الملاحظات
  • أعجبني

  • العقل والنقل - طارق شفيق حقي

    العقل والنقل (1)

    بسم الله الرحمن الرحيم
    والصلاة والسلام عى محمد وآله وصحبه اجمعين
    "استهلال "
    سنتناول في هذا البحث قضية العقل والنقل، ونتعرض لما جاء في القرآن الكريم عن العقل وأدواته كالعلم والعقل والجدل وغيرها ، ولا شك أن القرآن كله هو محاورة ربانية مع الأمم السابقة ومع المؤمنين ويستعرض الجدل بين الكفار والمسلمين وبين الكفار أنفسهم ، وبين الملائكة والكفار وبين الأنبياء والكفار، والقرآن يتعرض للحالة النفسية والاجتماعية والطرق العقلية التي أدخلت هذا الجنة وذاك النار، لقد بسط لنا القرآن الصراط والأدوات العقلية والقلبية التي تسهل عبوره، بذلك فالقرآن الكريم كان معجزة بيانية ربانية تهدي القلوب وتخاطب العقول بالوسائل العقلية ، ومن ثم سنتعرض لقضية الحوارات التي تمت بين الغزالي وابن سينا حول قدم العالم وآراء العلم الحديث في ذلك.

    "إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ"


    1. مقدمة : أول جدل منذ ولادة الخليقة.

    2 - الأدوات العقلية في القرآن .

    1. العلم
    2. العقل
    3. الاستدلال
    4. التأويل
    5. الظن
    6. الجدل

    3- تعريف بالحوار بين الغزالي وابن سينا
    4- قدم العالم.
    5-رأي العلم الحديث في قضية قدم العالم.
    6-خاتمة.
    7-المصادر والمراجع

    مقدمة : أول جدل منذ ولادة الخليقة.


    • لعل أول مجادلة عقلية منذ بداية الخلق كانت مجادلة إبليس مع الله عز وجل، استخدم فيها إبليس أدوات عقلية كالقياس وكان بذلك عقلانياً بامتياز ولعل عمله ليوم يبعثون إنما ينحصر في الوسوسة.

    يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام :
    "لا تقيسوا الدين فإن الدين لا يقاس وأول من قاس إبليس" ،لكن القياس أداة مهمة من أدوات العقل ؟
    فهل كان علي بن أبي طالب ضد العقل ؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا مدينة العلم وعلي بابها"
    تَذكرُ الروايات بأنَّ علياً بن أبي طالب كان يمرُ على بعض الوعاظ أو القصاص ويسأل أحدهم هل تعرف المدني من المكي ؟ فيجيب لا فيسأله : هل تعرف المحكم من المتشابه ، فيجيب : لا ، فيسأله هل تعرف : الخاص من العام فجيب لا، فيسأله هل تعرف الناسخ من المنسوخ فيجيب : لا ، فيقول له قم ولا تتكلم في الدين.
    لأن الدين لا يؤخذ إلا بالعلم .

    ولنعد لإبليس حيث جادل الله ولنعرّف الجدل :
    "الجدل هو القياس المؤلف من مقدمات مشهورة أو مسلمة ، ويختلف عن الجدال وهو المخاصمة والمراء والمنازعة وتسمى بالسفسطة ، ويقسم أفلاطون الجدل إلى جدل صاعد يتدرج من الإحساس إلى الظن ثم إلى العلم الاستدلالي ثم إلى التعقل الخالص.
    والقسم الثاني : جدل نازل ينزل بالتفكير من أرفع المثل إلى أدناها بتحليلها ، وقد أطلق كنط على جدل الرواقيين ومنطقهم بمنطق الوهم لأنه كان وسيلتهم إلى أقيستهم الوهمية التي أساسها إما أغاليط منطقية أو تجريبية.

