الملاحظات
  • أعجبني

  • Omertà منظمة الشرطة المصرية

    Omertà منظمة الشرطة المصرية
    محمد أبو راشد المرصفى
    Omertà هى كلمة إيطالية تعنى Code of Silence بالإنجليزية أو حاجز الصمت بالعربية. هى ببساطة قانون الصمت لعصابات La Mafia المافيا الإيطاليا الذى يلزم أعضائها عدم إفشاء أسرار العصابة أو الإعتراف لجهات التحقيق بأى عمليات أو جرائم عن نفسه أو أى من أعضاء المنظمة. وفى المقابل تتكفل العصابة بالعمل على تخليص هذا العضو من أيدى العدالة بطرق قانونية أو غيرها مهما كلفها الأمر. وتكون عقوبة من يخترق حاجز الصمت أن يحكم عليه بالإعدام ويتم تنفيذ هذا الحكم فى أى مكان و زمان حتى لو فى المجكمة.
    كان لابد من هذه المقدمة لمحاولة توصيف تصرف شرطة مبارك بعد الثورة وخصوصا فى محاكمة مبارك ووزير داخليته حبيب العدل وكبار معاونيه. فالمفاجأة التى حدثت فى جلسة أمس بتاريخ 5 سبتمبر أوضحت بما لايدع مجالا للشك أن المنظمة الأمنية القمعية لايمكن إختراقها و أنها حافظت و ستحافظ على بنيتها التحتية و Code of Silence . فما جرى فى المحكمة أمس من تحول شهود الإثبات من كبار ضباط الداخلية إلى شهود نفى وتبرئة للمتهمين وتغيير أقوالهم التى قالوها للنيابة لهى أكبر خيانة للشعب المصرى الذى وافق على أن تتم هذه المحاكمات بطريقة قانونية ولا أقول حضارية لأن قمة الحضارة أن يقتص الشعب المصرى من قاتليه الذين أذاقوه مرارة الذل لسنين طويلة. ولا أبرأ النيابة العامة من عدم تقديمها شهود إثبات وأدلة مادية واضحة على تورط مبارك والعدلى فى إصدار أوامر إطلاق النار على الشعب المصرى.
    إستراتيجية اللواء العيسوى وزير الداخلية الحالى : اللواء العيسوى كما الدكتور عصام شرف لم يختارهما الشعب المصرى عبر ممثلين برلمانيين ولا يوجد أى آليه لرقابة قرارتهما. فإستغلا هذه الفرصة فى ظل التفويض الكامل للمجلس العسكرى لكل وزير لسلطات رئيس الجمهورية. فالعيسوى والشهادة لله لم يٌنظر يوما للثورة ولم يعترف أبدا بجرائم ضباط الشرطة ولم يقبل حتى أن تعتذر الوزارة على جرائمها فى حق الشعب المصرى. فالرجل ليس إستثناءا فهو خريج نفس المنظومة التى أفرزت هذه العصابات الإجرامية وتدرج فيها حتى وصل لقمتها ولم نسمع يوما عن تمرده وإعتراضه بل إن تعيينه محافظ دليل على رضا النظام عنه. فالرجل الذى إرتدى عباءة الإصلاح لم يقل يوما أن الشرطة بحاجة للتطهير بل أنكر ذلك أيما إنكار. ومازال يردد أنه لم تكن هناك شرطة من يوم 29 يناير و أنه لايوجد قناصة فى الوقت الذى تتواتر فيه الأدلة على كذبه ومحاولته التغطية على هذه الجرائم.
    الأبوة وتعويم المنظمة : يمارس اللواء العيسوى سياسة الأبوة God Father أى الحماية لضباط الشرطة والمحافظة عليهم فى مقابل عودتهم للعمل. إتضح ذلك عندما تمرد هو نفسه على قرار رئيس الوزراء الذى أمر بطرد أو على الأقل تعليق خدمة كل الضباط المتهمين بقتل المتظاهرين. فتصدى العيسوى بكل قوة للقرار وهدد بالإستقالة فما كان من رئيس الوزراء إلا أن إبتلع قراره. العيسوى برر ذلك بأنه لن يفصل أى ضابط إلا بقرار محكمة ثم نفاجأ به بعد عدة أيام بفصل المقدم محمود عبدالنبى لأنه تجرأ وفضح بعض جرائم الداخلية الشهيرة كحادثة إختفاء الصحفى بجريدة الأهرام الرسمية رضا هلال وتأكيده أن تعليمات الداخلية على شبكة الإتصالات الداخلية كانت تأمر بإطلاق النار. أليس هذا تجاوزا للقانون سيادة اللواء أن تفصل المقدم بدون حكم محكمة.
