الملاحظات
  • أعجبني

  • القرآن والأسماء الوهمية: من جوزف قزي الى لوكسمبورغ

    القرآن والأسماء الوهمية: من جوزف قزي الى لوكسمبورغ

    محمد حجيري

    على هامش مقالتي زكي بيضون"بدايات الإسلام في عهدة مؤرخين غربيين" وحسين عبد الحسين "صليب هرقل وجغرافية الأقصى: إشكاليتان تاريخيتان"، لا بدّ من التطرق الى قضية تأتي في السياق نفسه، تتعلق بالاسلام وبداياته والقرآن ولغته. ففي خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975 -1991) برز اسمان مثيران للجدل والضجيج وربما "الفتنة" أو القلق، يكتبان دراسات واراء تهاجم الإسلام:

    الاسم الأول، مصطفى حجا وهو ينتمي من حيث بطاقة الهوية إلى الطائفة الشيعية وكان مقرباً من الأحزاب اليمينية (المسيحية) ويكتب في صحفها كجريدة "العمل" الكتائبية، وفي العام 1983 اتهمته المحكمة الشرعية الجعفرية (الشيعية) بالارتداد والكفر وأيدتها في ذلك دار الفتوى (السنية). وجحا، كان يوظف في مقالاته "علم النفس الفرويدي" ليكتب عن "الاسلام السني" -أو "السفياني" كما يسميه- إلى جانب كتاباته عن الخميني، وأصدر عملاً بعنوان "محنة العقل في الإسلام"، أدخل فيه نبي الاسلام من خلال مخيلته إلى العيادة الفرويدية، واسترسل في الحديث عن رغبات النبي الجنسية ومآربه وامنياته ونسائه، بطريقة يعتبرها المسلمون مسيئة لديانتهم، وهذا الموضوع ما زال الشغل الشاغل لعشرات الباحثين.

    الاسم الثاني: أبو موسى الحريري وهو اسم مستعار لراهب ماروني اسمه جوزف قزي ومن أشهر مؤلفاته "نبي الرحمة" و"قس ونبي، بحث في نشأة الإسلام"، ويعتبر قزي أن "القس اختار محمداً وتبناه"، ويعمد إلى فرضية يتعامل معها وكأنها حقيقة مطلقة مفادها أن ورقة بن نوفل، ذلك النصراني الأبيوني (فرقة دينية قديمة) والذي نسبت إليه مهمة تدريب النبي محمد تدريباً مكثفاً وأعده للنبوة حتى يكون محمد ما أراده ورقة في تقديم رسالة لجزيرة العرب يبشر بها، وتكون النصرانية دعامتها الأولى والأساسية. وهذا يعني أن القرآن ليس كتاباً منزلاً من الوحي على نبي الاسلام بل نسخة مترجمة من الإنجيل العبراني، وبالتالي فإن محمد، حسب زعم جوزف قزي، ما هو إلا مترجم إلى العربية لما تعلمه من ورقة بن نوفل قريب زوجته خديجة بنت خويلد، التي نصحته بأن يقص رؤياه على قريبها النصراني بعد نزول الوحي عليه، فأبلغه أنه نبي هذه الأمة و"خاتم الأنبياء المرسلين".

    وردّ الباحث زياد منى على قزي بكتاب "الإبيونيون وورقة ابن نوفل والإسلام"(دار قدمس) الذي قال فيه "ونرى أن بحثه المحموم عن دعم لآرائه المسبقة هو ما سبب تسرعه وبحثه عن الإثارة، ومحاولة اجبار المراجع على البوح بمعلومات لا تحويها". في المقابل أصدر الخوري يوسف الحداد المعروف بـ"الاستاذ حداد" وهو من منطقة القلمون السورية، كتاباً بعنوان "القرآن دعوة نصرانية، في سبيل الحوار الإسلامي المسيحي". قال فيه: "القرآن كله دعوة نصرانية. وقد درس محمد هذه الدعوة مدة خمس عشرة سنة بعد زواجه من خديجة، ثرية مكة، على يد ورقة بن نوفل"(لنا عودة لاحقة له).

