المكان ، فهما وحدة متكاملة ، ليس ثمة عقدة ولا حبكة ، وربما لا تتخلق رواية ـ بالمعنى التقليدى ـ على الإطلاق . لا أعنى إهمال الشكل ، فالشكل مهم جداً ، ذلك لأن الفرق كبير ـ ذكرت هذا المثل فى مقدمة كتابى مصر فى قصص كتابها المعاصرين ـ بين شكوى فى رسالة ، وقصة فى رسالة ، مقابلاً لوعى الفنان الحاد بقضايا مجتمعه وعصره ، والتزامه بالتعبير عنها . ومع أن حقيقة وجود القاص تبدو واضحة لنا ، فإنه يميل إلى البقاء فى الظل كما لو أنه أطل من نافذة ، يشاهد العالم من تحته ، فجاءت شخصيته مجسدة فى ساحة مضاءة ، دون أن يتبين القارئ ملامحه بدقة . وكما يقول كيتس ، فإن " الفنان الأصيل هو الذى لا يفرض شخصيته عليك ، لأنه هو نفسه بلا شخصية " . ويذهب هنرى باير إلى أن من نقاط الضعف فى الرواية الفرنسية تلك المراقبة الشديدة للذات ، والتى تصل إلى حد تسلط الروائى على شخصياته ، لكن الفرنسيين أصبحوا يضيقون بتلك الشخصيات التى يكبلها الفنان بأفكاره ، دون أن يترك لهم حرية التصرف والمغامرة الذاتية . أزعم أنى كنت مؤمناً بذلك الرأى قبل أن أقرأه ، وقبل أن أقرأ لهنرى جيمس الرأى نفسه ، وإن زاد فدعا إلى اختفاء الفنان من عمله . الفنان مطالب بأن يخفض صوته إلى حد الهمس ، حتى يتحقق الإيهام بالواقع ، ولا يتحدث الفنان نيابة عن شخصياته ، وعلى حد تعبير فلوبير ، فإن الفنان فى عالمه الروائى صاحب القدرة على كل شيء ، رغم أنه لا يكشف عن ذاته . لعلى أتفق كذلك مع الرأى الذى يؤكد أن " كل القواعد التى توضع لفن ما ، إنما توضع لتخرق .. إن الشكل ينبثق من التجربة انبثاقاً طبيعياً . وعلى العكس ، يكون مقلداً بقدر ما يحاول أن يصب التجربة فى قالب جاهز مصنوع مسبقاً " ( الحياة ـ 28/11/1989 ) .
    (يتبع)
  • 30/05/2010, 11:28 PM
    د. حسين علي محمد
    القصة تكتب نفسها
    ...........................

    " إن الفنان الحقيقى يهب نفسه كلها للفن "
    بوشكين
    " للفنان عالم خاص يملك مفتاحه هو وحده "
    أندريه جيد
    إن الفن يزلزلنى ، عبارة لفلوبير ، أتذكرها كلما أنهيت عملاً ما . كانت الكتابة ـ فى تقدير فورستر ـ أمراً مريحاً ، وأعلن دهشته لعبارة " آلام الخلق " . وأكد مورافيا أنه يكتب ليسلى نفسه . والكتابة ـ عند الكثيرين ـ هى مجرد تسلية . يغيظنى قول أحدهم ، رداً على اعتذارى عن موعد بأنى مشغول : يعنى مشغول فى ايه ؟. والكتابة : أليست مشغولية ؟ أليست هما يجب حشد النفس له ؟. أذكر عجب جون برين من افتراض الناس أن الكتابة لا تعدو ضرباً من السحر ، وأنها تخلو من الجدية . عذر الفتاة مقبول إذا تحدثت عن انشغالها بغسل شعرها ، أما عذر الانشغال بالكتابة فهو غير مقبول . وحين سئل وليم ستايرن : هل يستمتع بالكتابة ؟. أجاب : كلا بالقطع !. نعم ، إنى أشعر شعوراً طيباً عندما أجيد ، لكن ذلك الشعور يتخللهالألم الذى أعانيه كلما شرعت ـ كل يوم ـ فى الكتابة . بصراحة ، إن الكتابة جحيم !
    اللغة تقول إن الإبداع هو " إحداث شيء على غير مثال سابق " . وإذا كان أندريه جيد قد كتب إبداعاته على أمل أن يجد قارئاً لم يقرأ الأعمال السابقة عليه ، فإن ناتالى ساروت تعلن " يجب ألا نكتب إلا إذا أحسسنا بشيء لم يسبق أن أحس به ، أو عبر عنه ، كتاب آخرون " . ويقول سيزان : " إننى أريد أن أرسم ، وكأن رساماً واحداً من قبلى لم يقم بهذه المهمة " . ولعلى أوافق فلوبير بأن مهمة الرواية الأهم هى أن تبين دائماً عن الجديد . الخطأ الأكبر الذى يقع فيه الروائى هو أن يكون سلفياً ، فيكرر ما اكتشفه ـ من قبله ـ الآخرون . القول بانه لا جديد تحت الشمس يحتاج إلى مراجعة . ثمة الجديد دائماً تحت الشمس ، وكل يوم هو إضافة ـ سلبية أو إيجابية ـ فى حياة الفرد والجماعة ، وفى حياة الكون جميعاً ، وإلا فماذا تعنى آلاف المنجزات التى تقدمها البشرية ، فى توالى الأيام : الكتب والاختراعات والاكتشافات وطرائق التربية والإبداعات الفنية وغيرها ؟. يعجبنى قول جارثيا ماركيث " الكاتب الذى لا يعرف ماذا يعمل ، يسعى دائماً ألا يكون شبيهاً بالآخرين ، لكنه يصبح فى الحال غير متجاهل للكتاب الذين يحبهم ، أفضل من هجرهم نهائياً " . ودلالة قول هيراقليطس " أنت لا تستطيع أن تستحم فى مياه النهر مرتين " واضحة ، فمياه النهر فى جريان دائم ، بحيث يغتسل المرء دائماً فى مياه جديدة .
    والحق أنى لا أذكر متى كان تعرفى إلى الإبداع السردى ، كقارئ فى البداية ، ثم كواحد من الذين يطمحون لتقديم إضافة فى هذا المجال . كانت أيام طه حسين هى أول ما أذكره من قراءات مؤثرة ، قرأتها فى حوالى الثامنة من عمرى ، أحببت لغتها فى القراءة الأولى ، ثم ألممت بضمونها فى القراءة الثالثة ، وأفدت ـ بعد ذلك ـ كثيراً من مكتبة أبى . كانت تضم عدداً هائلاً من المؤلفات التى تعنى بألوان المعرفة الإنسانية ، والقصة والرواية ـ بالطبع ـ من بينها . وحين جرى القلم بالمحاولات الأولى ، فإنها لم تكن أكثر من تقليد ساذج لكتابات المنفلوطى والمازنى وهيكل وحقى وعبد الحليم عبد الله ومكاوى وغيرهم من أدباء جيل الرواد ، وجيل الوسط الذين أتاحت لى مكتبة أبى قراءة مؤلفاتهم [ تعرفت إلى نجيب محفوظ فى مرحلة تالية ] . وقد أقدمت فى سن باكرة على إصدار كتابين [ التسمية لا تخلو من تجاوز ] يتبدى فيهما ذلك التأثر بصورة مؤكدة ، وهما الملاك وظلال الغروب . أنت تجد فى كل فقرة ، وكل تعبير ، إفادة من كتابات هؤلاء الكبار . كنت أنفذ ـ دون أن أدرى ! ـ نصيحة د . جونسون " انقل كتابات أدبائك المفضلين حتى تستطيع ـ ذات يوم ـ أن تكتب مثلهم " . كنت فى مرحلة الصبا ، لم أستقر على أسلوب ، وإن تعجلت ـ فى الوقت نفسه ـ أن أكون كاتباً . كانت " الملاك " أشبه بمقال رثائى لأمى التى اختطفها الموت قبل سنوات . أما ظلال الغروب فقد عرضت لقصة حب بين شاب وفتاة . وبالطبع ، فإنى أعتبر هذين النصين من ذكريات الصبا ، بل إنى أتردد كثيراً فى وضعهما تحت تصرف الدارسين ، حتى لا يصدموا فى سذاجات البداية . أما قصة البداية التى أعترف بها ، فهى يا سلام من مجموعة تلك اللحظة . كنت أسير فى شارع شريف ، بالقرب من ميدان محطة الإسكندرية ، عندما استمعت إلى شيخ يبيع الكيزان الصفيح ، يخاطب نفسه بأنه يريد النوم فى أى مكان . ولأن مصر ـ أيامها ـ كانت تواجه عدوان 1956 ، فقد تناولت مأساة الرجل باعتباره ضحية للحرب . ثم كتبت العديد من القصص القصيرة ، قرأها أستاذى أحمد عباس صالح ، فنصحنى بأن أمزق معظمها ، وأنشر أقلها ، وبعضها لم أنشره فى مجموعتى الأولى .
    ***
    يقول نورمان بوردور فى سيرته الذاتية : " الكتابة من أشد الأنشطة الإنسانية غموضاً ، ولا أحد ، حتى المحللين النفسيين ، يعرف القوانين التى تحكم حركتها أو توقفها . فالقصيدة والقصة والرواية والمسرحية والمقالة ، وحتى الدراسة النقدية ، هى هناك ، حتى قبل أن يخط الكاتب كلمة واحدة على الورق . وفعل الكتابة أشبه بالمفتاح السحرى الذى يفتح الباب المغلق ، فيبدأ الإبداع فى التدفق " . وبالنسبة لى فإنى أخشى العمل الفنى قبل أن أبدأ فى كتابته ، يشغلنى ، ويلح على . أقرر ـ مرات كثيرة ـ أن أخلو إليه لأكتبه ، لكننى أتذرع بحجة ما ، فأتشاغل عنه ، وإن ظل يشغلنى إلى حد بعيد . ثم أبدأ فى الكتابة عندما أشعر أن هناك إلحاحاً داخلياً يدفعنى إلى ذلك . ربما انشغلت ، أو تشاغلت ، فتفلت اللحظة الماسبة . وحين أتوهم ثانية أنها قد عادت ، تأتى الكلمات باهتة ، باردة ، كالوجبة التى لم تقدم وهى ساخنة . وفى معظم الأحيان ، فإن البدء والختام فى قصة قصيرة ـ أحرص أن يكون ذلك فى جلسة واحدة ـ تأتى أقرب إلى المفاجأة . ربما تطاردنى الفكرة شهوراً ، فأتناساها وأهملها ، وأنصرف عنها إلى قراءات وكتابات أخرى ، ثم يجرى القلم على الورق دون تعمد . ولعلى أتذكر ملاحظة صامويل باتلر عن أعماله الروائية " إننى لا أضعها أبداً ، إنما هى تنمو ، فهى تقبل على ملحة فى أن أكتبها ، ولولا أننى أحببت موضوعاتها لحزنت ، وما كان لشيء أن يحملنى على كتابتها إطلاقاً . أما وقد أحببت هذه الموضوعات فعلاً ، وأما وقد جاءت الكتابة قائلة إنها تريدنى أن أكتبها ، فقد تململت قليلاً ، ثم كتبتها " ( ت نبيل راغب ) . ويعرّف جورج مور الرواية بأنها " تتابع منظم للحوادث فى أسلوب إيقاعى منظم للعبارات " . ولعلى أعترف أنى أبدأ فى كتابة العمل ، وأواصل الكتابة ، وقد أهملت كل ما قرأته وتعلمته عن الشخصية والحدث والبيئة والصراع والعقدة والذروة والحل ، وغير ذلك من التعريفات التى أعتبرها مخزوناً معرفياً ، أفيد منه بالضرورة ، ودون تعمد ، شأنه شأن الذكريات والتجارب والخبرات والقراءات إلخ ، عفوية الإبداع لا تلغى ثقافة المبدع ، بل إن الثقافة لازمة للمبدع إطلاقاً .
