الملاحظات
  • تلخيص الإضحاك عند غوغول

    تلخيص الإضحاك عند غوغول

    (ينظر: أ.د.محمد مرشحة:"الهزل في أدب نيقولاي فاسيليفيتش غوغول"، مجلة عالم الفكر الكويتية/ في عددها الرابع أبريل/يونيو لعام 2000).
    لاشك في أن الصفة المميزة لأدب غوغول(1809-1852) هي الإضحاك الهادف؛ وتتولى السخرية عبء نقل رسالته المرة. و كشف لنا غوغول عن إمكانية المزج بين الهزل الأبيض الذي ليس له هدف في ذاته سوى الإضحاك الصرف، والهزل الأسود الذي يرمي إلى التعرية والنقد العنيفين. والحق أن المتلقي العادي حين يقرأ أعماله يضحك مرارا وتكرارا؛ ويكون الضحك هو عبارة عن تعبير لاشعوري عن رفضه لقوى القهر والاستعباد الذي تعرض له المواطن العادي. ولكن إن أردنا الوصول إلى نتيجة شافية تحدد تفاؤله أو تشاؤمه، فمن الأفضل لنا الوقوف طويلا على أسلوبه في الإضحاك؛ لأن الهزل الأبيض هو سمة من سمات التفاؤل؛ إذ إنه يرمي إلى التسلية وتنمية مشاعر الأمل، وذلك بالتلميح إلى أن هناك الجانب الآخر من الحياة، الجانب الذي يبجل السعادة والأمل ويشجع إرادة الإنسان على الإنتاج. ومن الممكن أن نكتشف عند غوغول أنواعا مختلفة للمضحك:

    " إن أنواعا منها غير منفصلة عن التفاؤل أو متفقة وإياه، وإن هناك أنواعا أخرى مصحوبة بالتشاؤم المتصاعد، حتى إنها تغذيه. والنتيجة أن الأنواع كلها ترتب وفق حركة تبدأ بتفاؤل مطلق وتنتهي بأقصى درجات التشاؤم، من غير أن نستطيع أبدا اكتشاف وجود حل طبيعي للاستمرار". و هكذا يتعدد المضحك الغوغولي، لنلحظ:1- المضحك الصافي المسالم (اللعب بالكلمات، و الإثارة الهزلية)، حيث الالتباس والحركة المضحكة: فمسرحية "المفتش العام" مملوءة بالمواقف الهزلية التي لاتهدف إلا إلى الإضحاك؛ فمثلا هناك كثير من الشتائم والكلمات القاسية التي تضحكنا، من دون أن يكون لها غاية أخرى؛ فمن ذلك أن المضحك قد ينبع من الطبيعة الإنسانية النزقة؛ وهذه الطبيعة الغاضبة والساخطة هي بذرة الهزل؛ فالخياط عصبي المزاج في محاولته إدخال الخيط في خرم الإبرة :"الخيط لايدخل، ياله من بربري، لقد أنهكتني، أيها الخبيث" ؛ ونجد الأمر نفسه في مسرحية "المفتش العام" حيث يكثر الكاتب من اللعب بالكلمات، ومن الحركات التي تسبب الضحك لدى المتلقي كاصطدام دوبتشينسكي وبوبتشينسكي أحدهما بالآخر، لما اقتربا من ماريا أنطونوفنا في وقت واحد ليباركا لها مشروع زواجها من خليستاكوف؛ ونسمع الشتائم الكثيرة التي لاغاية لها إلا الإضحاك الصرف؛ فخليستاكوف يضحكنا كثيرا في شتائمه التي يوجهها إلى حاكم المدينة وإلى مرؤوسيه الفاسدين؛ ويبدو، إضافة إلى ذلك، ذا طبيعة نزقة في مخاطبة خادم الفندق. ونلمس أن هذا النوع من الهزل حاضر في طريقة كلام حاكم المدينة على أستاذ التاريخ الذي يبرهن على عصبية في مزاجه:" [...] حينما كان يتحدث عن الآشوريين والبابليين كان كل شيء على مايرام، ولكن يصعب علي أن أخبرك بما حدث له حينما وصل إلى الإسكندر المقدوني. قسما بالله لقد اعتقدت أن هناك حريقا، فقد جرى من على المنبر وضرب الأرض بالكرسي بكل قوته [...] ". ونلمح التقنية الإيطالية المولييرية المعتمدة على الالتباس، والحركات، والموقف، ولاسيما حين وقع الجميع في فخ أخذ خليستاكوف (الموظف البسيط) على أنه المفتش المنتظر، واستمر هذا الالتباس حتى وصول المفتش الحقيقي في نهاية المسرحية؛ ولا شك أن المؤلف اعتمد كثيرا على هذا الالتباس في تغذية الهزل وتنميته، وفي إعطائه صفة الاستمرارية والحيوية أيضا؛
    2- كما أن هناك المضحك العدواني ذا الهدف الإيجابي ( الهجاء والتهكم)؛ ويكثر هذا النوع عند غوغول؛
    وتبلغ به السخرية حدا يجعلها ذات تأثير قوي في المتلقي، لأنها سخرية مرة؛ لنقرأ هذه الأسطر التي تصف ولادة آكاكيكي آكاكيفيتش: "وبالمناسبة فإنه بكى وصعر وجهه، بشكل كما لو أنه استشعر مقدما بأنه سيكون موظفا في الدرجة التاسعة" ؛ كما رثى لحال الموظف في قوله:" لم يحظ هو في المديرية بأيما احترام. فالحراس ليس فقط لم ينهضوا عند مقدمه، بل كانوا حتى لاينظرون إليه، كما لو أن ذبابة عادية لاأكثر قد اجتازت غرفة الاستقبال؛ وينتقل غوغول ليحدثنا عن هذا الموظف المسكين في بيته حيث كان يحتسي حساء الكرنب، أو "يتناول قطعة من لحم البقر مع البصل، غير ملاحظ طعمها على أي حال، كل ذلك سوية مع الذباب"؛ ونلحظ عنده تلميحا للحياة الأسرية ولطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة؛ وهنا نجده يقترب كثيرا من موليير في سخريته من الحياة الأسرية، حين يتحدث عن زوج الخياط:"إن الزوجة، فيما يبدو، قد أوجعت ضربه. ولكن الأفضل أن آتيه صباح يوم الأحد. فهو بعد سكرة السبت، يبدو عبوسا ذا نظرة شزراء، وإذ يستيقظ بعد نوم طويل فإنه ليلزمه جدا أن يشرب ليصحو، لكن الزوجة لن تعطيه نقودا، فإذا جئته في مثل هذا الوقت ودسست يعتبره كوبكات في يده فسيميل إذ ذلك إلى الكلام، والمساومة دون مماحكة، وسيكون المعطف آنذاك أفضل حالا" ؛
    3- وينتصر عنده أيضا المضحك المتعدد الجوانب، والمتفاوت و الرافض، ويصبح أقرب إلى الدعابة السوداء؛ ويظهر هذا النوع من المُضحك في تصوير الموظف الفقير وهو على فراش الموت:"كان يرى بتروفيتش ويوصيه بأن يصنع له معطفا يقيه شر اللصوص، الذين تراءوا له، دون انقطاع تحت السرير".