الملاحظات
  • أعجبني

  • ما قصة هذا البيت : تنـصّرتِ الأشرافُ من عـار لـطـمةٍ

    تنـصّرتِ الأشرافُ من عـار لـطـمةٍ
    نصوص من تراثنا - نقله الدكتور عبد الرحمن دركزلي

    ــ قال أبو عمرو الشيباني: لمّا أسلم جبلة بن الأيهم الغساني وكان من ملوك آل جفنة كتب إلى عمر رضي الله عنه يستأذنه في القدوم عليه، فأذن له عمر فخرج عليه في خمسمئة من أهل بيته، من عَكّ وغسان، حتى إذا كان على مرحلتين كتب إلى عمر يُعلمه بقدومه، فسُرّ عمرُ رضوان الله عليه، وأمر الناس باستقباله، وبعث إليه بأنزال وأمر جبلةُ مئتي رجل من أصحابه فلبسوا الديباجَ والحرير، وركبوا الخيول معقودةً أذنابُها، وألبسوها قلائد الذهب والفضة، ولبس جبلة تاجه وفيه قُرطا مارية- وهي جدته- ودخل المدينة، فلم يبق بها بِكر ولا عانِسٌ إلا تبرّجتْ وخرجت تنظر إليه وإلى زِيّه، فلما انتهى إلى عمر رحّب به وألطفه وأدنى مجلسه، ثم أراد عمرُ الحجَّ فخرج معه جبلة، فبينا هو يطوف بالبيت إذ وطِئ إزارَه رجلٌ من بني فَزارة فانحلّ فرفع جبلة يده فهشم أنفَ الفزاري، فاستعدى عليه عمرَ رضوانُ الله عليه، فبعث إلى جبلة فأتاه، فقال: ما هذا؟ قال: نعَم يا أمير المؤمنين، إنه تعمّد حَلّ إزاري، ولولا حرمةُ الكعبة لضربت بين عينيه بالسيف. فقال له عمر: قد أقررتَ، فإمّا أنْ تُرضِي الرجل وإما أن أُقيدَه منك. قال جبلة: ماذا تصنع بي؟ قال: آمرُ بهشم أنفك كما فعلتَ. قال: وكيف ذاك ياأمير المؤمنين، وهو سُوقة وأنا ملك؟ قال: إن الإسلام جمعك وإيّاه، فلستَ تفضلُه بشيء إلا بالتُّقى والعافية. قال جبلة: قد ظننتُ يا أميرَ المؤمنين أني أكون في الإسلام أعزَّ مني في الجاهلية. قال عمر: دعْ عنك هذا؛ فإنك إن لم تُرضِ الرجل أقدتُه منكَ. قال: إذاً أتنصّرَ. قال: إن تنصرتَ ضربتُ عنقَك، لأنك قد أسلمتَ، فإن ارتددتَ قتلتُـكَ. فلما رأى جبَلةُ الصدقَ من عمر قال: أنا ناظرٌ في هذا ليلتي هذه. فلما أمسوا أذِن له عمرُ في الانصراف، حتى إذا نام الناسُ وهدؤوا تحمّل جبلة بخيله ورواحله إلى الشأم، فأصبحت مكة وهي منهم بَلاقعُ، فلما انتهى إلى الشأم تحمّل في خمسمئة رجل من قومه حتى أتى القسطنطينية، فدخل إلى هِرَقلَ فتنصّر هو وقومُه، فسُر هرقلُ بذلك جداً، وظن أنه فتحٌ من الفتوح عظيم، وأقطعه حيث شاء، وجعله من مُحدّثيه وسُمّاره.


    ــ ثم إن عمر رضي الله عنه بدا له أن يكتب إلى هِرقلَ يدعوه إلى الله جلّ وعز وإلى الإسلام، ووجّه إليه رجلاً من أصحابه، وهو جَثّامة بن مُساحِق الكِناني، فلما انتهى إليه الرجل بكتاب عمرَ أجاب إلى كل شيء سوى الإسلام فلما أراد الرسول الانصراف قال له هرقل: هل رأيتَ ابنَ عمك هذا الذي جاءنا راغباً في ديننا؟ قال: لا. قال: فالقَه. قال الرجل: فتوجهت إليه فلما انتهيتُ إلى بابه رأيت من البهجة والحُسن والسرور ما لم أرَ بباب هرقلَ مثله، فلما أُدخلتُ عليه إذا هو في بهو عظيم، وفيه من التصاوير مالا أُحسِن وصفه، وإذا هو جالس على سرير من قواريرَ، قوائمُه أربعةُ أُسْدٍ من ذهب، وإذا هو رجل أصهبُ بسِبالٍ وعُثنون، وقد أمر بمجلسه فاستقبل به وجه الشمس، فما بين يديه من آنية الذهب والفضة يلوح، فما رأيت أحسن منه. فلما سلمت رد السلام ورحَب بي، وألطفني ولامني على تركي النزول عنده، ثم أقعدني على شيء لم أُثبِتْه، فإذا هو كرسيّ من ذهب، فانجدرت عنه فقال: مالك؟ فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا. فقال جبلة أيضا مثل قولي في النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكرتُه، وصلى عليه. ثم قال: يا هذا إنك إذا طهّرت قلبكَ لم يَضرَّك ما لبستَه ولا ماجلستَ عليه. ثم سألني عن الناس وأَلحفَ في السؤال عن عمر، ثم جعل يفكر حتى رأيتُ الحزنَ في وجهه، فقلتُ: ما يمنعُكَ من الرجوع إلى قومك والإسلام؟ قال: أبَعدَ الذي قد كان؟ قلت: قد ارتدّ الأشعث بن قيس،ومنعهم الزكاة وضربهم بالسيف، ثم رجع إلى الإسلام. فتحدثنا مَليّاً ثم أومأ إلى غلام على رأسه فولّى يُحْضِر، فما كان إلا هُنيهةٌ حتى أقبلتِ الأخْونةُ يحمِلها الرجال فوُضِعت، وجِيء بخِوان من ذهَبٍ فوُضِع أمامي فاستعفيتُ منه، فوُضِع أمامي خِوانُ خَلَنْجٍ وجامات قوارير ، وأديرت الخمرُ فاستعفيت منها، فلما فرغنا دعا بكأس من ذهب فشرب به خمساً عدداً. ثم أومأ إلى غلام فولى يُحضِر، فما شعرتُ إلا بعشر جوار يتكسّرن في الحُليّ، فقعد خمسٌ عن يمينه وخمس عن شِماله، ثم سمعت وسوسة من ورائي، فإذا أنا بعشر أفضلَ من الأُوَل عليهن الوَشْيُ والحَلْيُ، فقعد خمسٌ عن يمينه وخمس عن شِماله، وأقبلتْ جارية على رأسها طائرٌ أبيضُ كأنه لؤلؤة، وفي يدها اليمنى جامٌ فيه مِسكٌ وعَنْبَرٌ قد خُلِطا وأُنعِم سَحْقُهما، وفي اليسرى جامٌ فيه ماءُ وردٍ، فألقتِ الطائرَ في ماء الورد، فتمعّك بين جناحيه وظهْر بطنِه ، ثم أخرجته فألقته في جام المِسك والعنبر، فتمعّك فيها حتى لم يدعْ فيها شيئاً، ثم نفّرتْه فطار فسقط على تاج جبَلة، ثم رفرف ونفض ريشه فما بقي عليه شيء إلا سقط على رأس جبلة، ثم قال للجواري: أطربنني. فخفقن بعيدانهن يُغنِّينَ:
    لـلـهِ درّ عِـصـــابة نـــادمتـُهـم * يـوماً بجِلّــــقَ في الزمـــان الأوّلِ
    بيضُ الوجوه كريمة أحسابـُهـم * شُـــمُّ الأنوف من الطـــراز الأول
    يُغشَونَ حتى ما تهِرُّ كـلابـُهـم * لايَسـألون عـن الـســـواد الـمـقـبـل

    فاستهل واستبشر وطرب ثم قال: زدنني. فاندفعن يغنين:
    لمن الدارُ أقـفرتْ بـمَعــانِ* بين شاطِي الـيَرموكِ فالصَّمّانِ
    فـالقُريّاتِ من بَلاسَ فداريّا (م) فـسَـــكّاءَ فالقُصورِ الدَّواني

    فقال: أتعرف هذه المنازل؟ قلت: لا. قال: هذه منازلنا في مُلكنا بأكناف دمشق، وهذا شعر ابن الفُرَيْعَة حسّان بنِ ثابت، شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    قلت: أما إنّه مضرورُ البصر كبيرُ السن. قال: يا جارية هاتي. فأتته بخمسمئة دينار وخمسة أثواب من الدِّيباج، فقال: ادفعْ هذا إلى حسان وأقرئه مني السلام.ثم أرادني على مثلها، فأبيتُ فبكى، ثم قال لجواريه: أبكِينني. فوضعن عِيدانهن وأنشأن يقلن:

    تنـصّرتِ الأشرافُ من عـار لـطـمةٍ * وما كان فيهــــــا لـو صـبـرتُ لـهـا ضـررْ
    تكنـّفـنـي منها لَجـــــاج ونَـخـــــــوةٌ * فبِعتُ بـهـا الـعـينَ الـصـحـيــــحةَ بـالـعـَوَر
    فيا لـيت أمّي لـــم تــلِـــــدْني وليتنـي * رجَعــــتُ إلـــى القول الذي قال لي عُمَــرْ
    وياليتني أرعــى المَخاضَ بـقـَفـْرةٍ * وكنتُ أســــــــــيراً في ربيعــــــةَ أو مُضَـرْ
    ـ وياليت لــــي بالشــــأم أدنـى مـعـيشةٍ * أجالسُ قومي ذاهـــبَ الســـمْع والبصَر

    ثم بكى وبكيتُ معه حتى رأيتُ دموعَه تجول على لِحيته كأنها اللؤلؤ، ثم سلّمتُ عليه وانصرفت.
    ــ فلما قدِمتُ على عمر سألني عن هِرقلَ وجبَلة، فقصصتُ عليه القصة من أولها إلى آخرها، فقال: أو رأيت جبلة يشرب الخمر؟ قلتُ: نعم. قال: أبعده الله، تعجّل فانية اشتراها بباقية، فما ربِحتْ تجارتُه، فهل سرّح معك شيئاً؟ قلت: سرّح إلى حسان خمسَمئة دينار وخمسة أثواب دِيباج. فقال: هاتِها. وبعث إلى حسان فأقبل يقوده قائدُه حتى دنا فسلّم، وقال: يا أميرَ المؤمنين، إني لأجدُ فيها أرواح آل جَفْنة. فقال عمرُ رضي الله عنه: قد نزع اللهُ تبارك وتعالى لك منه على رُغم أنفه، وأتاك بمَعُونة. فانصرفَ عنه وهو يقول:
    إنّ ابن جَفنة من بقيّة معشر * لم يغـــذُهم آباؤهم بـالـلُّومِ
    لم ينسَني بالشأم إذ هو ربُّها * كلا ولا مُتنصِّراً بـالـرومِ
    تعليقات كتابة تعليق

    اضغط هنا للدخول

    رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.