الملاحظات
  • أعجبني

  • أدبيات الطرق الصوفية وتحديات العولمة - أ.د عيسى بريهمات


    أ.د عيسى بريهمات


    ومـن عـجب إنـي أحـــن إلـيـهــم


    وأسـأل شوقا عنهم وهـــم مــعي

    وتبكيهم عيني وهــم في سوادها

    ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي
    من كتاب التجليات



    أدبيات الطرق الصوفية وتحديات العولمة
    مقدمة
    شهد الفضاء الفكري والثقافي والأدبي زخما روحيا في العشرية الأخيرة من القرن العشرين .طغت عليه حركة صوفية مهيمنة وبارزة على المستوى العربي والدولي، وذلك من خلال البحوث الآكاديمية والدراسات الجامعية والملتقيات أو الندوات بالإضافة إلى النشاطات الموسمية داخل الحاضنة الرسمية للصوفية وطرقها ''الزاويا'' . هذا المد الصوفيي الوطني والعالمي المنقطع النظير والذي ازدهر في ظل تداعي الأنظمة الشيوعية واندحار الإيديولوجيات دفعنا إلى مقاربة إشكالية أدبيات الطرق الصوفية وتحديات العولمة لمعرفة ما إذا كانت هذه الظاهرة صحية أم مرضية؟ هذه الظاهرة التي عززت روح المقاومة عند "الأمير عبد القادر" و"عمر المختار" وماء العينين و"لاله فاطمة نسومر" هل مازالت هذه الظاهرة على العهد كما كانت من قبل تمثل خميرة للجهاد والمجاهدة والصبر والمصابرة عبر الرباطات ؟ أم لعبت بها رياح العولمة وثقافة العالم المعاصر وعالم ما بعد الحداثة ؟ وهي اليوم مثلا تحتاج إلى تعديل وإصلاح وجهود لترهينها وليعود لها ألقها السابق فيكون عليها إجماع في التنظير والتطبيق وتكون مجدية روحيا واجتماعيا وثقافيا في مواجهة نظام الفكر الحديث «الذي يتسم بالانفصال والانقطاع عن معظم المعتقدات ويتقيد فقط بالمعرفة اللائكية التجريبية وبالمعاينة الحسية المادية »[i] قبل الولوج إلى موضوع أدبيات الطرق الصوفية وتحديات العولمة لا أملك إلا أن أعترف بأني أقارب هذا الموضوع الفائق الحساسية بالعرض لا بالذات ، حتى وإن كنت أعتقد صراحة أن العلم المسلح بالمشاهدة والوسائل المادية والدراسة التحليلية لا يقوى على الدخول إلى رحاب الروح وقلاع التصوف. والعلم حتى وإن حاول مرارا وتكرارا لن يصل إلاّ إلى مظاهر وقشور الظاهرة مهملا روح التصوف التي تقبع في جوهر الباطن .كل العلوم التي استهدفت مثلا :الوحي والإلهام والطرق الصوفية ومسالك السالكين إلى الله باءت بالفشل وانقلبت خاسئة حصيرة ذليلة.[ii] إن من يقارب ظاهرة أدبيات الطرق الصوفية وتحديات العولمة يناقش في واقع الأمر حدين مطلقين يعيش الإنسان بينهما أزمة روحية، ، فالتصوف يتميز بوصفه مطلقا روحيا ، أما العولمة فهي مطلق مادي والإنسان من ضمن مخلوقات الخالق محدود في حسه وعقله وإدراكه ، نسبي في أحواله وأوضاعه ، وهذا بصريح القرآن الكريم والحديث النبوي. الإنسان يعيش بين هذين المطلقين أزمة روحية ، لأنه لا يستطيع أن يكون روحيا إلى آخر الروحانية أو ماديا إلى آخر المادية،فهو مكرس للكدح بين هذين القطبين وهو لا يستطيع أن يستعيد توازنه إلا بفعل التدين الحق ،الصحيح والسليم . والطرق الصوفية التي درجت على الرياضة والترويض في مسلك بل وفي فضاء الروحانيات هي الأخرى تبدو عاجزة عن التوافق والتوفيق بين هذين القطبين.وها هي بعض الأبيات من تائية الشيخ "أبي حامد الغزالي" تعرب عن جذب النفس وصراعها ومراوحتها بين القطبين المتضادين المادة والروح .
    فـلمـا أحست بـالسماع بمـثلها *** تـذكّرت العـهد القديم فـحنت

