الملاحظات
  • أعجبني

  • كيف زالت الدولة الفاطمية وكيف وصل صلاح الدين الأيوبي للحكم في مصر- 2

    كيف زالت الدولة الفاطمية وكيف وصل صلاح الدين الأيوبي للحكم في مصر- 2 -
    طارق شفيق حقي

    استعرضت في المقال الأول وصول صلاح الدين الأيوبي إلى الحكم في مصر وذكرت استعانة خلفاء الفاطميين بالوزراء الأجانب ومنهم الوزير الأرمني بدر الدين الجمالي وهو مملوك أرميني الأصل كان أمير الجيوش في الشام استدعاه الخليفة المستنصر من الشام ليوليه الوزارة في عام 1073م حتى يستعيد السيطرة على الأمور وللخروج من الأزمات التي كادت تودى بدولة المستنصر بالله.
    وسأستعرض هنا آخر وزيرين في الدولة الفاطمية سيشكل الصراع بينهما على الحكم نقطة مضيئة حول تدهور وخطورة الوضع التي آلت إليه الخلافة الفاطمية في ظل اقتراب خطر داهم وهم الصليبيين
    أما الوزيرين فهما :
    1- ضرغام بن عامر بن سوار المنذري اللخمي 2- شاور بن مجير السعدي

    عمل شاور بن مجير السعدي قبل أن يصبح وزيراً عند الوزير الفاطمي طلائع بن رزيك، والمُلقّب بالملك الصالح، أحد وزراء الدولة الفاطمية وأبرز فقهائها قال عنه ابن خلكان كان فاضلاً، سمحاً في العطاء، سهلاً في اللقاء، محبّاً لأهل الفضائل، جيّد الشعر"

    وفي مصر ليومنا هذا مسجد يحمل اسمه ( إشارة تحمل دلالة عميقة الأول مسجد ليومنا هذا يحمل اسمه، والثاني مدح مؤرخ سني لفقيه شيعي فاطمي بعكس ما وصل إليه العقل المعاصر اليوم من تخوين وسب جماعي كمثال على ذلك حرامي الروايات يوسف زيدان و الممثل عباس النوري )