    أما تعريف القياس :
    " قول مؤلف من قضايا إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر والقياس استدلال غير مباشر وقضايا القياس الثلاث مقدمتان ونتيجة"
    وللقياس أنواع منها ( الاستثنائي والاحتمالي والاقتراني و الاقناعي والبرهاني والتمثيلي والجدلي والحملي والخطابي والسفسطائي وشعري وظني وضعيف وكامل ومركب...)
    يذكر الله تعالى الجدال الأول في الخليقة يقول :
    (قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) 12 الأعراف
    (قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ 33 الحجر
    فإبليس قام بقياس عقلي ، حيث خُلق من مادة النار وبين آدم إذ خُلق من مادة الطين واستنتج كنتيجة لهذا القياس بأنه خير من آدم وبذلك رفض السجود له ، رغم أنه أمر إلهي.
    وهذا القياس النازل الذي هبط بإبليس من منزلته العظيمة حيث استكبر هو الذي حذر منه الإمام علي عليه السلام وليس القياس الإيجابي الصاعد الذي يؤيد إلى التعقل الخالص.
    ليست كل عقلانية بنافعة ومجدية وعلمية كما يظن والظن كذلك أداة عقلية وهي من الأضداد، حتى العلم ليس كل علم نافع ولذلك نقول : " اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع"
    فكيف إذا كان العلم ضاراً ؟ والعلم في حد ذاته ليس بنافع ولا ضار بل توظيفه هو الضار ، وهذا الغرب اليوم تراه كيف يتقن قتلنا وتشردينا وتفكيك أوطاننا ونهب ثرواتنا ؟ أليس بجهود العلماء وخبراتهم العميقة ؟
    لكن العقل له نشاطٌ إيجابي ونشاطٌ سلبي، ولو قارنا ذلك بنشاط القلب هل كل المشاعر التي تعتمل في القلب هي إيجابية ؟ القلب كذلك له نشاط إيجابي ونشاط سلبي.
    ذكر الإمام الغزالي أن القلب يطلق على معنيين:

    1. أحدهما: العضو الذي يضخ الدم الموجود في الجانب الأيسر في الصدر ويتعلق به غرض الأطباء ولا يتعلق به الأغراض الدينية وهذا القلب موجود في البهائم

    2- المعنى الثاني: هو لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق.. وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان. والقلب هو المدرك العالم العارف من الإنسان وهو المخاطب والمطالب.. وقد تحيرت عقول أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته بالقلب الجسماني.

    فالحب والمودة والتسامح والرحمة والعطف والشفقة هي مشاعر إيجابية للقلب ، كما إن الحسد والبغض والحقد والكره هي مشاعر سلبية.
    ولعمري إن المتحكم بنشاط العقل أكان إيجابياً أم سلبياً هو القلب ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم : " ألا إن في الجسد مضغة لو صلحت لصلح سائر الجسد "
    لو بحثنا في القرآن الكريم فلم تذكر كلمة العقل في القرآن وذكر القلب للدلالة عليه.
    وذكر الصحاح أن كلمة " قلب " تعني العقل.. كما قال الله تعالى في سورة ق { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } .
    وجاء في تفسير القرطبي : { لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ } قال: لمن كان له عقل يتدبر به فكنى بالقلب عن العقل.. وقيل لمن كان له نفس مميزة، فعبر عن النفس البشرية بالقلب .
    وقال الفيروز أبادي في القاموس المحيط : القلب هو الفؤاد والعقل ومحض كل شيء.. كما في قوله تعالى { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } أي من كانوا مرضى في عقولهم وأفكارهم ، وفي سورة الشعراء/ 192 يقول الله عز وجل { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) } ، أي على وعيك وإدراكك وفكرك وعقلك.
    وفي سورة الكهف: { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } 27.
    وفي سورة التغابن: { وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } 11.
    وفي سورة آل عمران : { رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } 8.
    وكما جاء ذكر القلب بمعنى العقل، فقد جاء ذكر المصدر بمعنى النفس.. كما في سورة الأحزاب / 31 { إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ } أي نفسيته مريضة.
    وقوله تعالى في سورة الناس / 5 { الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ }
    أي في نفوس البشر.
    وفي سورة يونس/ 56 { قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ } أي وشفاء لما في النفوس.