    وحاولت التجريد عن عالم الفنا *** إلى العالم الباقي الذي عنه شذّت

    فجاذبها الجسم الزمام وأقبلت *** تجاذب فاهتزت لذاك برقصة[iii]
    الطرق الصوفية وتحديات العولمه :
    تواجه الطرق الصوفية في أدبياتها وسلوكياتها إشكاليات عديدة ومعقدة في فضاءات العولمة، التي أصبحت تغمرها بسيول من وصلات شبكات الاتصال المختلفة، التي تلفظ زخما من الأعلومات والمعارف والأنشطة الرقمية والتجارية ذات النزوع المادي الدنيوي، والتي بات معها المريد والشيخ والصوفي عموما في حرج، يعاني في سبيل تأسيس علاقة روحية عرفانية قلبية بمفردات لغوية خاصة ومتميزة يضفي عليها شحنات دلالية غيبية وباطنية تترجم حقيقة ذوقه وتجربته . لم تعد العولمة تسمح للشعوب والأمم بله الأفراد في أن تعتزل في زاوية مسار أو مسلك أو طريقة ، لقد انفتحت شبكات التواصل على بعضها البعض مكرسة الفرقة والاختلاف والتعدد ،فلا يقوى الفرد على العزلة، فهو محاصر صباح مساء بكم كبير من الوسائط التي تفرض نفسها عليه مهيمنة ومتحكمة في كيانه وسلوكه.تحدد توجهاته ومقاصده ،مدمنا عليها وعلى خدماتها الدنيوية فلا يستطيع الفكاك منها ولا الاستغناء عنها وعن ملحقاتها .وفي هذا السياق سلوكه مرصود محسوب ومبرمج بفعل حدة العولمة الطاغية ، التي قولبت السلوك البشري ،بل وحالت دون تنوعه وتجليه في هوية وخصوصية، فهو إلى العمومية نزاع وإلى الزينة وبهرج الدنيا ميال.[iv] إن فئة المريدين في عصر العولمة أصبحت على شروط علمية وثقافية تتجاوز أحيانا قدرات الزاوية الفكرية والدينية والثقافية .والزاوية بأساليبها التربوية التقليدية والإمكانيات القديمة والمحدودة الأفق ، قد لا تنهض دينيا وروحيا بهؤلاء المريدين الشباب والكهول الذين قولبت العولمة سلوكياتهم .يستعصي عليها التكفل بهم ،وربما تعجز عن ترويضهم وتدريب قدراتهم ومعطياتهم الثقافية المعاصرة ذات النزوع العولمي خصوصا عندما لا يردون إليها وهم صفحة بيضاء ، بل يأتون إلبها وقد قولبتهم وعولبتهم وسائط الشبكة العنكبوتية . المريد اليوم متعلم وربما حامل لشهادة عليا له قدرات ثقافية يسأل ويتساءل ،يحاور ،يعترض ويعارض ،يحاجج كما حاجج إبراهيم الخليل أو أكثر .فهو فضولي لا يقبل الأمور على علتها ، وقد يكون لشيخه كموسى لـ "الخدر" عندما لم يستطع صبرا على صبر . يقول عز من قائل في كلمات في غاية البلاغة معبرا عن تلك المصاحبة أو التبعية التي كان فيها النبي موسى في وضع المريد لا يكف عن الأسئلة التي تفرض نفسها أمام ظاهر غريب وحقيقة باطنية تحتاج إلى علم لدني لا يملك مفاتيحه إلا من رحم الرحمن من عباده المخلصين كما ورد في الذكر الحكيم :{ فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنلَّدُنَّا عِلْمًا }{الكهف/65} . في خبرة التبعية لم يكن" موسى" صابرا على ما لم يحط به علما فكان يسأل إلحاحا على ما يبدو له عيانا وحسا .لقد كان النبي "موسى" يريد الحقيقة لكن شروط التبعية كانت تقتضي أن يسكت أمام المظاهر التي تبدو غريبة ولا يسأل عنها .قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا {الكهف/66} قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا {الكهف/67} وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا {الكهف/68} قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا {الكهف/69} قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا {الكهف/70}. والشباب المرشح لأن يكون مريدا اليوم ،لا يتوانى عن المعاكسة والمشاكسة ،مما يلزمه ربما شيخا على شروط يكون لهم طريقا ومقصدا ومعبرا بل هجرة إلى الله .شيخ معاصر لكن لا يخرج عن روح كلام الله وسنة رسوله منفتح على النقاش والحوار والحجاج إلى أقصى الحدود ؟ فهل الطرق الصوفية مستعدة في عصر الحداثة ولها القابلية والوسائل والإستراتيجية لتوفير شيوخ لا يكون المريد بين أيديهم كالميت في يد غساله؟ بل شيوخ على شروط العصر تلازمهم هذه الشريحة فيتعهدونها وينهضون بها روحا وأخلاقا وآدابا. الشيخ اليوم بوصفه مرشدا ، دليلا ،معينا ،داعية ،ومبشرا بإذنه مطالب بخدمة هذه الشريحة لكن بمعونة ومعية نموذج تربوي ديني يلائم هذه الشريحة ولا يتركها نهبا وعرضة للتفسخ والانحلال الذي يحاصرها في كل مكان وزمان إغراء وغرورا.
    ظاهرة الطرق الصوفية
    تمثل الطرق الصوفية نزعة إنسانية، يمكن القول بأنها ظهرت في كل الحضارات على نحو من الأنحاء، وهي من خلال توق المريد تعبر عن شوق الروح إلى التطهر، ورغبتها في الاستعلاء علي قيود المادة وكثافتها، وسعيها الدائم إلى تحقيق مستويات عليا من الصفاء الروحي والكمال الأخلاقي. ولم يكن المسلمون استثناء من هذه القاعدة، فقد ظهر التصوف لديهم مثلما ظهر لدى من سبقهم أو عاصرهم من الأمم السابقة. ولقد تنبهت المجتمعات الغربية المادية إلى أن اعتماد العلم في فهم الإنسان والوجود لم يقم إلا بإبعاد الإنسان عن ذاته، وتأكد لهم من التراكم العلمي والتقني أن الإنسان أصبح يشكو غربة، تمثلت في انفصال داخله عن خارجه وتشظي ذاته،لأنه أصبح يعيش إلى جانب محيطه وليس فيه .وقد ركز "هوسرل" في دراساته على «الانفصال المتنامي بين الواقع الذي تتحدث عنه العلوم وتهيمن عليه التكنولوجيا (وعالم الحياة ) الذي يمتد فيه وجودنا الفعلي»[v] الحقيقي ومن داخل الشعور بهذا الانفصال والخواء ،تم الانفتاح على طرق أخرى في المعرفة والعرفان كالحب والحلم والحدس ،حيث ارتفعت اصوات أكدت أن المعرفة العلمية والعقلية ليست المعرفة الحقيقية وأن هناك مجالات تتجاوز فيها المعرفة الوجدانية الباطنية من حيث التأكد،المعرفة العلمية نفسها التي تظل معرفة مجالها العقل ،الاستنباط والاستدلال في عالم المادة ، أما الغيب فمعرفة قلبية باطنية لاتدرك بالحواس و لا سطوة للعقل عليها [vi] . {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}[vii]
    تعريف التصوف والطرق الصوفية:
    إن تعار يف الصوفية والطرق الصوفية وإن بلغت ما يزيد عن ألف تعريف تكاد تجمع على أن مفهوم التصوف هو الهجرة إلى الله والرقي بالنفس و السمو بها في عبادة الخالق وترفعها عن أخطاء البشر وتربيتها بعبادات تقربك من الله، وهناك من عرفها في أبيات فيقول :
    ليس التصوف لبس الصوف و ترقعهولا صياح ولا رقص و لا طرببل التصوف أن تصفوا بلا كدروأن ترى الله خاشعا لله مكتئبا
    والتصوف الإسلامي هو الدين الخالص والنية الخالصة لله التي قامت على مبدأ تحقيق العبودية وتعظيم الربوبية وتحقيق عمارة البواطن بالمعارف والأسرار والرضا والتوكل والإخلاص وعمارة الظواهر بالعبادة والورع والتقوى ومتابعة النبي وآله في أقواله وأفعاله مصداقا لقوله : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون* ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون }[viii]. وهذا هو المنهج القويم الذي كان عليه النبي وآله وأصحابه الذين حققوا وكرسوا الدين في سرهم وعلانيتهم ظاهراً وباطناً ، ورسوخاً في مراتبه السنية الثلاث ( الإسلام والإيمان والإحسان ) الواردة في الحديث الصحيح الذي يرويه عمر بن الخطاب. وبهذا حق على سائر المؤمين والخاصة من الصوفية «الاعتناء بما خلقوا له ، والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة ، فإنها دار نفاد لا محل إخلاد ، ومركب عبور.. فلهذا كان الأيقاظ من أهلها هم العباد ،وأعقل الناس فيها هم الزهاد»[ix]
    وقد أحسن القائل في هذا المضمار:
    إنا لله عبـادا فطنـا *** طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا

    نظروا فيها فلما علموا *** أنها ليست لحي وطنا

    جعلوها لجة واتخذوا *** صالح الأعمال فيها سفنا [x]
    للتصوف تعريفات لا تكاد تقع تحت الحصر، وللصوفية مسالك إلى الله تعدَّدت حتى قيل: الطُرُقُ إلى الله على عدد أنفاس البشر!
    وجدنا أربعة مـن
    هذه التعريفات تكاد تلخِّص الأمر كله .

    هى قول معروف الكرخى المتوفى 200هجرية : التصوف هو الأخذ بالحقائق واليأس مما بأيدى الخلائق.
    وقول أبى بكر الشِّبلى المتوفى 320هجرية : التصوف هو الجلوس مع الله بلا هَمٍّ.
    وقول أبى بكر الكتانى المتوفى 322 هجرية : التصوف خُلُقٌ، فمن زاد عليك فى الخلق فقد زاد عليك فى الصفاء.
    وقول الامام عبد القادر الجيلانى المتوفى 561 هجرية: الصوفى مَنْ جعل ضالته مراد الحق منه، ورفض الدنيا وراءه.. وهو محمولُ القدرة، كرةُ المشيئة، مربَّى القدس، منبعُ العلوم والحكم، بيتُ الأمن والفوز، كهفُ الأولياء والأبدال، عينُ القلادة، درةُ التاج ، منظرُ الرب .
    وتدور جل هذه التعريفات حول ظاهرة (الزهد) باعتباره شرطاً للتصوف، وباباً للعروج من الدنيا إلى الحضرة الإلهية، فيتحلَّى الصوفى بالخلق والصفاء حتى يصير على ما وصفه به الإمام الجيلانى .
    و الصوفية بمنطق آخر قد تعد ردة فعل مضادة عن الانغماس الحضاري الذي عرفته الأمة الإسلامية، لكننا نجد انه منطق واه لما سيأتي لاحقا، أما عن التسمية التي تثير تقززا لدى البعض و تثير الغموض لدى آخرين فنجد أنها قد عرفت تضاربا في الأصل ولكن الأصل أنها نسبة إلى [ لبس الصوف] ورد ذلك على أنه رمز للتقشف و المبالغة فيه و تعذيب للنفس و اعتبار هذه الحالة من وسائل التقرب إلى الله.
    ويُرجِع الدارسون أوليات التصوف في الإسلام إلى القرن الثالث الهجري كنزعات فردية حسب ما تفيد اغلب الدراسات التي عالجت ظاهرة التصوف .وفي هذا السياق يقال أن الكوفة بالعراق هي منشأ هذا الحركة الدينية وأن أول صوفي كان [ أبو هاشم الكوفي] سنة 150هـ ، ومن بعده انتشر التصوف في أرجاء العالم الإسلامي و كل الدول العربية ومن ثم إلى كل دول العالم.
    كثرت الأقوال أيضا في تعريف التصوف تعريفا اصطلاحيا على آراء متقاربة، كل منها يشير إلى جانب رئيسي في التصوف، والتي منها:
    * قول الشيخ زكريا الأنصاري : التصوف علم تعرف به أحوال تزكية النفوس، وتصفية الأخلاق وتعمير الظاهر والباطن لنيل السعادة الأبدية.
    * قول الشيخ أحمد زروق: التصوف علم قصد لإصلاح القلوب وإفرادها لله تعالى عما سواه. والفقه لإصلاح العمل وحفظ النظام وظهور الحكمة بالأحكام. والأصول "علم التوحيد" لتحقيق المقدمات بالبراهين وتحلية الإيمان بالإيقان.وقال أيضا: وقد حُدَّ التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ نحو الألفين، مرجع كلها لصدق التوجه إلى الله تعالى، وإنما هي وجوه فيه.
    * قول الإمام أبو الحسن الشاذلي: التصوف تدريب النفس على العبودية، وردها لأحكام الربوبية.
    * قول الإمام ابن عجيبة: التصوف هو علم يعرف به كيفية السلوك إلى حضرة ملك الملوك، وتصفية البواطن من الرذائل، وتحليتها بأنواع الفضائل، وأوله علم، ووسطه عمل، وآخره موهبة.[xi]
    وفي مضمار السالكين إلى الله الصوفية لا يواجهون الأسئلة الوجودية الكبيرة ( الوجود ،العدم ، الخلق ،الذات ،الصفات والأفعال ...)مواجهة عقلية كما فعل معظم الفلاسفة المسلمون وإنما يواجهونها مواجهة باطنية كشفية ذوقية تعتمد القلب والوجدان بل أساليب التجربة والاستبطان واستقصاء الأحوال، كل حسب ما بلغه من مراتب الصفاء وما تحقق به من تجليات الحقيقة المحمدية .ويكاد ينعقد إجماع الصوفية على أن مصير الصوفي السالك هو الولاية ومقام الختام والقربة. وفي هذا المضمار وتوضيحا للأسرار الباطنية العلية يقول الشيخ" محي الدين بن عربي" في كتاب الإسرا : « فإذا رفع لك سرالسر واتصل الشفع بالوتر كان هو ولا أنت »[xii]يقول ابن عربي في رسالة الأنوار« واعلم أن السالك إذا تجرد عن هيكله وانسلخ منه وارتقى عن التقيد بالطبع بالرياضات والخلوات ودوام الذكر والحضور والمراقبة ،وأخذت لطيفته في المعراج في العروج الروحاني،فعند اختراقه الماوات والأفلاك وتجاوزه مقامات الأرواح ومرات الأسماء ، ينزل إليه سبحانه تعالى في كل منزل من هذه المنازل فيلاقيه فيه ويهبه ما شاء ،وهذا هو المسمى بالمنازلة.»[xiii]

    [i] .الجملة الأخيرة مقتطعة من مقال منشور في كتاب :«دراسات إسلامية » الصادر عن منشورات جامعة اليرموك بالأردن – مركز الدراسات الإسلامية بتاريخ 1983.
    [ii] ينظر : العارف بالله ، أبو العباس المرسي لـالإمام عبد الحليم محمود ،منشورات دار الشعب ،القاهرة ،1972.

    [iii] -أبو حامد الغزالي،معارج القدس في مدارج معرفة النفس،شركة الشهاب ،الجزائر،(ب. ط) (ب.ت) ص20.

    [iv] Seif-El-Islam Belamine ,La mondialisation et la culture islamique,Cf Revue des Etudes islamiques,1er semestre , Alger,juin2004,pp.37-43.

    Bernard Sichère,Eloge du sujet ,Grasset,Paris ,1990,p.62 [v]



    [vi] فرميناد أكلييه ،المعرفة الوجدانية ، ترجمة محمد سبيلا، كتابات معاصرة ،عدد12، 1991،ص.41.

    سورة لإسراء/36[vii]

    سورة الذاريات ، الآيه56،57.[viii]

    [ix] رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين ، الإمام الحافظ أبي زكريا محي الدين يحي النووي ،دار العوة الإسلامية ،القاهرة ،ط.1 ،2002،ص6.

    م.ن،ص.6.[x]

    [xi] ابن عربي ،كتاب الأسرا إلى مقام الأسرى ،تحقيق سعاد الحكيم ،دندرة للطباعة والنشر ،بيروت ،ط.1 ،1988 ،ص44.

    [xii] علي شود كيفيتش نالولاية والنبوة ،ص132،ترجمة أحمد الطيب ،سلسلة حكمة ،دار القبة الزرقاء ،مراكش ،ط 1 ،1999

    [xiii] .