    اللواء العيسوى هدفه الأساسى تماسك المنظمة وعدم إختراقها فرفض كل الإقتراحات لفتح هيكل الشرطة لمن هم من خارجها لتحافظ المنظمة على نقاوتها. اللواء العيسوى تسلم وزارة الداخلية وكان الأمن مفقود فى الشارع فلم يركز جهده على عودة الأمن إنما ركز جهده لطمأنة رجال المنظمة أنها لن تمس. وما تصريح اللواء أبوقمر لضباطه ب"عدم تصديق مايقال فى الإعلام وأن قيادات الوزارة لن تمس وأنهم مازالوا أسياد هذا الشعب". وماكان اللواء أبو قمر ليصرح بذلك لولا أنه سمع ذلك بنفسه من العيسوى. ماذا فعل العيسوى للواء أبو قمر قام بترقيته بعد ذلك.
    ولايعزى الأمن والهدوء اللذان تمتع بهما الشعب المصرى لمهارة وكفاءة سيادة اللواء العيسوى إنما يعزى ذلك لفضل الله ثم وعى هذا الشعب و تضحيات رجال القوات المسلحة. فالأمن كان قد إستتب قبل تفضل السادة أعضاء المنظمة بالنزول للشارع بحملات شكلية تليفزيونية.
    أبعاد المنظمة : من المعروف لدى المصريين أن أكاديمية مبارك للأمن كانت مُحَرمة على بسطاء و فقراء القوم. فلو تتبعت كل من إنتسب لأكاديمية مبارك للأمن تجدهم إما أبناء ضباط شرطة كبار أو أقربائهم أو على علاقة ما بكبار الحزب الوطنى أو كبار فاسدى الحزب الوطنى أو الأغنياء الذين يعرفون بابا لدفع مبالغ الرشوة الكبيرة. والأمر لايتوقف على ذلك فعلاقة النسب المحرم موجودة مع المنظومة القضائية بعدة طرق منها أن الداخلية كانت تقبل أبناء بعض القضاة فى المقابل تقبل وزارة العدل أبناء بعض لواءات الشرطة أو كان يتم فتح باب التقدم للنيابات فيتم قبول ضباط شرطة خصوصا من الجهاز الإجرامى المسمى مباحث أمن الدولة فى نيابة أمن الدولة. وفضيحة القاضى عبدالسلام جمعة أصبحت مشهورة أمام الجميع. لاتتوقف حدود هذه المنظمة بين الشرطة والقضاء بل تتشعب لرجال الأعمال. فأعضاء المنظمة خصوصا القادة الكبار منهم على علاقة بكبار رجال الأعمال لحمايتهم فى مقابل أموال شهرية أو فى مناسبات. وعلاقتهم بالإعلام لاتخفى على أحد وقد تكلم بعض الإعلاميين فى محاولة لغسيل شاشاتهم المرئية بأن أمن الدولة كان يتدخل فى أعمالهم. فهذه المنظمة الأمنية القضائية المالية الإعلامية مازالت قائمة.
    أبعاد جريمة قتل المتظاهرين الكبرى : إن الجريمة التى يحاكم عليه مبارك والعادلى و كبار معاونيه يجب أن يفهم الجميع أنها مثل قمة جبل الثلج. فإذا كان مبارك يحاكم لأنه أصدر الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين للعادلى ثم نقلها العادلى لكبار معاونيه. من المنطقى وطبقا للتسلسل القيادى داخل المنظمة أن الأوامر يتم نقلها طبقا للهيكل الإدارى. فنحن نتحدث هنا عن إشتراك كامل المنظمة من رأسها إلى أخمص قدميها. صحيح أنه لم يقم بالقتل كل الضباط لكن هذه كانت السياسة ولم نسمع عن تمرد داخل المنظمة أثناء الأحداث أو بعدها. فأركان القضية غير مكتملة لأنه لايوجد فى قفص الإتهام من المنفذين الفعليين لأوامر إطلاق الرصاص على المصريين فى الشارع. ماذا لو دفع المتهمين بأنه مالدليل على وجود مثل هذه الأوامرإذا كان لايوجد من نفذوها فى قفص الإتهام؟ ومن الذين دهسوا المصريين بالسيارات المدرعة؟ والغريب أنه حتى المحكمة تتعامل مع إستعمال الغاز القاتل و الخرطوش والسيارات المدرعة كأنه شئ عادى وقانونى و طبيعى أن يقتل المصريين بهذه الأدوات.