    وفي سورة الحج/ 45 جاءت آية ذكرت القلب والصدر معًا في قوله تعالى: { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } قلوب يعقلون بها: أي عقول إدراكات يعقلون بها.
    ولكن تعمى القلوب التي في الصدور: أي العقول التي هي نفس الإنسان.
    ولذلك كان كل من يعزم على الخوض في الحقول العقلية أن يلتزم بتنقية القلب وحب الناس جميعاً دون النظر لأفعالهم ومذاهبهم و قومياتهم، وإلا سقط صريع الأهواء وكان عقله وبالاً عليه.
    - لو تأملنا القرآن الكريم وسألنا أنفسنا هل العقل هو السبيل لدخول الجنة ؟ وهل يعقل أن يكون هو هو السبب في دخول النار ؟ لنستقصي ذلك.
    -الجدل (وليس الجدال ) في الإسلام مفروض على المسلم يقول الله تعالى :
    "وجادلهم بالتي هي أحسن" وشرطه الصدق والعدل
    بينما نهى الإسلام عن الجدال والمراء والسفسطة واللجاج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : )أنا زعيم ببيت في ربَض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا)
    2 - الأدوات العقلية في القرآن
    العلم والتعلم والتفكر والجدل والقياس والاستدلال والتأويل من ثوابت القرآن الكريم والتي حض عليها ولنستقصيها في القرآن الكريم
    1-العلم
    2-العقل
    3-الاستدلال
    4-التأويل
    5-الظن
    6-الجدل
    1-العلم
    والسؤال هل الدين علم ؟
    العلم في القرآن الكريم هو الحق اليقيني الثابت بالبرهان القاطع، يشمل كل المعارف من علوم الدين والدنيا، ولقد أشار القرآن الكريم للعلوم الكونية في أكثر من سبع مئة آية.
    يذكر الدكتور باسل الطائي وهو عالم فيزياء عراقي أنه بعد أن تعمق في الفيزياء بدأ يفهم القرآن بطريقة مختلفة ويقف عند الإشارات العلمية التي فيه، وحين وصل إلى قوله إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً " فسجد لله وأخذ يبكي لما علم من قدرة الله ويقول في نفسه سبحان الله ما أعظمه وقد أخذته حالة من الخشوع لم يسبق أن مرت به، وحين أكمل الآية وإذ بها تقول " ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً"
    قال فزادت الآية من خشوعي وكأن كميرات الكون كلها مسلطة عليَ .

    • وهذه هي حالة الراسخون في العلم فهم يدركون أن وراء هذا الكون خالقاً عظيماً.

    يقول الله تعالى " قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا 107 وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً 108 وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا "109 الإسراء
    ذكر أهل التَّفْسِير أَن الْعلم فِي الْقُرْآن على أحد عشر وَجهاً منها العقل ، والعلم في القرآن الكريم أقسام :
    الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فَأَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ وَالْمُشْتَرَكُ وَالْمُؤَوَّلُ
    َالْقِسْمُ الثَّانِي: أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَيْضًا الظَّاهِرُ وَالنَّصُّ وَالْمُفَسَّرُ وَالْمُحْكَمُ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مَعْرِفَةُ هَذِهِ الْأَقْسَامِ بِأَرْبَعَةٍ أُخْرَى فِي مُقَابَلَتِهَا وَهِيَ الْخَفِيُّ وَالْمُشْكَلُ وَالْمُجْمَلُ وَالْمُتَشَابِهُ
    الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَيْضًا الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ وَالصَّرِيحُ وَالْكِنَايَةُ
    الْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَيْضًا الِاسْتِدْلَال بِعِبَارَتِهِ وَبِإِشَارَتِهِ وَبِدَلَالَتِهِ وَبِاقْتِضَائِهِ
    القِسْمٌ خَامِسٌ: وَهُوَ وُجُوهٌ أَرْبَعَةٌ أَيْضًا مَعْرِفَةُ مَوَاضِعِهَا

    والعلم درجات وقد رفع الله أهل الإيمان والعلم درجات عن غيرهم يقول الله تعالى :
    " نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ " (76) يوسف
    وقال : "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) المجادلة

    ورفع الله أهل العلم عن الذين لا يعلمون : " قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون "سورة الزمر: 9.

    إن العلم بلا دين ـ أو الدين بلا علم ـ مرفوض في الإسلام، ولا بد من الجمع بينهما، كما في قوله تعالى:
    " وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " الأعراف 52.

    "وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم " الحج: 54

    "بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم " العنكبوت 49.
    "شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم "آل عمران 18.