    أ.د عيسى بريهمات
    أستاذ النقد المقارن والترجمة
    قسم اللغة العربية وآدابها
    جامعة ثليجي عمار الغواط
    الجزائر



    ومـن عـجب إنـي أحـــن إلـيـهــم
    وأسـأل شوقا عنهم وهـــم مــعي
    وتبكيهم عيني وهــم في سوادها
    ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي

    من كتاب التجليات


    أدبيات الطرق الصوفية وتحديات العولمة
    مقدمة
    شهد الفضاء الفكري والثقافي والأدبي زخما روحيا في العشرية الأخيرة من القرن العشرين .طغت عليه حركة صوفية مهيمنة وبارزة على المستوى العربي والدولي، وذلك من خلال البحوث الآكاديمية والدراسات الجامعية والملتقيات أو الندوات بالإضافة إلى النشاطات الموسمية داخل الحاضنة الرسمية للصوفية وطرقها ''الزاويا'' .
    هذا المد الصوفيي الوطني والعالمي المنقطع النظير والذي ازدهر في ظل تداعي الأنظمة الشيوعية واندحار الإيديولوجيات دفعنا إلى مقاربة إشكالية أدبيات الطرق الصوفية وتحديات العولمة لمعرفة ما إذا كانت هذه الظاهرة صحية أم مرضية؟ هذه الظاهرة التي عززت روح المقاومة عند "الأمير عبد القادر" و"عمر المختار" وماء العينين و"لاله فاطمة نسومر" هل مازالت هذه الظاهرة على العهد كما كانت من قبل تمثل خميرة للجهاد والمجاهدة والصبر والمصابرة عبر الرباطات ؟ أم لعبت بها رياح العولمة وثقافة العالم المعاصر وعالم ما بعد الحداثة ؟ وهي اليوم مثلا تحتاج إلى تعديل وإصلاح وجهود لترهينها وليعود لها ألقها السابق فيكون عليها إجماع في التنظير والتطبيق وتكون مجدية روحيا واجتماعيا وثقافيا في مواجهة نظام الفكر الحديث «الذي يتسم بالانفصال والانقطاع عن معظم المعتقدات ويتقيد فقط بالمعرفة اللائكية التجريبية وبالمعاينة الحسية المادية »[i]
    قبل الولوج إلى موضوع أدبيات الطرق الصوفية وتحديات العولمة لا أملك إلا أن أعترف بأني أقارب هذا الموضوع الفائق الحساسية بالعرض لا بالذات ، حتى وإن كنت أعتقد صراحة أن العلم المسلح بالمشاهدة والوسائل المادية والدراسة التحليلية لا يقوى على الدخول إلى رحاب الروح وقلاع التصوف. والعلم حتى وإن حاول مرارا وتكرارا لن يصل إلاّ إلى مظاهر وقشور الظاهرة مهملا روح التصوف التي تقبع في جوهر الباطن .كل العلوم التي استهدفت مثلا :الوحي والإلهام والطرق الصوفية ومسالك السالكين إلى الله باءت بالفشل وانقلبت خاسئة حصيرة ذليلة.[ii]
    إن من يقارب ظاهرة أدبيات الطرق الصوفية وتحديات العولمة يناقش في واقع الأمر حدين مطلقين يعيش الإنسان بينهما أزمة روحية، ، فالتصوف يتميز بوصفه مطلقا روحيا ، أما العولمة فهي مطلق مادي والإنسان من ضمن مخلوقات الخالق محدود في حسه وعقله وإدراكه ، نسبي في أحواله وأوضاعه ، وهذا بصريح القرآن الكريم والحديث النبوي. الإنسان يعيش بين هذين المطلقين أزمة روحية ، لأنه لا يستطيع أن يكون روحيا إلى آخر الروحانية أو ماديا إلى آخر المادية،فهو مكرس للكدح بين هذين القطبين وهو لا يستطيع أن يستعيد توازنه إلا بفعل التدين الحق ،الصحيح والسليم .
    والطرق الصوفية التي درجت على الرياضة والترويض في مسلك بل وفي فضاء الروحانيات هي الأخرى تبدو عاجزة عن التوافق والتوفيق بين هذين القطبين.وها هي بعض الأبيات من تائية الشيخ "أبي حامد الغزالي" تعرب عن جذب النفس وصراعها ومراوحتها بين القطبين المتضادين المادة والروح .
    فـلمـا أحست بـالسماع بمـثلها *** تـذكّرت العـهد القديم فـحنت
    وحاولت التجريد عن عالم الفنا *** إلى العالم الباقي الذي عنه شذّت
    فجاذبها الجسم الزمام وأقبلت *** تجاذب فاهتزت لذاك برقصة[iii]

