الملاحظات
  • أعجبني

  • مصطلحات طبية في كتب التراث - د عبد الرحمن دركزلي

    مصطلحات طبية في كتب التراث
    د/ عبد الرحمن دركزللي

    عرفت البشرية في العهود الغابرة ألوانا من الأمراض الفتاكة والأوبئـــــة الخطيرة. ومن تلك الأمراض الطاعون والجُذام والصرع وسواها. وقد يصادف الإنسان هذه الألفاظ في المصنفات القديمة، فيحار في أمرها ويرغب في أخذ فكرة عنها، لكنه لا يجد إلى ذلك سبيلا. ولما كنت قد عملت في تحقيق بعض المؤلفات الطبية القديمـــة وجدت أنه من الضروري أن أعرف القارئ أهم تلك الأمراض.
    الصــرْع Epilepsy

    الصرع داء قديم، كان الناس يتوهمون أنه ينشأ عن حلول الأرواح الشريرة في أجساد المرضى ؛ ولهذا دعوه بالداء الإلهي. وكانوا يعالجونه بالتعزيم.

    وقد وصف لنا ابن سينا نوبة الصرع، فقال: " فإذا حدثت النوبة وقع المريض على الأرض صارخا، ثم تتملكه رعدة واختلاج وتشنج في العضلات ، يتوقف في أثنائها النفَـس مؤقتا، وقد يعض المريض على لسانه، ويتبول على نفسه، ويصيبه عقب النوبة خوَر في القُوى واستغراق في النوم ليصحو ــ بعد ذلك ــ وهو جاهل بما ألمّ به أو جرى له.

    الطاعون Plague

    مرض قديم جدا وخطير جدا، وصف لنا أعراضه عبد الله بن أبي جمرة في كتابه " بهجة النفوس" 1/837 فقال: " أعراضه ارتفاع درجة الحرارة مع صداع وإعياء شديدين وقيء أصفر، ثم يعتري الوجه احتقان، والعينين أيضا ، مع جفاف في اللســـــــان، ويغدو المريض مذعورا قلقا ، ويعتريه هوَس، تعقبه غيبوبة غالبا ما تنتهي بالموت ".

    يصيب الطاعون في البداية القوارض من فئران وجرذان، لأن جلدها يكون ــ عادة ــ مملوءا بالبراغيث، ثم لا يلبث أن ينتقل بوساطة البراغيث إلى الإنسان.

    ومن الجدير بالذكر أن للطاعون نوعين رئيسين، هما :

    (1) الطاعون الدمّلي Bubonic plague ويتسم بظهور انتفاخات تحت الإبطين وفي
    المنطقة الأُرْبيّة ( عند ملتقى الساقين )

    (2) الطاعون الرئوي Pneumonic plague وهذا يظهر في الرئة، وهو خطير للغاية
    لأنه مُعْـد مميت. وكان الناس قديما يسمونه ( الموت الأسود ).

    وقد ورد عن رسول الله (ص) قوله: " إذا سمعتم به بأرض فلا تقدَموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه "، كما قال فيه (ص) : " إن هذا الوجع أو الســـقَم رجز عُذب به بعضُ الأمم قبلكم ، ثم بقي ــ بعدُ ــ بالأرض، فيذهب المرة ، ويأتي الأخرى ".

    الجُـذام Leprosy

    في كتابه " القانون في الطب، ص 140 " وصف لنا ابن سينا أعراض هذا المرض، فقال :
    " يبتدئ من الأطراف والأعضاء اللينة، وهناك ينتثر الشعر عنها ويتغير لونها، وربما تأدت إلى تقرّح، ثم يدب يسيرا يسيرا في البدن كله... وإذا ابتدأ الجذام ابتدأ اللون يحمرّ حمرة إلى السواد، وتظهر في العين كمودة إلى حمرة، ويظهر في النفَس ضيق، وفي الصوت بُحّة بسبب تأذي الرئة وقصَبتها، ويكثُر العطاس، وتظهر في الأنف غُنّة، وربما صارت سُدّة و خشـــــّما
    ( الخشم: فساد الرائحة)، ويأخذ الشعر في الرقة وفي القلة، ويظهر العرَق في الصدر ونواحي الوجه، وتكون رائحة البدن ــ وخصوصا العرَق ورائحة النفَس ــ إلى النتـْن. وتظهر أخـــــلاق سوداوية كثيرة، ويحسّ في النوم كأنّ على بدنه ثقلا عظيما ... وربما انقلع موضع الشــــعر، وتتشقّقُ الأظفار، وتأخذ الصورة تسمُج، والوجهُ يجهُـم، واللون يسودّ ، ويأخذ الدمُ يجمد في المفاصل ويعفَنُ، ويزداد ضيق النفَس حتى يصير إلى عُســــــر شديد و بُهْر ( انقطاع ) عظيم. ويصير الصوت غاية في البُحّة ... ثم يأخذ البدنُ في التقرّح... ويتأكّل غضروف الأنف ، ثم يسقط الأنف والأطرافُ، ويسيل صديد منتن، ويعود الصوت إلى خفاء.