    يقول الله تعالى : " فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ" 43 النحل
    أي : اسألوا أهل العلم
    ويقول : " وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) الإسراء
    " لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ" 162 النساء
    ويقول : " هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ 7 آل عمران

    2-العقل
    " هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ"
    أي لذي عقل لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي ، كما سمى عقلاً ونهية؛ لأنه يعقل وينهى . وقال الفراء : يقال : إنه لذو حجر ، إذا كان قاهراً لنفسه ضابطاً لها .
    هو أحد الكليات الخمس ( الدين _ النفس _ العقل _ المال _ النسل )
    رويت أحاديث نبوية كثيرة عن فضل العقل الإنساني، منها قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إن الرجل ليكون من أهل الصيام وأهل الصلاة وأهل الحج وأهل الجهاد فما يجزى يوم القيامة إلا بقدر عقله) .
    وعن علي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (والله لقد سبق إلى جنات عدن أقوام ما كانوا بأكثر الناس صلاة ولا صيامًا ولا حجًا ولا اعتمارًا، ولكنهم عقلوا عن الله تعالى مواعظه فوجلت منه قلوبهم واطمأنت إليه النفوس وخشعت منه الجوارح ففاقوا الخليقة بطيب المنزلة وحسن الدرجة عند الناس في الدنيا وعند الله في الآخرة)
    القرآن رفع مكانة العقل ، ولا تأتى الإشارة إلى العقل في القرآن الكريم إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه، وذلك ما يؤخذ من جميع الآيات القرآنية التي وردت الإشارة فيها إلى العقل. والتشريع القرآني والنبوي بيّن أن العقل مناط التكليف ، أي إذا فقد الإنسان عقله سقط عنه التكليف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (رُفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يعقل)(رواه أبو داود)
    لم يرد لفظ "العقل" في القرآن الكريم وإنما جاء لفظه بصيغة ما تصرف منه بصيغة الفعل على النحو التالي : عقلوه ، نعقل ، يعقلها ، يعقلون ، تعقلون ،ولقد تردد ذكر العقل في القرآن زهاء خمسين مرة ، وذُكِرَ أولو الألباب بضع عشرة مرة ، وأولو النهى مرتين.
    قال تعالى : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ)(آل عمران : 190)
    وردت كلمة تعقلون في القرآن الكريم أربعاً وعشرين، مرة كقوله تعالى :
    قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) ال عمران
    ولقد وردت كلمة يعقلون اثنان وعشرين مرة، يقول الله تعالى :
    إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) البقرة
    ويذكر القرآن عجائب خلق الله ويخاطب أصحاب العقول :
    "وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) الرعد
    وصف القرآن الكافر بأنه معطل الحواس والعقل: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171) البقرة
    كما وصف تحكم القلب بالعقل:
    " أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) الحج
    إنك في حوارك مع أصحاب العقول الملحدة فإنك إذا تأملت فيهم وجدت لهم ملكات عقلية ونشاط عقلي واضح وجلي، لكنك إذا ربطت عجائب الخلق بالخالق رفضوا هذا الاستدلال وقاموا بقطع الرابط بين المخلوق والخالق رغم أن القرآن يحاور عقولهم ويذكر لهم عجائب خلق الله كاختلاف الليل والنهار وتنوع الفاكهة رغم أنها تزرع في ذات الأرض وتسقى من ذات الماء ، وذكر لهم ما يرونهم من الرياح والنجوم والفلك ثم أن ذكرهم بأن هذه المخلوقات إنما هي خلقه، فرفضوا هذا الاستدلال، فالاستدلال الحقيقي إنما يكون في القلوب الصافية أما القلوب المريضة القاسية فهي تمنع العقل من الاستدلال الصحيح إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب .
    يقول الله تعالى في سورة الأنعام : " إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)
    فوصفهم وكأنهم أموات في الدنيا ،لأن التعقل والعقل من صفة الحي فهم يعيشون كالأنعام بل أضل سبيلاً " إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22 ) الأنفال
    يقول الله تعالى في سورة تبارك في حديث أهل النار:
    (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (10) تبارك
    يقول صاحب الكشاف : "إنما جمع بين السمع والعقل؛ لأنّ مدار التكليف على أدلة السمع والعقل"
    جاء في تفسير الرازي : والمعنى لو كنا نسمع الإنذار سماع من كان طالباً للحق أو نعقله عقل من كان متأملاً متفكراً لما كنا من أصحاب السعير وقد "احتج بهذه الآية من قال : الدين لا يتم إلا بالتعليم فقال : إنه قدم السمع على العقل تنبيهاً على أنه لا بد أولاً من إرشاد المرشد وهداية الهادي ، ثم إنه يترتب عليه فهم المستجيب وتأمله فيما يلقيه المعلم والجواب : أنه إنما قدم السمع لأن المدعو إذا لقي الرسول فأول المراتب أنه يسمع كلامه ثم إنه يتفكر فيه ، فلما كان السمع مقدماً بهذا السبب على التعقل والتفهم لا جرم قدم عليه في الذكر.
    وجاء في التفاسير :" أي: لو كانت لنا عقول ننتفع بها أو نسمع ما أنزله الله من الحق، لما كنا على ما كنا عليه من الكفر بالله و الاغترار به، ولكن لم يكن لنا فهم نعي به ما جاءت به الرسل، ولا كان لنا عقل يرشدنا إلى اتباعهم"
    قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ الْهُدَى أَوْ نَعْقِلُهُ، أَوْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ سَمَاعَ مَنْ يَعِي وَيُفَكِّرُ، أَوْ نَعْقِلُ عَقْلَ مَنْ يُمَيِّزُ وَيَنْظُرُ

