الملاحظات
مشاهدة تغذيات RSS

طارق شفيق حقي

مآجيج الألم

تقييم هذا المقال
مآجيج الألم


أحسست أن العمر قصير وأن الحب أطول من عمري... حينها تمنيت لو أحسست بكل العاشقين..كانت مسحة منه لشعري تجعلني اعترف لدفاتري...ربما أخشى أسراري...أسرار الحب , والحب سر كبير يفقد سحره حين يباح, سأحكي لكم قصة حب واحدة


في الثلاثين من شهر تشرين , شارع كريم آغا
أخر بناية لو دخلتها تجد لصاقات على الجدران ما أكثر الشعارات في الشوارع الفقيرة , وستجد درجاً يأخذك للأعلى ودرجاً يأخذك للأسفل

في الأسفل ستجد حتى الدرجات مكسورة وإذا دخلت معي المنزل في القبو , لن تجد إنارة في الخارج.
إذا فتحت باب الغرفة الداخلية لا تكترث لقبضتها المكسورة :كان الأب يدخن وهو يشرب الشاي المسخن أكثر من مرة , الأم توشك أن تنهي خياطة سترة الابن الصغير: يا عمري كان البرد يقتلك طيلة هذه الفترة ,البرد نخر عظام جسدك ,فداك جسدي , كانت السماء في الخارج توحي بالمطر وتراني انظر من النافذة أحملق في الغيم المتجمع وانظر في الأم تقرب السترة وتقطع بأسنانها الخيوط الهاربة من هذه السترة,قلبت السترة بين يديها نفضتها وقالت فرحةً: مسعود تعال وقس سترتك, كان الولد قريباً متسمراً يقرض أظافره ينتظر السترة , يقول في ذاته ستكون أجمل سترة في الصف وأجمل من سترة ابن المدير,قفز قاطعاً أحلامه يلبس سترته الجديدة والأم تدعو للأب :

الله يرزقك يا أبا مسعود , الله يقلب التراب بيدك ذهباً..الله..... كان الأب يفكر غارقاً بطريقة لجلب النقود ويسكت هذه البطون الجوعى .... وهسيس الفكرة لا زال يجول بقلبه , اليوم كان قاسياً عليه ولقمة العيش مغموسة بالذل , ذهب لورشة الحمالين,صاحب الورشة يأخذ ثلاثة أرباع عرقهم: أيها اللص تسرق تعبنا ,نظر في الوجوه من حوله كانت تقول مقاله لصاحب الورشة ,فصمت واستكان على مضض أسكتته الحاجة, لا بد أن اشتري لولدي قطعة قماش تخيطها أمه سترة, لم استطع النوم البارحة من سعاله البرد نخر عظامه , جاء دوره في التحميل , أخذ يحمّل أكياس البطاطا ينقلها من المخزن للشاحنة , وبدأت حبات العرق تتفصد من جبينه المجعد , وبدأت بعض حبات البطاطا تتدحرج جانباً

,كان يحمل الكيس يسرع به للشاحنة رغم سرعته تراه ينظر جانباً لحبات البطاطا هنا وهناك كأنه يحفظ مكانها واحدة واحدة,يقول في ذاته حين أنهي التحميل سأجمعها ,ستطبخ منها أم مسعود غداء اليوم وربما تكفينا لأكثر من يوم... كان يضع الكيس ويسرع لحمل الأخر , إذا بقيت بإذن الله أعمل عند هذا الرجل كل يوم, سأوفر البطاطا دائماً للمنزل إضافة لأجرتي, تعثر بأفكاره وكاد يسقط هو والبطاطا , صاح به الرجل : ما بك أيها الحمال انتبه لعملك.

-لا تكترث ذلك حقه . كان يقول : هذا ماله وهو حر فيه ويجب أن يحرص عليه , بالطبع لن ينتقد جمعي لحبات البطاطا , استرق النظر إليه فشاهد قدم الرجل تدفع حبة بطاطا , كاد أن يصيح فيه دعها لمسعود سيفرح بها,وضع الكيس وقال : ربما لم ينتبه إليها بكل الأحوال هو صاحب المال , بعد أن أنهى تحميل الأكياس وقف وهو يمسح جبينه , كان يخفي مشاعره بمسح عرقه , مسح وجهه بعناية كبيرة وأطال... كان يسترق النظر للرجل ثم همت السيارة بالانصراف حاول أن يمشي لجمع الحبات ووضعها جابناً , صاح به الرجل
: هيا اذهب وحمل السيارة الأخرى , بسرعة

مشى أبو مسعود يجلد ذاته مرة أخرى يقول: إنه صاحب المال وله الحق أن يأمرنا.. وأكمل عمله وانتهى من السيارة الثانية , في طريق عودته لم ير الرجل, أين ذهب كنت أنوي أن أستأذنه... لا لا لن أدخل الحرام على بطن أولادي , لعن الله المال الحرام ,ثم قال سأجمعها وأضعها في البيت وأنبه أم مسعود كي لا تطبخ منها حتى أستسمحه ,

وحين وصل للنقطة التي كانت حبات البطاطا تنتظره ,شاهدها لكنه شاهدها مهروسة من عجلات سيارة المالك , كانت كل حبة قد انهرست وافترشت الأرض على حجم صحن طعام تماماً, عد الحبات واحدة واحدة , اعتصره قلبه وجمع البطاطا المهروسة يضعها في مكان لا تدوسها الأقدام ويقول إنها نعمة نعمة.

هيا يا مسعود قبل يد والدك هيا... أسرع الولد يقبل يد والده, سعيداً بسترته الجديدة ثم راح وجاء بها , ابتسم الأب رغماً عنه وتقافزت الضحكة على وجه أمه وهي تدعو لأبي مسعود, ركض الولد ليريها لإخوته سحب الباب , لفرحته لم يدري كيف علقت السترة بقبضة الباب المكسورة ولسرعته مزق المسمار السترة وامتزج صوت تمزيق السترة بصوت الرعد حينها , وجمت الأم وانقلب وجهاً احمر ورفعت يديها لوجنتيها ... تقدمت نحو الطفل تضربه , أخذ الطفل بالبكاء لا يعرف أيبكي من ألم الضرب أم من تبخر فرحته,

ثم أخذت الأم السترة وبكلمات مبهمة متلجلجة راحت تقنعهم تقول:

سأصلحها لا عليكم يمكنني إصلاحها... كانت تحاول أن تنظر للأب تمنعها دمعات ساخنات وانهمكت تصلح السترة, كان الأب يريد الصراخ نهض وترك المنزل حينها كان المطر يهطل غزيراً وقف عند مدخل البناية التي إذا دخلتها ترى درجاً يأخذك للأعلى, ودرجاً يأخذك للأسفل , وأخذ يدخن أكثر ودخان سيجارته يتصاعد ,وتذكر حين أخذ أجرته من صاحب الورشة كلام معاونه يقول: أتعرف يا معلم , لقد كتبوا في التقرير أن خضروات المخزن تعرضت للتلف وشكلت لجنة إتلاف رسمية ,سخر صاحب الورشة قائلاً : أولاد حرام. وازداد هطول المطر.



11/1/2007

أرسل "مآجيج الألم" إلى Digg أرسل "مآجيج الألم" إلى del.icio.us أرسل "مآجيج الألم" إلى StumbleUpon أرسل "مآجيج الألم" إلى Google أرسل "مآجيج الألم" إلى فيسبوك

الكلمات الدلالية (Tags): لا يوجد إضافة/ تعديل الكلمات الدلالية
التصانيف
قصة

التعليقات

كتابة تعليق كتابة تعليق

Trackbacks