    أما ســــبب هذا المرض كما تبين في الطب الحديث فهو عُصيّة هانزن Hansen Bacillus
    ولقد كابد العرب كثيرا هذا المرض، إذ كان انتشـــــاره يتم على نطاق واسع، وهذا ما دعا الوليد بن عبد الملك إلى بناء مشــفى لعلاج المجذومين. ولم يقتصر الأمر على العرب فقط؛ بل عانته أوروبا أيضا، فالتاريخ يروي أن فيليب لوبــل ( الجميل ) أصدر أمرا ــ في زمن الحروب الصليبية ــ بإحراق جميع المجذومين في فرنسا سنة 1313م

    النِقْـرس Gout

    عرف الفيروزآبادي النقرس في القاموس المحيط ( ن ق ر س ) بقوله: " النقرس ورم و وجع في مفاصل الكعبين وأصابع الرِجْلَين".و يطلق عليه حاليا اسم" سِل العظام والمفاصل" أما أعراض هذا المرض فهي تورم المفاصل مع ألم شديد واحمرار، ويصاب المريض به بالهزال الشديد، وغالبا ما ينتهي بالموت. ومن الجدير بالذكر أن هذا المرض نادر الحدوث لدى النساء.

    وأكثر ما يحدث في مفصِل إبهام القَدم big toe أو مفصِل الرُكبة. سببه مجهول، يرى بعضهم أنه ينشأ عن إنتاج الجسم لبلورات حمض البول في التجويف المفصلي، ثم إن البلورات لا تلبث أن تُحدِث نوعا من الألم والالتهاب والورم في العضو المصاب، فتمنع المريض من القدرة على تحريكه، وقد تبين أن الإفراط في أكل الجبن وشرب الخمرة من العوامل المسببة لهذا المرض الذي يظهر عادة بعد سن الخامسة والثلاثين.

    أما علاج النقرس فيكون بخفض نسبة حمض البول Uric Acid في الجسم بوساطة عقاقير معينة. أو بسحب السائل من التجويف المفصلي بوساطة إبرة خاصة.

    عرف النقرس قديما باسم ( داء الملوك )، لأن الملوك يعيشون حياة كسل وخمول وقلة حركة.

    أصيب الجاحظ بالنقرس؛ لأنه أصيب بالفالج في وقت مبكر من حياته. والظاهر أن النقرس نشأ لديه من قلة الحركة وقد أشـــــــار إلى هذا بقوله حين وردته دعوة المتوكل: " وما يصنع أمير المؤمنين بشق مائل ولعاب ســــائل؟ ثم أقبل على الحاضــــرين، وقال : ما تقولون في رجل له شقّان، أحدهما لو غرز بالمسالّ ما أحس، والشق الآخر يمر به الذبــاب فيغوّث( يصيح)، وأكثر ما أشكو منه الثمانون " [ ياقوت الحموي ، معجم الأدباء ج16، ص 104].

    على أن هنالك أدواء أيسر وأخف وطأة من التي تقدمت الإشارة إليها، ومنها: اللقوة واللقوباء والقولنج.

    اللَقــوة Facial paralysis

    في كتابه " المختارات في الطب " ج2، ص 78 عرّف ابن هُبلَ البغداديُّ اللقوة بقوله:
    " مرض معروف، ظاهر للحس، كالفالج والاسترخاء، وهو أن يميل الشِدقُ من الإنسان إلى جانب، وتنشتر إحدى عينيه.. وقيل: إن الملقوّ يُخاف عليه موتُ الفجاءة إلى أربعة أيام ".

    أما أعراضه فأشار إليها بقوله: " الملقوّ لا يقدر أن يستمسك الريحَ في فمه، وإذا نفخ أو بصق خرج بُصاقه في جانب شِدقه، وكذلك نفختـُـه. ولا يقدر على تغميض العينين جميعا. بل إذا غمّضهما بقيتِ الواحدة منهما مفتوحة مشتورة، ويتبين اعوجاجُ فمه".

    ومن الجدير بالذكر أن " اللقوة " تدعى اليوم ( الشلل الوجهي ).

    القُــوْبـاء / القوَبـاء Tinea

    القوباء نوعان:

    (1) قوباء الذقن: مرض ينشأ عن عدوى بالفُطر، فيُحدِث التهابا حول بُصيلات شعر الذقََـن.

    (2) قوباء الجسم: مرض يصيب الجلد، وسببه العدوى بالفُطر، وخاصة جلد الوجه والرقبة والجذع والأرجل، ويعرف من البقع الحمر الدائرية التي تكون مكسوة بالقشور، وهذه البقع تصبح داكنة بسرعة كبيرة، ويصاحبها هرش ( حكة ).

    القــولنج Colic

    جاء في كتاب " خير الكلام في التقصي عن أغلاط العوام" للقسطنطيني : أن القولنج" مرض معوي، يعسُر معه خروجُ الريح". والحق انه مرض ينشأ عن احتباس الطعام وما يرافقه من الريح والغازات في الأمعاء الغليظة. وهو بضم القاف وفتح اللام أو كسرها كما في " القاموس المحيط " . وفي كتاب " مفاتيح العلوم " أن القولنج مشتق من كلمة قولون: أي المعي الغليظ ، وهو المعي الذي يحدث فيه القولنج".

    ــ وممن ماتوا بمرض القولنج الخليفة الفاطمي الحافظ لدين الله :
    قال ابن خلكان‏:‏ " وهذا الحافظ كان كثير المرض بعلة القولنج، فعمل له شيرماه الديلمي، وقيل موسى النصراني طبل القولنج الذي كان في خزائنهم‏.‏ ولما ملك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب مصر كُسر في أيامه وقصته مشهورة‏.‏ وأخبرني حفيد شيرماه المذكور أن جده ركّب هذا الطبل من المعادنِ السبعة والكواكبُ السبعة في إشراقها وكل واحد منها في وقته‏.‏ وكان من خاصته إذا ضربه أحد خرج الريح من مخرجه‏.‏ ولهذه الخاصية كان ينفع من القولنج‏".






    تعليقات كتابة تعليق

    اضغط هنا للدخول

    رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.