    الرابط بين مصطفى حجا وجوزف قزي، أنهما يهاجمان أو ينتقدان الاسلام لغايات سياسية أو غرضية، قبل أن تكون معرفية أو علمية، وهما من افرازات العصبيات والحرب الأهلية، التي بعد نهايتها اغتيل مصطفى حجا في شرق بيروت في 15 كانون الثاني 1992، وباتت كتبه شبه محجوبة ونادرة في المكتبات اللبنانية، واحتفلت عائلته قبل مدة في إعادة اصدار كتابه "الخميني يغتال زراديشت"، أما جوزف قزي (أو أبو موسى الحريري) فاختفى، وقيل أنه يعيش في فرنسا، وخلال مرحلة تواجده هناك ظهر اسم كريستوف لوكسمبرغ (وهو اسم مستعار) صاحب كتاب "قراءة آرامية سريانية للقرآن" والذي وصفه المستشرق غيرهارد بروينغ بأنه مأخوذ عن كتب قزي. مما دفع بعض الباحثين (منهم الباحث اللبناني رضوان السيد) للشك في كون لوكسمبورغ هو نفسه جوزف قزي، وهذا الأمر ليس مستغرباً، فهانس شيلر ناشر كتاب "قراءة آرامية سريانية للقرآن"، اعترف أن اسم المؤلف مستعار وهو مسيحي لبناني، وقد دفعه إلى ذلك الخوف على حياته من المتطرفين المسلمين الذين قد يثيرهم ما ورد في الكتاب من نتائج تهدم إرثهم القديم عن القرآن. وبعض المصادر الخاصة، تفيد ان لوكسمبرغ هو في الواقع اسم "أدبي" لكاتب سرياني – سوري.

    يعرّف لوكسمبرغ نفسه على أنه عالمٌ ألماني متخصص في اللغات السامية القديمة، ويدرّس في الجامعات الألمانية، من دون ذكر لأسم هذه الجامعات. وأثار كتابه نقاشات عديدة في ألمانيا وعموم أوروبا وبعض العالم الإسلامي، وكان منطلقاً للعديد من الدراسات حول اللغات السامية والأساطير الآرامية – المسيحية القديمة والأصول القرآنية، مثل أي كتاب يقدم وجهة نظر مختلفة عن السائد، وبغض النظر عن جديّتها أو هشاشتها، فلوكسمبرغ ادعى أنه يفك "شيفرة القرآن" والمعنى الأصلي له، وعلى هذا لم يكن مستغرباً ان يتلقف بعض الباحثين الغربيين الفكرة ويفتحون النقاش حول القرآن الذي طالما شغلهم وقدموا حوله الأبحاث اكثر من اصحاب الشأن والعلاقة، أحياناً بطرق علمية لا عقائدية وأحياناً أخرى بطرق استشراقية وسطحية.

    ثمة باحث اعتبر أن ما كتبه لوكسمبرغ يبين أنه ليس عالماً باللغات السامية القديمة بل إنه واحد من أولئك الذين يتكلمون بعض اللهجة العربية، وليس له تمكن من الفصحى، وله معرفة بالسريانية بالقدْرِ الذي يمكّنه من استخدام القاموس السرياني، مع فهم سطحي لمنهجيات اللغات السامية المقارنة. وكتابه ليس عمل عالم محترف، لكنه عمل هاوٍ ومع ذلك وأثارت دراسته انتباهاً شعبياً واعلامياً، دفعت الكثيرين من الباحثين إلى الاهتمام بهذه القضية، ونشرت حولها بعض الدراسات الاجنبية المترجمة على مواقع الانترنت (الحوار المتمدن، شبكة اللادنيين العرب، معابر).

