الملاحظات
  • أعجبني

  • خطوات في طريق حل مشكلة التقويم الإسلامي الموحد - د. نضال قسوم

    خطوات في طريق حل مشكلة التقويم الإسلامي الموحد - د. نضال قسوم

    ملخص :نراجع في هذا البحث الخطوات والتطورات التي تمت حديثا في محاولة وضع تقويم إسلامي (هلالي) موحد. يؤكد المقال أولا على أهمية التقاويم بالنسبة للحضارات وارتباطها الوثيق بهوّية المجتمعات. ولذلك يجب أن تسعى الأمة حثيثا على المحافظة على تقويمها الخاص وعلى إيجاد صيغة للتقويم القمري يتفق عليها المسلمون ويعتمدونها في عباداتهم ومعاملاتهم. وكذلك تتم الإشارة بإيجاز شديد الى الشريعة الإسلامية ويبيّن أنها لا تفرض أي طريقة أو شرط محدد في وضع التقويم – ما دام هلاليا -، فلا مانع من أن يكون موحدا على الأرض جمعاء أو متعدد المناطق، ولا مانع طبعا – بل لا مناص من – أن يستعان في وضعه بالحساب وبالعلم الحديث، الذي يسمح بالتدقيق وتفادي الأخطاء وكذلك بالتخطيط السليم على مدى طويل.

    ونقوم في الجزء الثاني من هذا العمل بمراجعة التطور الذي تم خلال العقدين الأخيرين في مسألة وضع تقويم إسلامي. ويمكن تلخيص ذلك التطور في خطين شبه موازيين هما: 1) التقويم المتعدد المناطق (قسوم، العتبي، مزيان 1993 و1997 ثم عودة 2001 و2004)، 2) التقويم المبني على شرط بين الإقتران - وأحيانا الغروب - (مك نوتن 1997، أم القرى 1973، 1998، 2003، عبد الرازق 2004، شوكت 2006). ويبدو أن مقترحات بناء التقويم المرتبطة بالإقتران (وأحيانا بالفجر أو الغروب أيضا) بدأت تغلب في الأعمال الأخيرة، بعد أن بدا لبعض الباحثين إمكانية توحيد التقويم على الأرض، في بعض الصيغ على الأقل. إلا أننا بيّنا أن هذا المطمع قد يكون صعب التحقيق، إذ يتضح عند الفحص العلمي أن أحدث صيغة للتقويم الموحد (عبد الرازق / شوكت) تجعل الشهر يبدأ في "العالم الإسلامي" في حين يكون الهلال غير قابل للرؤية في ثلث الحالات على الأقل. ولذا اقتراحنا تقويما جديدا (ذي منطقتين) أوضحنا بالحساب أنه يتوافق مع مبدأ إمكانية الرؤية الى حد بعيد.

    ومن أهم النتائج المستخلصة في هذا البحث: 1) تنامي الوعي والقبول شيئا فشيئا بضرورة التخلص من شرط الرؤية العيانية والإدلاء بالشهادة، والإستعانة بدل ذلك بطرق علمية تحقق الهدف المقصود في التقويم الإسلامي وتتفادى إشكالية الإضطراب وعدم القدرة على وضع جدول سنوي مسبقا، 2) توجه قواعد التقاويم المختلفة التي تم اقتراحها الى التقارب تدريجيا، 3) زيادة الإعتماد على التقويم المرتبط بالإقتران وتوسيع المناطق المشتركة في الشهور، إن لم يكن التوحيد العالمي ممكنا.

    التقويم في المجتمعات

    لا يمكن لأي حضارة أن تقوم، ناهيك عن أن تزدهر، بدون أن تضع لنفسها أو تعتمد تقويما صلبا وموثوقا فيه. إن الناس إذا أرادوا العيش سويا في مجتمعات متطورة، يجب أن يبنوا إطارا موحدا لحساب الأزمنة حتى يتسنى لهم تنسيق أنشطتهم. ومن أجل أداء مناسكها الدينية، سواء الفردية منها أو الجماعية، يجب على المجتمعات وضع تقويم متعارف ومتفق عليه من طرف الجميع. ولذلك نجد أن الأنشطة الخاصة بكل حضارة، سواء المادية منها (الصيد والزراعة وغير ذلك) أو الروحية، تؤدي الى تبني تقاويم مختلفة في كل حالة. فمثلا وضعت الحضارة المصرية الفرعونية تقويما شمسيا لأنه كان يتناسب أكثر مع التغيرات الفصلية لمستوى نهر النيل، بينما اعتمد البابليون وأهل حضارات زراعية أخرى تقاويم قمرية لأنها تناسب قياسات الزمن شهريا وأسبوعيا. وخلاصة القول أن كل حضارة فصلت لنفسها تقويما خاصا يعبّر عن هويّتها الى حد بعيد.

    ولكن التقاويم ليست فقط أدوات ضبط للزمن أو مراجع ثبت للأحداث والأنشطة المجتمعية. فحيث أنها غالبا ما تقام على أساس الظواهر الفلكية، فإنها سرعان ما تتحول الى رابط بين حياة الناس الدنيوية وتطلعاتهم الكونية والروحية، من تأريخ للكون أسطوري أو علمي ومن مواسم دينية تربط بحركات الأجرام السماوية. واليوم نجد المجتمعات تستعمل عدة تقاويم في آن واحد: السنة الدراسية والسنة الجامعية والسنة المالية (للميزانية)، والموسم السياسي، والدورة البرلمانية، ناهيك عن المناسبات الوطنية الرسمية والأعياد الدينية التي كثيرا ما تؤرخ حسب تقاويم مختلفة. نعم، إن التقاويم يفترض منها تلبية حاجيات دنيوية، شخصية وجماعية، وأخرى دينية وكونية.