    3-الاستدلال

    يعد الاستدلال أحد الأركان الأساسية في التفكير الإسلامي ، وقد حضَّ عليه القرآن عبر أكثر من آية كريمة، تشكل منهجاً بحد ذاتها ، كما أن له لذة عقلية ومتعة يحصلها الإنسان ،فهي عملية موضوعية وذاتية في آن واحد، موضوعية؛ كونها تربط أجزاءً بأجزاءٍ من خلال روابط منطقية ، وذاتية؛ كون من يقوم بهذا الربط هو الإنسان.
    الاستدلال reasoning هو:" العملية العقلية التي تستهدف حل مشكلة أو اتخاذ قرارٍ حلاً ذهنياً ؛ أي عن طريق الرموز والخبرات القديمة السابقة . هو عملية تفكير لكنها تتضمن الوصول إلى نتيجة من مقدمات معلومة. وهذا ما يميز الاستدلال عن غيره من ضروب التفكير . فالجديد فيه هو الانتقال من معلوم إلى مجهول . فرجل المباحث الجنائية يستدل على القاتل من مجموعة من العلامات ، ونحن نبرهن على النظريات الهندسية من مجموعة من البديهات والمسلمات ، والعالم يصوغ فرضاً أو نظرية جديدة من مجموعة من الوقائع ، كذلك المثال أو الشاعر أو الروائي يخلق عملاً فنياً جديداً من مجموعة من الانطباعات . والاستدلال يقتضي تدخل العمليات العقلية العليا كالتذكر والتخيل والحكم والفهم والتجريد والتعميم والاستنتاج والتخطيط والتمييز والتعليل والنقد."
    ، فالله قد أمر بالاستدلال بالنظر فقال :" أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ 17 وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ 18 وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ 19 وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ 20" سورة الغاشية
    وقال تعالى : " إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ " 190 آل عمران
    فمخلوقات الله المعلومة هي مقدمات نستدلُّ بها على الله الغائب عن قدرات أدواتنا الحسية ، وهي تحسُّ به – أي قدراتنا- عبر هذه المقدمات وإن كانت لا تدركه، فهذه المخلوقات تُعدُّ استهلالاً يستدلُّ بها على الخالق.
    وقد قال الرازي عن مكانة الاستدلال :
    " فمن دعا إلى النظر والاستدلال كان على وفق القرآن ودين الأنبياء. ويروي الرازي الكثير من الأمثلة في تفسيره في باب الاستدلال بالنظر في كل شيء من قبل علماء كثيرين .... روى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من بني فزارة فقال : إن امرأتي وضعت غلاماً أسود ، فقال له : هل لك من إبل ؟ فقال : نعم قال : فما ألوانها ؟ قال : حمر ، قال: فهل فيها أورق ؟ قال نعم ، قال فأنى ذلك قال : عسى أن يكون قد نزعه عرق. قال وهذا عسى أن يكون قد نزعه عرق " صدق رسول الله.
    ( الأورق ) من الإبل ما في لونه بياض إلى سواد