    أحياناً ، أهم بكتابة رسالة أو مقال صحفى ، فيتحول ـ منذ البداية ـ إلى القصة التى كانت تشغلنى وتشاغلنى . وعندما أنتهى من كتابة القصة ، فإنى أعيد النظر فيها بين حين وآخر ، حتى أطمئن ـ فى النهاية ـ إلى إمكانية نشرها . فإذا نشرت ، لم يعد لى بها بعد ذلك صلة . ولأن الفكرة حين تختار لحظة تسجيلها تكون أشبه بالمولود الذى لابد أن يغادر بأكمله رحم أمه ، فإنى أكتب بسرعة ، دون توقف . ما يشغلنى هو التدوين فحسب . ربما أتوقف أمام كلمة ، أو جملة ، أو موقف كامله ، فأتجاوز ذلك كله ، وأترك السطور مكانه خالية وأواصل الكتابة ، على أن أعود إلى السطور الخالية بعد ذلك ، فأحاول أن أسود بياضها . بعض أعمالى واتتنى [ هل ، على سبيل المثال ] وأنا فى حلم يقظة ، وحين قرأتها ، لم أضف إليها ـ ولا حذفت ـ حرفاً ، نقلتها على الآلة الكاتبة بصورة الكتابة الأولى [ لم أكن قد تعرفت إلى الكومبيوتر بإمكاناته المذهلة ! ] . كنت أتردد فى البوح بذلك الأمر ، حتى عرفت أنه يحدث للكثير من الأدباء . أذكر قول همنجواى " يحدث لى أحيانا أن أحلم بالسطور نفسها ، وفى هذه الحالة ، فإنى أستيقظ وأكتبها ، وإلا ربما نسيت الحلم تماماً " . كانت كوليت تقضى الصباح كله فى كتابة جملة واحدة . وأنا أفضل أن أترك لهذه الجملة موضعها فى السياق ، ثم أتأملها ، أضعها فى بالى ، أحاول صياغتها فى حياتى العادية : فى البيت ، فى المكتب ، فى الطريق ، حتى إن تشكلت على النحو الذى أطمئن إليه ، ملأت بها الموضع الخالى من السياق . تعمد وصل الجمل بالمعانى الغائبة يضر بالعمل الإبداعى ، فأنت قد تقبل ـ لتكامل النص ـ كتابة ما ، قد يكون فى وعيك أفضل منها . أنا أكتب القصة القصيرة ، أو الفصل فى رواية ، فى جلسة واحدة . لا أترك القلم والورق قبل أن أنهى ما بيدى ، يملى النص ما يحمله . ربما اتجهت الأحداث إلى عكس ما كنت أفكر فيه قبل البدء فى الكتابة ، وربما أبانت الشخصيات عن نقيض ما كنت أتصوره فيها . لا أحاول التدخل ، إنما أترك المسألة برمتها إلى موروثات وقراءات وتأملات ورؤى وخبرات وتجارب . وعلى حد تعبير همنجواى ، فإن همى الأول ـ وأنا أبدأ فى كتابة الرواية ـ هو أن أنجزها . إذا صادفت قلقاً فى بعض المواقف أو التعبيرات ، أو حتى الكلمات التى تهب المعنى ، فإنى أتجاوزها ليظل الخيط متصلاً إلى نقطة الختام ، ثم أبدأ فى رتق [ وأعتذر لردءاة التشبيه ! ] ما أهملته من قبل ، أو يبدو لى غير منسجم مع النص . لا أترك القلم ، أعتبر النص منتهياً إلاّ إذا بدا النص جسماً مكتمل الملامح والقسمات والتكوين ، لوحة فنية متكاملة الأبعاد والألوان والظلال ، قطعة نسيج خلت من العيوب التى تقلل من قيمتها . لا أقصد من ذلك أنى أكتفى بمجرد وضع السواد على البياض ، أو على حد تعبير موباسان " اكتب أى هراء ، ولا يهمنى ماذا يكون ، ثم أنظر فيه بعد حين " . أنا أكتب بالفعل ، أحاول أن أعبر بقدر ما تواتينى الموهبة ، وحضور اللغة ، فإذا استعصى التعبير تركت الجملة ، أو الفقرة ، حتى لا أفقد المواصلة ، ثم أعود إلى النص ، أطيل قراءته ، أعاودها ، أتأمل وأفكر وأضيف وأحذف وأبدل ، حتى أطمئن إلى أنى لم أخطئ فى صياغة جملة ، ولا إلى موضع كلمة ولا حرف . وربما أقدمت على تمزيق النص ، لأن صورة المولود شوهاء ، فلن تجدى إعادة نظر . عموماً ، فإنه يجب أن تكون أمام الفنان فترات للتأمل ، وهذه الفترات عندى حين أقود سيارتى ، أو عند ركوبى المواصلات العامة ، أو لحظات القراءة . تثيرنى معلومة ، فأسرح فيها ، وربما بعيداً عن المعلومة نفسها . قد تأتى لحظات التأمل تحت " الدوش " ، أو فى دورة المياه ، أو حتى أثناء تناول الطعام . إنها تأتى فى اللحظات التى أنعزل فيها ـ دون وعى دائماً ـ عن الآخرين ، أذهب إلى جزر قريبة ، وبعيدة ، أتنقل بين عوالم واضحة وضبابية وهلامية ، فى هذه اللحظات ، تواتينى فكرة الرواية ، أو القصة ، أستكمل الجملة الناقصة ، أحذف الكلمة الزائدة ، وربما الحرف الزائد . قرأت لفيلكس ألكرن إن قلمه كان يجرى على الورق بقدر ما تواتيه السرعة ، فهو يجعل بعض الكلمات إشارات وخطوطاً ، ويملأ الصفحات بما يصعب قراءته . ربما كان خط ألكرن جيداً ، فهو يكتب ـ بسرعة ـ كلمات وجملاً واضحة . أما خطى فهو سيء فى الكتابة العادية ، ويصعب على قراءته ـ أحياناً ـ بعد أن أكتب بسرعة ، ولولا أن عمل زوجتى بالتدريس لأعوام طويلة ، فخبرتها فى الخطوط طيبة ، ولولا أنى أفلح فى القراءة بالتذكر ، فلعلى كنت سأتخلص من الكثير الذى قرأته ، يأساً من قراءته .
    ***
    يعرف بعض الأدباء " الإلهام " بأنه القدرة على أن يخلق المرء فى نفسه أنسب الحالات للعمل . ويقول أوستروفسكى : إننى مقتنع بشيء واحد ، هو أن الإلهام يأتى أثناء العمل ، والكاتب يجب أن يكون كالبناء فى هذا البلد ، أى أن يعمل فى جميع الأجواء ، سواء كانت سيئة أم حسنة " . أنا أتفق مع هذا الرأى تماماً ، فالقضية ليست فى " أنسب الحالات للعمل " ، ولكن فى مدى قدرتناعلى إيجاد تلك الحالة فى النفس . كذلك فإنى أتفق مع الرأى بأنه ينبغى على الكاتب ألا ينتظر حتى يأتيه الإلهام ـ وقد لا يأتيه ! ـ وإنما عليه أن يذهب فيحصل عليه . من الخطأ ـ على حد تعبير جون برين ـ أن ننتظر الوحى قبل الكتابة ، لا لأن الوحى لا وجود له ، بل إنه لا يأتى إلا مع الكتابة . يكفى أن تكون لديك الصورة ، ليس من الحتم أن تكون عالماً بأصل الصورة ، المهم أن تكون لديك الصورة ، وهى لن تكون موجودة ، ومتبلورة إلى حد ما ، ما لم تكن قد اتخذت قراراً بكتابة القصة ـ أو الرواية ـ وهممت بكتابتها . ولعلى أشير إلى قول همنجواى : " فى روايتى العجوز والبحر كنت على علم بأمرين أو ثلاثة من الموقف كله ، لكن لم أعرف القصة ، كما لم أكن أعرف على وجه الدقة ما سيقع من أحداث فى لمن تدق الأجراس ، أو وداعاً للسلاح .
    والحق أنى حين أبدأ فى كتابة عمل ما ، فإن صورته فى ذهنى لا تكون واضحة تماماً . إنى أكتفى بالفكرة دون تفصيلات ، وإن توضحت بعض التفصيلات الصغيرة ، لكننى أفضل أن يكتب العمل نفسه ، بمعنى أنى أرفض التحديد الصارم لصورة العمل منذ بداية الكتابة ، حتى لحظة ترك القلم ، ذلك تعسف لا أتصور أنى أقدم عليه . وكما قلت ، فإنى أبدأ الكتابة وصورة العمل غير واضحة الملامح ، فتتوضح معالمها أثناء الكتابة ، لأنها هى التى تهب تلك الملامح ، بإسهام من المخزون الذى أمتلكه من الخبرات والتجارب والرؤى والتصورات . عندما أبدأ الكتابة ، فإنى أعتمد كثيراً على الخبرات ـ خبراتى وخبرات الآخرين ـ الكامنة والمترسبة فى أعماقى . لا أجهد نفسى فى البحث ، ولا أحاول انتزاعها ، إنما أترك للعملية الإبداعية سبيل استدعائها على الورق ، تظهر فى الوقت الذى تريده ، وعلى النحو الذى تريده ، دون تعمد ولا قسر من ناحيتى . وربما تكون الشخصية ، أو الحادثة ، غائبة تماماً ، فلا أتذكرها إلا أثناء عملية الكتابة .
    ***
    (يتبع)
  • 30/05/2010, 11:27 PM
    د. حسين علي محمد
    والوقوف على أرضية الصفر ، بمعنى مواجهة الخطر ، وتحديه ، هو ما يلجأ إليه أبطال رواياتى ، عندما تحاصرهم الأزمة تماماً . يترددون فى البداية ، تنهكهم المطاردة ، يحاولون الاختباء أو الفرار أو التجاهل ، لكن الخطر يدفعهم ـ فى النهاية ـ إلى تحديه ، إلى مواجهته ، ومقاومته . فى روايتى الصهبة يقول الهاجس لمنصور سطوحى : لكى تفر مما يشغلك ، اقذف بنفسك داخله . وكان الوقوف على أرضية الصفر هو سر صمود بكر رضوان فى " الأسوار ، وسر حفاوة " الأستاذ " بالمصير المحتوم . وقد أذهل محمد قاضى البهار مطارديه ، وهو يصفّر ، ويغنى ، فى طريقه إلى البحر ، ليقذف بنفسه فيه . ومثلت مواجهة عائشة للسلطان خليل بن الحاج أحمد لحظات الحسم فى إصرار السلطان على أن ينتزع عائشة من المدينة ، لتقيم معه فى قلعة الجبل . واستطاعت زهرة الصباح أن تحيا فى ظل الخوف ، وتحب ، وتنجب . وفى " الجودرية " تأكد دور المهمشين فى صناعة الثورة ضد حملة بونابرت . وصارت الشقة المطلة على البحر فى البحر أمامها وطناً أعدت السيدة نجاة نفسها للدفاع عنه . وقد أراد بطل قصتى القصيرة المستحيل بإغلاق الأبواب والنوافذ ، وتكويم قطع الأثاث وراء الأبواب والنوافذ المغلقة ، أن ينأى عن الخطر فى خارج البيت ـ فعل مشابه لمد الأيدى أو إغماض العينين ـ اتقاء مواجهة ما يهدد الحياة . تناسى الرجل أن الخطر الذى يتحرك فى الخارج ، يهدد ، ويدمر ، إنما يستهدفه هو فى الدرجة الأولى . وفى قصة فى الشتاء يعانى البطل الفرار من المجهول ، فإذا تحتمت المواجهة ، بدا المجهول لا شيء لقاء إصرار البطل على المقاومة . وفى حدث استثنائى فى أيام الأنفوشى بدا السكوت عن مقاومة أسراب السمان ـ التى قاسمت أهل بحرى حياتهم ـ طريقاً إلى الجنون .
    وبالطبع ، فإن هذه الأعمال مجرد أمثلة .
    ***
    أذكر لأستاذنا زكى نجيب محمود قوله : " إنه ليكفى الكاتب العربى أن تكون أحداث العصر قد ألقت فى وجهه شيئاً اسمه إسرائيل ، لتكون وجهة نظره إلى مشكلات العصر وحوادثه ، مختلفة أشد اختلاف مع زملائه الكتاب من الجماعات التى اقترفت فى حقه هذا الجرم ، حين ينظر معهم إلى مسائل العصر وحلولها " ( العربى ـ يناير 1971 ) . كانت يا سلام أولى قصصى المنشورة ( 1958 ) هى التعبير عن انعكاس تجربة الحرب [ حرب 1956 تحديداً ـ على حياة البسطاء ، كما سجلها شاب فى حوالى الثامنة عشرة . ثم أصبحت مصر هى " القضية " فى كل ما كتبت ، مصر الماضى ، والحاضر ، واستشرافات المستقبل ، ما يعجز الفن عن تسجيله ، فإنى أحاول أن أناقشه فى دراسات . وقد أشرت فى مقدمة كتابى " مصر فى قصص كتابها المعاصرين " إلى أن من بين الأسباب التى دفعتنى لتأليفه ، والابتعاد ـ لسنوات ـ عن الكتابة الإبداعية ، تأكيد الصداقة بين الكاتب وبلاده ، بالتعرف المباشر ، وبالقراءة التى تشمل جوانب الحياة المصرية ، بكل اتساعها وخصبها وثرائها . العجوز فى يا سلام تأثرت حياته بنتائج الحرب ، لكن السلام الزائف أخطر ـ فى تقديرى ـ من الحرب ، عندما يوهمك عدوك أن المعارك بينك وبينه قد انتهت إلى الأبد ، وتعانق الوهم ، فى حين يصرف العدو جهده إلى الإعداد للحرب الحتمية ، القادمة . ثمة قول فى سفر التثنية ( الإصحاح العشرون ـ الفقرة العاشرة ) " حين تقترب من مدينة لكى تحاربها ، استدعها إلى الصلح " . الصلح غير العادل ـ كما يقول القانونى فاتيل ـ ظلم لا تتحمله أية أمة إلا لافتقارها لوسائل نقضه ، وإحقاق حقها بالسيف . القضية المحور التى تشغلنى منذ سنوات ، هى مستقبل الصراع العربى الإسرائيلى : الحياة والبقاء والموت ، الكينونة وانعدامها ، الاستمرار والانقطاع . تلك هى القضية التى تسبق فى اهتماماتى ما عداها من قضايا ، لأنها قضية المصير العربى فى إطلاقه . ألح فى أن أدب المقاومة ليس وقفاً على التحريض ضد المستعمر الذى يسعى إلى احتلال أرضى , وتشويه حضارتى وقيمى وموروثاتى وملامح شخصيتى بواسطة أدوات قد يكون من بينها معاهدة سلام . السلام مطمح ، لكنه ـ بالتأكيد ـ ليس ذلك السلام الذى يدفع أحد طرفى النزاع إلى الاطمئنان للغد والمستقبل ، والاطمئنان كذلك إلى النيات المقابلة ، بينما الطرف الآخر يدبر ويخطط ، بل وينفذ ـ علناً وسراً ـ تدبيراته . الحذر إذن مطلوب ، والتنبه إلى الغزو السلمى ، بأبعاده الاجتماعية والثقافية ، يستوجب التعرف إلى الشراك الخداعية فى حقول السلام . أشير إلى رواياتى : النظر إلى أسفل ، ومن أوراق أبى الطيب المتنبى ، والمينا الشرقية ، وصيد العصارى ، ومجموعات : هل ، وحارة اليهود ، وموت قارع الأجراس ، ورسالة السهم الذى لا يخطئ ، وغيرها .
    ***
    ثمة قضايا أخرى ، آنية ، مثل قضايا التخلف : غلبة الاستهلاك على الإنتاج ، محدودية المسار الديمقراطى ، زيادة أعداد الأميين ، انعدام الوعى السياسى والبيئى ، الزيادة غير المسئولة فى النسل ، وغيرها من المشكلات التى قد لا تكون فى صميم مسئوليات المبدع ، لكنها ـ فى الدرجة الأولى ـ قضايا المجتمع الذى يعيش فيه ، ولابد أن ينشغل بها على المستويين الشخصى والعام ، و تتوضح فى أعماله ، بصورة وبأخرى ، على أن تنتسب هذه الأعمال إلى الفن ، وترفض الجهارة والمباشرة . فى قصتى " الرائحة " يقول الطبيب : غلطتان كفيلتان بتقويض أية ثورة .. زيادة أعداد الأميين وغياب الديمقراطية . المثل الشعبى يقول " السجن سجن ولو فى جنينة " ، وغياب الديمقراطية معناه تحول المجتمع إلى سجن ، قد يكون مزوداً بكل الضروريات ، وقد يوفر لنزلائه وسائل الراحة ، لكنه يظل ـ فى النهاية ـ سجناً . الديمقراطية تعنى الرأى والرأى الأخر ، مناقشة المحكوم للحاكم ، التعبير عن وجهة النظر دون خشية من مصادرة أو اعتقال .