    الطرق الصوفية وتحديات العولمه :
    تواجه الطرق الصوفية في أدبياتها وسلوكياتها إشكاليات عديدة ومعقدة في فضاءات العولمة، التي أصبحت تغمرها بسيول من وصلات شبكات الاتصال المختلفة، التي تلفظ زخما من الأعلومات والمعارف والأنشطة الرقمية والتجارية ذات النزوع المادي الدنيوي، والتي بات معها المريد والشيخ والصوفي عموما في حرج، يعاني في سبيل تأسيس علاقة روحية عرفانية قلبية بمفردات لغوية خاصة ومتميزة يضفي عليها شحنات دلالية غيبية وباطنية تترجم حقيقة ذوقه وتجربته .
    لم تعد العولمة تسمح للشعوب والأمم بله الأفراد في أن تعتزل في زاوية مسار أو مسلك أو طريقة ، لقد انفتحت شبكات التواصل على بعضها البعض مكرسة الفرقة والاختلاف والتعدد ،فلا يقوى الفرد على العزلة، فهو محاصر صباح مساء بكم كبير من الوسائط التي تفرض نفسها عليه مهيمنة ومتحكمة في كيانه وسلوكه.تحدد توجهاته ومقاصده ،مدمنا عليها وعلى خدماتها الدنيوية فلا يستطيع الفكاك منها ولا الاستغناء عنها وعن ملحقاتها .وفي هذا السياق سلوكه مرصود محسوب ومبرمج بفعل حدة العولمة الطاغية ، التي قولبت السلوك البشري ،بل وحالت دون تنوعه وتجليه في هوية وخصوصية، فهو إلى العمومية نزاع وإلى الزينة وبهرج الدنيا ميال.[iv]
    إن فئة المريدين في عصر العولمة أصبحت على شروط علمية وثقافية تتجاوز أحيانا قدرات الزاوية الفكرية والدينية والثقافية .والزاوية بأساليبها التربوية التقليدية والإمكانيات القديمة والمحدودة الأفق ، قد لا تنهض دينيا وروحيا بهؤلاء المريدين الشباب والكهول الذين قولبت العولمة سلوكياتهم .يستعصي عليها التكفل بهم ،وربما تعجز عن ترويضهم وتدريب قدراتهم ومعطياتهم الثقافية المعاصرة ذات النزوع العولمي خصوصا عندما لا يردون إليها وهم صفحة بيضاء ، بل يأتون إلبها وقد قولبتهم وعولبتهم وسائط الشبكة العنكبوتية .
    المريد اليوم متعلم وربما حامل لشهادة عليا له قدرات ثقافية يسأل ويتساءل ،يحاور ،يعترض ويعارض ،يحاجج كما حاجج إبراهيم الخليل أو أكثر .فهو فضولي لا يقبل الأمور على علتها ، وقد يكون لشيخه كموسى لـ "الخدر" عندما لم يستطع صبرا على صبر . يقول عز من قائل في كلمات في غاية البلاغة معبرا عن تلك المصاحبة أو التبعية التي كان فيها النبي موسى في وضع المريد لا يكف عن الأسئلة التي تفرض نفسها أمام ظاهر غريب وحقيقة باطنية تحتاج إلى علم لدني لا يملك مفاتيحه إلا من رحم الرحمن من عباده المخلصين كما ورد في الذكر الحكيم :{ فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا }{الكهف/65} . في خبرة التبعية لم يكن" موسى" صابرا على ما لم يحط به علما فكان يسأل إلحاحا على ما يبدو له عيانا وحسا .لقد كان النبي "موسى" يريد الحقيقة لكن شروط التبعية كانت تقتضي أن يسكت أمام المظاهر التي تبدو غريبة ولا يسأل عنها .
    قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا {الكهف/66} قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا {الكهف/67} وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا {الكهف/68} قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا {الكهف/69} قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا {الكهف/70}.
    والشباب المرشح لأن يكون مريدا اليوم ،لا يتوانى عن المعاكسة والمشاكسة ،مما يلزمه ربما شيخا على شروط يكون لهم طريقا ومقصدا ومعبرا بل هجرة إلى الله .شيخ معاصر لكن لا يخرج عن روح كلام الله وسنة رسوله منفتح على النقاش والحوار والحجاج إلى أقصى الحدود ؟ فهل الطرق الصوفية مستعدة في عصر الحداثة ولها القابلية والوسائل والإستراتيجية لتوفير شيوخ لا يكون المريد بين أيديهم كالميت في يد غساله؟ بل شيوخ على شروط العصر تلازمهم هذه الشريحة فيتعهدونها وينهضون بها روحا وأخلاقا وآدابا. الشيخ اليوم بوصفه مرشدا ، دليلا ،معينا ،داعية ،ومبشرا بإذنه مطالب بخدمة هذه الشريحة لكن بمعونة ومعية نموذج تربوي ديني يلائم هذه الشريحة ولا يتركها نهبا وعرضة للتفسخ والانحلال الذي يحاصرها في كل مكان وزمان إغراء وغرورا.