    بالطبع، بعض هذه الدراسات فيها شيء من الجموح، فبمجرد أن تكون القضية تخص القرآن، فهي تدغدغ أفكار بعض الكتّاب الذي يعيشون الاسلاموفوبيا، لكن دانيال ماديغان من الجامعة الغريغورية البابوية في روما، يقول في تصديره كتاب "القرآن في محيطه التاريخي"(منشورات الجمل) إنه "بسبب الافتراضات المسبقة التأويلية واللاهوتية التي اعتمدت كأساس في عمل لوكسمبرغ، والافتقار إلى فهم واضح لكيفية عمل وتكوّن اللغة، يتساءل المرء عما إذا لم تكن مقاربته توحل المياه بدلاً من أن تنقيها". يضيف ماديغان "ان لوكسمبرغ يقترح أن "يفك" لنا المعنى الاصلي للقرآن، الذي وقع حتى الآن – كما يدّعي – سجين عجز التراث الاسلامي عن فهم وتقدير دور السريانية – الآرامية في تشكيل القرآن ولغته. خلف ذلك الهدف، يكمن افتراض أنّ المعنى الحقيقي للقرآن يجب أن يعثر عليه في النص نفسه، أو على الأدق خلف النص في فكر الكاتب الأصلي". ويصنف ماديغان كتابة لوكسمبرغ ضمن السذاجة التفسيرية التي تنشئ الجاذبية الشعبية، والاستجابة الشعبية.

    ابن ورّاق اسم آخر اشتهر في نقده للاسلام، هو الاسم المستعار أو المزيف لكاتب من أبوين هنديين يعيشان في باكستان. درس في جامعة أدنبرة في بريطانيا على يدي المستشرق مونتغومري وات. منذ انتقاله وعيشه في الغرب، صار نقده للاسلام هوساً واسلاموفوبياً. كثيراً ما كتب ابن ورّاق أفكاراً تعميمة وعنصرية، وتحدث عن مواضيع مثل أصل القرآن وحياة نبي الاسلام وكتب "لماذا لست مسلماً" الذي يعدد فيه اسباب عدم كونه مسلما، ليس له كتب مترجمة على العربية على حد علمنا، لكن نشرت له بعض المقالات في المواقع الالكترونية العربية ذات التوجه "الإلحادي والعلماني".

    يبرر ابن ورّاق نشر كتبه باسم مستعار لأن إسمه موضوع في عدة قوائم لأشخاص تقررت تصفيتهم جسدياً مثل سلمان رشدي. ولا يود إثارة غضب أفراد من عائلته ينتمون إلى الإسلام. ويعتبر أن سبب وضعه على لائحة الإغتيال لكونه انتقد الإسلام وطريقة التفسير الحرفي للقرآن. لكن عالم الأديان هربيرت بيرغ وصفه بأنه "انفعالي ومتضارب في الأقوال". وحتى الآن ما زال ابن ورّاق يكتب بهذا الاسم الذي يوحي بأنه تراثي، ولكن في المدة الاخيرة ظهر على الملأ، انتشرت صورته ولكنه بقي محتفظاً باسمه المستعار.

    بين جوزف قزي ولوكسمبرغ وابن ورّاق غاية واحدة، هي المقارعة في نشأة الاسلام واصول القرآن وبداياته ومحاولة الحد من "قدسيته" لدى المسلمين، هذه القضية التي شغلت الكثيرين من الباحثين وألفوا فيها آلاف الأبحاث لكنها لم تؤد في الواقع الى تغيير يذكر في توجهات المسلمين العاديين وعصبياتهم وأفكارهم الغيبية، والاهتمام بها يقتصر على نخبة تتحاور من خلال الانترنت الذي بات بحراً للأفكار، لكن في زمنه ولدت دولة اسمها "داعش".

    باختصار، الضجيج الذي أحدثه لوكسمبرغ (المستعار) في أوروبا الآن، وفي الأمس حول القرآن وبدايات الاسلام، مصدره جوزف قزي الذي انتشرت كتبه على الانترنت وهي على الأرجح غير متوفرة في أي مكتبة من المكتبات.