    ***
    هنا يفرض السؤال نفسه : كيف تدعو إلى فلسفة الحياة فى العمل الفنى ، وتناقش ـ فى الوقت نفسه ـ صورة المجتمع فى القصة والرواية ؟
    ظنى أن انشغالى بضع سنوات فى إعداد الأجزاء الثلاثة من كتابى " مصر فى قصص كتابها المعاصرين " ـ كأول محاولة تطبيقية فى علم الاجتماع الأدبى ـ يؤكد أهمية أن تعبر القصة عن المجتمع الذى صدرت عنه ، وصدرت فيه . لكن العمل الفنى الحقيقى هو الذى يتناول مشكلات آنية فلا يفقد جوهره ولا جودته بغياب تلك المشكلات ، ولا يموت بموتها . ثمة أعمال إسخيلوس وسوفوكليس وشكسبير وموليير وبلزاك وزولا وفلوبير وديكنز وإبسن ونجيب محفوظ وغيرهم ، كانت تعبيراً ملحاً عن قضايا مجتمعها ، لكنها ـ من بعد ـ تجاوزت " الآنية " لتعنى باهتمامات الإنسان الباقية ، وتجيب عن أسئلته المهمة . لذلك فإن المبدع الذى يدرك قيمة الفن ، يتحفظ على الإبداعات التى انشغلت باللحظة الآنية ، فتجردت من الديمومة التى تهب العمل الفنى استمرار الحياة . صارحت أستاذنا نجيب محفوظ ـ عقب نكسة 1967 ـ بإشفاقى من أنه يعنى بالتعبير ـ فيما سماه مسرحيات ذات فصل واحد ـ عن التطورات السياسية والاجتماعية ، التى ربما تتصل بالطارئ والمؤقت ، بحيث تنتسب ـ فى المستقبل ـ إلى التاريخ بأكثر من أن تنتسب إلى الفن . قال لى محفوظ : إن لدى استعداداً لأن أكتب عملاً من هذا النوع ، ولظروف سياسية أحب أن أمارس دورى فيها ، حتى لو قدر لهذه المسرحية أن تموت فور انتهاء المناسبة التى كتبت فيها . لقد عنى ـ على حد قوله ـ بالتوصيل قدر اهتمامه بالتعبير . وكان لذلك بواعثه الملحة ، وهى أن مصر كانت تحيا فى ظل نكسة ، ومع تفهمى لقول سارتر " إننى أكتب لزمنى ، لا يهمنى من يأتون بعدى " ، فإن العمل الإبداعى يختلف ـ بعامة ـ عن الوثيقة التى تخاطب اللحظة المعاشة .
    ***
    صلتى بعملى الأدبى ، وفهمى له ـ بعد أن يجد سبيله إلى النشر ـ يجب ألا تجاوز صلة الآخرين به ، وفهمهم له ، بمعنى أنه ينبغى ألا أتصور فى نفسى قدرة على تفسير العمل ، وفهم دلالاته ، أكثر من الآخرين . وبالتأكيد ، فإن الفنان ليس أقدر الناس على الإحاطة بعمله ، بل إنه قد يكون أبعد الناس عن ذلك . ولأن المتنبى كان ذكياً وفاهماً ، فقد كان جوابه على السائلين عن شعره : عليك بابن جنى ، فإنه أعرف بشعرى منى !. وكان أبو الفتح عثمان بن جنى هو شارح ديوان المتنبى وناقد شعره . على الفنان أن يطرح الأسئلة طرحاً صحيحاً ، لكنه ليس مطالباً بأن يجيب على ما يطرحه من أسئلة . وكما يقول تشيخوف ، فإنه ما من سؤال واحد قد أجيب عليه ، أو وجد حلاً ، فى رائعة تولستوى " أنا كارنينا " ، لكن الرواية ترضينا تماماً لأن كل الأسئلة قد طرحت طرحاً صحيحاً . مهمة المبدع أن يطرح القضية طرحاً جيداً ، وإن كان عليه ـ فى الوقت نفسه ـ أن يظل الطرح بلا حل ، تظل النهاية مفتوحة . فإيجاد الحل هو مهمة المتلقى . إن عليه ـ فى المقابل ـ أن يبذل جهده , ويفكر فيما طرحه المبدع . إنى أكتفى ـ فى نهاية كل قصة ـ وأحياناً فى ثنايا القصة ـ باللمحة الدالة التى تخاطب ذكاء القارئ , وعيه ، تراثه الروائى والقصصى ، لا تفرض عليه استنتاجاً أو رأياً . الكثير من سردى الفنى ينتهى بصيغة السؤال ، أو التساؤل . أذكر قول أندريه جيد " إن واجب الكاتب أن يوجه الأسئلة للقارئ ، ويحاصره ، ويدفعه إلى الإجابة " . كذلك فإنه من حق المتلقى ـ بصرف النظر ما إذا كان ناقداً متمرساً أم قارئاً عادياً ـ أن يستنبط من العمل ما يشاء من القيم والمعانى والدلالات مادامت طبيعة العمل تحتم ذلك ، وليس المطلوب من كل غواص أن يستخرج من البحر ما استخرجه الآخرون .
    الفعل الإبداعى لحظة ناقصة ، لا تستكمل إلا بالمتلقى الذى تستكمل اللحظة بتلقيه . قراءة النص إعادة خلق له . بل إن النص المتفوق هو ما يجاوز الدلالة المغلقة ، ليطرح العديد من الدلالات . من حق قارئ العمل الأدبى ـ ومن واجبه أيضاً ـ بصرف النظر عن مدى ثقافته ، أو تخصصه ـ أن يستنبط من العمل ما يشاء من المدلولات ، التى يجد أن العمل يحتمل التعبير عنها . بل إن تصور التفسير الواحد لعمل ما ، ينزع عن ذلك العمل صفة الديناميكية التى تعد سمة أساسية فى العمل الفنى . وكما يقول رينيه ويلك فإنه لو قدر لنا أن نسأل شكسبير عن المعنى الذى قصد إليه من كتابة " هاملت " لما كان فى جوابه ما يشفى الغليل ، مع ذلك فنحن نجد فى هاملت ما قد يكون ـ فى الأرجح ـ بعيداً عن ذهن شكسبير ".
    العمل الفنى الجيد هو الذى يحتمل العديد من التفسيرات ، تعدد التفسيرات دليل على خصوبة العمل ، وعمقه ، بشرط أن تصدر كل التفسيرات من داخل العمل ، ولا تفرض عليه من الخارج ، أو تستنطقه بغير ما يقول .
    ***
    يقول أرسكين كالدويل : " إن واجب الكاتب والتزامه يجب أن يكون أمام نفسه ، وأمام قارئه " .
    الالتزام لا أرفضه ، ولعلى أوافق عليه . أما الإلزام ، فإنه يعنى القضاء على ملكة الإبداع ، وهى ملكة " فردية " لا تستطيع أن تتحقق ، وتنطلق ، إلا فى جو من الحرية . الإلزام فى الفن يعنى ـ بأبسط عبارة ـ القضاء على موهبة الفنان ، فهى لا تحيا وتزدهر إلا فى الحرية المطلقة . التزام الفنان ينبع من داخله ، من ذاته ، من نظرته إلى الأمور ، وفهمه لها ، وإيمانه بالقضية التى يعالجها ، وفى كل الأحوال ، فإن ذلك الالتزام ينبغى أن يتحرك فى دائرة الفن . وقد أعلن كامى ـ يوماً ـ أنه ضد الالتزام ، إن كان الالتزام يعنى ارتباط الفنان بصانعى التاريخ الذين يغنون على مؤخرة السفينة للقمر والنجوم ، بينما سياط جلاديهم تسلخ شعوبهم فى قلب السفينة نفسها . بل إن الكاتب ـ إذا كان قد اختار مهنته عن اقتناع ، وبجدية ووعى ـ لا يستطيع أن يصمت ، إلا إذا اعتبر الصمت مظهراً من مظاهر الكلام . الأدق : مظهراً من مظاهر رفض الكلام ، لأن الضغوط لا تتيح له أن يتكلم بصورة طبيعية ، وبما يمليه عليه ضميره . وكما يقول سارتر فإذا " تناولت هذا العالم ، بما يحتوى عليه من مظالم ، فليس ذلك لكى أتأمل هذه المظالم فى برودة طبع ، بل لكى أراها حية بسخطى ، أكشف عنها، أبعثها مظالم على طبيعتها ، أى مساوئ يجب أن تمحى " .
    وبالنسبة لأوضاع مجتمعاتنا العربية ـ التى لا تجاوز الديمقراطية فيها دائرة التمنى ! ـ فلعلى أزعم أنى أتفهم قول تورجنيف : " يجب على الكاتب ألا يفقد شجاعته ، وإنما عليه أن يمضى فى بسالة إلى النهاية ، فلنرفع رءوسنا إذن فوق الأمواج ، حتى تجتذبنا الأعماق تماماً " . بوسع الكاتب ـ كما يقول الفرنسي بريسباران ـ أن يصمت ، " ومادام قد اختار أن يطلق رصاصاته ، فإن عليه أن يتصرف كرجل ، يصوب إلى الأهداف الحقيقية ، ولا يفعل كطفل يطلق رصاصاته عشوائياً ، وهو مغمض العينين ، لا ينشد سوى سماع صوت انطلاق الرصاصات " .
    ليس المهم أن أردد الشعارات الباهرة عن الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وغيرها ، المهم أن أومن بذلك ، أن تتطابق تصرفاتى مع أومن به . الكتابة الحقيقية فى عصرنا نوع من الشهادة ، والكاتب الحقيقى يصرعه رصاص كلماته ، وإن كنت أومن بأن المستقبل للإنسان .
    ..............
    1985
  • 30/05/2010, 11:26 PM
    د. حسين علي محمد
    لست أذكر القائل : إن على الكاتب مهمتين : الأولى أن يقول شيئاً ، والثانية أن يروى شيئاً ، لكنه قول صحيح تماماً . ورغم احترامى لقول بيكيت " ليس لدى شيء أقوله ، فأنا الوحيد الذى يستطيع أن يقول إلى أى حد أننى ليس لدى شيء أقوله ، أو مضطر لأن أقوله " فإن المقولة / الدلالة واضحة فى أعمال بيكيت . قد تتعدد التفسيرات ، والتعرف إلى ما يحمله العمل من دلالات مضمونية ، لكنها موجودة [ أذكرك بتفسير نجيب محفوظ لمسرحية بيكيت لعبة النهاية فى كتابى نجيب محفوظ : صداقة جيلين ] . فى رسالة من تولستوى إلى مواطنه الروائى الروسى ليونيد أندرييف ، يشير إلى أنه على الكاتب ألا يكتب " إلا إذا استحوذت عليه الفكرة التى يود التعبير عنها بأحسن ما فى طاقته ، وألا يفكر حينئذ فى شيء آخر غير إجادة التعبير ، فلا ينظر إلى ما تضفى عليه الكتابة من شهرة أو مال " , وكتب تشيخوف فى إحدى رسائله : " دعنى أذكرك بأن الكتاب الخالدين ، أو فى الأقل ذوى الموهبة ، الذين يهزون نفوسنا ، لديهم سمة مشتركة بالغة الأهمية ، هى أنهم يتجهون إلى شيء ، وأنهم يدعونك إليه أيضاً ، وإنك تحس ، لا بعقلك وإنما بكيانك كله . إن لديهم هدفاً ، بعضهم لديه أهداف مباشرة ، كالقضاء على الإقطاع وتحرير البلاد ، وكالسياسة أو الجمال ، أو مجرد الفودكا ، وآخرون لديهم أهداف بعيدة كالله ، وكالحياة بعد الموت ، وكسعادة البشرية ، وهكذا، وإن أفضلهم كتاب واقعيون يصورون الحياة كما هى ، ولكن على الرغم من أن كلاً منهم يستغرقه هدف واحد ، فإنك تحس فى أعمالهم ، لا مجرد الحياة كما هى ، بل تحس الحياة كما ينبغى أن تكون ، وإن هذا ليأسرك " . إن للعمل الأدبى استقلاليته ، لكن وجود العمل مستمد من المبدع الذى كتبه ، من تمايز خبراته وتجاربه وقراءاته وتأملاته ورؤاه . أفترض أن العمل كتب نفسه ، أو هذا ـ فى الأقل ـ ما أتحمس له ، لكننى لا أتصور أن يصدر العمل عن فراغ ، حتى الثمرة المعينة هى ـ فى الأساس ـ بذرة معينة ، وضعت فى تربة معينة ، ومناخ معين .. وإلا ، فما سر زراعة محصول بذاته فى بلد ما ، ولا يمكن زراعته فى بلدان أخرى ؟!. وإذا كان رأى بوشكين أن " الفنان الحقيقى يهب نفسه كلها للفن " ، فإنى أجد أن القضايا التى يناقشها الفن ويطرحها ، وليس الفن كغاية ترفيه ، هى ما ينبغى على الفنان أن يخلص لها . ولعلى أذكر قول بيرل باك " الفنان اليوم لم يعد يكفيه أن يملك أداة رائعة من الصنعة المكتملة ، بل لابد أن يكون لديه شيء جدير بهذه الأداة يعبر عنه " ، بل إن دعاة الفن للفن يشيرون إلى أنه " على الكاتب أن يتحدث عن شيء من الأشياء " ( ما الأدب ص 25 ) . وقد أبدى سارتر أسفه على لا مبالاة بلزاك تجاه أحداث عصره ، وعلى عدم الفهم ، وعلى الخوف أيضاً الذى أبداه فلوبير تجاه حكومة الكوميونة ، فضلاً عن أنه اعتبر فلوبير والأخوين جونكور مسئولين عن القمع الذى أعقب حكومة الكوميونة، لأنهما لم يكتبا حرفاً واحداً.
    المسألة ـ فى تقدير بريخت ـ ليست مجرد تفسير العالم ، بل تغييره ، وعلى حد تعبير كافكا فإن رسالة الكاتب هى أن يحول كل ما هو معزول ومحكوم عليه بالموت ، إلى حياة لا نهائية ، أن يحول ما هو مجرد مصادفة إلى ما هو متفق عليه مع القانون العام " إن رسالة الكاتب نبوية " .
    بالنسبة لى ، فإن الكتابة قضية حياة ، وليست مهنة . وكما أشرت سلفاً ، فقد بدأت الكتابة دون أن أفكر : لماذا أكتب ؟. العقاد يؤكد أن الأديب يكتب لأن له رسالة ، ورسالة الأديب هى رسالة الحرية والجمال ، قلمه يجب أن يصبح سلاحاً ضد الديكتاتورية والاستبداد . ذلك مجمل ما يجيب به العقاد عن السؤال : لماذا يكتب الأديب ؟ ، يذكرنى بأول ما أصدرته من كتب مطبوعة ، اسمه " الملاك " ، من الصعب تصنيفه ككتاب ، فعدد صفحاته ستة عشر بالتمام والكمال ، فهو إذن أقرب إلى الكراسة أو الكتيب فى أفضل الأحوال ، محاولة غلبت عليها السذاجة ، وارتكزت إلى التقليد ، مهدت لها بكلمات مشابهة لكلمات العقاد ، وإن لم أكن وقتذاك قد صادفت كلمات العقاد فيما أتيح لى قراءته من كتب . أما الكلمات فهى : الحق ، الحرية ، الحب . ومع أنى لا أذكر الظروف التى كتبت فيها هذه الكلمات ، ولا بواعث كتابتها ، فضلاً عن أنى لم أكن أفهم دلالاتها جيداً ، وإن أمليتها على قلمى .. مع ذلك ، فإنى حين أتدبر هذه الكلمات الآن ، أجدها واضحة فى إطار اهتماماتى الفكرية .