    تفكيك المنظمة : مطلوب تدخل عاجل وسريع لتفكيك هذه المنظمة الإجرامية بكل أبعادها بعدة إجراءات:
    كسر حاجز الصمت : مطلوب قانون حماية للضباط الذين يكسرون حاجز الصمت ويتكلمون. فمثلا إذا لم يكن الضابط قد لوثت يديه بدماء المصريين فيضمن إستمراره فى الخدمة إلى رتبة عميد أو لواء مثلا. أما إذا كان قد تلطخت يديه بالدماء فيلقى أحكاما مخففة فى سبيل تقديم الآخرين للمحاكمة. ولانغفل أن هناك من الضباط من يؤلمه ضميره ولكنه ليس بالشجاعة ولا يجد المساندة الكافية التى تساعده على ذلك.
    محاكمة الضباط : إن تأجيل محاكمة الضباط المتهمين بالقتل لهو خير دليل على قوة المنظمة. فكما قال المستشار الغريانى رئيس المجلس الأعلى للقضاء أن من يزعم أنه لام توجد تدخلات فى عمل القضاء مخطئ. فالقضاة الذين تعودوا على ضغط الأجهزة التنفيذية والأمنية لايمكن أن يتعافوا بين يوم وليلة خصوصا أنه لم تتخذ أى إجراءات ضد الذين ثبت تورطهم فى مثل هذه الأعمال. وخير دليل على ذلك أنه لم يصدر حكم واحد حتى الآن على أى من الضباط المتهمين على مستوى مصر كلها. والإختبار الحقيقى للثورة هو صدور أحكام فى هذه القضايا للقصاص من الذين أجرموا فى حق هذا الشعب.
    رفع الغطاء : مازالت التغطية مستمرة على الجرائم التى أرتكبت فى حق هذا الشعب سواءا قبل الثورة أو بعدها. فبمجرد وصول خبر إعتداء أو تجاوز من أحد ضباط الشرطة تسارع الوزارة للنفى والتشكيك بدلا من التحقيق ويتم تبنى وجهة نظر الضابط مباشرة. و أيضا لماذا لم تفتح ملفات أمن الدولة التى فى يد الجيش و الكشف عن الجرائم المثبتة بأيديهم فى مراسلاتهم الداخلية. وكلنا يعرف كم الجرائم التى إرتكبها هذا الجهاز التى أوصلته إلى أن ينشئ مقابر فى مقراته. وهذه المستندات تكشف على الأقل سر إختفاء المئات الذين لايعرف أحد عنهم شيئا حتى الآن.
    الإختراق والتفكيك : مطلوب إختراق هذه المنظمة من كافة المستويات وحقنها بكفاءات و ذوى أيدى نظيفة من خارج الشرطة للبرهنة للشعب أن صفحة أكاديمية مبارك للأمن قد طويت. ويجب تفكيك هذه المنظمة بإخراج كل العمل الإدارى الفنى من تحت وزارة الداخلية إلى وزارات أخرى مختلفة مثل إصدار الجوازات و البطاقات الشخصية. وقصر إختصاصات وزارة الداخلية فى الأمن فقط.
    لن ينعم هذا الشعب بمكتسبات الثورة إلا بتفكيك المنظمة الأمنية الرهيبة وبناء أخرى يشعر المواطن أن همها الأول هو أمنه. إذا لم يحدث ذلك فلنتوقع أحداثا دامية أقلها ماحدث أمام أكاديمية الشرطة أمس ومايحدث فى ميدان التحرير اليوم وغدا.
    محمد أبو راشد المرصفى
    كاتب مصرى
    تعليقات كتابة تعليق

    اضغط هنا للدخول

    رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.