الملاحظات
  • أعجبني

  • علماء مؤمنون

    علماء مؤمنون

    كان من أعظم وأعقد وأمتع ما درسته في الفيزياء في مرحلة البكالوريوس في كلية العلوم جامعة القاهرة في الستينيات هو.. النظرية النسبية الخاصة والعامة لألبرت أينشتاين ونظرية ميكانيكا الكم، لماكس بلانك، وتطبيقاتهما في مجال دراسة الكون والذرة.

    ولم أكن منتظرًا لكي أصل إلى درجة البكالوريوس لدراسة هاتين النظريتين، فقد حاولت أثناء المرحلة الثانوية والجامعية أن أتعرف على هاتين النظريتين، من خلال الكتب العلمية المبسطة المترجمة في سلسلة الألف كتاب الأولى خلال الستينيات، ومنذ ذلك الوقت كنت أكنُّ لألبرت أينشتاين ولماكس بلانك تقديرًا واحترامًا، خاصة باعتبارهما أعظم علماء الفيزياء في القرن العشرين.

    ومع أن ماكس بلانك رحل عن عالمنا في عام 1947م بعد ميلادي بعام، كما أن ألبرت أينشتاين رحل بعده في عام 1955 وأنا طفل عمره تسع سنوات، وإن كنت لم أشرف بلقاء كل منهما، إلا أنني شرفت في العمل في المعاهد والمعامل التي أسساها في ألمانيا وحملت أسماءهما بعد ذلك.

    أينشتاين صخرة واحدة!!

    في 5 سبتمبر 1974م كانت أول سفريّة لي خارج مصر لمدة عام للحصول على مادة علمية لرسالة الدكتوراة في موضوع الانفجارات الشمسية؛ حيث حملتني طائرة تابعة للخطوط إنترفلوج الألمانية من مطار القاهرة لمطار شونفيلد ببرلين الشرقية؛ حيث كان في انتظاري دكتور من معهد الفيزياء الشمسية الأرضية، ذهبنا سويًّا لمدينة بوتسدام؛ حيث إقامتي ودراستي، وفي صباح اليوم التالي حضر لفندقي المقيم فيه؛ حيث ذهبنا سويًّا لمقابلة رئيس المعهد، ثم اصطحبني إلى المكتب المخصص لي وكان عبارة عن حجرة في برج فلكي لدراسة الشمس، يسمى برج أينشتاين Einstein Tower”” وعند مدخل البرج وجدت تمثالاً نصفيًّا لألبرت أينشتاين وعلى قاعدة التمثال، كان هناك حجر صغير، فنظرت إليه في فضول واستغراب، ولكن مرافقي تدخل وقال لي: إن كلمة واحد بالألمانية Ein وكلمة صخرة هي Stein وعلى ذلك فإن أينشتاين تعني بالألمانية صخرة واحدة!!! هذه الصخرة الواحدة هي التي غيَّرت مجرى التاريخ والعلوم والتكنولوجيا للجنس البشري كله خلال القرن العشرين وربما لعدة قرون قادمة! وحكى لي صفة هذا البرج قال بعد أن أعلن ألبرت أينشتاين نظريته النسبية الخاصة عام 1905م والعامة 1915م، وحصوله على جائزة نوبل في الفيزياء عيَّنه إمبراطور ألمانيا، مديرًا لمعهد الإمبراطور الفلكي، والذي كان مقسمًا ما بين حي بابلسبرج وتلجرفنبرج بمدينة بوتسدام، وكان برج أينشتاين في تلجرافنبرج، حيث إنها أعلى ربوة في المدينة… وقد أنشأ أينشتين هذا البرج أثناء رئاسته للمعهد محاولاً إثبات صحة نظريته النسبية بتزحزح خطوط الطيف الشمسي بمقدار يتناسب مع سرعة دورانها حول نفسها، والذي سُمِّي بعد ذلك بتأثير دوبلر Doppler Effect. وفي اليوم الثالث والرابع كانت عطلة نهاية الأسبوع.. وجاءني أحد الزملاء المعيدين الألمان لتعريفي بالمدينة، فكان من ضمن ما زرته هو المنزل الذي كان يقيم فيه ألبرت أينشتاين، وهي فيلا متواضعة تحيط بها حديقة صغيرة، ظل أينشتاين مقيمًا فيها إلى أن هرب من النازية سنة 1933م إلى أمريكا، وحصل على الجنسية الأمريكية، وظل أستاذُا في جامعة نستون حتى وفاته في عام 1955م.

    ماكس بلانك.. نوبل

    1918في ديسمبر سنة 1900م استطاع الفيزيائي الألماني ماكس بلانك أن يهز الأوساط العلمية كلها عندما أعلن عن طاقة الموجات الضوئية تقفز بصورة غير متصلة، وأنها مكونة من أكمام – جمع كم – حيث صدمت هذه النظرية الاعتقاد السائد في ذلك الوقت. وهذه النظرية الجديدة وضعت قواعد نظريات الكم التي أدت إلى ثورة في الفيزياء جعلتنا نقترب كثيرًا من فهم أعمق لطبيعة المادة والإشعاع، وقد استعان أينشتاين في سنة 1905م بهذه النظرية في شرح أجزاء من نظرية النسبية، واستعان بها نيلس بوهر في سنة 1913م في تفسير بناة النواة للذرة، وبلا شك فإن معظم إنجازات القرن العشرين هو تطور علم ميكانيكا الكم، بل يعتقد البعض أنه أكثر خطورة من نظرية النسبية التي اكتشفها أينشتاين، فنظرية ثابت بلانك Plank Constant كان لها دور خطير في نظريات الإشعاع، وفي كثير من النظريات الفيزيائية، وكان لها أثر كبير في نظرية بناة النواة للذرة. وفي مبدأ عدم اليقين عند هيزنبرج، في كثير من النظريات العلمية.