    وفي نفس المعنى تؤكد جاكلين دو بورغوان: ((وهكذا فالتقويم هو حصيلة معرفة علمية وعقائد دينية وإرادة سياسية [أي إجتماعية]. إن بناء تقويم ما يكشف عن كيفية تفاعل وتقاطع العلم مع الدين والسلطة.))[1]

    ولكننا لا نجد تقويما واحدا في تاريخ البشرية استطاع أن يحقق كل تلك المطالب والآمال. والسبب في ذلك بسيط جدا: لن تجد ظواهر فلكية أو طبيعية تتناسب بشكل دقيق مع التقسيمات الزمنية في حياتنا: الليل والنهار (هذا أمر سهل)، والأسبوع (مسألة بديهية إذا عرّف الأسبوع بـ7 أيام)، والشهر (هنا تتعقد المسألة إذا ربطنا ذلك بالظواهر الفلكية كالأهلة)، والسنة (أمر معقد أيضا الى حد ما). لماذا هذا؟ لأن الظواهر الفلكية الثلاثة التي يمكن ربطها بالتقسيم الزمني اليومي والأسبوعي والشهري، أي لف الأرض حول محورها، ودوران القمر حول الأرض، ودوران كوكبنا حول الشمس، هذه الظواهر لا تتناسب مددها الزمنية بشكل رياضي بسيط.

    إن هذا هو السبب الرئيس وراء تعدد التقاويم في تاريخ الإنسان، وسبب تزامن بعضها في فترات ما، بل كذلك في زماننا هذا. فاليوم في مناطق كثيرة من الأرض (منها العالم الإسلامي وغيره)، نجد كثيرا من الصحف تحمل تاريخين من تقويمين مختلفين، احدهما التقويم الغريغوري غالبا، الذي ساد تريجيا في معظم العالم، ما عدا فيما يخص الحياة الدينية للمسلمين ولبعض المجتمعات الأخرى. لكن المواعيد والمعاملات في معظم البلدان الإسلامية وفيما بينها تتم وفقا للتقويم الغريغوري، إذ تنص المادة الثالثة من القانون المدني الجزائري (ويوجد ما يقابلها في القانون المدني المصري وفي غيره) على أن ((تحسب الآجال بالتقويم الميلادي الغريغوري ما لم ينص القانون على خلاف ذلك)).

    ولقد وضع القرآن الكريم معالم عامة لضبط الزمن وترتيب العبادات والمعاملات في المجتمع الإسلامي، فكرّس كون حركة الأفلاك – والنيّران خاصة – الوسيلة الضابطة للزمن في كثير من الآيات البيّنات، كالتي في سورة يونس (الآية 5): ((هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ))، وفي سورة الإسراء (الآية 12): ((وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً))، وفي سورة النساء (103): ((إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً)) وفي سورة البقرة (233): ((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ))، وفي سورة البقرة (282) أيضا: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ)). وإن القرآن الكريم لا يزال ينادي فينا كما نادى في أسلافنا أن انظروا الى السماء والى الشمس والقمر وخذوا منها الفوائد المختلفة، ومنها تعداد السنين والحساب. ولم يكن النيّران ليلعبا هذا الدور المهم في حياة المجتمع الإسلامي (والمجتمعات الأخرى) لو لم تكن حركاتهما منتظمة قابلة للحساب والتنبؤ، وهذا ما نص عليه القرآن المجيد في سورة الرحمن (الآية 5): ((الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ)).

    وكان المجتمع الإسلامي قد اعتمد منذ بداياته، بتوجيه من الرسول (ص) قبيل وفاته ثم بترسيم من عمر بن الخطاب، تقويما خاصا هو التقويم الهلالي، الذي يبدأ فيه الشهر مع ظهور الهلال الجديد لأعين البشر. وقد تم اعتماد هذا التقويم بالذات لأسباب عدة. منها أولا "سهولته" (أو هكذا كان يبدو في أول الأمر)، إذ كانت المعرفة الفلكية والرياضية والعلمية لمسلمي العصر الأول قليلة أو منعدمة، وبالتالي كان من البديهي أن تعتمد أداة "طبيعية" وموحدة، سهلة وواضحة جلية للجميع، حتى ولو لم تكن لتسمح بالتخطيط على المدى الطويل (أشهر وسنوات). وكان ثمة سبب هام آخر وراء اعتماد هذا التقويم، تمثل في الجانب الإجتماعي الحضاري، إذ أراد الرسول (ص) مخالفة اليهود الذين كانوا يستخدمون تقويما قمريا وشمسيا مزيجا، والنصارى الذين كانوا يعتمدون تقويما شمسيا محضا. وكذلك تم تحديد الأسبوع باختيار يوم الجمعة للصلاة الجماعية في مقابل السبت لليهود والأحد للنصارى. وهكذا يؤكد ظهور التقويم الإسلامي خاصية الهوية التي أشرنا إليها سابقا، وهي أن التقاويم ترتبط كثيرا بهوية المجتمع أو الحضارة المتبني(ة) له.

    وللتأكيد على أهمية العامل الزمني في الحضارة الإسلامية (أيام مجدها)، يذكر حمزة يوسف[2]، نقلا عن عبد الحي الكتاني، أن إدارة الزمن كان لها منصب مخصص لذلك الغرض في الدولة، منصب "الموقت" (أو "المؤقت")، وكان الرسول (ص) نفسه قد عيّن له أشخاصا في المدينة المنورة.

    ويبدو لأول وهلة أن التقويم القمري، المرتبط بأهلة أو أوجه الهلال، هو تقويم طبيعي وبسيط، إذ يسهل لأي شخص أن يعرف – بمجرد النظر الى القمر والتأكد من شكله في ليلة ما – أيّ يوم من الشهر هو ذلك اليوم (أو بالأحرى الليلة). ولكن هذه البساطة تخفي في الحقيقة تعقيدا كبيرا. ذلك لأنه رغم كون الشهر الهلالي يبدو وكأنه يتناوب بين 29 و30 يوما (إذ متوسط مدة الشهر الهلالي هي 29 يوما و12 ساعة و44 دقيقة و3 ثوان)، إلا أن هذه المدة تتراوح بين قيمتين مختلفتين كثيرا: من 29.27 الى 29.83 يوما، وهو فارق أكبر بكثير من الإختلاف الذي يحدث بالنسبة لمدة اليوم أو السنة. ولكن هذا الأمر لم يعد مشكلة اليوم مع إمكانية استخدام نماذج متطورة من علم الحركات السماوية وبرامج حاسوبية متقدمة تسمح بالحساب الدقيق والسريع على فترات طويلة. إن المشكلة اليوم في التقويم الهلالي الإسلامي تكمن في الإلحاح (من طرف الأغلبية العظمى) على اعتماد الرؤية العيانية للهلال الجديد كتعريف لبداية الشهر، وليس حساب موقعه أو تواجده في السماء. وهذا الشرط العياني يدخل تعقيدات جمة إذ يحتاج الى تحديد ظروف الطقس في مكان المشاهدة ولحظتها والى معرفة قدرات العين البشرية على تمييز هلال رقيق جدا في سماء مظلمة نسبيا، لا كليا.