    الرواية ـ فى تقدير دوبريه ـ " ذلك الشكل الأدبى الذى يؤدى دور المرآة للمجتمع ، مادتها الإنسان ، أحداثها مبعثها صراع الفرد ضد الآخرين ، للملاءمة بينه وبين مجتمعه ، وينتج عن ذلك الصراع خروج القارئ بفلسفة ما ، أو رؤيا شمولية للروائى " . أرفض دعوة ناتالى ساروت بأن تتحرر الرواية من كل هدف أخلاقى أو اجتماعى ، وأعتبر الكاتب ـ بدرجة وبأخرى ـ موقفاً فى عصره . أستعير من د . هـ . لورنس قوله " بما أن الإنسان يصور العالم من منطلق نظرى ، فمن المطلوب أن يكون لكل رواية خلفية أو مخطط لنظرية عن الوجود ، شيء ميتافيزيقى ، لكن ذلك الشيء الميتافيزيقى عليه أن يخدم الهدف الفنى دوماً، ويختفى وراء وعى الفنان ، وإلا تحولت الرواية إلى دراسة " . وأذكر أن دعوت ـ فى سن باكرة ـ نسبياً ـ إلى ضرورة أن يتضمن مجموع أعمال كل أديب فلسفة حياة ، نظرة شاملة مجتمعية وسياسية وثقافية وميتافيزيقية . كتبت فى " المساء ( 8/9/1960 ) بعنوان " فلسفة القصة " : لو نظرنا إلى أعمال أعظم روائى فى الشرق العربى الآن ـ نجيب محفوظ ـ لأخذتنا الروح الشعبية الصميمة ، واللمسات الإنسانية التى تنبض فى كل سطورها . لكن هذه الأعمال جميعاً لا تريد أن تقول شيئاً محدداً ، فالثلاثية ـ مثلاً ـ اعتبرها بعض النقاد تخطيطاً جغرافياً وتاريخياً ناجحاً للإقليم المصرى [ اسم مصر حينذاك ] إبان ثورة 1919 ، هى صورة اجتماعية صادقة لحياة العصر ، لكنها تفتقر إلى الفلسفة الواضحة التى تعكس نظرة الكاتب إلى الحياة [ راجعت هذا الرأى فيما بعد ، وتوصلت إلى قناعات مغايرة ، أثبتها فى كتابى نجيب محفوظ ـ صداقة جيلين ] والواقع أن كل قصاصينا ، الكبار والصغار [ التعميم مبعثه حماسة الشباب ] ليست لديهم فلسفة معينة ، يمكن أن نحس بها فى كتاباتهم ، كل ما نلاحظه ونحن نخرج من قراءة أية قصة ، أن قاصنا يريد أن يحكى حكاية ، يريد أن يفض عن نفسه تجربة عاشها وعاناها ، أما ما هو الذى يريد أن يقوله من خلال هذه الحكاية ، فلا شيء على الإطلاق " .
    أعمال أى مبدع يجب أن تشكل وحدة متكاملة " يوضح كل مؤلف منها مؤلفاته الأخرى، وكل منها يرى وجهه فى الآخر " . أزيد فأزعم أنى حاولت منذ تلك اللحظة ـ مجموعتى القصصية الأولى ـ والأسوار ـ روايتى الأولى ـ أن أحقق ـ بتوالى ما أكتبه ـ تلك الوحدة المتكاملة . ما أنشده فى مجموع كتاباتى ـ ومجموع كتابات الآخرين أيضاً ـ أن ينطوى على فلسفة حياة متكاملة . أن يعبر مجموع أعمال فنان ما عن صورة العالم لديه بما يختلف عن صورته فى نظر الآخرين . الأدب غير الفلسفة ، لكنه ـ فى الوقت نفسه ـ تصور للعالم ، يرتكز إلى درجة من الوعى ، وإن صدر عن العقل والخيال والعاطفة والحواس . طريقة الفيلسوف هى التنظير والتحليل والإقناع ، والصدور عن العقل ، والاتجاه كذلك إلى العقل . أما طريقة الأديب فهى العاطفة والخيال والحواس ، والصدور عن ذلك كله إلى المقابل فى الآخرين ، من خلال أدوات يملكها الأديب ، وتتعدد مسمياتها ، كالتكنيك والتطور الدرامى والحوار واللغة الموحية وإثارة الخيال إلخ . وإذا كنت أومن بوحدة الفنون ، وأن على كاتب الرواية ـ مثلاً ـ أن يضم إلى معارفه وأدوات ثقافته : القصة القصيرة والمسرحية والفن التشكيلى والموسيقا والسينما وغيرها من الفنون ، فإنى أومن ـ بالدرجة نفسها ـ بضرورة أن يقرأ الأديب فى الفلسفة ، يتأمل معطياتها ، يناقشها ، يحاول أن تكون له فى ذلك وجهات نظر . بعض كتاب القصة يعنون بالشكل السوريالى فى أعمالهم ، فإن شاهدوا لوحة سوريالية ، وقفوا أمامها فى تحير ، وربما أعرضوا عن مشاهدتها ، وثمة شعراء لا يجدون فى الأعمال الروائية ما يستحق عناء القراءة ، وسماع الموسيقا الكلاسيكية همّ ينأى عنه غالبية المبدعين [ أذكرك بمقدمة يحيى حقى البديعة لكتابه : تعال معى إلى الكونسير ] . ولعله يمكن التأكيد كذلك على أن نظرة الغالبية من أدبائنا إلى الفلسفة تحتاج إلى مناقشة ، وإلى تقويم ، والزعم بأن الفلسفة ـ وربما الثقافة بعامة ـ تفسد الموهبة ، وتسئ إلى التلقائية والبساطة والشاعرية التى ينبغى أن ينهض عليها العمل الفنى .. ذلك الزعم غير صحيح ، لأن مجرد استقراء تاريخ المشاعل فى حياتنا الأدبية يؤكد أن الحصيلة المعرفية ، والتأمل ، ومحاولات التوصل إلى صورة خاصة للعالم ، كانت هى الدعامات التى استندت إليها أعمال هؤلاء الأدباء . بل لقد أفادت الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع وغيرها من العلوم النظرية والتطبيقية ، من أعمال أدبية لسوفوكليس وشكسبير وديستويفسكى وعشرات غيرهم ، أثروا الحياة الإنسانية بمعطياتهم . وفى المقابل ، فإن المذاهب الفلسفية كانت هى النبع الذى ارتوت منه المراحل الأدبية المختلفة . وضع الفلاسفة وعلماء النفس نظرياتهم ، فبدت أعمال هؤلاء الأدباء ـ أحياناً ـ كأنها تطبيقات لتلك المذاهب [ السراب وعقدة أوديب مثلاً ] . وأفادت الأعمال الأدبية كذلك من قوانين الوراثة [ ثلاثية نجيب محفوظ مثلاً ] ، ونظرية التطور ، ونظريات علم الاجتماع ، وعلوم البيئة . وباختصار ، فإن دراسة الفلسفة ـ كجزء من عملية التحصيل الثقافى ، ينبغى أن تكون هماً لكل أديب ، يحاول أن يشكل ـ من خلالها ـ آراءه ونظرته وتصوراته للعالم الذى يعيش فيه . إنها ـ بالقطع ـ ليست ترفاً قد تستغنى عنه موهبة الأديب ، لكنها ضرورة .
    لم يعد دور الأدب فى المجتمع من القضايا المطروحة فى حياتنا الثقافية . وإذا كنا قد شغلنا ـ زمناً ـ بقضية : هل الفن للفن ، أو الفن الحياة ، ودارت فى ذلك مناقشات عقيمة منذ مطالع الخمسينيات إلى مطالع السبعينيات ، فإن دور الأدب فى المجتمع الآن ، ودور الأديب بالتالى ، مما يصعب إغفاله ، أو التهوين منه ، بل ومما يصعب مناقشته ، لأنه دور قائم ومؤكد . الأديب لا يكتب لنفسه ، ولا تنطلق إبداعاته من فراغ ، ولا تنطلق إلى فراغ كذلك ، لكنه يعبر ـ على نحو ما ـ عن هموم قد تكون مجتمعية أو سياسية ، أو حتى ميتافيزيقية ، لكنها هموم تشغله ، وتلح عليه ، وتعبر عن نفسها فى أعماله الإبداعية . وتحديداً ، فإن لى موقفاً ـ أتصوره واضحاً ـ من القضايا الإنسانية والاجتماعية . هذا الموقف يبين عن نفسه فى مجموع ما صدر لى من كتابات . ثمة وشيجة تربط روايتى " الأسوار " مثلاً ، بقصة " التحقيق " برواية " قاضى البهار ينزل البحر " ، ورواية " المينا الشرقية " إلخ . وثمة وشيجة أخرى تربط روايات الشاطئ الآخر ، وزمان الوصل ، وصيد العصارى ، وزوينة " إلخ . ووشيجة بين من أوراق أبى الطيب المتنبى ، و " الأسوار ، وإمام آخر الزمان ، والنظر إلى أسفل ، والخليج ، واعترافات سيد القرية ، وحكايات الفصول الأربعة ، ورجال الظل ، وكوب شاى بالحليب . ووشيجة تربط بين زوينة ، وصيد العصارى ، و زمان الوصل ، وذاكرة الأشجار . وثمة وشيجة تربط بين رباعية بحرى ، وأهل البحر ، ونجم وحيد فى الأفق ، ومواسم للحنين ، ومجموعة ما لا نراه ، والكثير من القصص القصيرة ، إلخ . ربما تناولت الفكرة نفسها ، الموضوع ذاته ، فى أكثر من عمل . يختلف الحدث والتناول ، لكن الفكرة تتردد فى محاولة ـ غير متعمدة ـ لتأكيد نظرة بانورامية شاملة . ولعلى أفضل أن يتناول النقد أعمالى بصورة كلية ، كل عمل يشرح ويفسر ما قد يكون غامضاً فى أعمال أخرى ، من المهم أن نتنبه إلى الفرق بين السؤال : ماذا يريد الفنان فى هذا العمل ، وبين السؤال : ماذا يريد الفنان فى مجموع أعماله ؟ . مجموع الأعمال يعكس نظرة شاملة ، فلسفة حياة ، تحول الجزئيات إلى بانورامية تزخر بالتفصيلات.
    إن غاية ما تطمح إليه أعمالى ألا يظل قارئها كما هو بعد قراءتها ، وإنما يشعر بالحصار ، بالاستفزاز ، بالتحدى ، وأنه يواجه فقدان الحرية مثلما واجهه بطل القصة ، أو يواجه القهر كما واجهه بطل القصة ، أو الظلم والكبت والتهديد ، ويعانى المطاردة [ الإحساس بالمطاردة يعاودنى طول الحياة . تختلف بواعثه ، لكنه قائم ، متجدد ، أعانى تأثيراته ، أحاول التخلص منها ] ، ومن ثم ، فإنه يشعر بوجوب التحرك ، وأن يفعل شيئاً لمجابهة الخطر القائم ، أو المحدق . ثمة وحدة ما ـ موجودة ، أو أتوق لتحقيقها ـ يشكّلها مجموع أعمالى . ولعل العنوان الرئيس الذى يعلو مفردات نظرتى الشمولية هو المقاومة ، المقاومة ضد كل قبيح وزائف ومتسلط وعدمى وقاهر للإرادة الإنسانية . قد أكون مخطئاً فى هذا المعنى ، لكنه المعنى الذى ناقشته ـ بينى وبين نفسى ـ واطمأننت إليه ، ساعد على ذلك قراءاتى الشخصية ، المتأملة ، لأعمالى ، وملاحظات النقاد حول تلك الأعمال . وكما أشرت ، فربما تناولت الفكرة نفسها ، الموضوع ذاته ، فى أكثر من عمل ، رواية ، أو قصة قصيرة . وإذا كان فيتزجرالد يرى أن على الكتاب أن يكرروا أنفسهم على الدوام ، فإن هذه ـ فى تقديرى ـ هى الحقيقة . ثمة فى حياتنا تجربتان أو ثلاث ، كبيرة ومثيرة ، نحن نرويها فى كل مرة ، بقناع جديد ، عشر مرات ، وربما مائة مرة ، وبقدر ما نجد أناساً يصغون إلينا . ولعلى أنفى عن ماركيث ما يبدو مبالغة فى قوله إن الروائى لا يؤلف غير رواية واحدة فى حياته ، ويصدر له العديد من الروايات تحت الفكرة نفسها ، وإن حملت عناوين أخرى مختلفة . ومنذ أصدر سارتر عمله الأول " الغثيان " ( 1938 ) فإن كل ما كتبه كان يلح فى اكتشاف حرية الإنسان ، وعدم جدواها : " لماذا أنا حر ؟ " . أذكر أنى أشرت فى حوار مع ناقد صديق إلى تشابه " القضية " فى العديد من كتاباتى ، فلما أعاد الناقد ملاحظتى فى إحدى الندوات ، ثار عليه معظم الحضور ، رأوا فى كلماته قسوة متجنية ، وتغلب الشعور بالامتنان للأصدقاء الأدباء ، على تفهمى للورطة التى أوقعت فيها ـ بحسن نية طبعاً ـ صديقى الناقد ، فلو أنى احتفظت بملاحظتى لنفسى ، ربما غابت عن كلماته ، ولم يواجه ثورة الحضور . مع ذلك ، فإنى أطمئن إلى ملاحظتى ، وأجد أنها سليمة فيما يتصل بالكثير مما كتبت ، وبالكثير مما كتبه أدباء آخرون أدين لهم بالأستاذية ، مثل إبسن الذى ركز فى معظم مسرحياته على موقف الفرد من المجتمع ، وتشيخوف فى تفرد غالبية إبداعاته بمناقشة " العمل " كضرورة حياة ، فراراً من خواء النفس ، وخواء الأيام ، وبرنارد شو وتحدد معظم كتاباته فى مناقشة الفوارق بين المثالية التى لا تجاوز إطار الأحلام ، والبرجماتية التى قد تهمل المبادئ والمثل ، فالنجاح ـ بكل السبل ـ هو ما تسعى إليه ، وأدباء آخرون ، أشرت إليهم فى مواضع سابقة ، أو تالية .