    وقد فاز ماكس بلانك بجائزة نوبل في الفيزياء عام 1918م، وقد أدى موقفه العدائي للنازية إلى أن أصبحت حياته في خطر، وقد أعدم ابنه سنة 1945م؛ لأنه اشترك في المؤامرة الفاشلة لاغتيال هتلر، ومات بلانك سنة 1947م في التاسعة والثمانين من عمره، إلا أن ألمانيا وبعد الحرب العالمية الثانية – واعترافاً بفضله وتكريماً له فقد أنشئت مؤسسة ماكس بلانك العلمية، والتي تضم حوالي ستين معهدًا علميًّا متخصصًا في كافة العلوم وفي شتى أنحاء ألمانيا، وتعتبر أكبر مؤسسة علمية في ألمانيا الآن ومن كبريات المؤسسات العلمية في العالم، ومن المعاهد التي شرفت بزياراتها والعمل فيها لفترات قصيرة (أسابيع) كأستاذ زائر، معهد ماكس بلانك لفيزياء الطاقات العالية بمدينة هيدلبرج عام ،1990م ومعهد ماكس بلانك للفلك الراديوي أعوام 1996، 1997، 1998م بمدينة بون.

    وهكذا نجد أن عظماء العلماء هم أول ضحايا الأنظمة الدكتاتورية في كل زمان ومكان على مدى تاريخ الجنس البشري.. لتمسكهم بالحق والحقيقة ومناهضة ظلم وظلام هذه الأنظمة الفاشية.. وهذا ما حدث لكوبرنيكس وجاليليو وإسحاق نيوتن في مواجهة الكنيسة الكاثوليكية في روما في بداية عصر النهضة.. وما حدث لأينشتاين وماكس بلانك وغيرهما في مواجهة ألمانيا النازية.. وللكثير من العلماء الأفاضل العظماء في مواجهة النظام الماركسي – اللنيني في الاتحاد السوفييتي قبل تفككه وانهياره

    ونجد أن الإيمان بوجود الله وقدرته وهيمنته هي القاسم المشترك بين هؤلاء العظماء من العلماء.. عباقرة الجنس البشري في العلم. ويعتقد البعض بأن نجاح أينشتاين في النظرية النسبية كان قائماً على أساس تفكيره الوحدوي (التوحيدي)؛ لأنه كان يؤمن بوجود قدرة عاقلة واحدة مهيمنة تسيطر على جميع مكونات هذا الكون العظيم؛ ولهذا ربط أينشتاين بين المادة والطاقة، والمكان والزمان، والجاذبية والكهربية في النظرية النسبية؛ حيث إن هناك ظواهر عديدة تدل على وحدة الغرض في هذا الكون، وتشير إلى أن نشأته والسيطرة عليه لا بد أن تتم على يد إله واحد لا آلهة متعددة. مثال على ذلك: لاحظ أينشتاين التشابه القائم بين قانون نيوتن للجذب العام، وقانون كولوم للجذب والتنافر الكهربي بين الشحنات، مما دفعه إلى الربط بين هاتين الظاهرتين الكونيتين في نظرية جديدة أسماها نظرية المجال الواحد، وبنى بذلك صرحاً موحداً للقوانين التي تتحكم في المادة من الذرة إلى المجرة. وذلك في عملية توحيد رائعة تبين الكون بمظهر مجال واحد ينطبق على كل إلكترون سائر وكل كوكب دائر، وكل شعاع ضوئي صادر كأسرة واحدة تعمل منذ نشأة الكون وحتى تقوم الساعة.

    فأي دليل يحتاج إليه العقل بعد هذا لإثبات وحدة الكون، واتساق الفطرة، وللدلالة على الله الواحد القهار؟!

    لقد وصف البعض الإيمان بالله عند أينشتاين بأنه أقرب إلى الصوفية.. بمعنى أن العقل الإنساني صغير لدرجة أنه يعجز عن فهم الكون فكيف يفهم خالق الكون؟! إنها قضية أكبر من العقل، أي عقل!

    أما ماكس بلانك أبو ميكانيكا الكم.. فقد كان إيمانه بالله حقيقيًّا، وهو القائل: إن الدين والعلوم الطبيعية يقاتلان معاً في معركة مشتركة ضد الشك والجحود والإلحاد والكفر الذي لا يستسلم.. فلا شك أن الدين والعلم مرتبطان ارتباطاً مصيريًّا؛ لأنهما يقرران معاً مصير الإنسان وكماله، والمتدبر لأهداف الدين والعلم يجد أنهما متماثلان في الغاية ومتحدان في الهدف؛ لأن مصدرهما واحد وهو الله سبحانه وتعالى خالق هذا الكون.

    فالعلم نور الله في الكون لكشف الحقيقة المتمثلة في فعل الله وأثره في الوجود، وضياء للطريق الطبيعي المؤدي لرؤية آثار الخالق وإدراك وجوده ووحدانيته. والدين يربط الإنسان روحيًّا بخالق الكون، وبهذا فإن العلم الصحيح لا بد أن يؤدي إلى الإيمان وأن يزداد الإنسان تمسكاً بالدين كلما تقدم العلم.

    مسلم شلتوت
    هذه المقالة نشرت أصلا في موضوع المنتدى : علماء مؤمنون كتبت بواسطة طارق شفيق حقي مشاهدة المشاركة الأصلية
    تعليقات كتابة تعليق

    اضغط هنا للدخول

    رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.