    وحتى لو تمكنا من تخطي هذه العقبات، وقد تمكن العلماء من ذلك فعلا بفضل التقدم الكبير الذي أحدثوه في المسألة خلال الربع الأخير من القرن العشرين، فإن الإلحاح على الرؤية العيانية للهلال الجديد من طرف شهود "ثقاة" ليلغي فكرة وإمكانية بناء تقويم طويل المدى (سنة كاملة أو أكثر) حتى لو كان الإصرار على الرؤية بالنسبة لرمضان وشوال وذي الحجة فقط.

    وفعلا فإننا لا زلنا ومنذ عقود نلاحظ اختلافات كبيرة في بداية هذه الأشهر "الدينية" – وبالتالي اضطرابات في التقاويم – إذ نجد في معظم أيام السنة صحفا عربية وإسلامية من أقطار مجاورة لبعضها تحمل تاريخين هجريين مختلفين. هذا وقد دلت دراسات علمية عديدة (قسوم ومزيان 1996[3]، 2001[4] وعودة 1999[5] وأعمال أخرى) أن نسبة الأخطاء في تحديد الأشهر "الدينية" خلال نصف القرن الأخير وصلت أحيانا الى 90%!

    بل لقد ازداد الحال تعقيدا مع ظهور اقتراحات مثل فكرة القمر الصناعي الإسلامي الذي يؤكد أصحابه أنه سيحل لنا المشكلة برصد الهلال الجديد من وراء الغلاف الجوي[6] وكذلك الأمر بالنسبة لفكرة الرصد من على متن طائرة ترسل بالقرب من خط التاريخ القمري[7]... المشكلة في كلا هذين المقترحين أنها يتطرقان فقط الى مسألة رؤية الهلال "ليلة الشك"، لا الى مسألة التقويم الشامل.

    وللأسف الشديد فإن مسألة التقويم لا يبدو أنها شكلت هاجسا ومحل اهتمام كبير من طرف المسلمين، الذين يركز أغلبيتهم (بمن فيهم الفئة المتعلمة والمسؤولون) على "مشكلة الهلال"، أي متى يتقرر دخول الشهر الجديد أي ثبوت رؤية الهلال الجديد، والدور الذي يجب أن يعطى للحساب وللفلكيين في المسألة. ولا يستغرب المرء من هذا الوضع، لأنه كما أوضحنا عبر هذه المقدمة، تعتبر مسألة التقويم مسألة حضارية ومجتمعية، بينما مشكلة الهلال هي دينية بالمعنى الضيّق والشخصي للكلمة. وما لم تع الأمة الإسلامية أن امتلاك تقويم صلب وموثوق به، يسمح بالتخطيط الدقيق، أن هذا شرطا أساسيا لأن تكون حضارة من جديد، فإنها (أي الأمة) ستبقى تتخبط في الخلافات الضيّقة حول مسألة ثانوية وتتجاهل المسألة الجوهرية.

    وفي هذا البحث نود مراجعة المحاولات القليلة التي تمت في الفترة الأخيرة لدراسة هذه المسألة الهامة.



    الجانب الفقهي في المسألة: ضرورة توحيد التقويم أم إمكانية التعدد

    إن الفصل في أمر إثبات الشهور بالطرق العلمية المضبوطة يشكل جزءا فقط من الحل فيما يتعلق بإيجاد القواعد النظرية والعملية لوضع تقويم إسلامي. إذ لو فرضنا أن البلاد الإسلامية كلها، وكذلك الجاليات الإسلامية في البلدان غير الإسلامية، تعتمد حساب علماء الفلك في إثبات شهور السنة وتضع على ذلك الأساس تقاويم، فإن هذه سيختلف بعضه عن الآخر بعض الشيء. ولكن يتوجب علينا البحث فيما إذا كان في الإمكان توحيد التقويم الإسلامي والى أي حد، من الناحيتين الفلكية والفقهية.

    لم ترد في الشريعة نصوص تعالج مسألة اختلاف التقويم، أو كما كان يسميها القدامى "اختلاف المطالع"، لا في القرآن ولا في السنة. بل لا يمكن أن يستخلص المرء لا من منطوقهما ولا من مفهومهما شيئا من فروع المسألة، رغم ما نجده لدى بعض الفقهاء من استدلال ببعض الأحاديث. لكن كثيرا من الفقهاء انتبه الى أن تلك النصوص غير قطعية الدلالة فأرجع الرأي الى أسباب فلكية في الغالب.

    استدل الذين رأوا اعتبار اختلاف المطالع (أي اختلاف التقويم من بلد الى آخر) بحديث كريب، أن أم الفضل بعثته الى معاوية بالشام، فقال: قدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال فقال متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال أنت رأيته؟ فقلت نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال لكنا رأينها ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله (ص)[8].

    والذين رأوا عدم الأخذ بالإختلاف فقد استدلوا بحديث ابن عمر، إذ قال: تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله (ص) أني رأيته فصام وأمر الناس بالصيام[9] – وأحاديث أخرى مشابهة، حيث ربط الصوم والإفطار بالرؤية دون تفصيل.

    فأما حديث كريب فلا يعتبر دليلا لأنه يحتمل أن ابن عباس لم يرد الرفع بل ذكر فهمه واجتهاده وذلك ليس حجة تبطل الإجتهاد أو العمل بغير ذلك، ويحتمل أيضا أن يكون أراد الرفع الى الرسول (ص) لكنه حينئذ يبقى منعدم الحجّية لغموضه واحتماله المعاني الكثيرة. ومن جهة أخرى فإن الذين اعتبروا اختلاف المطالع لم يستطع أحدهم إنتاج رأي متماسك لصفة هذا الإختلاف، وإنما اكتفى البعض بذكر أمثلة للبلاد البعيدة كالأندلس وخرسان دون تحديد معيار واضح، وبعضهم الآخر اعتبر مسافة القصر، أي 88.7 كم كضابط للبعد السامح باختلاف المطالع، وهو معيار لا يمكن اعتماده لأسباب بديهية.