    وإذا كان أوجست رودان يؤكد أن " الحياة هى العمل ، وكائنة ما كانت العبقرية الموهوبة ، فلا شيء ينمّيها ويصقلها غير مواصلة العمل " ، فإن قيمة العمل تتبدى بعداً أساسياً فى العديد من أعمالى . فى " الأسوار " بادرت سلطات المعتقل إلى منع التعذيب وطوابير العمل ، وتواصلت الأيام بالنزلاء متشابهة ، يؤرخ لتواليها أحداث تافهة ، حتى أعلن النزلاء ـ فى محاولة لطرد الملل ـ رغبتهم فى الخروج إلى الوادى ، زراعة الأرض أهون ملايين المرات من الثرثرة فى اللاشيء ، والتحديق فى اللاشيء ، وترقب اللاشيء . وفى نجم وحيد فى الأفق يرفض البطل حياة الدعة والنعيم ، ويتوق للعودة إلى مهنته التى طالما ضايقته . ومن الأقوال التى أستحضرها ـ دوما ـ ما كتبه تشيخوف " لو أن كل إنسان فى العالم صنع كل ما فى استطاعته ، فى أرضه الخاصة ، لغدا العالم رائعاً " .
    ولعل أهم " القضايا " التى حاولت مناقشتها فى أعمالى ، ذلك السؤال عن صلة المثقف بمجتمعه : هل يؤدى ما عليه ، باعتباره واجباً لا يرجو فيه مقابلاً ، أو أنه من المفروض أن يشعر مواطنوه ، ويشعر هو أنهم شعروا ، بهذا الدور ؟. كما تناولت ـ فى بعد آخر لصلة المثقف بمجتمعه ، دور الأعوان فى صناعة الطاغية ، بداية من رواية " من أوراق أبى الطيب المتنبى ، إلى رواية رجال الظل ، مروراً بقلعة الجبل ، وزهرة الصباح ، وإمام آخر الزمان ، واعترافات سيد القرية ، وما ذكره رواة الأخبار عن سيرة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله ، وغيرها .
    (يتبع)
  • 30/05/2010, 11:26 PM
    د. حسين علي محمد
    الكاتب لا يخترع شخصياته . من الصعب أن تكون الشخصيات منبتة عن الواقع تماماً . بل إن كاتب نفسه ربما تصور أنه اخترع الشخصية ، والحقيقة ليست كذلك . إنه لو حلل الشخصية إلى عناصرها الأولى ، فلابد أن يجد فيها ملامح وقسمات من شخصيات عرفها بصورة مقيمة ، أو طارئة ، وربما قرأ عنها ، أو سمع بها ، دون أن يتاح له التعرف إليها مباشرة . وكما يقول ألبير كامى ، فلا يمكن أن تكون إحدى شخصيات العمل الفنى هى الفنان نفسه ، وإن ظل هناك احتمال بأن يكون الفنان فى آن واحد ، جميع الشخصيات التى خلقها . إن العمل الأدبى ـ على نحو ما ـ يحمل طابع السيرة الذاتية ، وعلى حد تعبير الناقد الروسى بوريس بورسوف ، فإن " الذى يكتب بشكل حقيقى ، هو من يفكر بنفسه ، وبكل شيء آخر فى آن معاً " .
    " أنا مدام بوفارى " ، عبارة لفلوبير . وفيما عدا استثناءات قليلة ، فإن رواياتى وقصصى ـ بدرجة أو أخرى ـ حياتى . لست أزعم ـ كما قال ألان روب جرييه عن نفسه ـ إن مذكراتى الحقيقية موجودة فى رواياتى ، لكن معظم أعمالى ـ إن لم يكن جميعها ـ تنطلق من تجربتى الشخصية ، وإن صعب القول إنه يمكن اعتبارها سيرة ذاتية حقاً . ولعلى أوافق نجيب محفوظ على أن تجربة الفنان ليس من الضرورى أن تحدث له شخصياً ، لكنها قد تحدث لآخرين ممن أتيح له أن يعايشهم عن قرب [ ونتذكر كامل رؤبة لاظ بطل روايته السراب ] . معظم ما كتبته ، وأكتبه ، يتناول أحداثاً عشتها ، أو تعرفت إليها ، بصورة صحيحة . وعلى حد تعبير همنجواى فأنا لا أعرف إلا ما رأيته . أوافق يحيى حقى فى أن التصوير الفنى لوردة فى حديقة ، يختلف عنه لوردة فى صورة كتاب ، تلمس خشونة الأوراق والساق وقطر الندى يختلف عن التعرف إليها فى الصورة المسطحة . حتى أعمالى التى حاولت توظيف التراث ، أفدت فيها من ملامح وتصرفات شخصيات تعرفت إليها ، وعايشتها . وكما وصف كونراد بطل روايته " لورد جيم " بأنه " واحد منا " ، فلعلى أزعم أن الوصف نفسه ينطبق على معظم الشخصيات التى تناولتها فى أعمالى . ولا يخلو من دلالة أن العديد من أبطال رواياتى كانت القراءة شاغلاً أساسياً لهم : منصور سطوحى فى الصهبة ، حاتم رضوان فى الشاطئ الآخر ، عادل مهدى فى " المينا الشرقية ، المؤرخ فى قلعة الجبل ، شاكر المغربى فى النظر إلى أسفل ، محمد إبراهيم مصطفى العطار فى قاضى البهار ينزل البحر ، رفعت القبانى فى حكايات الفصول الأربعة ، وغيرهم .
    وإذا كان فوكنر قد اخترع مدينة هى " جيفرسون " تدور فيها أحداث رواياته ، فى حين اخترع ماركيث مدينة هى " ماكوندو " تعبيراً عن خصوصية البيئة فى أمريكا اللاتينية ، فإنى حرصت على الكتابة عن " بحرى " باعتباره كذلك . لم أحذف ، ولم أضف ، إلا بقدر الاختلاف بين الواقع والفن ، وكما أشرت قبلاً ، فإن الفن ليس نقلاً فوتوغرافياً للواقع ، لكنه إيهام بذلك الواقع . بحرى ليس ماكوندو ماركيث ، ليس فردوساً أرضياً وفرصة رائعة أمام الإنسان ، ليحقق ما عجز عن تحقيقه من أمنيات . أهل بحرى يعانون ويقاسون ويعملون ويمرضون ويفرحون ويموتون ويألمون ويأملون ، لا أضيف جديداً لو قلت إن المحلية هى البيئة الحقيقية التى يجدر بأعمالنا الفنية أن تتحرك فى إطارها ، توصلاً للإنسانية . وإذا كانت المحلية ـ فى اتفاق الجميع ـ شرطاً أساسياً لتحقيق العالمية ، فإن المحلية ليست فى تلك الحكايات الساذجة ، أو الهلاميات ، أو الصور التى تفتقد الترابط ، بحيث يصعب نسبتها إلى العمل الفنى فى إطلاقه . وعندما ترجمت ـ بمبادرات طيبة من لجاننا المختلفة ـ نماذج من تلك الأعمال التى يمكن القول ـ بكثير من التجاوز ـ إنها جيدة فنياً ، فإن القارئ الأجنبى وضعها فى الإطار الذى ينبغى ألا تتجاوزه . المحلية العالمية هدف من الصعب بلوغه . ترجمنا العديد من أعمال كبار أدبائنا إلى لغات أجنبية ، فلم تجاوز اهتمامات المستشرقين والمعنيين بالثقافة العربية . صارحنى أستاذنا حسين فوزى ـ وقد طالت إقامته فى أوروبا ـ عن " نهر الجنون " لأستاذنا الحكيم ، بأن ترجمتها إلى الفرنسية حققت أثراً سلبياً ، لأن قيمتها الفنية تهبط عما يمكن لطالب فرنسى فى المرحلة الثانوية إبداعه . لم يجد حسين فوزى فى تلك الملاحظة انتقاصاً لأعمال الحكيم ، فالإعجاب بيوميات نائب فى الأرياف وعودة الروح ـ على سبيل المثال ـ يبين عن نفسه ـ فى المقابل ـ فى آراء النقاد الأجانب ، وإن تحفظت تلك الآراء فى نسبتها كذلك إلى الإبداع العالمى ، بكل ما تنطوى عليه الصفة من مواصفات محددة ، وصارمة . مع ذلك ، فإن الإبداعات العربية الحديثة قد أفرزت ـ فى فهمها الواعى لمعنى المحلية ـ معطيات يصح انتسابها ـ بدرجات متفاوتة إلى الأدب العالمى فى إطلاقه . العمل الفنى الحقيقى هو الذى يلتحم ببيئته بصدق ، ويعبر عن تلك البيئة بالصدق نفسه ، شريطة أن يعى الفنان مقومات الإبداع الفنى بعامة ، وأن تكون الهموم التى يتناولها ـ رغم محليتها ـ هى هموم الإنسان فى كل مكان . المثل الذى يحضرنى قصة تشيخوف الرائعة " لمن أسرد أحزانى " . لا يجد الحوذى من يسرد له أحزانه ، فيتجه بالحديث إلى حصانه ، يبثه ما يعانيه ، شخصية روسية تنتمى إلى أواخر القرن الماضى ، لكنه ـ فى الوقت نفسه ـ شخصية إنسانية ، بكل ما تنطوى عليه هذه الصفة من دلالات .
    ***
    الملاحظة التى ربما أبداها البعض ، واكتفى البعض الآخر بإيرادها تساؤلاً فى عينيه ، هى أن حياتى خاصة ، فلا أغادر بيتى إلا نادراً ، ولا ألتقى الآخرين إلا لضرورة ، ولا أتردد على الندوات أو المقاهى أو أماكن التجمعات بعامة ، بما يعجل بنفاد مخزون " التجارب " التى تصلح نبضاً لأعمالى . والملاحظة ـ فى ظاهرها صحيحة ـ بل إنى أقدرها تماماً ، وإن كنت أجد فيما قدمت من أعمال جواباً مقنعاً . وبصراحة ، فليس ثمة فجوات فى حصيلتى المعرفية والاجتماعية والنفسية . ولعلى أحرص ـ فى كل لحظة ـ على أن أحتفظ بقدرتى على الدهشة . إذا زايلتنى هذه القدرة ، فإن الخطوة التالية ـ كما أتصور ـ هى أن أهجر الإبداع مطلقاً . إن عين الفنان تختلف فى نظرتها إلى من حولها ، وما حولها ، عن عين الإنسان العادى . عين الفنان شديدة الحساسية ، بارعة الالتقاط ، دقيقة الملاحظة . قد يغادر الإنسان العادى حياة كاملة لها خصوصيتها وتفردها ، فلا يستقر فى داخله منها شيئ. أما الفنان ، فقد تهبه جلسة عادية مع أناس عاديين ، حياة خصبة ، بما يضيف إليها من تجاربه ورؤاه وخياله . من خصائص العمل الجيد أن صاحبه يلفت نظرى إلى أشياء طالما شاهدتها من قبل ، لكننى لم ألتفت إليها ، بل ولم أفطن إلى وجودها .
    مع تأكيدى على أهمية التجربة ، فليس إلى حد تذوق الزرنيخ مثلما فعل فلوبير ، حين أراد التعبير عن انتحار مدام بوفارى ، ليرى مدى تأثير الزرنيخ فى النفس والجسد . الشخصية الروائية لا تبدو غريبة عن الواقع ، أو هذا ما ينبغى أن يكون . الفن ـ كما أشرت ـ إيهام بالواقع ، والفنان لا يأتى بشخصياته من فراغ . إنها محصلة الواقع والخيال فى آن . من هنا ، أتفهم قول برتولت بريخت إن " شخصيات العمل الفنى ليست مجرد أشباه للناس الأحياء ، بل صور حددت ملامحها بما يتناسب والمنهج الفكرى للمؤلف " . على سبيل المثال ، فإن السلطان خليل بن الحاج أحمد وعائشة بنت عبد الرحمن القفاص وخالد عمار والمعلم شيحة ومختار الرمادى وتغريد وخيرات ، هؤلاء وغيرهم ليسوا شخصيات تاريخية حقيقية ، لكنها شخصيات اخترعها خيال الفنان ، وإن أفاد فى ملامحها الظاهرة والنفسية من شخصيات معاصرة تعرف إليها . أكد لى الصديق الراحل فاروق خورشيد أنه قرأ قلعة الجبل باعتبار أن السلطان خليل شخصية حقيقية فى التاريخ المملوكى ، وتوافق اسم سلطان التاريخ مع سلطان الرواية لا يجاوز المصادفة البحتة . أما الصديق الأستاذ الجامعى حسن البندارى فقد عرض مساعيه لبيع ما تصور أنه يوميات المتنبى لجامعات أجنبية . وأما الصديق الشاعر كامل أيوب ، فقد دفع برواية من أوراق أبى الطيب المتنبى إلى سلسلة المكتبة الثقافية ، بتصور أنها تحقيق وتقديم ليوميات المتنبى . فلما صارحته بأن الرواية من تأليفى ، أصر أن أكتب ورقة تتضمن ذلك المعنى .
    حين ألح فى وجود المصدر الواقعى للشخصيات التى تضمها أعمالى ، لا أعنى أنى أنقل الشخصية كما هى فى الواقع . ألتقط لها صورة فوتوغرافية ، أو أرسم " بورتريه " يحاول الإجادة فى النقل ما أمكن . المصدر الواحد ، المحدد ، فى الشخصية ، أولى به أن يبعد عن الفن ، إنه يصبح أقرب إلى الكتابة الببليوجرافية ، أو التقارير . ثمة نمط إنسانى معين ، شخصية محددة ، لكن تلك الشخصية تهجّن ، تطعّم بقسمات وملامح من شخصيات أخرى ، تتداخل معها ، فتشكل شخصية أخرى ، هى شخصيات العمل الأدبى ، الشخصية الأصل ، الشخصيات المتداخلة ، موروثات الكاتب وقراءاته وتجاربه . ليست كل الشخصيات مما يصلح لأن يتوقف الكاتب أمامها ، يتأملها ، يعلن بينه وبين نفسه : هذه شخصية روائية . مع ذلك ، فإن الكاتب لا ينقل ملامح الشخصية وقسماتها كما هى فى الواقع . إنه يضيف إليها ، ويحذف منها ، فتنتهى إلى شخصية روائية حقيقية ، فيها من الواقع ، ومن الكاتب نفسه . قد يختار الفنان شخصية من الواقع ، ثم يضفرها بتجاربه ـ وتجارب الآخرين ـ ورؤاه وخبراته وقراءاته وخياله ، فتتشكل من ذلك كله شخصية جديدة ، هى الشخصية الروائية . والذهن ـ وحده ـ ليس مصدر استلهام الشخصية الروائية ، إنها عملية معقدة ، يشارك فيها الذهن والوجدان والعين والأذن ، لتبين الشخصية الروائية عن ملامحها . وبافتراض أن الفنان قد استطاع أن يخترع شخصيته الروائية تماماً ، فلا ظل وجود لها فى الواقع ، فإنها ستأتى ـ بالضرورة ـ شخصية آلية ، بلا حياة . وأغلب الظن أنها لن تكون شخصية مقنعة .