    ظاهرة الطرق الصوفية
    تمثل الطرق الصوفية نزعة إنسانية، يمكن القول بأنها ظهرت في كل الحضارات على نحو من الأنحاء، وهي من خلال توق المريد تعبر عن شوق الروح إلى التطهر، ورغبتها في الاستعلاء علي قيود المادة وكثافتها، وسعيها الدائم إلى تحقيق مستويات عليا من الصفاء الروحي والكمال الأخلاقي.
    ولم يكن المسلمون استثناء من هذه القاعدة، فقد ظهر التصوف لديهم مثلما ظهر لدى من سبقهم أو عاصرهم من الأمم السابقة. ولقد تنبهت المجتمعات الغربية المادية إلى أن اعتماد العلم في فهم الإنسان والوجود لم يقم إلا بإبعاد الإنسان عن ذاته، وتأكد لهم من التراكم العلمي والتقني أن الإنسان أصبح يشكو غربة، تمثلت في انفصال داخله عن خارجه وتشظي ذاته،لأنه أصبح يعيش إلى جانب محيطه وليس فيه .وقد ركز "هوسرل" في دراساته على «الانفصال المتنامي بين الواقع الذي تتحدث عنه العلوم وتهيمن عليه التكنولوجيا (وعالم الحياة ) الذي يمتد فيه وجودنا الفعلي»[v] الحقيقي
    ومن داخل الشعور بهذا الانفصال والخواء ،تم الانفتاح على طرق أخرى في المعرفة والعرفان كالحب والحلم والحدس ،حيث ارتفعت اصوات أكدت أن المعرفة العلمية والعقلية ليست المعرفة الحقيقية وأن هناك مجالات تتجاوز فيها المعرفة الوجدانية الباطنية من حيث التأكد،المعرفة العلمية نفسها التي تظل معرفة مجالها العقل ،الاستنباط والاستدلال في عالم المادة ، أما الغيب فمعرفة قلبية باطنية لاتدرك بالحواس و لا سطوة للعقل عليها [vi] . {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}[vii]
    تعريف التصوف والطرق الصوفية:
    إن تعار يف الصوفية والطرق الصوفية وإن بلغت ما يزيد عن ألف تعريف تكاد تجمع على أن مفهوم التصوف هو الهجرة إلى الله والرقي بالنفس و السمو بها في عبادة الخالق وترفعها عن أخطاء البشر وتربيتها بعبادات تقربك من الله، وهناك من عرفها في أبيات فيقول :
    ليس التصوف لبس الصوف و ترقعه
    ولا صياح ولا رقص و لا طرب
    بل التصوف أن تصفوا بلا كدر
    وأن ترى الله خاشعا لله مكتئبا
    والتصوف الإسلامي هو الدين الخالص والنية الخالصة لله التي قامت على مبدأ تحقيق العبودية وتعظيم الربوبية وتحقيق عمارة البواطن بالمعارف والأسرار والرضا والتوكل والإخلاص وعمارة الظواهر بالعبادة والورع والتقوى ومتابعة النبي وآله في أقواله وأفعاله مصداقا لقوله : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون* ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون }[viii].
    وهذا هو المنهج القويم الذي كان عليه النبي وآله وأصحابه الذين حققوا وكرسوا الدين في سرهم وعلانيتهم ظاهراً وباطناً ، ورسوخاً في مراتبه السنية الثلاث ( الإسلام والإيمان والإحسان ) الواردة في الحديث الصحيح الذي يرويه عمر بن الخطاب.
    وبهذا حق على سائر المؤمين والخاصة من الصوفية «الاعتناء بما خلقوا له ، والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة ، فإنها دار نفاد لا محل إخلاد ، ومركب عبور.. فلهذا كان الأيقاظ من أهلها هم العباد ،وأعقل الناس فيها هم الزهاد»[ix]
    وقد أحسن القائل في هذا المضمار:
    إنا لله عبـادا فطنـا *** طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
    نظروا فيها فلما علموا *** أنها ليست لحي وطنا
    جعلوها لجة واتخذوا *** صالح الأعمال فيها سفنا [x]
    للتصوف تعريفات لا تكاد تقع تحت الحصر، وللصوفية مسالك إلى الله تعدَّدت حتى قيل: الطُرُقُ إلى الله على عدد أنفاس البشر!
    وجدنا أربعة مـن
    هذه التعريفات تكاد تلخِّص الأمر كله .