    وأما حديث ابن عمر فقد احتج كثير من الفقهاء بعموم الأمر الوارد فيه وعدم تفصيل الحالات بالنسبة للمسلمين في الأقطار المختلفة والمتباعدة. والرد على هذا ميسور لأن بإمكاننا أن نقول إن الذي عمّت دلالته في الحديث هو وجوب الرؤية (في غياب أي وسيلة أخرى) لإثبات دخول الشهر وليس تعميم دخول الشهر على أهل الأرض جميعا.

    وقد أراد بعض الفقهاء المعاصرين تجاوز المشكلة بقصر التعميم على البلدان الإسلامية، مدّعين أن الفارق الزمني بين أقصاها شرقا وأقصاها غربا لا يتجاوز تسع ساعات، وهو رأي لا نراه سليما، أولا لأن الحساب قد يحكم بامتناع رؤية الهلال في بعضها وبإمكان ذلك في البعض الآخر، وثانيا لأن هذا الرأي يخالف عالمية الشريعة الإسلامية ويهمل شأن الجاليات المسلمة المتواجدة خارج العالم الإسلامي.

    إن المسألة إذن لا تحتمل الفصل إلا على أساس اعتبارات فلكية وجغرافية. فإن توصل العلم الى توحيد التقويم، فذلك سيكون أفضل من ناحية تحقيق الوحدة الإجتماعية بين المسلمين، وإن حكم العلم بعدم إمكانية ذلك، فسنضطر الى اعتماد تقاويم مختلفة في مناطق مختلفة. وفي كلتا الحالتين لن نكون قد خالفنا الشريعة لأن النصوص والأراء الفقهية فيها من الوسع كما رأينا ما يترك المجال مفتوحا أمام الإجتهاد العلمي.



    تطور مسألة "التقويم الإسلامي الموحد"

    إن إول تقويم "هلالي" إسلامي ظهر واعتمد في البلاد الإسلامية منذ القرون الأولى هو ذاك المشار إليه بـ"التقويم العددي". وظل هذا التقويم هو الوحيد المستعمل في البلدان الإسلامية حتى الثمانينيات من القرن العشرين. ويتم بناء هذا التقويم العددي على قانون رياضي بسيط:

    1. تتناوب الشهور بين 29 و30 يوما،

    2. يضاف يوم (فيصير عدد الأيام في السنة 355) الى الشهر الثاني عشر (الأخير) في بعض السنوات (الكبيسة) من أجل محاولة إبقاء التقويم متوافقا عموما مع ظهور الأهلة في كل شهر،

    3. يتم تحديد السنوات الكبيسة حسب القاعدة التالية: باقي قسمة عدد السنوات (1427 مثلا) من 30، فتكون السنة كبيسة إذا كان باقي القسمة 2 أو 5 أو 7 أو 10 أو 13 أو 16 أو 18 أو 21 أو 24 أو 26 أو 29. (فمثلا تقسيم 1427 من 30 يعطي 47 ويتبقى 17، فلا تكون هذه السنة كبيسة).

    وبهذه الطريقة يكون متوسط عدد الأيام في الشهر (على مدى 30 سنة) هو 29.53 يوما، أي بالضبط متوسط طول الشهر الهلالي كما أشرنا آنفا. ويشير هلمر أسلكسن في بحثه "التقويم الإسلامي"[10] الى أن هذا التقويم العددي تم تطبيقه[11] من طرف الإمام الفاطمي الحاكم (985-1021). ويضيف أسلكسن: ((ويتم إرجاع هذا التقويم أحيانا[12] الى العالم الفلكي البتاني (850-929) وكذلك صيغة أخرى منه الى ألغ بك (1393-1449). ويسمى هذا التقويم أحيانا بالحسابي[13])). ويضيف حمزة يوسف أن العالم الفلكي الكبير أو الريحان البيروني (973-1048) رفض هذا التقويم و"سخر منه"[14].

    وقد اعتمد هذا التقويم العددي من طرف مجموعة من البلدان لأغراض "مدنية". ولكن مشكلته الأساسية كانت أنه غالبا ما يتعارض – لأسباب حقيقة وأخرى واهية – مع ظهور الهلال الجديد، مما جعل هذا التقويم "المدني" قليل الفائدة.

    وربما كان من المفيد أيذا ذكر بعض التقاويم الإسلامية التي اعتمدت هنا وهناك في السنوات الماضية دون أن تحضى بمعرفة معظم المسلمين.

    لقد قام أسلكسن بوصف التقويم الإسلامي في سنغفورة، إذ اعتمد المجلس الإسلامي لسنغفورة القاعدة التالية سنة 1974: يبدأ الشهر لحظة غروب الشمس مساء اليوم الـ29 إذا كان القمر فوق الأفق. وفي الثمانينيات عدّلت القاعدة الى شرط قريب من معيار اسطنبول، إذ اشترط أن يكون القمر فوق الأفق بأكثر من 5 درجات. وفي التسعينيات خفضت هذه القيمة الى 2 درجة، في محاولة للتنسيق والتوحيد مع ماليزيا وإندونيسيا وبروناي، بالإضافة الى وضع شرطين جديدين: أن يزيد قوس النور عن 3 درجات وعمر الهلال عن 8 ساعات. ويقول أسلكسن أنه في الواقع لم يتم تطبيق سوى الشرط الأول.

    وأخيرا يشير أسلكسن الى أن القاعدة المعتمدة في مصر كانت أن يغرب القمر بعد الشمس بأكثر من 5 دقائق (زمنية).

    جاءت أولى المحاولات الجادة للتطرق الى مسألة التقويم الهلالي بشكل علمي من طرف العالم الماليزي محمد إلياس خلال الثمانينيات والتسعينيات. وقد أقام عالمنا أعماله على أساس مفهوم "خط التاريخ القمري" Lunar Date Line (LDL) وعلى النماذج والمعايير الحديثة للرؤية البصرية للهلال. ولكن أعماله ظلت مجهولة، خاصة في العالم العربي، لأنها كانت تنشر باللغة الأنجليزية وفي الدوريات العلمية الدولية وفي كتيبات توزع معظمها في الشرق الأقصى.