    ماذا حدث في الساعة الأخيرة التي سبقت انهيار الحكم ؟
    فر الوزير الفاطمي شاور السعدي إلى بلاد الشام مستنجداً هربًا من الوزير الفاطمي ضرغام بن عامر بن سوار المنذري اللخمي الملقب فارس المسلمين لما استولى على الدولة المصرية وقهره وأخذ مكانه في الوزارة وقتل ولده الأكبر طيء بن شاور
    حين استنجد الوزير شاور بالملك نور الدين الزنكي حاكم دمشق أرسل معه أسد الدين شيركوه وصلاح الدين الأيوبي على رأس جيش
    وقد جعل أسد الدين شيركوه ابن أخيه صلاح الدين مقدم عسكره وشاور معهم فخرجوا من دمشق كان صلاح الدين، ابن الستة والعشرين ربيعًا كارهاً للسفر معهم ودخلوا مصر واستتب لهم الأمن وقتلوا الوزير ضرغام وكان ذلك عام 559 هجري ومن المعروف أن صلاح الدين لم يلعب دورًا كبيرًا خلال هذه الحملة الأولى، بل اقتصر دوره على مهمات ثانوية.
    الأحداث التالية لدخول جنود الشام إلى مصر كانت بالفعل أحداث درامية ، فحين عاد شاور ليكون وزير الخليفة الفاطمي غدر بأسد الدين شيركوه واستنجد بالصليبيين ، فحاصره شيركو في بلبيس ثلاثة أشهر
    ومع هجمات الصليبيين في بلاد الشام اضطر شيركوه للانسحاب ، وحين علم نور الدين زنكي بأن مصر قد تكون لقمة سائغة للصليبيين أرسل جيشاً لمقاتلة شاور وتحالفه الصليبي فانتصر جيش الشام على جيش التحالف وأسر أمير قيسارية الصليبي وتوجه جيش شيركوه للإسكندرية التي فتحت أبوابها له بدون قتال .
    لكن سرعان ما عاد عموري الأول ملك القدس مع الوزير شاور ترتيب الجيش وحاصروا الإسكندرية فما كان من نور الدين الزنكي إلا أن هاجم الحاميات الصليبية في الشام للتخفيف عن جيش شيركوه
    ونتيجة لذلك ولانتشار المجاعة اتفق الجيش الصليبي وجيش الشام على الانسحاب من مصر، بعدها تأخر شاور في دفع الجزية للملك الصليبي فما كان منه إلا أن جهز جيشاً لاحتلال مصر ، فراسل الوزير شاور نور الدين زنكي ليسانده ضد الصليبيين ، فأرسل نور الدين زنكي جيشه إلى مصر مرة ثالثة فما كان من الملك الصليبي عموري إلا الجلاء عن مصر ودخل أسد الدين القاهرة عام 1169 م الموافق 564 هجري ، بعد ذلك عاد الوزير شاور للتراسل مع الصليبيين وكان يماطل في دفع تكاليف تجهيز جيش أسد الدين وهنا أصدر الخليفة الفاطمي العاضد لدين الله أمراً بقتل الوزير شاور وتعيين أسد الدين وزيراً له.
    بعد هذ العرض نفهم بأن الخلافة الفاطمية تحولت لشكل من أشكال الملكية الدستورية ولم يعد للملك تلك المكانة التي كان يحظى بها وكان الأمر كله بيد الوزراء وهذا كان قبل قدوم صلاح الدين لمصر ، فالخلافة كانت في غاية الضعف وقد وصل الضعف بالخليفة إلى حد الاستعانة بوزراء أرمن أو أكراد لاستتباب الأمن لكثرة الطامعين في ملكه من الداخل، ومع دخول عامل خطير وهو الصليبيين تعقدت الأمور أكثر وبات مصير البلاد الوجودي مهدد بالزوال نهائياً.
    بعد موت شيركوه عين الخليفة الفاطمي صلاح الدين الأيوبي وزيراً له وهنا بدأ عصر صلاح الدين
    ورغم محبة الشعب لصلاح الدين فلقد كثر خصموه السياسيين الطامعين بالوزارة ، وتعرض لمحاولة اغتيال بعد أشهر قليلة من قبل الأمراء الفاطميين وكان المحرض الرئيسي أمين سر الخليفة الفاطمي وكان خصياً فقبض عليه وأعدم ، ثم استعان أمراء آخرون بخمسين ألف من فوج الزنوج عليه لكن صلاح الدين تغلب عليهم ، وكان لهذه الظروف فرصة لتوطيد صلاح الدين الأمن من حوله، وكانت الأخبار تشير أن الملك الصليبي عموري يخاطب ملوك أوربا وقسطنطينية لتجهيز حملة ضخمة لاحتلال مصر وبالفعل حاصر الصليبيون دمياط في عام 1169 م الموافق 565 هجري فراسل صلاح الدين الأيوبي نور الدين الزنكي وكتب له : " إن تأخرت عن دمياط ملكها الافرنج وإن سرت إليها خلفني المصريون في أهلها بالشر وخرجوا من طاعتي وساروا في أثري والافرنج أمامي فلا يبقى لنا باقية "
    فكتب له نور الدين الزنكي : " إني لأستحي من الله أن أبتسم والمسلمون محاصرون بالفرنج "
    قام نور الدين الزنكي بمهاجمة الحاميات الصليبية للتخفيف عن دمياط التي حوصرت خمسين يوماً ولعبت بسالة أهلها وصمودهم دوراً في اندحار الحملة عليها وانسحابها
    بعد هذه الأحداث وتعاظم الخطر الصليبي راسل نور الدين الزنكي صلاح الدين الأيوبي بإيقاف الدعاء إلى الخليفة الفاطمي والدعاء إلى الخليفة العباسي في مصر
    وهذه النقطة بحاجة لوقفة فنور الدين الزنكي لم يكن يتبع الخليفة العباسي سياسياً ؟
    وهو لم يطلب من صلاح الدين الأيوبي إزاحة الخليفة الفاطمي بل أمر بالدعاء للخليفة العباسي في المساجد كنوع من توحيد الأمة، وهذه القضية ظلت سائدة وهي عامل وحدة رمزي بقي قائماً عند المماليك ولفترة طويلة كذلك عند العثمانيين ثم تخلى العثمانيين عن ذلك.
    هناك رمزية سياسية ما يتوحد عليها الناس جميعاً وهي الخليفة العباسي التي شهدت أزهى عصور الدولة الإسلامية ، كرمزية الملكة في بريطانيا التي ليس لها من الحكم شيء.
    وليت العرب اليوم يستفيدون من هذه الرمزية ويجدون لهم مظلة تجمعهم كما ساد في ذلك الزمان .
    بعد ذلك مرض الخليفة العاضد ولم يلبث طويلاً حتى فارق الحياة فأصبح صلاح الدين الحاكم الفعلي في مصر وبدأت العصر الأيوبي وبذلك زالت الدولة الفاطمية تماماً بعد أن استمرت 262 سنة .
    أخيراً لعلنا نسأل لماذا قبل الخليفة العاضد بهذا الصراع بين الوزراء دون تدخل منه يقول عن هذا الأمر د حجازي :
    كانت عادة الخلفاء الفاطميين بأن يُطالبوا الوزراءَ الجدد الذين استولوا على الوزارة برؤوس الوزراء المخلوعين على ما جاء في قول ابن تغري بردي: "... وهذا شأن أرباب المناصب، إذا عُزل أحدهم بآخَر، أراد هلاكَه ولو هَلَك العالم معه، وهذا البلاء مِن تلك الأيام إلى يومنا هذا"، وحرص الخلفاء الفاطميُّون على مكافأة الوزراء الجُدد على تلك الفعلة بالذَّهب والفضة والخلع والبيوتات والقصور... إلخ، ويزخر كتاب عمارة اليمني - وكان محسوبًا على الفاطميين، ومُحبًّا لهم، وحزن لزوال دولتهم - المسمَّى "النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية" بكثير مِن تفاصيل الصِّراعات الدامية التي وقعت في الفترة الأخيرة من حكم الفاطميِّين لمصر.