    4-التأويل

    والتأويل هو: " مشتق من الأول وهو لغة الرجوع. فالتأويل: إرجاع
    الكلام إلى ما يحتمله من المعاني. وقيل: التأويل مأخوذ من الايالة،
    وهي السياسة، فكأن المؤول ساس الكلام ووضعه في موضعه، قال الزمخشري
    (3): " آل الرعية يؤولها إيالة حسنة، وهو حسن الايالة، وائتالها،
    وهو مؤتال لقومه مقتال عليهم، أي: سائس محتكم، قال زياد في خطبته:
    قد ألنا وإيل علينا، أي: سسنا وسسنا... ". وأما عند الأصوليين هو مرادف التفسير، وقيل هو الظنّ بالمراد والتفسير القطع به ، فاللفظ المجمل إذا لحقه البيان بدليل ظني كخبر الواحد يسمى مؤولاً، وإذا لحقه البيان بدليل قطعي يسمى مفسَّراً. وقيل هو أخص من التفسير وجميع ذلك يجيء مَستوفى هناك. والتأويل في اصطلاح أهل الرمل : عبارة عن شكل حاصل من ربط أو انفتاح شكل المتن.
    ذكرت كلمة تأويل تصريحاً في القرآن الكريم في قصة يوسف ، وكان ترتيب ذكرها بعد ذكر الله لرؤيا يوسف عليه السلام قال الله تعالى :
    " وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ "6 يوسف
    جاء في كشاف التهانوي:" الاستدلال هو انتقال الذهن من الأثر إلى المُؤَثِّر وقيل بالعكس . وقيل مطلقّاً ، وبهذا المعنى قيل : الاستدلال بعبارة النصّ وإشارة النصّ ودلالة النصّ واقتضاء النصّ ... إذ النصّ علة ومؤثر وأثره ومعلوله الحكم كما لا يخفى ، وبالنظر إلى المعنى الأول...أن المدعي إن شرع في الدليل الآنيّ يُسمّى مُستِدلاً.. إذّا الدليل الآني هو الذي يكون الاستدلال فيه من المعلول على العلة كما عرفت ، والتعليل الانتقال من المؤثر إلى الأثر ويسمى ذلك الدليل دليلاً لمّيَّاً، وقد يُطلق المستدل على المعلّل وهو الشارع في الدليل اللميّ ، وقد يُطلق المعلل على المستدل.
    قال أبو العبَّاس المُقْرِي : ورَدَ التَّأويل في القُرْآنِ على أرْبَعَةِ أوْجُه :
    الأوَّل : بمعنى العَاقِبَة كَهَذِه الآيَة :(فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم
    تؤمنون بالله واليوم الاخر ذلك خير وأحسن تأويلا) (النساء: 59).
    الثاني : بمعنى المُنْتَهى ؛ قال تعالى : ( فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ ( [ آل عمران : 7 ] أي : ما يَعْلَمُ مُنْتَهَى تأويلِهِ إلا الله .
    الثالث : بمعنى تَعبير الرُّؤيَا ؛ قال تعالى : ( أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ [ فَأَرْسِلُونِ ] ( [ يوسف : 45 ] أي : بعبَارتهِ ؛ ومثله : ( وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ ) [ يوسف : 6 ] أي : تَعْبير الرُّؤيَا .
    الرابع : بمعنى التَّحقِيق ؛ قال تعالى : ( هَ اذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ ( [ يوسف : 100 ] أي : تحقيق رُؤيَايَ ؛ ومثل الوجه الأوَّل : ( هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ) [ الأعراف : 53 ] أي : عاقبته ، ومثله : ( بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) [ يونس : 39 ] أي : عَاقبته .