    أما الخطوة الموالية في المسألة فجاءت في كتاب قسوم والعتبي ومزيان (1993، 1997)[15]، الذي اتسم بما يلي:

    v أنه كان أول عمل علمي باللغة العربية يراجع ويعرض بشكل مفصل وناقد كل الأبحاث الحديثة في الموضوع،

    v أنه كان أول كتاب يسلط الضوء ويؤكد على أن جوهر المسألة هو وضع التقويم لا "رؤية الهلال"، رغم تفصيله الدقيق لهذا الجانب الخاص والمحدود من المسألة،

    v أنه اقترح طريقة جديدة لوضع تقويم هلالي إسلامي، طريقة تقوم على تقسيم الأرض الى 4 مناطق يتم تحديد دخول الشهر الجديد فيها على أساس النوذج الفلكي الفيزيائي الذي وضعه شيفر (1988)[16]. وتم إقتراح المناطق الأربعة كالتالي: 1) من 180 درجة الى 75 درجة شرقا (أي من الخط المقابل لخط الهاجرة الأصلية، المعروف بـAntemeridian الى الحدود الشرقية لباكستان)، 2) من 75 الى 30 درجة شرقا (أي آسيا الصغرى)، 3) من 30 درجة شرقا الى 15 درجة غربا (أي أوربا وإفريقيا)، 4) من 15 الى 180 درجة غربا (أي الأطلسي والقارة الأمريكية). وفي هذا التقويم المتعدد المناطق، لا تبدأ الشهور في كل الأماكن في يوم واحد، بل يتوحد الشهر في 3 مناطق من الأربعة في نفس الوقت. وهذه الحالة شبيهة بما يحدث بالنسبة لخط التاريخ الدولي International Date Line (IDL) حيث يكون التاريخ مختلفا بين المنطقتين المفصولتين به. إلا أنه في التقويم الإسلامي المقترح يتغير موقع "خط التاريخ" هذا من منطقة لأخرى عند بداية كل شهر قمري، مما فرض إيجاد أكثر من منطقتين.

    وفي نفس الفترة تقريبا، ولكن للأسف بغير معرفة للأعمال السابقة (إلياس، قسوم، إلخ)، إقترح مك نوتن (1997)[17] فكرة مختلفة لوضع تقويم إسلامي موحد. وكان نموذجه مبنيا على القاعدة البسيطة التالية:

    يتم تحديد لحظة حدوث الإقتران القمري (بين الأرض والشمس)، فيبدأ الشهر "الهلالي" الموالي عند غروب الشمس في اليوم التالي.

    وتجدر الملاحظة أولا أن هذه الطريقة تتخلص تماما من الرؤية العيانية وإشكالتها. ويؤسس مك نوتن منهجه هذا على الآية القرآنية ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ)) (البقرة 189)، حيث يعتمد على الترجمات الأنجليزية للقرآن، التي غالبا ما عبّرت عن "الأهلة" بـNew Moons، أي الإقترانات، غير أن الآية لا تحمل بالضرورة ذلك المعنى الفلكي المحدد الذي يبرر اعتماد الإقتران مرجعا لتحديد بداية الشهر. ولكن هذا لا يعني منا رفض فكرة مك نوتن... ولم يكن هذا الباحث مهتما كثيرا بالتأسيس الشرعي للتقويم الذي اقترحه، وإنما أكد على أن هذه القاعدة كفيلة بإقامة تقويم قمري موحد لكل الأرض! غير أن هذا الأمر لا يتحقق في مقترح مك نوتن، لأن قاعدته تحتوي على عاملين، أحدهما (الإقتران) موحّد (تقريبا) على الأرض والثاني (غروب الشمس) محلي، وبالتالي فإن "اليوم التالي" (في قاعدة مك نوتن) لا بد أن يختلف من بلد لآخر ومن منطقة لأخرى. ويمكن توضيح هذه النقطة (الهامة) بمثال بسيط: لنفترض أن اقتران بداية رمضان حدث يوم 20 يونيو على التاسعة ليلا بالتوقيت العالمي (UT 21:00)، أي منتصف الليل بمكة المكرمة، والواحدة ليلا في الإمارات، والخامسة مساء بتوقيت نيويورك. يتضح فورا أن "غروب الشمس في اليوم التالي" سيحدث في تواريخ مختلفة في تلك المدن والمناطق المختلفة من العالم. وهكذا لا يتحقق توحيد التقويم بهذه الطريقة.

    أما التطور الموالي في موضوع التقويم الإسلامي فقد جاء من طرف عودة (2001، مراجع في 2004)[18] الذي اعتمد فكرة التقويم المتعدد المناطق (المقترحة من طرف قسوم، العتبي، مزيان)، ولكنه بسطها الى حد ما إذ قلص عدد المناطق الى ثلاثة عوض أربعة، كالتالي: 1) من 180 الى 60 درجة شرقا، 2) من 60 درجة شرقا الى 20 درجة غربا، 3) من 20 الى 180 درجة غربا. ولكن عودة أقام تقويمه على خط التاريخ القمري الذي يحسبه بمعيار يالوب Yallop، وقد صار يعتمد معيار عودة مؤخرا، وكلا المعياران هندسيان لا فيزيائيان، وبالتالي فالمعياران صحيحان في المتوسط والغالب، لا في الحالات المحلية، وذاك شيء مقبول في حال اهتم الأمر بوضع تقويم شامل.

    ثم هناك أمر جدير بالإهتمام في موضوعنا حصل خلال السنوات الأخيرة يتمثل في التطورات التي شهدها تقويم "أم القرى" المتبنّى في المملكة العربية السعودية. لقد شهد هذا التقويم صيغا مختلفة في مراحل تطوره الأربعة (المصطفى وحافظ 2001[19])، إذ كانت القاعدة التي يبنى عليها التقويم في كل مرحلة كالآتي:

    1) من 1370 الى 1392 هـ (1950-1972 م): يبدأ الشهر الهلالي (في اليوم الموالي) إذا كان الهلال الجديد مساء اليوم التاسع والعشرين فوق الأفق بأكثر من 9 درجات لحظة غروب الشمس. وليس واضحا لدى الباحثين هل كانت الحسابات وفق هذا الشرط تتم بالنسبة لمكة المكرمة أم الرياض[20].