    ولكي لا نتجنَّى على الفاطميِّين، فإنَّ مِن المنصف الإشارة إلى أنَّه ليس مِن روح ذلك العصر التغاضي عن الخصوم ومسامحتهم بعد خلعهم مِن مناصبهم - وبخاصَّة مَن اعتلوا منصبَ الوزارة للفاطميين - وإنما كان يُستباح دَمُهم ويُقتلون، أو يتم اعتقالهم على أقل تقدير، وبخاصَّة أنَّ الوزير الفاطميَّ كان قد بلَغ مكانةً قدَّمتْه على الخليفة ذاته في المسؤوليَّة في نهاية العصر الفاطمي، وقد استغرق الوصول إلى التسامح مع الخصوم من تاريخ البشريَّة قرونًا كثيرة وحروبًا فكريَّة حتى تمَّ تجاوز تلك الإشكالية، ولم ينسلخ عصرُ صلاح الدين الذي وقعت فيه تلك الأحداث عن ذلك الواقع.

    كما نذكر بأن خصوم صلاح الدين الأيوبي من وزراء وأمراء في البلاط الفاطمي لم يكونوا جلهم فاطميين فبعضهم كان زنجي وبعضهم أرمني وآخر سني يجمعهم رابط واحد وهو المطامع السياسية وحب الرياسة، وفي ذلك يروي ابن العماد الحنبلي في "شذور الذهب" أن من الثوار على صلاح الدين الذين أرادوا استرداد النظام الفاطمي المنهار الفقيه عُمارة بن علي المذحجي "وكان شديد التعصب للسنة، أديباً ماهراً.
    هذه المقالة نشرت أصلا في موضوع المنتدى : كيف زالت الدولة الفاطمية وكيف وصل صلاح الدين الأيوبي للحكم في مصر- 2 كتبت بواسطة طارق شفيق حقي مشاهدة المشاركة الأصلية
    تعليقات كتابة تعليق

    اضغط هنا للدخول

    رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.