    القرآن والأسماء الوهمية: من جوزف قزي الى لوكسمبورغ

    محمد حجيريالسبت 02/05/2015

    على هامش مقالتي زكي بيضون"بدايات الإسلام في عهدة مؤرخين غربيين" وحسين عبد الحسين "صليب هرقل وجغرافية الأقصى: إشكاليتان تاريخيتان"، لا بدّ من التطرق الى قضية تأتي في السياق نفسه، تتعلق بالاسلام وبداياته والقرآن ولغته. ففي خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975 -1991) برز اسمان مثيران للجدل والضجيج وربما "الفتنة" أو القلق، يكتبان دراسات واراء تهاجم الإسلام:

    الاسم الأول، مصطفى حجا وهو ينتمي من حيث بطاقة الهوية إلى الطائفة الشيعية وكان مقرباً من الأحزاب اليمينية (المسيحية) ويكتب في صحفها كجريدة "العمل" الكتائبية، وفي العام 1983 اتهمته المحكمة الشرعية الجعفرية (الشيعية) بالارتداد والكفر وأيدتها في ذلك دار الفتوى (السنية). وجحا، كان يوظف في مقالاته "علم النفس الفرويدي" ليكتب عن "الاسلام السني" -أو "السفياني" كما يسميه- إلى جانب كتاباته عن الخميني، وأصدر عملاً بعنوان "محنة العقل في الإسلام"، أدخل فيه نبي الاسلام من خلال مخيلته إلى العيادة الفرويدية، واسترسل في الحديث عن رغبات النبي الجنسية ومآربه وامنياته ونسائه، بطريقة يعتبرها المسلمون مسيئة لديانتهم، وهذا الموضوع ما زال الشغل الشاغل لعشرات الباحثين.

    الاسم الثاني: أبو موسى الحريري وهو اسم مستعار لراهب ماروني اسمه جوزف قزي ومن أشهر مؤلفاته "نبي الرحمة" و"قس ونبي، بحث في نشأة الإسلام"، ويعتبر قزي أن "القس اختار محمداً وتبناه"، ويعمد إلى فرضية يتعامل معها وكأنها حقيقة مطلقة مفادها أن ورقة بن نوفل، ذلك النصراني الأبيوني (فرقة دينية قديمة) والذي نسبت إليه مهمة تدريب النبي محمد تدريباً مكثفاً وأعده للنبوة حتى يكون محمد ما أراده ورقة في تقديم رسالة لجزيرة العرب يبشر بها، وتكون النصرانية دعامتها الأولى والأساسية. وهذا يعني أن القرآن ليس كتاباً منزلاً من الوحي على نبي الاسلام بل نسخة مترجمة من الإنجيل العبراني، وبالتالي فإن محمد، حسب زعم جوزف قزي، ما هو إلا مترجم إلى العربية لما تعلمه من ورقة بن نوفل قريب زوجته خديجة بنت خويلد، التي نصحته بأن يقص رؤياه على قريبها النصراني بعد نزول الوحي عليه، فأبلغه أنه نبي هذه الأمة و"خاتم الأنبياء المرسلين".

    وردّ الباحث زياد منى على قزي بكتاب "الإبيونيون وورقة ابن نوفل والإسلام"(دار قدمس) الذي قال فيه "ونرى أن بحثه المحموم عن دعم لآرائه المسبقة هو ما سبب تسرعه وبحثه عن الإثارة، ومحاولة اجبار المراجع على البوح بمعلومات لا تحويها". في المقابل أصدر الخوري يوسف الحداد المعروف بـ"الاستاذ حداد" وهو من منطقة القلمون السورية، كتاباً بعنوان "القرآن دعوة نصرانية، في سبيل الحوار الإسلامي المسيحي". قال فيه: "القرآن كله دعوة نصرانية. وقد درس محمد هذه الدعوة مدة خمس عشرة سنة بعد زواجه من خديجة، ثرية مكة، على يد ورقة بن نوفل"(لنا عودة لاحقة له).