    لقد كتب جارثيا ماركيث وقائع موت معلن بعد حادثة قتل شاهدها فى أحد شوارع مدينة أرتاكا " أطلقت الرصاصات على الضحية وهو عائد إلى منزله ، أغلقت أمه الباب ، ذلك شيء يفوق التصور : رجل ثرى له أهميته يضرب من جهتين . طلبت منى أمى ـ فى ذلك الحين ـ ألا أكتب شيئاً ، لأن هذا سوف يقاضى أم الضحية بتهمة إغلاق الباب على نفسها . وعدت أمى ألا أكتب شيئاً طيلة حياة هذه المرأة . وقد سمعت أنها ماتت منذ خمس سنوات ، وبدأت أفكر فى كتابة الرواية " ( الهلال ديسمبر 1982 ) . أما أستاذنا نجيب محفوظ ، فقد كانت روايته الشهيرة اللص والكلاب تأثراً مباشراً بسيرة السفاح محمود أمين سليمان ، الذى أراد أن ينتقم من زوجته الخائنة ، فأصابت رصاصاته أبرياء كثيرين . ويصف لنا يحيى حقى فى كتابه " عطر الأحباب " تلك الأيام التى كانت فكرة " اللص والكلاب " قد شغلت فيها نجيب محفوظ ، سيطرت على أفكاره ومشاعره ، تحاول التخلق كعمل فنى .
    ***
    يقول أرسكين كالدويل : " إنى أعتقد أن الكتابة الخلاقة تحركها حالة ذهنية معينة ، وأن أولئك فقط الذين ولدوا بهذه الموهبة ، ويسعون بجهد متواصل ليعبروا عن أنفسهم كتابة ، يمكن أن يحققوا النجاح الذى يريدون " ( كيف أصبحت روائيا ـ 266 ) . وفى تقديرى ، أن كاتب الرواية أو القصة القصيرة ينبغى أن يكون دارساً لعلم الاجتماع وعلم النفس والتربية والتاريخ والأنثربولوجيا ، وملماً ـ إن لم يكن منغمساً ـ بالتطورات السياسية فى بلاده ، وفى العالم ، فضلاً عن وجوب أن يكون ذا نفس مناضلة ، تحيا واقع الجماعة ، وتحس به ، وتخلص فى التعبير عنه . وباختصار ، فإن الروائى ، والمبدع بعامة ، ينبغى أن يكون متسلحاً بثقافة موسوعية . نحن إذا هدمنا شيئاً ما ، بناية مثلاً ، فإن الهدم ليس غاية فى ذاته ، إنما الهدف ـ أو هذا هو ما ينبغى ـ أن يكون الهدم للبناء ، للإضافة ، للتطوير . الهدم لمجرد الهدم مرفوض ، والتعرف إلى البدايات والقواعد والركائز والأصول هو ما يجدر بالأديب أن يحصل عليه ، مثلما أنه على الفنان التشكيلى أن يتعرف إلى المذاهب والاتجاهات الفنية المختلفة . الأمر نفسه بالنسبة للمبدع فى كل المجالات ، أن يحيط بالخصائص الفنية ، التقليدية ، للفن الذى اختاره . بوسعه ـ بعد ذلك ـ أن يهدمه ، ليضيف ، ويطور ، بقدر ما تمنحه قدراته الفنية وموهبته . أشير إلى قول هنرى جيمس : لا يمكن لقصة جيدة أن تنبثق عن ذهن سطحى " .
    أنا حين أتحدث عن ثقافة الكاتب ، عن خبراته وقراءاته وتجاربه وتأملاته وإفادته من كل الفنون فى إثراء فنه ، وتوضح البعد الثقافى بعامة فيما يكتب .. حين أتحدث عن ذلك ، فإن الأرضية التى يقف عليها ذلك كله هى الموهبة . لا فن بلا موهبة . مهما حصّل الكاتب من ثقافة ، فإنها لا شيء بلا موهبة . حتى الفلسفة بمعناها الأكاديمى المتخصص يجب أن يحصل المبدع على المتاح من التثقف فيها . وفى المقابل ، فلعل أهم ما يجدر بالفنان أن يحرص عليه ، هو أن يحترم ثقافة قارئه ، وأن يحترم ذكاءه أيضاً . وقد طالما حرص الرومانتيكيون على تضمين أعمالهم خطباً وشعارات ، بينما يكتفى الفنان المعاصر ـ أو هذا هو المطلوب ـ بالإضمار التصويرى . يثق فى ذكاء قارئه ، وأن من حق القارئ ـ وواجبه ـ أن يتأمل العمل الفنى ، ويمعن النظر فيه ، بل ويملأ الفجوات التى يتركها الفنان فى ثنايا العمل بما يحمله من ثقافة وذكاء . كانت تلك محاولتى ـ على سبيل المثال ـ عقب إضراب النزلاء فى الأسوار ، ملأت الفجوات بفقرات تروى نتفاً من وقائع التاريخ القديم، والمعاصر، واعتبرتها نسيجاً فى العمل الفنى ، يصل ما بين بدء الإضراب ، والرضوخ لمطالب النزلاء ، وتركت لذكاء القارئ تبين ذلك .
    والأمثلة كثيرة .
    ***
    (يتبع)
  • 30/05/2010, 11:25 PM
    د. حسين علي محمد
    ماذا يريد الكاتب ؟
    ..............

    " الفن .. مقلق أبداً ، ثورى دوماً "
    هربرت ريد
    " الأدب عالم مغاير "
    الفيلسوف بومجارتن
    " لا توجد وظيفة أكثر نبلاً من وظيفة الكاتب . إنه الكائن الذى يقود ، يعمل بريشته ، وريشته تصنع الفرق بينه وبين من يمسك بالمجداف "
    مقولة فرعونية
    " إن الكلمات هى غدارات محشوة "
    الكاتب الفرنسى بريسباران
    " لست إلا أديباً ، ولا أستطيع ، ولا أريد أن أكون شيئاً آخر "
    فرانز كافكا
    لماذا أكتب ؟
    لم أعن بتوجيه السؤال إلى نفسى أو مناقشته . نشأت فى بيئة تدفع إلى القراءة والكتابة ، مكتبة زاخرة بمئات الكتب ، وأب جعل القراءة حرفته وهوايته ، ومناقشات لا تنتهى فى السياسة والاقتصاد والثقافة بين أبى وأصدقائه . أشارك فيها ـ أحياناً ـ بما يدفع الأصدقاء إلى هز رءوسهم بالإعجاب ، أو بما يدفع أبى إلى إسكاتى ، لسذاجة آرائى .
    نشأت وأنا أقرأ وأكتب ، فغاب السؤال ، لأن الفعل سبق تقصى البواعث . وحين واجهنى السؤال ، بدأت التفكير فى إجابة لم أكن فكرت فيها من قبل ، ولا تدبرتها ، لأنى حين بدأت القراءة الأدبية ، فالكتابة ، لم أكن طرحت على نفسى أسئلة من أى نوع .
    والحق أنى لا أذكر متى حاولت الكتابة للمرة الأولى . كانت أيام طه حسين هى أول ما قرأت من أعمال أدبية . أذكر اليوم والظروف وتأثيرات القراءة . أما بدايتى الأدبية ، أول ما كتبت ، فإنى لا أذكر متى ولا كيف ، وهل عرضت محاولتى على آخرين ، أو أنى لجأت ـ عقب الكتابة ـ إلى تمزيقها .
    ***
    كانت القصيدة الشعرية هى أول ما كتبت . لم أكن تعلمت الأوزان ، فلجأت إلى المحاكاة . قصيدة الرثاء التى كتبها شوقى ـ مثلاً ـ تتحول إلى قصيدة مناجاة للحبيبة ، القصيدة البرمكية الشهيرة : قل للخليفة ذى الصنيعة والعطايا الفاشية .. وابن الخلائف من قريش والملوك العالية .. إن البرامكة الذين رموا إليك بداهية .. صفر الوجوه عليهموا حلل المذلة بادية .. إلخ ، كتبت على منوالها : قل للحبيبة ، وكلمات أخرى باعثها التقليد ، فبديهى أن ابن الثامنة ، أو التاسعة ، لن يكون قد تعرف إلى حب الجنس الآخر بالمعنى الفرويدى ، أو حتى الأفلاطونى .
    ثم كتبت العديد من القصص وأنا فى المرحلة الأولية ، وهو ما أتصور أن الكثير من الأطفال ـ فى المرحلة السنية نفسها ـ يفعلونه ، لا شبهة نبوغ ، أو تفرد ، القضية هى فيما يلى هلاميات البداية .
    كنت أكتب قصصاً مما يبعث به الصغار إلى مجلات الأطفال ، فتنشرها بعد أن تهذبها ، أو تعيد كتابتها ، وقرأت محاولاتى لتلاميذ ـ وأحياناً : أساتذة ـ مدرسة البوصيرى الأولية . وعجل زميلى فى الدرج المجاور باحترافى ، حين أصر أن أكتب له قصة ، فلا يقرأها سواه ، ودفع المقابل مليمين ، كنت أسعد الناس بهما ، لا للقيمة المادية ، بل لأنى تقاضيت أجراً عما كتبته !
    ***
    كانت الملاك روايتى الأولى ، المطبوعة . توليفة مقلدة للمنفلوطى وطه حسين والمازنى والسباعى وعبد الحليم عبد الله وغيرهم ، تلتها رواية ظلال الغروب . توهمت ـ دون وعى حقيقى ـ أن الجنس مهم فى العمل الفنى، فحشوتها بمواقف جنسية زاعقة ، وغير مبررة ، فى حين كان قوام الرواية قصة حب ساذجة بين شاب وفتاة ، انتهت بموت الفتاة إثر مرض لم يمهلها . قصة أتيح لى معايشتها ، وكانت الفتاة الراحلة هى طرف العلاقة الآخر . ثم كتبت رواية باسم أين الطريق ؟ ، لا أذكر شيئاً من أحداثها ولا شخصياتها ، وإن كنت أذكر ـ بحب ـ محاولة صديقى المهندس صلاح شاهين ـ أحد قيادات الإخوان المسلمين بالإسكندرية ـ طباعتها على نفقته .
    إرهاصات ، أحتفظ بها فى مكتبى ، من قبيل الذكرى ، ولتلمس خطوات البداية . أما القصة التى أعتبرها بدايتى الحقيقية ، فهى " يا سلام " ، كتبتها فى 1956 ، ونشرتها ضمن مجموعتى " تلك اللحظة " .
    حاولت ـ بالطبع ـ أن أنشر محاولاتى الباكرة فى صحف الإسكندرية . قدمت الفصلين الأولين من روايتى " أين الطريق " إلى رئيس تحرير جريدة " العهد الجديد " ، وكانت تصدر كلما توافر لها من الإعلان ما يحقق الربح سلفاً ، ونشر الفصل الأول من الرواية فى الجريدة ، لكن رئيس التحرير دفع بالفصل الثانى إلى جريدة أخرى اسمها " الاتحاد المصرى " ، فنشرته . وعرفت أن الجريدتين تتبادلان النشر بما يسوّد بياض الصفحات ، ولأن القارئ الذى يتابع كان غائباً ، فقد كانت تكملة نشر مواد إحدى الجريدتين فى الأخرى مسألة واردة ، المهم أن تصدر الجريدة فور أن تتوافر لها الإعلانات التى تحقق لها الربح المسبق .
    بالمناسبة : لقد ضاعت مسودات تلك الرواية الباكرة . ومع أن صديقى صلاح شاهين قد تكفل بطباعة الجزء الأكبر من الرواية على نفقته ، ولم يطبع الجزء الباقى لتكاسل منى ، لا لتقصير منه .. مع ذلك ، فإن كل ما يتعلق بتلك الرواية الباكرة يبدو فى ذاكرتى الآن كالأصداء البعيدة ، الاسم وحده هو ما أذكره الآن منها !
    ***
    الفن ـ الرواية والقصة على وجه التحديد ـ عالمى الذى أوثره بكل المودة ، أتمنى أن أخلص لهما ـ تجربة وقراءة ومحاولات للإبداع ـ دون أن تشغلنى اهتمامات مغايرة ، لكن الإبداع الروائى والقصصى فى بلادنا لا يؤكل عيشاً . ربما أتاحت رواية وحيدة فى الغرب لكاتبها أن يقضى بقية حياته بلا عوز مادى ، فيسافر ، ويتأمل ، ويقرأ ، ويخلو إلى قلمه وأوراقه ، دون خشية من الفقر ، وما يضمره من احتياجات .. لكن المقابل المحدد ، والمحدود ، الذى يتقاضاه المبدع فى بلادنا ثمناً لعمله ، يجعل التفرغ فنياً أمنية مستحيلة .
