الملاحظات
  • أعجبني

  • هنري سيمون .. والضمير التاريخي في آداب وفلسفات القرن العشرين

    هنري سيمون .. والضمير التاريخي في آداب وفلسفات القرن العشرين

    حينما حل عصر الأنوار إبان التطلعات الفكرية في القرن الثامن عشر شرع العقل البشري بالتأكيد على وجوده التاريخي كمنطلق لوعي أبعاده المستقبلية عن طريق وعي الماضي وتطويعه للدرس والتحليل بهدف مصادرة الحاضر وصولاً إلى المستقبل ومنذ ذلك الحين تعددت السبل وتشعبت الطرائق العلمية والفلسفية في ميدان الوعي الكلي لفلسفة التاريخ ووضع أطر ومناهج ودراسات لهذا العلم الوحيد في الغرب ولم يستقم عوده إلا في فترة متأخرة جداً إلا أن التأزم بلغ أوجه حيال الإشكالات الكبرى التي طرحها القرن العشرون بضرب من الصلابة لم تعهده البشرية من قبل بيد أنه من المفيد الإشارة هنا إلى أن العرب المسلمين كانوا سباقين إلى التماس مع العلوم التاريخية وعلم الاجتماع بدءاً من القصص القرآني التاريخي وانتهاء بابن خلدون ومقدمته المذهلة التي سطرها لكتابه: (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) لكنه لسوء الحظ لم يطبق منهجه في المقدمة على كتابه في التاريخ .
    وكتاب (الفكر والتاريخ) للمفكر الفرنسي هنري سيمون الذي نقله إلى العربية الدكتور عادل العوا يتناول البحث في الضمير التاريخي في نتاج القرن العشرين من خلال الإنجازات الأدبية والفكرية والمذاهب الفلسفية الكبرى التي حددت موقفها من التاريخ سواء بتبني وجهات نظر موروثة عن فريدريك هيغل وأوغست كونت وغيرهما أو باتخاذ منطلقات جديدة في الوعي الشمولي للتاريخ .
    ويوضح هنري سيمون منذ البدء التبدلات التي طرأت على كلمة (تاريخ) في أوائل القرن العشرين وكيف اتخذت معاني مختلفة بأقلام الفلاسفة وعلماء الأخلاق والشعراء والروائيين والمسرحيين عامة فكلمة (تاريخ) تدل على عملية إعادة بناء الماضي بقدر ما تدل على الصيرورة الإنسانية عبر الماضي والحاضر عبوراً إلى المستقبل ولعل هذا الموقف يتضح أكثر فأكثر عندما ندرك أن ذلك الحافز الذي يؤكد بإصرار على استمساك الفكر البشري بالتاريخ إنما هو حركة تعلّق بالحياة أو بمعنى أدق يكتنز عدداً من التساؤلات التي تطرح حول المصير، حيث أن كتّاب ومفكّري القرن العشرين أعلنوا تضامنهم مع التاريخ بأشكال وأساليب مختلفة فالأديب والمفكر مالرو يريد أن يصنع التاريخ بينما جان بول سارتر يضع فيه أمله ورجاءه في حين يعمد كل من ألبير كاموا وأراغون إلى رفض التاريخ باعتباره سدى. وهنا يسارع هنري سيمون إلى تحديد نذير الفاجعة وذلك في شهر آب لعام ألف وتسعمائة وأربعة عشر عندما استلزم إيقاظ الضمير التاريخي والإنساني بقرع أجراس الحرب الكونية الأولى (وإذ ذاك بدأ عصر جديد لم يبق من الجائز فيه التغافل عن خبث قدر تاريخي وظلمته ونزواته وما لبث بول فاليري أن فطن إلى أن المدنيات فانية واستبق أرنولد توينبي الذي جاء فيما بعد ليصف مراحل موتها وفنائها ولم تمض فترة وجيزة حتى قرأ الناس اشبنغلر وبرديائف وغينون وصار من الذائع الكلام على انحطاط الغرب) .
    وهكذا يسارع الإنسانيون إلى اكتشاف الفاجعة وتجسيد المأساة واتهام المدنية وإدانة الحرب ومهاجمة الميكافيلية لكنهم استبشروا خيراً باسم الإرادة الطيبة فوقفوا موقفاً متفرجاً من التاريخ وذلك برده إلى ما فوق الطبيعة باعتبار الله هو المسيّر لخط الأحداث ... حيال ذلك تلاقحت الطروحات وتكاثرت ولاسيما بعد الحرب الكونية الثانية التي زرعت بذور البؤس الفكري والتشاؤم الوجداني في صلب العقل الغربي كنتيجة للأحلاف الاستعمارية من قبل المعسكرين والمتاجرة بالشعوب من جانب وكانعكاس لتردي القيم الأخلاقية والمثل الإنسانية في المجتمعات الغربية كافة .
    في هذه المرحلة بالذات أي حينما وضعت الحرب أوزارها انزلقت الأفكار والآداب الغربية منزلقات مجانية كسارتر الذي لا يفتأ التأكيد على وجوديته لكنه يسير في دروب ضبابية عندما يتخذ من الشعور اللاعقلي منطلقاً لتحديد موقفه التاريخي بيد أن هذا التشاؤم الذي عزز حضوره أقطاب التيارات الوجودية أمثال ألبير كامو وسارتر وميرلوبونتي وسيمون ديبوفوا ومن ثم مالرو وسواه هذا التيار وجد نفسه أمام تيار تفاؤلي تجاوز الفاصل من مذهب إنساني بلا احتشام إلى مذهب إنساني مكلل بالأوهام وهكذا تطايرت كل تلك الفروسيات العبثية عند كامو والفروسيات العدمية لدى سارتر والفروسيات الضاربة في اليباب لدى رواد الجيل الضائع بلا سابق إنذار ويأتي جونسون ليؤكد أن للتاريخ معنى على قدر ما يوجهه البشر بحسب وسائلهم وقدراتهم ووعيهم لمدلول الصراع في الوجود .
    وها هنا نجد أنفسنا مضطرين إلى الاعتراف مع المؤلف هنري سيمون بأن الإنسان الغربي فقد ثقته بتاريخه في حين سلم المفكرون الماركسيون من وباء اليأس ولم يسحبوا ثقتهم من التاريخ ولكن ماذا كان حصاد كل ذلك ؟ كان قلقاً وتمرداً حيث هبت موجات القلق والتيه في عوالم ضبابية متجانسة مع كل ما ينذر به الغرب من تفسخ اجتماعي وأخلاقي ليس له مثيل في التاريخ في حين اشتق التمرد طريقه في جغرافيات العالم الثالث كرد مبدئي على سلوك الغرب بمعسكريه ثم ما لبث هذا التمرد أن تحول من احتجاج سلبي إلى ثورات معقلنة لتغدو احتجاجاً إيجابياً مزروعاً بالنضال ويضرب المؤلف مثالاً على ذلك بالثورة العربية الجزائرية .
    وأخيراً لا بد من القول بأن كتاب (الفكر والتاريخ) يعتبر بحق أعمق محاولة نقدية لمرحلة تاريخية هامة جداً للإنسان الغربي ولو كان هنري سيمون يمتلك حدساً لأبجدية التاريخ البشري العام لأعاد نداء المفكر الفرنسي السابق له رومان رولان: النور سيبزغ من الشرق .
    محمد الراشد
    جريدة الجماهير
    تعليقات كتابة تعليق

    اضغط هنا للدخول

    رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.