    الرابط بين مصطفى حجا وجوزف قزي، أنهما يهاجمان أو ينتقدان الاسلام لغايات سياسية أو غرضية، قبل أن تكون معرفية أو علمية، وهما من افرازات العصبيات والحرب الأهلية، التي بعد نهايتها اغتيل مصطفى حجا في شرق بيروت في 15 كانون الثاني 1992، وباتت كتبه شبه محجوبة ونادرة في المكتبات اللبنانية، واحتفلت عائلته قبل مدة في إعادة اصدار كتابه "الخميني يغتال زراديشت"، أما جوزف قزي (أو أبو موسى الحريري) فاختفى، وقيل أنه يعيش في فرنسا، وخلال مرحلة تواجده هناك ظهر اسم كريستوف لوكسمبرغ (وهو اسم مستعار) صاحب كتاب "قراءة آرامية سريانية للقرآن" والذي وصفه المستشرق غيرهارد بروينغ بأنه مأخوذ عن كتب قزي. مما دفع بعض الباحثين (منهم الباحث اللبناني رضوان السيد) للشك في كون لوكسمبورغ هو نفسه جوزف قزي، وهذا الأمر ليس مستغرباً، فهانس شيلر ناشر كتاب "قراءة آرامية سريانية للقرآن"، اعترف أن اسم المؤلف مستعار وهو مسيحي لبناني، وقد دفعه إلى ذلك الخوف على حياته من المتطرفين المسلمين الذين قد يثيرهم ما ورد في الكتاب من نتائج تهدم إرثهم القديم عن القرآن. وبعض المصادر الخاصة، تفيد ان لوكسمبرغ هو في الواقع اسم "أدبي" لكاتب سرياني – سوري.

    يعرّف لوكسمبرغ نفسه على أنه عالمٌ ألماني متخصص في اللغات السامية القديمة، ويدرّس في الجامعات الألمانية، من دون ذكر لأسم هذه الجامعات. وأثار كتابه نقاشات عديدة في ألمانيا وعموم أوروبا وبعض العالم الإسلامي، وكان منطلقاً للعديد من الدراسات حول اللغات السامية والأساطير الآرامية – المسيحية القديمة والأصول القرآنية، مثل أي كتاب يقدم وجهة نظر مختلفة عن السائد، وبغض النظر عن جديّتها أو هشاشتها، فلوكسمبرغ ادعى أنه يفك "شيفرة القرآن" والمعنى الأصلي له، وعلى هذا لم يكن مستغرباً ان يتلقف بعض الباحثين الغربيين الفكرة ويفتحون النقاش حول القرآن الذي طالما شغلهم وقدموا حوله الأبحاث اكثر من اصحاب الشأن والعلاقة، أحياناً بطرق علمية لا عقائدية وأحياناً أخرى بطرق استشراقية وسطحية.

    ثمة باحث اعتبر أن ما كتبه لوكسمبرغ يبين أنه ليس عالماً باللغات السامية القديمة بل إنه واحد من أولئك الذين يتكلمون بعض اللهجة العربية، وليس له تمكن من الفصحى، وله معرفة بالسريانية بالقدْرِ الذي يمكّنه من استخدام القاموس السرياني، مع فهم سطحي لمنهجيات اللغات السامية المقارنة. وكتابه ليس عمل عالم محترف، لكنه عمل هاوٍ ومع ذلك وأثارت دراسته انتباهاً شعبياً واعلامياً، دفعت الكثيرين من الباحثين إلى الاهتمام بهذه القضية، ونشرت حولها بعض الدراسات الاجنبية المترجمة على مواقع الانترنت (الحوار المتمدن، شبكة اللادنيين العرب، معابر).

