الملاحظات
  • أعجبني

  • الغزالي وديكارت

    الغزالي وديكارت
    الإمام أبو حامد الغزالي

    يقول ديكارت
    (( أنا أفكر إذاً أنا موجود ! ))

    والغزالي يقول في كتابه
    (( أنا أريد إذاً أنا موجود قادر ! ))


    لم يكن ديكارت فقط من تأثر بالغزالي بل كل من الفلاسفة وهم حسب دولهم، الفرنسيون: ديكارت وباسكال وجسندي ومالبرانش، والإنجليزيون: هوبز وبوتلير وكارليل، والهولندي اسبينوزا.
    في سنة 1968م تقدم الدكتور محمود حمدي زقزوق برسالته للدكتوراه باللغة الألمانية إلى جامعة ميونيخ بألمانيا، وكانت بعنوان (المنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارت)، ونشرت حينها في طبعة جامعية باللغة الألمانية، وصدرت بالعربية في كتاب سنة 1973م.
    في هذه الرسالة اعتبر الدكتور زقزوق أنه أثبت بالنصوص القاطعة، التطابق الواضح بين المنهج الفلسفي لدى كل من الغزالي وديكارت، وهو المنهج المعروف بالشك المنهجي، التطابق الذي فاجأ الأستاذ المشرف على الرسالة راينهارد لاوت، الذي يعد حسب قول زقزوق، من أشد المعجبين بفلسفة ديكارت، وكان يعلن في محاضراته أن الفلسفة الحقيقية بدأت مع ديكارت.
    لهذا كان من الصعب على المشرف الألماني حسب قول الدكتور زقزوق، معرفة أن الغزالي قد سبق ديكارت في اكتشاف واستخدام الشك المنهجي، لكنه مع ذلك لم يعترض على شيء، غير أنه طلب تحويل الرسالة إلى أحد الألمانيين المستشرقين لمراجعة النصوص المترجمة إلى الألمانية لكونه لا يعرف العربية، وكان هذا المستشرق هو أنطون اشبيتالر، الذي وصفه زقزوق بأنه من كبار المستشرقين الألمان، وبعد مراجعة الرسالة لم يغير فيها حرفا واحدا، لكنه رفض فكرة أن يكون ديكارت قد تأثر بالغزالي، وعزا التشابه في المنهج بينهما إلى أنه مجرد توافق أو توارد خواطر، نافيا أن تكون هناك معرفة لديكارت بأفكار الغزالي.
    وفي سنة 1992م صدرت الرسالة في طبعة جديدة باللغة الألمانية، وتوقف عندها الكاتب السويسري كريستوف فون فولتسوجن الذي نشر مقالة في ديسمبر 1993م، بعنوان (هل كان الغزالي ديكارتا قبل ديكارت؟)، أشار إلى أهمية الكتاب مبينا أنه قد كشف عن حقيقة مفادها أن الشك المنهجي الذي يعد عملا تأسيسيا حاسما في الفكر الغربي، مرتبط بالفلسفة الإسلامية في القرن الحادي عشر، أي قبل ديكارت بأكثر من خمسة قرون، كما أشار الكاتب إلى أن التطابق المدهش بين الأفكار الواردة في كتاب “المنقذ من الضلال” للغزالي وكتاب “التأملات” لديكارت، وأن هذه المقارنة التي جرت لأول مرة من الناحية المنهجية، قد برهنت على وجود تطابق أساسي في المنهج الفلسفي لكلا الفيلسوفين.
    هذا الالتقاء الفكري والمنهجي بين الغزالي وديكارت، طالما شغل اهتمام البعض في المجال العربي، الذين توقفوا أمام تساؤلات ظلت بدون إجابات حاسمة، من قبيل: هل تعرف ديكارت على أفكار الغزالي أم لا؟ وهل اطلع ديكارت على كتاب الغزالي (المنقذ من الظلال) مترجما في نسخة مخطوطة، عن طريق بعض المستشرقين الذين ربطتهم بديكارت صلة صداقة أم لا؟ أو عن طريق بعض الكتاب الغربيين الذين سبقوا ديكارت في الاقتباس من الغزالي؟
    والمفترض من هذه المفارقة، أنها تباعد بين الغزالي وديكارت، وتفصل وتفاصل بينهما، وهذا بخلاف الصورة الحاصلة التي جعلت من الممكن المقاربة والموازنة بينهما، ودفعت بالحديث عن أثر وتأثر ديكارت بالغزالي!
    أشار إليه الدكتور محمود زقزوق، الذي يرى أنه ينبغي النظر إلى موقف الغزالي النقدي من مسائل الفلسفة نظرة عادلة، تضع هذا النقد في مكانه الصحيح، ولا تخلط بينه وبين إنكار الفلسفة من حيث هي فلسفة، ولا يبالغ زقزوق إذا قال إن الغزالي بمنهجه الفلسفي قد تقدم عصره بعدة قرون، ولم يلحقه في أفكاره إلا ديكارت أبو الفلسفة الحديثة.
    وحسب هذا الموقف، فإن العلاقة بين الغزالي وديكارت هي بين حالتين من حالات التقدم ولازدهار الفكري والفلسفي، وليس بين حالتين متعارضتين ومتنافرتين، إحداهما تتسم بالتراجع والجمود، وأخرى تتسم بالتقدم والنهوض.
    والذي أراه أن لا تأثير لمسألة التقدم والتراجع في نفي العلاقة أو تعارضها بين الغزالي وديكارت، وذلك لأن الفكرة الواحدة يمكن أن يتحدد مصيرها تقدما وتراجعا، صعودا وهبوطا، حياة أو موتا، بحسب البيئة التي تتصل بها وتتفاعل معها، فالبيئة المتراجعة تتراجع فيها الأفكار حتى الأفكار المتقدمة، والبيئة المتقدمة تتقدم فيها الأفكار وتزدهر.
    ولم يكن ديكارت فقط من تأثر بالغزالي بل كل من الفلاسفة وهم حسب دولهم، الفرنسيون: ديكارت وباسكال وجسندي ومالبرانش، والإنجليزيون: هوبز وبوتلير وكارليل، والهولندي اسبينوزا.
    تعليقات كتابة تعليق

    اضغط هنا للدخول

    رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.