؛ كما كان يلوح أمامه المسؤول، مستمعا إلى التوبيخ، وقائلا:"عفوا ياصاحب الفخامة". وهكذا نرى أن الخوف والألم يمتزجان ليشكلا مشروع الإضحاك الغوغولي. و الحق أن الكاتب يركز كثيرا على هذا الجانب الضعيف من النفس الإنسانية التي تعبّر عن حقارتها وفسادها بالخوف والألم الناتجين عنها في أثناء تعرضها للخطر، فكأنها تريد التمسك بمكاسبها السابقة؛ والخطر الحالي يمثل نهوض الضعفاء ليلعبوا دور الطغاة، فنصبح بالتالي في إطار تصفية الحسابات؛ لذلك حين نضحك في مثل هذه المواقف نشير في الوقت نفسه، إلى رفضنا للقهر وللظلم الممارسين ضد أبناء جنسنا؛ ونجد ذلك في "المعطف" حين يقابل أكاكي ( بعد وفاته) المسؤول، و لعل الخوف الناتج عن التقاء الظالم بضحيته يغذي عنصر الإضحاك؛ وكانت نتيجة المقابلة أن الموظف البسيط قد أخذ معطف هذا الجنرال ومضى، بعد أن لقّنه درسا لن ينساه؛ كما يبدو حاكم محافظة ساراتوف فاسدا ومرتشيا، لذلك يبدو دائم القلق والخوف أمام المفتش المزعوم خليستاكوف، ويتلعثم في نطقه عند مخاطبته هذا الأخير، بأسلوب التفخيم (ياصاحب السعادة): "(يقترب وهو يرتجف من رأسه حتى قدميه، ويبذل قصارى جهده لينطق) ياصا..صا..صا..صا." .
    ومما لاشك فيه أن خليستاكوف أفاد من فرصة ذهبية ليخدع من حوله، في محافظة ساراتوف، فأضحى هجومه عليهم فرصة سعادة للمتلقي الذي يبحث دائما عن القيم الإنسانية النبيلة؛ ويعبر المتلقي بالضحك عن رفضه لكل مايلحق بالضعفاء من دناءة الآخرين وظلمهم. وأغلب الظن أن النوع الثاني من الهزل، أي الذي يميل إلى التشاؤم، يغزو عالم غوغول بشكل مأساوي (ودائم أيضا) إلى درجة يمكنها أن تبين لنا أن هناك ردود أفعال معبرة على المعاناة. وإن ردود الأفعال هذه تلجأ إلى السخرية التي قد تستمد قوتها الحقيقية من إحساس بالوضوح. ولعل هذا النوع من الدعابة يعكس التشاؤم الذي يميل إلى إبراز يأس الكاتب وعجزه أمام الفساد والظلم والانحلال الأخلاقي. ذلك أنه يريد الخلاص، باحثا عن حل مؤقت يسمح له بتحمل أنواع الآلام المختلفة بصبر، ولايتحقق ذلك إلا بوساطة الدعابة.
    وكما يذكر جوليان تيب Julien Teppe، فإن ليوباردي Léopardi كان يزعم:" أن الإنسان المقترب من آخر درجات اليأس، والذي يرى أن معاناته هي منذ الآن بلاحدود، يبتسم بدلا من أن يبكي، ابتسامة أكثر فظاعة من الدموع". ويدعم هذا القول ماذكره بيلينسكي عن هذه السمة البارزة عند غوغول: "الضحك من بين الدموع". وللسخرية عنده وظيفة بناءة وفعالة، وهي تعبر عن إحساس بالرفض والاشمئزاز. و يلجأ إلى هذا الأسلوب في المسرح دائما، ولاسيما في "المفتش العام". كما تفسح أعماله القصصية مجالا واسعا للسخرية المعبرة. ويعتمد في السخرية على الوصف الخارجي ورسم الشخصيات بطريقة ساخرة. ونلحظ في "المعطف" وصفا لمظهر الموظفين الخارجي؛ إذ إنهم "كانوا كلهم يسيرون في أحذية طويلة، فقط، مغيرين نعالها حوالي ثلاث مرات في العام.". كما يؤدي الوصف الخارجي للمظهر وظيفة أخرى تعكس حالة من الفقر المدقع شديد الإيلام: "فالسترة الرسمية لم تكن لديه صفراء، إنما بلون طحيني، أمعز. أما الياقة فكانت قصيرة، ضيقة". ويعكس المظهر الخارجي طبيعة متأصلة غريبة، هي كذلك تعبير عن عادات ذميمة في المجتمع، وعن تراجع حضاري. فالموظف أكاكيفيتش حين كان يسير في الشارع ترمى عليه الأوساخ " وبسبب ذلك كان يحمل دائما على قبعته قشور الرقي والبطيخ وماماثل ذلك". ونضحك من الموقف الذي هو نتاج ظروف خارجية مؤلمة؛ فقد نضحك من وضع الموظف البائس، لأنه غير قادر على شراء معطف جديد؛ ومع ذلك فإن الخياط قد أصر على ضرورة شراء معطف جديد، وعندئذ لم يدر هذا الموظف البائس إلى أي مكان يتجه، فاختار الطريق المعاكس لبيته؛ ومازاد الطين بلة أنه اصطدم به منظف المداخن بكل جانبه الوسخ، ولطخ بالسخام كل كتفه. ؛ ونضحك كثيرا من رفض غوغول لكل قداسة إنسانية؛ فقد كان أكاكي يتخيل في أثناء احتضاره أنه يقف أمام الجنرال "الشخصية الهامة"، يستمع إلى التوبيخ العنيف، و يجيبه" عفوا ياصاحب الجلالة" .لذلك ذهب بيلينسكي إلى القول: إن الفكاهة الغوغولية "تبلبل نفوس الأطفال أو البسطاء فقط، أما الناس الذين غاصوا إلى أعماق الحياة فينظرون إلى لوحات هذه الفكاهة بتأمل حزين وكآبة ثقيلة [...]" .وثمة أمر آخر واضح عند غوغول، ونقصد لجوءه إلى الظاهرة الخارقة، ليفسر الواقع تفسيرا آخر؛ فقد رأينا أنه في "المعطف" ينقلنا إلى واقع ثان مخالف للمألوف؛ ذلك أن أكاكي عاد إلى الحياة من جديد بعد موته، ولكنه في هذه المرة بدا قويا وممتلكا لموهبة خارقة، فقد صار بمقدوره الوصول إلى الظالمين وقهرهم، وذلك ليعاقبهم على فسادهم وقسوتهم؛ وأضحى هذا الحدث الخارق حلا وتعويضا
    تعليقات كتابة تعليق

    اضغط هنا للدخول

    رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.