    2) من 1393 الى 1419 هـ (1973-1998 م): اشترط أن يحدث الإقتران قبل منتصف الليل بالتوقيت العالمي يوم التاسع والعشرين من الشهر القمري. وتجدر الإشارة الى أن مجلس الإفتاء الأعلى في المملكة العربية السعودية قد أشار في برقية الى المشروع الإسلامي لرصد الأهلة أن الشهر الهجري في ذلك التقويم يبدأ إذا زاد عمر الهلال وقت الفجر عن 12 ساعة!

    3) من 1419 الى 1422 هـ (1998-2002 م): اشترط أن يغرب القمر بعد الشمس مساء اليوم التاسع والعشرين من الشهر القمري، بغض النظر عن لحظة حدوث الإقتران.

    4) منذ 1423 هـ (منذ 2003): يبدأ الشهر الهلالي في اليوم الموالي إذا غرب القمر بعد الشمس وكان الإقتران قد حدث (ولو بدقيقة) مساء اليوم التاسع والعشرين.

    إن أول ملاحظة يبديها المرء حول هذه المعايير هي تجاهلها (ما عدا قاعدة المرحلة الأولى) إمكانية رؤية الهلال بالعين ليلة بداية الشهر. ولذا لا نستغرب أن تكون معظم هذه القواعد، بل كلها أحيانا، أدت الى تعارضات واضحة مع شهادات الرؤية[21]. إذ يقول الباحث هاري روبرت فان جنت H R van Gent: ((بالتعبير الدقيق، تقويم أم القرى هو لأغراض مدنية فقط. وإن واضعيه على وعي تام بأن رؤية الهلال تحدث أحيانا يومان بعد بداية الشهر حسب تقويمهم)).

    ولقد اقترح الباحث المغربي جمال الدين عبد الرازق تقويما هاما[22] أسماه بـ"تقويم أم القرى المعدّل" لأنه يشبه إحدى صيغ تقويم أم القرى السابقة. يقترح عبد الرازق أن يبنى التقويم الهجري على القاعدة التالية: يبدأ الشهر الهلالي في اليوم الموالي وإذا تم الإقتران قبل منتصف النهار (بين 00:00 و12:00) بالتوقيت العالمي، ويؤجل بدأ الشهر الهلالي بيوم (فيبدأ في اليوم ما بعد الموالي) إذا حدث الإقتران بعد منتصف النهار (بين 12:00 و24:00) بالتوقيت العالمي.

    ويؤكد صاحب هذا التقويم على أهم ميزة فيه، وهي أنه يوحّد التقويم على الأرض جمعاء، إذ لا يتم تقسيم الأرض الى مناطق بتاتا. ويضيف الباحث عبد الرازق المقترح لهذا التقويم أنه إذا قبلنا بمبدأ "نقل الرؤية" (أي أن يكتفى برؤية تتم في أي مكان على الأرض ليدخل الشهر في الليلة الموالية لتلك المشاهدة) فإن هذا التقويم يحقق في 92% من الحالات التوافق مع الرؤية البصرية للهلال ليلة بداية الشهر. ومن الواضح أن هذا التقويم تمكّن من تفادي الإشكالية التي واجهها تقويم مك نوتن بمجرد تقسيم اليوم الى شقين، قبل وبعد منتصف النهار، بالنسبة لشرط زمن الإقتران، وإلغاء العلاقة مع غروب الشمس.

    ولكن فور ما يقوم المرء بفحص هذا الإقتراح الهام – وهو ربما أهم صيغة للتقويم الإسلامي تم وضعها قبل بحثنا هذا – يتضح أنه في كثير من الحالات يبدأ الشهر في "العالم الإسلامي" (القارات الأسيوية والإفريقية والأوربية) رغم استحالة الرؤية في تلك المناطق. وقد قمنا بالنظر في هذه المسألة فقارنا تواريخ بدأ الشهر القمري حسب هذا التقويم مع تواريخ الشهور كما يتوقعها معيار عودة لإمكانية الرؤية (في منطقة "العالم الإسلامي") فتوصلنا الى النتائج التالية: توافق تام في 58 % من الحالات، يدخل الشهر بالتقويم رغم كون الرؤية صعبة في مجمل المنطقة الشرقية في 10 % من الحالات، يرى الهلال رغم تأجل دخول الشهر حسب قاعدة التقويم في 32 % من الحالات.

    ولا شك أن هذا الرقم الأخير (إعلان الشهر في ثلث الحالات مع عدم إمكانية الرؤية في المنظقة كلها) سيشكل عقبة أمام قبول الأمة لهذا المقترح، إذا سلمنا أنها ستقبل بمبدأ الحساب وترك الرؤية العيانية جانبا والقبول بدخور الشهر في آسيا عند رؤية الهلال في أمريكا...

    هذا وقد كان أحدث تطور في الموضوع هو القرار الذي اتخذه المجلس الفقهي لجمعية مسلمي أمريكا الشمالية خلال صائفة 2006. أولا تقول الجمعية إن القاعدة التي وضعها المجلس الفقهي (والتي ننص عليها أدناه) انبثقت من مؤتمر حضره عدد من الفقهاء والأئمة والفلكيين والمسلمين المهتمين بالأمر، وقد قدمت ونوقشت فيه أوراق علمية حول الجوانب الفقهية والفلكية للمسألة[23]. ونعلم من جهتنا أن القاعدة الفلكية (أدناه) قد وضعها الباحث خالد شوكت.

    أما عن القاعدة المعتمدة، فبعد مجموعة طويلة من التصريحات الفقهية (أن الشرع لا يتعارض مع تبني الحساب دون الرؤية، الخ)، حيث يحاول المجلس الفقهي إيجاد أسس شرعية للقاعدة المتبناة، يقدم بيان الجمعية القاعدة الجديدة كالتالي:

    يبدأ الشهر القمري الإسلامي الجديد لحظة غروب الشمس (من مساء اليوم الـ29) إذا حدث الإقتران قبل منتصف النهار بالتوقيت العالمي.