    هى قول معروف الكرخى المتوفى 200هجرية : التصوف هو الأخذ بالحقائق واليأس مما بأيدى الخلائق.
    وقول أبى بكر الشِّبلى المتوفى 320هجرية : التصوف هو الجلوس مع الله بلا هَمٍّ.
    وقول أبى بكر الكتانى المتوفى 322 هجرية : التصوف خُلُقٌ، فمن زاد عليك فى الخلق فقد زاد عليك فى الصفاء.
    وقول الامام عبد القادر الجيلانى المتوفى 561 هجرية: الصوفى مَنْ جعل ضالته مراد الحق منه، ورفض الدنيا وراءه.. وهو محمولُ القدرة، كرةُ المشيئة، مربَّى القدس، منبعُ العلوم والحكم، بيتُ الأمن والفوز، كهفُ الأولياء والأبدال، عينُ القلادة، درةُ التاج ، منظرُ الرب .
    وتدور جل هذه التعريفات حول ظاهرة (الزهد) باعتباره شرطاً للتصوف، وباباً للعروج من الدنيا إلى الحضرة الإلهية، فيتحلَّى الصوفى بالخلق والصفاء حتى يصير على ما وصفه به الإمام الجيلانى .

    و الصوفية بمنطق آخر قد تعد ردة فعل مضادة عن الانغماس الحضاري الذي عرفته الأمة الإسلامية، لكننا نجد انه منطق واه لما سيأتي لاحقا، أما عن التسمية التي تثير تقززا لدى البعض و تثير الغموض لدى آخرين فنجد أنها قد عرفت تضاربا في الأصل ولكن الأصل أنها نسبة إلى [ لبس الصوف] ورد ذلك على أنه رمز للتقشف و المبالغة فيه و تعذيب للنفس و اعتبار هذه الحالة من وسائل التقرب إلى الله.
    ويُرجِع الدارسون أوليات التصوف في الإسلام إلى القرن الثالث الهجري كنزعات فردية حسب ما تفيد اغلب الدراسات التي عالجت ظاهرة التصوف .وفي هذا السياق يقال أن الكوفة بالعراق هي منشأ هذا الحركة الدينية وأن أول صوفي كان [ أبو هاشم الكوفي] سنة 150هـ ، ومن بعده انتشر التصوف في أرجاء العالم الإسلامي و كل الدول العربية ومن ثم إلى كل دول العالم.