    لقد اعترف الروائى الإنجليزى فرانسيس كنج ـ فى بساطة وصراحة ـ أن السبب الحقيقى فى اتجاهه للنقد ، هو أنه من الصعب ـ فى بريطانيا ـ أن يحيا المرء على كتابة الروايات فحسب ، ومن ثم فقد اتجه ـ وعدد آخر من الروائيين البريطانيين ـ إلى كتابة النقد والدراسات الأدبية . فإذا كان ذلك هو ما يقدم عليه الروائيون فى الغرب ـ لظروف اقتصادية كما ترى ـ فماذا تتوقع من الروائيين العرب الذين يتقاضون ـ مقابلاً لأعمالهم ـ بما لا يكاد يصل إلى قيمة نقلها على الآلة الكاتبة ؟! [ هذه الكلمات ، قبل أن يستبدل الحاسوب بالآلة الكاتبة ، بالإضافة إلى تفشى جريمة الحصول من الأدباء على تكاليف النشر بدلاً من مكافأتهم ، ولو ببضع نسخ ! ]
    من هنا ، كان اختيارى ـ أو لجوئى ـ للصحافة ، فهى الأقرب إلى قدرات الأديب واهتماماته ، وهمومه أيضاً . وكنت أتذكر المازنى وهو يجد فى كل ما يصادفه مادة صحفية ، بينما الفن وحده شاغله وهواه ، وكتبت فيما أعرفه ، واستعنت ـ بالقراءة ومحاولة الفهم والاقتراب المباشر ـ فيما لم أكن أعرفه . ووجدت فى حياتى الصحفية ـ أحياناً ـ ما يغرى بكتابة عمل أدبى : رواية النظر إلى أسفل مثلاً ، ورواية الأسوار ، ورواية الخليج " ، ورواية صيد العصارى " ، ورواية كوب شاى بالحليب وغيرها ، لكن الأدب ظل ـ بالرغم منى ـ تزجية فراغ . أحاول الكتابة إن وجدت فى أسوار الصحافة منفذاً . لذلك كان ترحيبى ـ متحسراً ـ بالسفر إلى سلطنة عمان ، للإشراف على إصدار جريدة " الوطن " . وكنت أمنى النفس بأن أدخر فى الغربة ما يعيننى على الإخلاص للفن وحده ، لكن الأمنية ظلت فى إطارها لا تجاوزه . وكان لابد أن أكتب فى موضوعات تقترب من الفن ، أو تبعد عنه . وحتى لا أفقد ذاتى فى سراديب مجهولة النهاية ، فقد فضلت أن تكون محاولاتى أقرب إلى ما يشغلنى بالفعل ، فى الفن ، وفى الحياة عموماً . وبصوت هامس ـ ما أمكن ـ فإن " مصر " ، الموطن واللحظة والماضى والمستقبل ، هى الشخصية الأهم فى كل إبداعاتى . ذلك ما أحرص عليه ، وما لاحظه حتى القارئ العادى . تعمدت أن تكون مصر : تاريخها وطبيعتها وناسها ومعاناتها وطموحها ، نبض كتاباتى جميعاً ، ما اتصل منها بالصحافة وما لم يتصل ، ما اقترب من الأدب وما لم يقترب ، وكانت حصيلة ذلك ـ كما تعرف ـ عشرات المقالات التى تتناول شؤوناً وشجوناً مصرية ، بدءاً بكتابى " مصر فى قصص كتابها المعاصرين " إلى كتاب " مصر المكان " ، وربما إلى كتب أخرى تالية .
    لم تكن الصحافة إذن مدخلى إلى الأدب ، لكن الأدب كان مدخلى إلى الصحافة . أحببت الأدب ـ كما قلت لك ـ فى سن باكرة ، لا أستطيع تحديدها تماماً . ولما حاولت اختيار وظيفة أحيا من راتبها ، كانت الصحافة هى المهنة الأقرب إلى اهتماماتى الأدبية . أذكر قول أرسكين كالدويل : " لم يكن لدى طموح فى أن أجعل الصحافة مهنتى فى الحياة ، لكن عمل الصحافة هو الكتابة ، وكانت الكتابة هى الشيء الذى كنت أريد أن أتعلمه " ( ت سيد جاد ) . أقدمت على العمل فى الصحافة وفى خاطرى قول همنجواى " إن العمل الصحفى لن يؤذى الكاتب الناشئ إذا استطاع أن يتخلص منه فى الوقت المناسب . وكنت أدرك ـ كما أدرك تولستوى دوماً ـ أن أية مهنة لا يمكن أن تنتزعنى من الأدب . عاهدت نفسى ـ مثلما فعل كالدويل من قبل ـ على أن أى عمل أشتغل به غير الكتابة ، سوف يكون مؤقتاً ، لا لشيء إلا من أجل الاستمرار فى العيش ، والاحتفاظ بسقف فوق رأسى ، وبكساء فوق جسدى .
    قد تقتل الصحافة موهبة الأديب إن نسى نفسه ، وارتمى فى أمواجها . اخترت الصحافة لأنها أقرب المهن إلى طبيعة الأديب ، وإلى اهتماماته ، وحتى لا أصبح مثل جوليان سورل ـ بطل ستندال ـ فأواجه دائماً تلك المشكلة الأليمة التى تتمثل فى الوجبة التالية ، ومن أين آتى بها . إذا كنت قد حاولت الإجادة ، فلأنى أحاول الإجادة فى أى عمل أوافق على أدائه ، حتى لو لم أكن أحبه . مع ذلك ، فإنى أحاول أن أجعل معظم وقتى للأدب ، وأقله للصحافة . علمتنى ذلك تجربة السنوات التسع التى قضيتها مسئولاً عن تحرير " الوطن " . وحتى الآن ، فإن حلم كافكا يراودنى فى أن أستطيع الحصول من عمل أكتبه على ما يسد احتياجاتى ، لكى أفرغ لكتابة عمل آخر . حينذاك تكون كل آمالى فى الحياة قد تحققت .
    ***
    أستعيد ـ فى لحظات انشغالى ـ قول همنجواى " كلما ازداد الكاتب انغماساً فى عمله ، بعد عن أصدقائه ، وأصبح وحيداً " . ومع أن جابرييل جارثيا ماركيث يؤكد أن لحظات السعادة المطلقة ، والوحيدة ، لم يعشها إلا أثناء الكتابة ، فإن الكتابة ـ فى تقديره ـ أكثر المهن عزلة فى العالم " فلا أحد بإمكانه مساعدة المرء فى كتابة ما يكتب " .
    من ناحيتى ، فأنا لا أعتزل الناس حتى فى لحظات الكتابة . إنهم شاغل ما أكتبه ، وسدى كلماته . وإذا كان بوريس بورسوف يؤكد أن أى فنان حقيقى ينطلق فى أعماله من تجربته الروحية الذاتية ، فالواقع أنى لا أكتب لنفسى ، لا أكتب لأودع ما أكتبه أحد الأدراج ، أو أمزقه بعد أن أنتهى منه ، وإنما أدفع به إلى الناشر ، سواء فى صحيفة أو كتاب . يشغلنى أن يرى النور ، أن يقرأه الناس ، ويفيدون ، أو يستمتعون به ، أو يناقشونه ، أو حتى لا يجدون فيه ما يستحق القراءة . نصحت بيرل باك كتاب الرواية ، أو من يريدون كتابة الرواية ، بألا يصبحوا ذلك إذا استطاعوا تجنبه . إن تأليف الروايات يستنفد حياة الروائى كلها ووجوده " وإذا لم يضح بحياته ووجوده وهو جذلان ، فعليه ألا يقدم على التضحية إطلاقاً " .. " لا توطن نفسك أبداً على أنك ستجنى مالاً من تأليفك رواية ، إنها أكبر مغامرة فى العالم ، إذا كنت عجوزاً أو قلقاً ، بل وإذا كنت قلقاً فقط ، أكتب الرواية إذا أحسست بأنه لابد أن تكتب رواية ، لكن اعتبر الأجر مصادفة سعيدة قد لا تحدث . احصل على جزائك من مجرد كتابتك لهذه الرواية ، وحاول أن تقنع بهذا " ( ملحق " المساء " الثقافى 30/12/1964 )
    ***
    (يتبع)
  • 30/05/2010, 11:24 PM
    د. حسين علي محمد
    لقد جمعت ألف ليلة موروثاُ هائلاً من الحكايات والخرافات والحواديت . وقد جاء ذلك إما من العصر الجاهلى ، وما سبق ، وإما من الشعوب التى عرفها العرب ، واحتكوا بها ، مثل فارس والهند واليونان وغيرها . لكن الموهبة العربية ـ والمصرية بخاصة ـ تظل غالبة ، ذلك " لأن الهندى يحكى ويبالغ ويكدس مايرويه ، أما العربى فإنه يرسم ويتأنى ، ولا يستطيع أن ينفصل بنفسه عن حكايته الخرافية " . ويقول حسين فوزى : " أنا واحد من الناس أعتقد أن كتاب ألف ليلة وليلة أدب مصرى فى الكثير من قصصه " ( 46 ) . ويذهب المستشرق " نولد كافه " إلى أن حكايات الصعاليك فى ألف ليلة وليلة فيها عنصر مصرى خالص . بل إن الكاتب الراحل محمد فهمى عبد اللطيف ـ وإسهاماته فى دراسة الأدب الشعبى رائدة ومتفردة وثرية ، وإن تجاهلتها دراسات تالية لأسباب غير مفهومة ! ـ يؤكد أن القاهرة هى موطن ألف ليلة وليلة ، وفيها صنعت قصص هذا الكتاب وصيغت فى سردها القصصى المعروف . ويقول " جالان " فى مقدمة الجزء الأول من ترجمته لألف ليلة ، إن " ألف ليلة وليلة هى الشرق بعاداته وأخلاقه وأديانه وشعوبه من الخاصة إلى العامة ، وانها الصورة الصادقة له ، فمن قرأها فكأنه رحل إلى الشرق ، ورآه ، ولمسه لمس اليد " . ويقول فون ديرلاين : " هذه المجموعة من الحكايات الخرافية ترسم صورة للحياة العربية خلال قرون ستة " ، فهى حكايات عربية إذن .
    ـ 3 ـ
    استلهم الكثير من أدبائنا ألف ليلة وليلة . أذكّرك بأحلام شهرزاد لطه حسين ، وشهرزاد للحكيم ، وشهرزاد لباكثير ، والقصر المسحور لطه حسين والحكيم ، ورحلات السندباد لخليل حاوى ، وشهريار لعمر النص ، ورحلات السندباد السبع لأحمد هاشم الشريف وغيرها . ومع إن توظيف نجيب محفوظ لليالى الألف لم يظفر بالحفاوة النقدية التى ظفر بها معظم أعمال محفوظ ، فإن الفنان يعتبرها من أفضل ما كتب ( 47 ) . يقول : " ألف ليلة تحولت معى ، فيما يتعلق بالمضمون والاهتمامات ، إلى الحاضر . ويشبه ذلك ما فعله بعض الكتاب حين تناولوا أسطورة أوديب ، وعالجوا عن طريقها المشكلات المعاصرة " ( 48 )
    وإذا كانت معظم الإبداعات التى حاولت توظيف ألف ليلة وليلة قد اختارت ـ بداية لأحداثها ـ الليلة الثانية بعد الألف ، فإن روايتى زهرة الصباح تبدأ فى الليلة الأولى بعد الألف ، ثم تمضى أحداث زهرة الصباح فى موازاة أحداث ألف ليلة وليلة . تروى الأولى حكاية زهرة الصباح وسعد الداخلى ، مثلما تروى الثانية حكاية شهرزاد وشهريار ..
    رواية زهرة الصباح محاولة لتوظيف تراث ألف ليلة وليلة فى عمل معاصر ، وإن ظلت ليالى ألف ليلة إطاراً له . زهرة الصباح ابنة أحد الوزراء المقربين من شهريار ، اختيرت لتكون التالية بعد شهرزاد ، تنتظر دورها ، إما أن يمل شهريار الحكى ، أو تخفق شهرزاد . وتسعى زهرة الصباح بواسطة أبيها إلى الإفادة من كل مايقرأه ويستمع اليه من الحكايات والحواديت والأساطير والسير الشعبية المصرية ، تحفظها حتى تبقى على حياتها لو حل عليها الدور . وأثناء ذلك أيضاً ينبض قلب زهرة الصباح بحب سعد الداخلى الملوانى ، الشاب المقيم فى البيت المقابل . ويرضخ الأب لإرادة ابنته بالزواج من الشاب ، ويتم زواجهما فى السر ، ويحيا الشاب فى قصر أبيها باعتباره خادماً ، وتظل زهرة الصباح تنهل مما ينقله أبوها ، مما يقرأه ويسمعه ، فى الوقت الذى تنشط فيه حركات التذمر ضد شهريار ، مقابلاً لإصراره على قتل بنات الناس . ويواجه شهريار ـ فى النهاية ـ بغضبة الناس المعلنة ، كما يفاجأ بأن شهرزاد قد أنجبت منه ثلاثة أبناء . وهو ماحدث فى ألف ليلة وليلة بالفعل . ويعود شهريار عن غيه ، ويعفو عن شهرزاد ممثلة لكل النساء ، والسؤال يشغل الجميع : هل جرى ما جرى خوفاً من غضبة الناس ، أو أن الكلمة قد أثرت فيه من خلال حكايات الليالى الألف ، فتبدلت أحواله . أما زهرة الصباح فإنها تكون قد عاشت الخوف وتجاوزته . وبينما كان شهريار يعفو عن شهرزاد ، ويعترف بأبنائه الثلاثة ، تكون هى حاملاً من زوجها سعد الداخلى
    ***
    كانت دنيا زاد هى الفتاة التالية لشهرزاد فى ألف ليلة . أما زهرة الصباح فقد كانت الفتاة هى التالية لشهرزاد فى روايتى . ليس ثمة دنيا زاد فى الرواية ، وهذا ـ كما تعرف ـ حق الفنان . الفن اختيار ومخيّلة . وقد حاول كل من والد شهرزاد ووالد زهرة الصباح أن يمنع التضحية بابنته ، أو يرجئ ـ فى الأقل ـ وصولها إلى بقعة الدم ، ولكن الوسائل اختلفت ، فقد حاول الوزير أن يثبّط عزيمة ابنته فلا توافق على الذهاب إلى قصر الملك . وهى ـ كما ترى ـ كانت محاولة يائسة ، وإن يفسّرها أنها صادرة من أب يخشى على حياة ابنته . أما عبد النبى المتبولى فقد لجأ إلى المتاح ، وهو أن تحفظ زهرة الصباح الكثير الكثير من الحكايات لتواصل الحكى ، فتطيل حياتها إن سيقت شهرزاد إلى بقعة الدم ، فى الليلة التى لا تجد فيه ما ترويه ، أو يشعر شهريار بالملل . وفى الليالى الألف تتداخل الحكايات : شهرزاد هى الراوية لحكايات متوالية ، ننسى بعضها ، ونتذكر بعضها . أما رواية زهرة الصباح فهى تروى لنا حكاية واحدة ، هى التى تهمنا ، وليست الحكايات التى ترافق أيامها ، سواء نسبت إلى شهرزاد ، أو إلى قضايا الناس ، أو سير الرواة [ بالنسبة للشكل ، فإنى أتأمل ملاحظة صديقى أحمد درويش ، وأوافق عليها ، بامتزاج الحاكى والراوى فى " زهرة الصباح " ، وباستفادة التقنيات الحديثة من الموروث القديم ـ تقنيات الفن القصصى عبر الحاكى والراوى ص 258 ]
    ***
    ثمة وصف لشهرزاد بأنها " فتاة فدائية ، لأنها تعرضت لسيف شهريار الذى فتك ببنات المدينة ، أرادت أن تغويهن ، فوضعت نفسها أمام النطع والسيف ، متحدية بعزيمة صادقة وقلب شجاع " ( 49 ) . أما توفيق الحكيم فيجد فى شهرزاد استمراراً لإيزيس . بعثت زوجها شهريار بعد موت نفسه ، وأعادت الحياة إلى انسانيته ، تعلم من أحاديثها وقصصها ، وعادت إليه نفسه ( 50 ) . ولعل ذلك بعض ماعبرت عنه زهرة الصباح ، لكنه لم يكن كل ما حملته .