    ويضيف البيان توضيحين لسبب تبني هذه القاعدة:

    v إن وضع تقويم قمري إسلامي يستلزم اختيار نقطة (أي خط) مرجعي، ولهذا الغرض يمكن اعتماد إما خط التاريخ الدولي IDL أو خط الهاجرة الأصلية (غرينيتش).

    v حدوث الإقتران قبل منتصف النهار بالتوقيت العالمي يعطي وقتا كافيا لرؤية الهلال في مكان ما من الأرض (ما سمح الطقس بذلك) قبل انقضاء الليل في أمريكا الشمالية.

    ويتضح فورا أن هذه القاعدة هي ذاتها قاعدة عبد الرازق، أي "تقويم أم القرى المعدّل" (وهذه تسمية غير موفقة إذ توحي أن القاعدة مرتبطة بطريقة ما بمكة المكرمة، وهي في الحقيقة ترتبط بخط غرينيتش). وهذا المقترح سليم من حيث المبدأ وهو بسيط وواضح، ويخلص المسلمين من إشكالية الرؤية والشهادات. وأهم من ذلك أنه يسمح بتحديد الأشهر (كلها) مسبقا، أي بوضع تقويم مضبوط على مدى طويل. إن الإشكالية الوحيدة التي نجدها في هذا المقترح أنه لا يحقق التوافق مع إمكانية الرؤية إلا في القارة الأمريكية!..

    وقد جاءت ردود الفعل لهذا الإعلان سلبية منتقدة في معظمها، حتى من طرف المهتمين عن قرب بالمسألة. إحدى تلك الإنتقادات، وهي نقطة لا نرى صوابها، هو كون القاعدة تلغي الرؤية تماما. بل في الحقيقة، ومن هذه الزاوية بالذات، نرى في هذا البيان، المدعم بفقهاء وبمنظمة إسلامية كبيرة وهامة ومحترمة، نرى فيه قفزة هامة للمسلمين في حل هذه الإشكالية. أما الإنتقاد الثاني فكان حول مدى توافق القاعدة المتبناة مع ظهور الهلال الجديد للعين المجردة. وكما أشرنا من قبل فإن هذه القاعدة تتوافق مع إمكانية الرؤية في القارة الأمريكية الى حد بعيد (يبقى تحديد مدى هذا التوافق)، إلا أنها (أي القاعدة) تؤدي الى إختلافات كثيرة بين توقعات دخور الشهر حسب هذا التقويم وبين حالات المشاهدة للهلال.

    وبناء على هذه التطورات والملاحظات حول المقترحات الحديثة، بدا لنا أن معظم تلك الإشكاليات، خاصة منها التوافق بين الأشهر حسب التقويم المعتمد وبين إمكانية الرؤية ربما يتم حلها باعتماد قاعدة جديدة، سنطلق عليها اسم "تقويم قسوم-عودة" (وهو فعلا تقويم معدّل من صيغة أم القرى الحالية):

    · تقسم الأرض الى منطقتين: القارة الأمريكية في الغرب وباقي العالم في الشرق؛

    · يبدأ الشهر القمري الإسلامي الجديد في كلتا المنطقتين في اليوم الموالي إذا حدث الإقتران قبل الفجر في مكة المكرمة؛

    · يبدأ الشهر القمري الإسلامي الجديد في اليوم الموالي في المنطقة الغربية ويؤجل بيوم في المنطقة الشرقية إذا حدث الإقتران بين الفجر في مكة المكرمة وبين الساعة 12:00 بالتوقيت العالمي.

    وقد قمنا بفحص أولي لهذا المقترح (على مدى السنوات الخمس الآتية) من حيث توافقه مع إمكانية الرؤية (حيب معيار عودة) في كل منطقة، فتحصلنا على النتائج التالية:

    v تتوافق شهور التقويم مع الشهور بالرؤية (كما يتوقعها معيار عودة) في المنطقة الشرقية كالآتي: توافق تام في 73 % من الحالات، يدخل الشهر بالتقويم رغم كون الرؤية صعبة في مجمل المنطقة الشرقية في 25 % من الحالات، يرى الهلال رغم تأجل دخول الشهر حسب قاعدة التقويم في 1.7 % من الحالات.

    v تتوافق شهور التقويم مع الشهور بالرؤية في المنطقة الغربية في أكثر من 95 % من الحالات.

    وإننا نعتبر هذه النتائج جد مشجعة، إذ لن نجد قاعدة تحقق شرط الرؤية في 100 % من الحالات، خاصة إذا أبقينا في الذهن إمكانية التقلبات الجوية... ويعلم العلماء أنه يجب دوما تجاوز الحالات القليلة والقبول بنسب عالية (90 % أو مثل ذلك)، لا الإلحاح على 100%. كما يجب التأكيد على أن هذا المقترح هو أحسن ما تم اقتراحه لحد الآن، من حيث توافقه مع إمكانية الرؤية في معظم المناطق – ولا بأس أن نذكر أن فحصنا لتقويم عبد الرازق وشوكت قد بيّن أن نسبة تعارضه مع الشهور حسب إمكانية الرؤية في "المنطقة الشرقية" كان قد بلغ 30 % (وهو فقط 1.7 % في مقتحنا)!



    خلاصة ونتائج

    لقد ألحّينا في الجزء الأول من هذا البحث على أهمية التقاويم بالنسبة للحضارات وارتباطها (أي التقاويم) الوثيق بهوّية المجتمعات. وكان قصدنا من وراء ذلك التأكيد على ضرورة محافظة الأمة الإسلامية على تقويمها القمري رغم الصعوبة الحالية في إيجاد صيغة يتفق حولها المسلمون ويطبقونها في حياتهم الدينية والمدنية.

    وقد أكدنا أيضا على أن اضطراب التقويم في مجتمع ما ليعكس حالة مرضية لديه، وبالتالي فإن صحة وقوة حضارة ما يمكن قياسها جزئيا على الأقل من خلال تعاملها مع مسألة الزمن والتقويم. وللأسف نجد الإضطرابات في التقويم عندنا تفوق كل ما يمكن تصوره أو قبوله لدى أي مجتمع، قديم كان أو حديث.