    5-الظن : من الأضداد

    جاء في الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري الفرق بين الظن والعلم: أن الظان يجوز أن يكون المظنون على خلاف ما هو ظنه ولا يحققه والعلم يحقق المعلوم وقيل جاء الظن في القرآن بمعنى الشك في قوله تعالى " إن هم إلا يظنون "
    "هو معرفة أدنى من اليقين تحتمل الشك ولا تصل إلى العلم وهو الدوكسا doxa عند أفلاطون.
    و الشك والظن بحسب اللغة يكاد لا يُفرق بينهما ، غير أن الشك هو تجويز أمرين لأحدهما مزية على الآخر، والظن تجويز أمرين أحدهما أرجح من الآخر.
    ولذا قيل الظن اعتقاد راجح ، فيقابل اليقين وهو الاعتقاد الجازم، والعلم هو الاعتقاد القاطع.
    والظن من الأضداد يتردد بين اليقين والشك ، طرفاه العلم والجهل والظن الغالب يحلق باليقين وتبنى عليه الأحكام . "
    كما إن هناك الظن الحق وهو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض كما ذكر ذلك الجرجاني."
    ولقد ورد الظن في القرآن مجملاً على خمسة أوجه قال " أبو العباس المقرئ " : وقد ورد " الظَّن " في القرآن بإزاء خمسة معان :
    الأول : بمعنى " اليقين " كهذه الآية ، ومثله : ( إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ ( ، [ الحاقة : 20 ] ومثله : ( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ اللَّهِ ( [ البقرة : 249 ] .
    وقوله " وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ " 24 ص
    يقول ابن عباس أي علم وأيقن

    الثاني : بمعنى " الشَّك " قال تعالى : ( إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ( [ الجاثية : 32 ] .
    الثالث بمعنى " حسب " قال تعالى : ( إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ ( [ الانشقاق : 14 ] أي : حسب ألا يرجع ، ومثله : ( وَلَ اكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ ( [ فصلت : 22 ] .
    الرابع : بمعنى " الإنكار " قال تعالى : ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ( [ ص : 27 ] أي : إنكارهم .
    والخامس : بمعنى " الجَحْد " قال تعالى : ( وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى للَّهِ الْكَذِبَ ( [ يونس : 60 ] أي : وما جَحْدُهم .

    يقول الله تعالى : " وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا 157
    هذه الآية ورد فيها الشك والعلم والظن واليقين ، والاختلاف كان وليدة الظن الغير القاطع
    ويقول الله تعالى :
    " وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ" 116 الأنعام
    ويقول :
    " وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ "36 يونس
    ويقول :
    " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ " 12 الحجرات
    ارتباط الظن بهوى النفس
    " إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ" 23 النجم
    ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله (1) . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « هم أهل الجدل في القرآن ، وهم الذين عنى الله عز وجل ، فاحذريهم يا عائشة »

    6-الجدل

    يقول الله تعالى:
    { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }
    لعل القرآن يكاد لا يخلى من المحاورات والمجادلات مثل المناظرات بين نوح عليه الصلاة والسلام قومه ، ومناظرات إبراهيم عليه الصلاة السلام للنمرود وعبدة الكواكب ، ومناظرات موسى عليه الصلاة والسلام لفرعون وللسحرة ومناظرات عيسى عليه الصلاة والسلام لقومه ومناظرات محمد صلى الله عليه وسلم لمشركي العرب ولليهود والنصارى .
    وفيه سورة كاملة باسم المجادلة بفتح الجيم أو بكسرها أي المحاورة
    كما ورد في الحديث الذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : " تبارك الذي وسع سمعه كل شيء ؛ إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه ، وهي تشتكي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي تقول : يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني وانقطع له ولدي ظاهر مني , اللهم إني أشتكي إليك . قالت عائشة : فما برحت حتى نزل جبريل عليه السلام بهؤلاء الآيات { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها } قال : وزوجها أوس بن الصامت " أخرجه الحاكم وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه , ووافقه الذهبي
    { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ }
    وقد علم تاريخ العرب علماً قائماً بذاته وهو علم المناظرة وكان هناك مناظرات شهيرة في هذا الباب ، ووضعوا لها آداب و من آدب المناظرة
    الانصاف مع الخصم كما يقول الله تعالى : " { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ }
    يقول الإمام الغزالي ناصحاً تلميذه بأمور منها : " أن لا تناظر أحداً في مسألة ما استطعت ؛ لأن فيها آفات كثيرة ، فإثمها أكبر من نفعها إذ هي منبع كل خلق ذميم كالرياء والحسد والكبر والحقد والعداوة والمباهاة وغيرها " ثم يعقب بحل هذه المعضلة بجواب في غاية الدقة بأنك إذا كنت لا بد فاعلا فلتتبين صدقك في إرادة الحق من خلال علامتين :
    " إحداهما : أن لا تفرق بين أن ينكشف الحق على لسانك أو على لسان غيرك .
    والثانية : أن يكون البحث في الخلاء أحب إليك من أن يكون في الملأ
    كما عرفت المناظرات مخرجاً لها حين تستعصي بين الطرفين فتكون المباهلة خاتمة لها وتعريف المباهلة : " الدعاء على الظالم من الفريقين " وفيها قول الله تعالى : { فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ } ، وهي شريعة قائمة .
    الجدل نوعان محمود ومذموم
    المحمود
    { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }
    والمذموم
    { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ }
    جاءت لفظة الجدل وما تصرف منها في كتاب الله الكريم في 29 موضعاً
    جاء في لسان العرب :
    " الجدْل - بسكون الدال - شدة الفتل ، وجدلت الحبل أجدله جدلا إذا شددت فتله وفتلته فتلاً محكماً ، ومنه قيل لزمام الناقة الجديل ".
    و" الجدْل : الصرع . وجدله جدلاً ، وجدله فانجدل وتجدل : صرعه على الجدالة
    وأكثر ما يقال جدلته تجديلاً ."
    "و الجدَل - بفتح الدال - اللدد في الخصومة والقدرة عليها , وقد جادله مجادلة وجدالاً .
    ورجل جدل و مجدل و مجدال : شديد الجدل .
    ويقال : جادلت الرجل فجدلته جدلاً أي غلبته.
    ورجل جدل إذا كان أقوى في الخصام .
    أما الجرجاني يورد عدداً من المعاني الاصطلاحية للجدل فيقول :
    " الجدال عبارة عن مراء يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها ".
    ويقول : " الجدل هو القياس المؤلف من المشهورات والمسلمات , والغرض منه إلزام الخصم , وإفحام من هو قاصر عن إدراك مقدمات البرهان " .
    ويقول : " دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجة أو شبه .
    أو يقصد به تصحيح كلامه وهو الخصومة في الحقيقة
    { وكان الإنسان أكثر شيء جدلا }
    { يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا }
    يعرف الإمام الشعراوي الجدي فيقول :" الجدل: مأخوذ من الجَدْل، وهو فَتْل الشيء ليشتد بعد أنْ كان ليناً ، كتجديل خيوط القطن لصنع حبل قوي.
    ومنها الجديلة ، كما يعني الصرع يقال : جدله أي صرعه
    مجدالة أهل الكتاب لا تكون إلا بالتي هي أحسن يقول الله تعالى :
    وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46)

    ومن الجدل أُخِذ الجدال والجدَل والمجادلة، وفي معناها: الحوار والحجاج والمناظرة، ومعناه أن يوجد فريقان لكل منها مذهب يؤيده ويدافع عنه ليفتن الآخر أي: ليلفته عن مذهبه إلى مذهبه هو.
    فإذا كان المقصود هو الحق في الجدال أو الحِجَاج أو المناظرة فهذا الاسم يكفي، لكن إنْ دخل الجدال إلى مِراءٍ أو لجاجة، فليس القصد هو الحق، إنما أنْ يتغلَّب أحد الفريقين على الآخر، والجدل في هذه الحالة له أسماء متعددة، منها قوله تعالى: {لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ. .} [المؤمنون: 75] .
    لذلك نلحظ أن التغلب في الجدل لا يكون لمجرد الجدل، إنما تغلُّبك لحق ينفع الغير ويُقويه ويردّه إلى حجمه الطبيعي.
    " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ " (سورة غافر الآية 69).
    وقال تعالى:
    " وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ " (سورة الشورى الآية 35).
    ومن أسوأ أنواع الجدل ما كان عن عناد وإنكار للحق الواضح وإصرار على الباطل وهو من صفات الكفار المعاندين الذين يستحقون العذاب لعنادهم وكفرهم.
    قال تعالى:
    " وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُواً " (سورة الكهف الآية 56).
    وقال تعالى:
    " كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ " (سورة الآية غافر الآية 5).
    وهذا عرض مبسط للجدل في القرآن الكريم وإن كان كل ما أوردناه من أدوات عقلية يتوسل بها القرآن الكريم يحتاج لمبحث مطول لكن حسبنا في هذا العرض هو تقديم صورة شاملة عامة لهذه الأدوات لنستقصي بعض الأدوات العقلية في كتاب الله الكريم.
    يتبع
    طارق شفيق حقي
    2018
    تعليقات كتابة تعليق

    اضغط هنا للدخول

    رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.