    كثرت الأقوال أيضا في تعريف التصوف تعريفا اصطلاحيا على آراء متقاربة، كل منها يشير إلى جانب رئيسي في التصوف، والتي منها:
    * قول الشيخ زكريا الأنصاري : التصوف علم تعرف به أحوال تزكية النفوس، وتصفية الأخلاق وتعمير الظاهر والباطن لنيل السعادة الأبدية.
    * قول الشيخ أحمد زروق: التصوف علم قصد لإصلاح القلوب وإفرادها لله تعالى عما سواه. والفقه لإصلاح العمل وحفظ النظام وظهور الحكمة بالأحكام. والأصول "علم التوحيد" لتحقيق المقدمات بالبراهين وتحلية الإيمان بالإيقان.وقال أيضا: وقد حُدَّ التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ نحو الألفين، مرجع كلها لصدق التوجه إلى الله تعالى، وإنما هي وجوه فيه.
    * قول الإمام أبو الحسن الشاذلي: التصوف تدريب النفس على العبودية، وردها لأحكام الربوبية.
    * قول الإمام ابن عجيبة: التصوف هو علم يعرف به كيفية السلوك إلى حضرة ملك الملوك، وتصفية البواطن من الرذائل، وتحليتها بأنواع الفضائل، وأوله علم، ووسطه عمل، وآخره موهبة.[xi]

    وفي مضمار السالكين إلى الله الصوفية لا يواجهون الأسئلة الوجودية الكبيرة ( الوجود ،العدم ، الخلق ،الذات ،الصفات والأفعال ...)مواجهة عقلية كما فعل معظم الفلاسفة المسلمون وإنما يواجهونها مواجهة باطنية كشفية ذوقية تعتمد القلب والوجدان بل أساليب التجربة والاستبطان واستقصاء الأحوال، كل حسب ما بلغه من مراتب الصفاء وما تحقق به من تجليات الحقيقة المحمدية .ويكاد ينعقد إجماع الصوفية على أن مصير الصوفي السالك هو الولاية ومقام الختام والقربة. وفي هذا المضمار وتوضيحا للأسرار الباطنية العلية يقول الشيخ" محي الدين بن عربي" في كتاب الإسرا : « فإذا رفع لك سرالسر واتصل الشفع بالوتر كان هو ولا أنت »[xii]
    يقول ابن عربي في رسالة الأنوار« واعلم أن السالك إذا تجرد عن هيكله وانسلخ منه وارتقى عن التقيد بالطبع بالرياضات والخلوات ودوام الذكر والحضور والمراقبة ،وأخذت لطيفته في المعراج في العروج الروحاني،فعند اختراقه الماوات والأفلاك وتجاوزه مقامات الأرواح ومرات الأسماء ، ينزل إليه سبحانه تعالى في كل منزل من هذه المنازل فيلاقيه فيه ويهبه ما شاء ،وهذا هو المسمى بالمنازلة.»[xiii]


    [i] .الجملة الأخيرة مقتطعة من مقال منشور في كتاب :«دراسات إسلامية » الصادر عن منشورات جامعة اليرموك بالأردن – مركز الدراسات الإسلامية بتاريخ 1983.


    [ii] ينظر : العارف بالله ، أبو العباس المرسي لـالإمام عبد الحليم محمود ،منشورات دار الشعب ،القاهرة ،1972.

    [iii] -أبو حامد الغزالي،معارج القدس في مدارج معرفة النفس،شركة الشهاب ،الجزائر،(ب. ط) (ب.ت) ص20.


    [iv] Seif-El-Islam Belamine ,La mondialisation et la culture islamique,Cf Revue des Etudes islamiques,1er semestre , Alger,juin2004,pp.37-43.


    Bernard Sichère,Eloge du sujet ,Grasset,Paris ,1990,p.62 [v]



    [vi] فرميناد أكلييه ،المعرفة الوجدانية ، ترجمة محمد سبيلا، كتابات معاصرة ،عدد12، 1991،ص.41.

    سورة لإسراء/36[vii]

    سورة الذاريات ، الآيه56،57.[viii]

    [ix] رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين ، الإمام الحافظ أبي زكريا محي الدين يحي النووي ،دار العوة الإسلامية ،القاهرة ،ط.1 ،2002،ص6.


    م.ن،ص.6.[x]

    [xi] ابن عربي ،كتاب الأسرا إلى مقام الأسرى ،تحقيق سعاد الحكيم ،دندرة للطباعة والنشر ،بيروت ،ط.1 ،1988 ،ص44.

    [xii] علي شود كيفيتش نالولاية والنبوة ،ص132،ترجمة أحمد الطيب ،سلسلة حكمة ،دار القبة الزرقاء ،مراكش ،ط 1 ،1999

    [xiii] .




    أ.د عيسى بريهمات
    أستاذ النقد المقارن والترجمة
    قسم اللغة العربية وآدابها
    جامعة ثليجي عمار الغواط
    الجزائر
    تعليقات 2 تعليقات
    1. الصورة الرمزية ماجدة2
      ماجدة2 -
      شكرا على الموضوع الذي اجده قيما
      تحياتي
    1. الصورة الرمزية غير مسجل
      غير مسجل -
      أستاذي الفاضل : السلام عليكم ورحمة الله تعالى . لقد طرحت قضية مثيرة للاهتمام وهي الصوفية والعولمة . ويبدو لي أن الصوفية يجب عليهاأن تجدد في طرقها بما يجعلها تحافظ على خصوصيتها الروحية من جهة ،ومن جهة أخرى يقيها هذا التحول الواعي الانغماس في أتون العولمة المادية .
    تعليقات كتابة تعليق

    اضغط هنا للدخول

    رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.