    بالطبع، بعض هذه الدراسات فيها شيء من الجموح، فبمجرد أن تكون القضية تخص القرآن، فهي تدغدغ أفكار بعض الكتّاب الذي يعيشون الاسلاموفوبيا، لكن دانيال ماديغان من الجامعة الغريغورية البابوية في روما، يقول في تصديره كتاب "القرآن في محيطه التاريخي"(منشورات الجمل) إنه "بسبب الافتراضات المسبقة التأويلية واللاهوتية التي اعتمدت كأساس في عمل لوكسمبرغ، والافتقار إلى فهم واضح لكيفية عمل وتكوّن اللغة، يتساءل المرء عما إذا لم تكن مقاربته توحل المياه بدلاً من أن تنقيها". يضيف ماديغان "ان لوكسمبرغ يقترح أن "يفك" لنا المعنى الاصلي للقرآن، الذي وقع حتى الآن – كما يدّعي – سجين عجز التراث الاسلامي عن فهم وتقدير دور السريانية – الآرامية في تشكيل القرآن ولغته. خلف ذلك الهدف، يكمن افتراض أنّ المعنى الحقيقي للقرآن يجب أن يعثر عليه في النص نفسه، أو على الأدق خلف النص في فكر الكاتب الأصلي". ويصنف ماديغان كتابة لوكسمبرغ ضمن السذاجة التفسيرية التي تنشئ الجاذبية الشعبية، والاستجابة الشعبية.

    ابن ورّاق اسم آخر اشتهر في نقده للاسلام، هو الاسم المستعار أو المزيف لكاتب من أبوين هنديين يعيشان في باكستان. درس في جامعة أدنبرة في بريطانيا على يدي المستشرق مونتغومري وات. منذ انتقاله وعيشه في الغرب، صار نقده للاسلام هوساً واسلاموفوبياً. كثيراً ما كتب ابن ورّاق أفكاراً تعميمة وعنصرية، وتحدث عن مواضيع مثل أصل القرآن وحياة نبي الاسلام وكتب "لماذا لست مسلماً" الذي يعدد فيه اسباب عدم كونه مسلما، ليس له كتب مترجمة على العربية على حد علمنا، لكن نشرت له بعض المقالات في المواقع الالكترونية العربية ذات التوجه "الإلحادي والعلماني".

    يبرر ابن ورّاق نشر كتبه باسم مستعار لأن إسمه موضوع في عدة قوائم لأشخاص تقررت تصفيتهم جسدياً مثل سلمان رشدي. ولا يود إثارة غضب أفراد من عائلته ينتمون إلى الإسلام. ويعتبر أن سبب وضعه على لائحة الإغتيال لكونه انتقد الإسلام وطريقة التفسير الحرفي للقرآن. لكن عالم الأديان هربيرت بيرغ وصفه بأنه "انفعالي ومتضارب في الأقوال". وحتى الآن ما زال ابن ورّاق يكتب بهذا الاسم الذي يوحي بأنه تراثي، ولكن في المدة الاخيرة ظهر على الملأ، انتشرت صورته ولكنه بقي محتفظاً باسمه المستعار.

    بين جوزف قزي ولوكسمبرغ وابن ورّاق غاية واحدة، هي المقارعة في نشأة الاسلام واصول القرآن وبداياته ومحاولة الحد من "قدسيته" لدى المسلمين، هذه القضية التي شغلت الكثيرين من الباحثين وألفوا فيها آلاف الأبحاث لكنها لم تؤد في الواقع الى تغيير يذكر في توجهات المسلمين العاديين وعصبياتهم وأفكارهم الغيبية، والاهتمام بها يقتصر على نخبة تتحاور من خلال الانترنت الذي بات بحراً للأفكار، لكن في زمنه ولدت دولة اسمها "داعش".

    باختصار، الضجيج الذي أحدثه لوكسمبرغ (المستعار) في أوروبا الآن، وفي الأمس حول القرآن وبدايات الاسلام، مصدره جوزف قزي الذي انتشرت كتبه على الانترنت وهي على الأرجح غير متوفرة في أي مكتبة من المكتبات.

    هذه المقالة نشرت أصلا في موضوع المنتدى : القرآن والأسماء الوهمية: من جوزف قزي الى لوكسمبورغ كتبت بواسطة طارق شفيق حقي مشاهدة المشاركة الأصلية
    تعليقات كتابة تعليق

    اضغط هنا للدخول

    رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.