    ألحت حكايات شهرزاد على طبيعة النساء المنحرفة ، اتساقاً مع الثقافة العربية التى يرى جمال الدين بن شيخ انها تحمل مسئولية التعاسة للمرأة ( 51 ) . أما حكايات زهرة الصباح ، فقد قدمت المرأة فى صورة مغايرة ، همها البيت والأسرة والحياة التى تخلو من المعايب ، ومن الخوف ..
    إن زهرة الصباح تحيا فى الرواية . تسأل ، وتجيب ، وتنظر من الشرفة ، وتخرج إلى السوق ، وإلى الحمام ، وتحب ، وتتزوج . وشهرزاد فى روايتى لها كذلك ملامحها الواضحة التى يتعرف القارئ اليها ، بعكس شهرزاد فى الليالى ، فإنها مجرد صوت يروى . حتى تنتهى الليلة الواحدة بعد الألف ، وان تخفَّت شهرزاد وراء الأقنعة التى كانت ترتديها فى كل ليلة لنماذج النساء اللائى كانت تقدمهن فى كل ليلة ( 52 )
    أفادت شهرزاد من الحكايات التى جمعتها من الكتب ، وهى كتب فى التاريخ والشعر والطب وأقوال الحكماء والملوك ، أفادت من الذاكرة المكتوبة . أما زهرة الصباح فقد تنوعت عناصر الإفادة ـ والفضل لأبيها عبد النبى المتبولى ـ فبالإضافة إلى حكايات شهرزاد لشهريار ، والتى كانت تنقلها له القهرمانة نجوى لينقلها إلى زهرة الصباح ، فإنه نقل حكايات الرواية فى الأسواق والطريف من القضايا التى عرضت عليه ..
    جعل عبد النبى المتبولى نفسه فى موضع ابنته زهرة الصباح ، فأدرك أن الراوى الماهر ـ ترقباً لما سيحدث ، أو قد يحدث ـ " من يعرف أكبر عدد ممكن من الحكايات ، ويعرف كيف يرويها . الراوى الماهر كذلك هو الذى يعرف من أين يتزود بالحكايات ، ويعرف بالتالى من يقصده فى حالة الخصاصة بغية الحصول على حكايات جديدة " ( 53 ) . وكما يقول رولان بارت فإن " حكايات العالم لا حصر لها . تلك حقيقة أولى مدهشة حول جنس الحكاية ذاته ، الذى يتفرق فى كيانات مختلفة ، كما لو أن كل مادة فى الكون صالحة لأن يودع الإنسان فيها حكاياته . فالحكاية يمكن أن تحملها اللغة المحدودة ، شفوية أو كتابية ، أو تحمله الإشارة ، أو يحملها الخليط الممزوج من كل هذه الكيانات ( 54 )
    ***
    شفى شهريار من مرض الحقد والرغبة فى الانتقام ، وشفى المتبولى من أمراض كثيرة كانت هى التى تسيّر حياته ، وتملى عليه أقواله وتصرفاته . وكانت الحكايات ، الكلمات ، هى الدواء الناجع لكلا الرجلين . وتبين أهمية الكلمة فى حياة كل من شهرزاد وشهريار ، عندما روت الحكاية عن الملك الذى أراد أن يضاجع جارية وزيره ، فقالت له الجارية : هذا الأمر لا يفوتنا ، ولكن صبراً أيها الملك ، وأقم عندى هذا اليوم كله ، حتى أصنع لك شيئاً تأكله . وأتت الجارية للملك بكتاب نبضه المواعظ والحكم التى تنهى عن الزنا ، وتكسر الهمة عن ارتكاب المعاصى . لذلك كان حرص شهريار على الكتاب ، فهو يعنى بالكتب ، ويسرف فى اقتنائها واقتناء المخطوطات ، ويمضى نهاره فى المكتبة ، يختلى بنفسه ، يطلب دواة وأوراقاً ، وينشغل فى الكتابة والتأليف فى نظم الشعر والزجل والموشحات والبلاليق وتدوين الحوادث . وصار يعقد الكثير من جلساته فى قاعة المكتبة ، بعد إعادة تأثيثها ، يجالسه العلماء والأدباء والشعراء ، يطرحون الموضوعات كيفما اتفق ، ينصت كثيراً ، ولا يتكلم إلاّ قليلاً ، يزيل الرهبة من نفوس المحيطين بتواضع ظاهر ، يبين عن حبه للعلم والعلماء فى هداياه الوفيرة وخلعه وعطاياه . ورجا شهرزاد أن تعيد رواية حكاياتها على النساخين ، ينقلونها وهم جلوس وراء ستار ، ويكتبونها بماء الذهب ، فتحفظ فى خزائن الدولة ..
    إن معجزة الإسلام هى القرآن الكريم . لكل نبى معجزاته التى أقنعت المؤمنين به أنه نبى من الله . أما رسول الإسلام ( ص ) فقد كان القرآن الكريم هو المعجزة التى تحدت من يستطيع أن يأتى بمثلها . والقرآن الكريم قوامه الكلمة ، ففى الكلمة إذن تكمن هذه المعجزة السماوية الخالدة ، وفى الكلمة أيضاً تكمن رسالات وأفكار ومبادئ وحكم وعبر وعظات " قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً " ..
    لم تكن شهرزاد قد ضمنت حياتها بما ترويه من حكايات ، لكنها كانت تحاول ـ بتلك الحكايات ـ أن تضيف إلى كل يوم فى حياتها يوماً جديداً ، ولعلها كانت تثق فى داخلها أنها ستموت ، وأن كل ما كانت تحاوله هو تأجيل اللحظة الحتمية . وقد فقدت شهرزاد فى الليلة الأولى بعد الألف قدرتها على الحكى ، أو الرغبة فيه ، أو لأنها لم تعتد تحتمل أن تعيش يوماً بيوم ، وترغب فى أن تتعرف على مصيرها نهائياً ، وخلال ليلة تكون هى الليلة الحاسمة ( 56 ) . وإذا كانت الطبعة التى قال فيها شهريار لشهرزاد فى الليلة الحادية بعد الألف : كفى ، بمعنى أن حكاية تلك الليلة أحدثت ما كانت شهرزاد تحاول إلغاءه ، وتتوقعه فى الوقت نفسه ، وهو تسرب الملل إلى نفس شهريار .. إذا كانت تلك الطبعة هى الصحيحة ، فإن زهرة الصباح كانت ستحل بدلاً من شهرزاد ، لولا أنه عفا عن شهرزاد لأنها كانت قد أنجبت أطفالها الذكور الثلاثة .
    كان الهدف من حكاية القصص فى ألف ليلة وليلة ـ كما يقول يوسف الشارونى ـ هو التغلب على الوقت والزمن . وقد أتاحت الحكايات / الكلمات لشهرزاد أن تطيل حياتها بالفعل ، حتى كسبتها فى النهاية ، نتيجة لانشغال شهريار بالاستماع إلى الحكايات والاستمتاع بها . أما الهدف من حكاية القصص فى زهرة الصباح فهو تأجيل الموت . لقد تغلب الإنسان على الخوف ، وتغلبت الحياة على الموت . أتذكر قول رامان سلدن : " إن بقاء الراوى ـ شهرزاد ـ فى ألف ليلة كان يعتمد على الانتباه المستمر للمروى عليه ـ شهريار ـ ذلك لأنه كان سيقتلها إذا فقد اهتمامه بما ترويه ( 57 )
    أفلحت شهرزاد فى تخليص شهريار من جنونه ، بروايتها لحكايات ذات قوة علاجية لا جدال فيها ، بحيث وضعته فى حالة تنبّه طيلة ثلاث سنوات تقريباً حتى تمكنت من شفاء حقده وضغينته ، وتمكنت بالتالى من إنقاذ البشرية ( 58 ) . أما زهرة الصباح فقد أعطت المعنى للحياة فى ظل الخوف . تأجل ـ بحكايات شهرزاد ـ ما كان ينتظر زهرة الصباح من مصير ، لكن الحكايات ـ فى الحقيقة ـ لم تستطع أن تزيل الخوف الذى ظل فى نفس زهرة الصباح حتى أعلن شهريار عفوه عن شهرزاد ..
    واللافت أننا نفاجأ بأن شهرزاد قد أنجبت من شهريار أبناءها الثلاثة . أما زهرة الصباح ، فنحن نتابع تطورات حياتها منذ أحبت وتزوجت ، واستعدت للإنجاب ..
    ***
    أما شخصيات ألف ليلة وليلة بعامة ، فهى تختلف ـ فى مجموعها ـ عن شخصيات التاريخ العربى المكتوب . إنها شخصيات تنتسب إلى الناس العاديين ، هؤلاء الذين نلتقى بهم فى البيوت والأسواق والشوارع والوكايل والخانات . من يشقيهم البحث عن قوت أيامهم . ثمة الشيالون والإسكافية والصيادون والحلاقون والمزارعون الصغار والحرافيش والذين بلا مهنة . إنهم التعبير عن التاريخ الحقيقى للفترات التى عاشوا فيها ، وليس الخلفاء والسلاطين والملوك والأمراء والوزراء والولاة والقضاة والمحتسبين إلخ ..
    إن الناس العاديين هم الأبطال الحقيقيون لرواية زهرة الصباح " ، وكانوا ـ من قبل ـ الأبطال الحقيقيين لروايات الأسوار وإمام آخر الزمان ومن أوراق أبى الطيب المتنبى وقلعة الجبل ، تخفت ـ أمام جهارة أصواتهم ـ أصوات المقيمين فى القصور .
    الكاتب العربى أغسطس 1999 ـ فكر وإبداع مارس 2000
    ــــــــــ
    الهوامش :
    1 ـ ت . عاصم إسماعيل ـ آفاق عربية مارس 1985
    2 ـ الهوية والتراث ص 103
    3 ـ العربى مارس 1975
    4 ـ ثقافتنا فى مواجهة العصر ص 54
    5 ـ الأهرام 3/3/1994
    6 ـ زكى نجيب محمود : تجديد الفكر العربى ص 6
    7 ـ المجلة 2/3/1988
    8 ـ فؤاد حسنين على : قصصنا الشعبى ص 65
    9 ـ رفعت سلام : بحثاً عن التراث العربى ص 20
    10 ـ صبرى العسكرى ـ الأهرام 29/5/1988
    11 ـ ميلان كونديرا : الطفل المنبوذ ـ ت . رانيا خلاف ص 400
    12 ـ البلاغ اليومى 12 يناير 1932
    13 ـ مجلة " الأديب " فبراير 1950
    14 ـ قصصنا الشعبى ص 31
    15 ـ الأعمال الكاملة لشوقى عبد الحكيم ـ جـ 2 ص 65
    16 ـ المتواليات ص 72
    17 ـ ألان روب جرييه : لقطات ـ ت . عبد الحميد إبراهيم ص 65
    18 ـ سامية محرز : روايات عربية ، قراءة مقارنة ص 65
    19 ـ أ . ل . رانيلا : الماضى المشترك بين العرب والغرب ص 258
    20 ـ تجديد الفكر العربى ـ ص 292
    21 ـ المرجع السابق ص 292
    22 ـ الرأى الأردنية 22/3/1983
    23 ـ الأهرام 29/5/1988
    24 ـ عبد الرحمن مجيد الربيعى : الخروج من بيت الطاعة ص 105
    25 ـ روايات عربية ص 17
    26 ـ لعل ألف ليلة وليلة أكثر الكتابات الأدبية الشعبية ذيوعاً ، منذ نشر أنطوان جالان Galland ترجمته لها عام 1704 . كما ترجمت حى بن يقظان إلى الإنجليزية أثناء القرنين السابع عشر والثامن عشر ، ثم ظهرت إحدى عشرة طبعة بلغات مختلفة بين عامى 1671 : 1783
    27 ـ الشيراوى ـ مقدمة الطبعة الفارسية
    28 ـ هوم وشيكل ـ الطبعة الكاثوليكية عن النسخة الإنجليزية
    29 ـ المصدر السابق
    30 ـ المسعودى : مروج الذهب جـ 4 ص 90
    31 ـ العربى مايو 1984
    32 ـ حوار مع بورخيس ـ الثقافة الأجنبية 2/1984
    33 ـ الوطن العربى العدد 277
    34 ـ المرجع السابق
    35 ـ آفاق عربية مارس 1985
    36 ـ الموسوعة الإسلامية طـ 2 جـ 1 ص 209 : 210
    37 ـ الماضى المشترك بين العرب والغرب ص 302
    38 ـ جمال الدين بن الشيخ : ألف ليلة وليلة ، أو القول الأسير ـ ت . محمد برادة ـ المجلس الأعلى للثقافة ص 28
    39 ـ المرجع السابق ص 20
    40 ـ مجلة " الأديب " يناير 1954
    41 ـ تقنيات الفن القصصى بين الراوى والحاكى ص 94
    42 ـ رحلة فى ألف ليلة وليلة ص 8
    43 ـ قاسم عبده قاسم : الرؤية الشعبية للحروب الصليبية ـ المأثورات الشعبية إبريل 1987
    44 ـ المرجع السابق
    45 ـ الماضى المشترك بين العرب والغرب ص 315
    46 ـ سندباد مصرى ص 269
    47 ـ الأهرام 20/10/1988
    48 ـ الرأى الأردنية 22/3/1982
    49 ـ الدوحة نوفمبر 1985
    50 ـ تحت المصباح الأخضر ص 131
    51 ـ ألف ليلة وليلة أو القول الأسير ص 34
    52 ـ نبيلة إبراهيم : المرأة ذات الألف وجه فى ألف ليلة وليلة ـ أدب ونقد مايو 1966
    53 ـ عبد الفتاح كيليطو : العين والإبرة ـ ت . مصطفى النحال ص 32
    54 ـ تقنيات الفن القصصى بين الراوى والحاكى ص 21
    55 ـ الإسراء ـ 88
    56 ـ العين والإبرة ص 31
    57 ـ رامان سلدن : النظرية الأدبية المعاصرة ـ ت جابر عصفور ص 204
    58 ـ العين والإبرة ص 16
هذا الموضوع لدية أكثر من 12 ردود. اضغط هنا لعرض الموضوع بأكمله.

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •