الملاحظات
  • أعجبني

  • اليتم المركب - فطيمة عزوني

    اليتم المركب - فطيمة عزوني*

    أذكر آخر يوم رأيتها فيه خارج حدود بيتها ....كان يوما ربيعيا ،فهي كانت تتجنب الخروج عندما يكون الجو شديد البرودة.فهي كانت المرأة الضعيفة التى أخذ المرض منها جزءا لا يستهان به من عافيتها.كما لمحت يومها طفلها حديث الولادة الذي طالما كان يزعجني صراخه المتواصل ليلا ،عندما يشكوا شيئا ما..فبيتها كان مقابلا لبيتنا مباشرة ونور غرفتها طالما أضاء وحشة غرفتي بعد أن تركتني والدتي وحيداً في هذه الحياة .رغم صغر سني لكني طالما كنت أسأل نفسي من أين تأتي تلك المرأة بالطاقة لنهوضها المتكرر كلما صرخ رضيعها وهي التي تعاني مرضا خطيرا كما كان والدي وجدتي يرددان أما مي؟؟؟؟؟؟؟.كثيرا ما كان والدي يضايقه اهتمامي المفرط بها ، وكان يعتبر متابعتي لما تفعل من خلال شباك نافذتي تجسسا،...والتجسس كما كان يقول دائما خلق ذميم ما يجب أن يتحلى به طفل قارب أن يدخل مرحلة الشباب.ولكني لم أكن أهتم كثيرا لما يقول ، ففرط حبي لجارتنا التى لا تختلف ملامحها عن ملامح والدتي كان يغريني دائما بمراقبتها حتى مع وعيد والدي....ففي قرارة نفسي كنت موقنا أن ذاك لم يكن تجسسا بل هو فرط اهتمام ليس إلا...عفوا فالفرق بينهما لما كنت صغيرا لم أكن أكاد أدركه.....
    أو لأنني في قرارة نفسي كنت لا أزال أتذكر ملامح وجه أمي...وتلك المرأة كانت تساعدني على الإحتفاظ بما لم تكن لدي الرغبة في نسيانه...أو حتى تناسيه.

    أذكر أن أكثر شئ كان يجذبني إليها طريقة تعاملها مع صغيرها....ذلك الحنو المفرط الذي كثيرا ما كان يقودني للبكاء ليلا بعيدا عن أنظار والدي وجدتي .فكل حركاتها معه كانت تجعلني أستشعر لحظات سعادتي مع والدتي. تلك اللحظات التى لا أزال أفتقدها لغاية الأن.أذكر كم كان يغيضني حملها له بين ذراعيها ،لأنه في قرارة نفسي كنت أتمنى أن أكون أنا المحمول لا هو......
    لو كان بالإمكان تغيير الأقدار تراه كان يقبل أن أتنازل له عن كل ما أملك مقابل التنازل لي عن يوم أقضيه أنا وهي أما وإبن؟ تمني سخيف، ولكني لحظتها فكرت فيه بقوة .كنت أرغب في الحصول على لحظات رعاية منها مهما كلفني الأمر.
    ما أقسى سنوات الحرمان......فهي تجعلك تفقد كل طعم.ولا يبقى في حلقك إلا المرارة حتى ولو كنت طفلا لا تدرك كثيرا مما يدور حولك.

    لاحظت تركيز نظري عليها وعلى صغيرها ،فاقتربت مني فهي تعرف أنني إبن جارتها .غمرتني بنظرة حب فوالدتي كانت الجارة الأقرب لقلبها.سألتني عن أحوالي ،فأشرت برأسي أن كل شئ على ما يرام .فكيف عساها تفهم ما يجول في الخاطر والبال...فرق شاسع بين الوصف والواقع .فلم أخبرها عن سوء حالي فهي لن تقدر حتى مشاركتي حرقتي على من رحلت وتركتني كسير الخاطر محروما حتى من لمسات عطف كبقية الأطفال..

    وهي تحدثني لاحظت ساعتها تسارع أنفاسها مع نوبات السعال.كنت قد سمعت جدتي قبل هذا تتحدث عن مرضها لم يكن خطيرا كما ذكرت جدتي ولكنها كانت لا تحتمل الرطوبة العالية .ولكن كما لاح لي تلك المرة ،جدتي لم تكن تدرك فعلا درجة مرضها فوجهها كان شاحب حتى إعتلاه إصفرار.لاحظت صمتي لكنها لم تكن تدرك أن ذلك الصمت ما هو إلا حوار داخلي بيني وبين النفس ...إستأذنت في الإنصراف ،فهي لم تكن تقوى على الوقوف كما لاحظت .ودون شعور مني مددت يدي لأمسك بذراعها.وكأنني أرجوها في صمت أن تهبني بعض اللحظات.ابتسمت وكأنها أحست بما يجول في خاطري،فبادرت بالقول أنه يمكنني زيارتها مساءا لو إستطعت أن أنتزع موافقة والدي فهي كانت تعلم صعوبة طبعه.فوالدتي كانت صديقتها.وعادة ما يكون موضوع حديثهما الأزواج وطباع الأزواج.
    رجوت والدي ساعتها أن يتركني أزورها وكم كانت دهشتي كبيرة لما وافق دون شروط.فهو عادة متى طلبت منه شئ لا يلبي لي طلبي إلا بعد أخذ عهد بفعل شئ ما...أه الأباء كم هم مستغلون....

    وذهبت لزيارتها دون أن يفوتني قطف باقة ورد خصيصا لها...فوالدتي كانت تفعل الشئ ذاته كلما ذهبت لزيارتها.استقبلتني بحرارة وكأنها تستقبل شخصا ناضجا لا طفل لا يتعدى الثالثة عشرمن عمره...لا أزال أذكر تلك الإبتسامة الناعمة التى رسمتها بمجرد فتحها للباب.ولا أزال أذكر صغيرها الذي مد ذراعيه نحوي بمجرد أن رآني أدخل البيت .لم أستطع حمله خشية أن لا ترغب هي في ذلك ولكني مسحت على رأسه.فأطلق ضحكات ساحرة ملأت المكان بهجة .فحملته هي بين ذراعيها.
    كانت لا تزال نوبات السعال تنتابها كما كانت صباح ذلك اليوم...لا بل ساء الأمر. فقد أصبحت أكثر حدة من ذي قبل...

    أحست أن سعالها أقلقني بشكل ما، فأمسكت يدي وهي تقول بابتسامتها المعهودة:"لا تخف فأنا بخير مجرد نزلة برد لا غير"....ولكن شيئا ما حدثني من داخلي أن الأمر أكبر من أن يكون مجرد نزلة برد...بل الأمر مرتبط أكيد بمرضها المزمن . رغم أنني لم أكن أعي ما هو بالضبط. ولكن كما كنت أسمع من حولي يتحدث عنها أن مرضها له علاقة برئتيها....
    استأذنت لتأخذ دواءها .فأشرت برأسي أنني لا أمانع في ذلك طالما الدواء يريحها.لكنها لما غابت عني تمنيت أن تعود بسرعة فوجهها لم يكن يختلف كثيرا عن ملامح أمي.
    كم كنت مذهولا ليلتها من طريقة تعاملها معي وكأني ابنها ....هي كانت تعلم من أمي شدة حبي لكعكة الفراولة ...التى أسعدني منظرها وهي تلوح فوق طاولة الشاي التى حضرتها خصيصا من أجلي.فأنا ضيفها الصغير.كانت تحدثني وكأني في سنها ....ربما كانت الوحيدة التى أدركت أن جسمي جسم أطفال ولكن عقلي يجاوز سن الأطفال بعهود ومراحل.
    كانت تمازحني مرة وتحدثني عن صغيرها مرة أخرى.والأروع من ذلك كله كلامها ليلتها عن والدتي .

    لا أذكر تفاصيل أخرى عن جلوسي معها ومحادثتها سوى أنها كانت تبذل قصارى جهدها لتجعل مني سعيدا بتلك الزيارة لأقصى الحدود.ولا أزال أذكر أنها نجحت في ذلك إلى أبعد الحدود أكثر مما كانت تتصور.
    تأخر الوقت فاستأذنت في الإنصراف ..فأوامر والدي كانت صارمة فيما يتعلق بوقت عودتي للبيت .فتحت لي الباب كي أنصرف .ولكن قدماي كانتا ترفضان السير للأمام فالتفت اليها مرة أخرى.ودون شعور مني ارتميت بين أحضانها وقبلت يديها ودون أن أشعرسمعت صوتي يناديها بأمي.ورفضت ليلتها مفارقة حضنها وكأني أنتقم من سنين الحرمان التى أحدثها ظلام الموت الذي غزى عالمي وأن في سن مثل سني.
    لأول مرة رأيت ذلك الوجه المبتسم دائما تنزل على خديه دموع كأنها حبات لؤلؤ تناثرت هنا وهناك.
    فهي قد لامست حزني على من غاب وجهها عني.

    أذكر أنني لم أستطع مفارقة حضنها إلا بعد زمن طويل .كان صوت والدي من ورائي يناديني بأنه قد حان الرجوع للبيت..ولأول مرة لم يؤنبني والدي على عدم تلبيتي طلبه في عدم التأخر .فالموقف كان محزن حتى له . فلم يكن يصعب على من حوله معرفة أنه لم يستطع نسيانها ومن ذلك الإنطلاق من جديد..........أمسكني من يدي وأخذني بعيدا عنها، بعد أن تمنى لها ليلة سعيدة. فبادلته هي بنفس الكلمات.......لا أزال أذكرأني ليلتها رفضت تغيير ملا بسي وصممت على النوم بها لا ثياب النوم، رغم الحاح والدي .ولكن على غير عادته ذلك اليوم كان مسالما للغاية... فآثر الصمت وتركني أفعل ما أريد.لم يكن رفضي لتغيير ملابسي شقاوة مني . ولكن عطر تلك المرأة كان نفسه عطر والدتي ...كان قد بقي شئ منه عالقا بثيابي لما احتضنتها. فكنت أرغب بشدة في أن أنام بتلك الثياب حتى أستشعر ولو لليلة واحدة وجود أمي من جديد.
    في اليوم التالي على غير عادتها شباك نافذتها كان مغلق. وصوت الصغير كان يفتقده المكان.غادرت سريري فاتجهت كعادتي لتقبيل جدتي الحنون. ففوجئت بها تتحدث مع والدي عن جارتنا كيف أنها رأتها تغادر ليلا مع زوجها المنزل، وكانت حالها يرثى لها من شدة السعال.

    تمنيت لحظتها أن تكون مجرد أزمة عابرة كما اعتدنا على ذلك نحن وكل الجيران....لكن هذه المرة لم تكن كسابقاتها فجارتنا لم تعد تقوى على المقاومة ....وبعد أسبوع فاضت روحها لرب كريم...وعدت مرة اخرى لأحتضن يتمي من جديد

    * القصة فازت بالمركز الأول في مسابقة المربد الأدبية الرابعة
    تعليقات كتابة تعليق

    اضغط هنا للدخول

    رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.