الملاحظات
  • أعجبني

  • "مريم" تصنع من صناديق الإغاثة الفارغة بيتاً لها - مصطفى رستم

    "مريم" تصنع من صناديق الإغاثة الفارغة بيتاً لها - مصطفى رستم

    نحول جسدها، وظهرها المنحني، ولباسها الشتوي الثقيل الذي ترتديه (صيفاً شتاءً)، لا يعطيك الصورة الكافية عن "مريم" تلك المرأة التي عاشت لسنوات في شوارع المدينة، وأزقتها باحثة عن المأوى والملجأ ولقمة العيش.
    إنه الشارع بظلمته ووحشته، والشعور الصعب حين يتحول دون سابق إنذار لبيت لها طوال فترة الحرب، إنها (الإنسانة) التي فضلت أن تسكن أخر المطاف في حديقة عامة من حدائق المدينة، بعد فقدانها بيتها، تفترش الأرض، لا يحميها أي جدار لا من برد الشتاء ولا من حر الصيف، وتنظر للسماء على أنه سقف بيتها.
    أشجار الحديقة من (الصنوبر، والكينا والسرو..) صحبتها مع قطط وكلاب شاردة !!! وبعض من صناع الخير للاطمئنان عليها من أهالي الحي، تنام بالعراء لا شيء يغطيها إلا أوراق الأشجار صيفاً، أو حتى قطعة قماش بالية تقيها برد الشتاء، أنهكتها مصائب الدنيا، وكسرتها السنوات الأخيرة، والحرب الطاحنة، "أبحث عن هويتي الضائعة" بهذه الكلمات لخصت معاناتها لا تريد إلا هويتها ولا تدري أنها وضعت أصبعها على أوجاع الهويات التي فقدناها بالحرب، هويتنا السورية التي نحب.
    "مريم" حكاية الوجع السوري، حكاية الإنسانة والإنسانية "فقدت بيتي في حي العامرية لهذا أنا هنا موجودة في هذه الحديقة، والحمد لله لا أريد شيئاً أبداً من أي إنسان، فقط أريد أن أعيش بسلام" عاشت مريم في إحدى أحياء مدينة حلب حياة طبيعية لتفقد أهلها وبيتها بعد اشتداد الحرب بمدينتها خرجت تائهة في شوارع المدينة لتستقر هنا في حديقة من حدائق حي "حلب الجديدة" تعيش على مساعدات أهل الخير من الجوار وهم يحبونها ويقدمون لها الطعام والشراب، لكنهم لم يتمكنوا من أن يقدموا لها أكثر، فالمأوى غير متوفر.
    (صاحبة نفس عزيزة) هكذا يقول عنها جيرانها الذين يترددون للحديقة بزيارتها والاهتمام بها تقول " أم محمد" كما أطلقت على نفسها "صحونا ذات يوم ووجدناها جالسة أمام مدخل الحديقة كانت صنعت لنفسها خيمة صغيرة من الأغطية التي توزعها وكالات الإغاثة لتصنع فيما بعد خيمة صغيرة جداً تألمنا لحالها حاولنا أن نقدم لها ما نستطيع، وما لاحظناه أنها لم تطلب المساعدة ولم تطرق الأبواب للتسول أبداً".
    تجمع الصناديق الفارغة والأغطية الإغاثية المرمية بالشارع لتصنع لنفسها مأوى، هو الدافع لأن تشعر بإنسانيتها المفقودة وسط حديقة عامة لكنها تفشل، عوامل الطقس لا تساعدها، لتعود لصناعتها من جديد، تتقن "مريم" قراءة الكف لعلها تقرأ كف بعض المارة ومن يعرفها، ويرمي لها بعض من النقود.
    اليوم "مريم" لا يسندها سوى جدار خزان المياه الكبير الذي يتوسط الحديقة العامة، تجمعُ الخبز اليابس وتجففه، وتعاني من أمراض، أفصحت لي عن سر صمودها طوال هذه السنوات الخمس الماضية "كلما كانت الحياة صعبة ازددت صبراً".
    حلب ـ الرادارـ مصطفى رستم
    تعليقات كتابة تعليق

    اضغط هنا للدخول

    رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.