    وفي الجزء الثاني من هذا المقال أشرنا بإيجاز الى أن الشريعة الإسلامية، من قرآن وحديث وفقه، لا تفرض أي طريقة أو شرط محدد في وضع التقويم – ما دام هلاليا -، فلا مانع من أن يكون موحدا على الأرض جمعاء أو متعدد المناطق، ولا مانع طبعا – بل لا مناص من – أن يستعان في وضعه بالحساب وبالعلم الحديث، الذي يسمح بالتدقيق وتفادي الأخطاء وكذلك بالتخطيط السليم على مدى طويل.

    وقد ركزنا الأضواء أيضا على تطور نعتبره جد هام في مسألة التقويم، وهو تنامي الوعي (والقبول شيئا فشيئا) بضرورة التخلص من شرط الرؤية العيانية والإدلاء بالشهادة، والإستعانة بدل ذلك بطرق علمية تحقق الهدف المقصود في التقويم الإسلامي (التخطيط المسبق) وتمنع حدوث الإضطراب في دخول الشهور.

    وفي الجزء الثالث من هذا العمل قمنا بمراجعة المحاولات التي تمت خلال العقدين الأخيرين في مسألة وضع تقويم إسلامي، سواء كان موحّد الطابع أم لا. وإن أهم ما يلفت النظر ويجدر التأكيد عليه هو توجه قواعد التقاويم المختلفة التي تم اقتراحها الى التقارب تدريجيا. وفي الواقع يمكن تلخيص ذلك التطور في خطين شبه موازيين هما: 1) التقويم المتعدد المناطق (قسوم، العتبي، مزيان 1993 و1997 ثم عودة 2001 و2004)، 2) التقويم المبني على شرط بين الإقتران والغروب أو منتصف النهار (مك نوتن 1997، أم القرى 1973، 1998، 2003، عبد الرازق 2004، المجلس الفقهي للجمعية الإسلامية لشمال أمريكا 2006). ويبدو أن مقترحات بناء التقويم المرتبطة بالإقتران (وأحيانا بالفجر أو الغروب أو منتصف النهار) بدأت تغلب في الأعمال الأخيرة، بعد أن بدا لبعض الباحثين إمكانية توحيد التقويم على الأرض، في بعض الصيغ على الأقل.

    إلا أننا بيّنا في الجزء الأخير من هذا البحث أن هذا المطمع قد يكون صعب التحقيق، إذ أوضحت نتائج فحصنا لأحدث تقويم موحد تم اقتراحه (عبد الرازق / شوكت) أنه في ثلث الحالات على الأقل يجعل الشهر يبدأ في حين يكون الهلال غير قابل للرؤية في "العالم الإسلامي".

    ولذلك قدمنا اقتراحا جديدا، وهو تقويم ذو منطقتين، مبني على الإقتران والفجر في مكة المكرمة، نرى أنه الأقرب الى القبول، إذ يحقق شرط "إمكانية" الرؤية في كل منطقة باحتمالات عالية، إذ لا يتعارض مع إمكانية الشهور الى في أقل من 2% من الحالات. وهو بالتالي الأقرب الى القبول والى التطبيق. ولا مانع لدينا طبعا أن يتم تعديله إذ كانت هناك صيغة تجعله أقرب الى التوافق والى القبول.

    والله الموفق وهو يهدي السبيل.



    الهوامش والمراجع:

    [1] Jacqueline de Bourgoing, The Calendar, History, Lore and Legend, Abrams, 2001, p. 36

    [2] Hamza Yusuf, Cesarean Moon Births, http://www.zaytuna.org/articleDetails.asp?articleID=100, p. 10

    [3] ن. قسوم وك. مزيان، "تقييم نسب الخطأ في تحديد تواريخ المناسبات الدينية في العالم الإسلامي – مثال الجزائر"، دراسات عربية، العدد 3/4، يناير/فبراير 1996

    [4] N. Guessoum & K. Meziane, “Visibility of the Thin Lunar Crescent: The Sociology of an Astronomical Problem (A Case Study)”, Journal of Astronomical History and Heritage, 4, 1-14 (2001).

    [5] محمد عودة، " تقويم نسب الخطأ في تحديد أوائل الأشهر الهجرية في الأردن خلال النصف قرن الماضي"، 1999، http://www.icoproject.org/pdf/1999_error.pdf

    [6] راجع بحث هيمن متولي في هذا المؤتمر.

    [7] راجع بحث فرانسوا كرسي في هذا المؤتمر.

    [8] رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه.

    [9] رواه أبو داود والدارقطني، وأخرجه الدارمي وابن حيان وصححاه والبيهقي، وصححه ابن حزم.

    [10] http://www.math.nus.edu.sg/aslaksen/...r/islamic.html

    [11] معتمدا على المرجع http://www.amaana.org/history/history4.htm

    [12] http://eprints.anu.edu.au/archive/00...ot/Takwim.html

    [13] http://www.anu.edu.au/asianstudies/a...calendars.html

    [14] حمزة يوسف، المرجع السابق، ص. 7

    [15] قسوم، العتبي، مزيان: "إثبات الشهور الهلالية ومشكلة التوقيت الإسلامي"، دار الأمة – الجزائر (1993)، دار الطليعة – بيروت (1997).

    [16] Bradley E. Shaefer, “Visibility of The Lunar Crescent”, Quarterly Journal of the Royal Astronomical Society, 29, 511-523.

    [17] David McNaughton, “A Universal Islamic Calendar”, Hamdard Islamicus, vol. XX, no. 1, p. 77

    [18] محمد عودة، التقويم الهجري العالمي، 2001 (مراجع في 2004) http://www.icoproject.org/pdf/2001_UHD.pdf

    [19] زكي المصطفى وياسر حافظ، "تقويم أم القرى (التقويم المعتمد في المملكة العربية السعودية)"، 2001 http://www.icoproject.org/pdf/almostafa_Hafize_2001.pdf

    [20] H. R. van Gent, “The Umm al-Qura Calendar of Saudi Arabia”, 2006 www.phys.uu.nl/~vgent/islam/ummalqura.htm.

    [21] المرجع السابق.

    [22] جمال الدين عبد الرازق، "التقويم القمري الإسلامي الموحد"، منشورات مرسم، الرباط، 2004

    [23] http://moonsighting.com/fcna-calendar.html

    تعليقات كتابة تعليق

    اضغط هنا للدخول

    رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.