الملاحظات
  • تجليات الاسطورة - قصة يوسف بين النص الاسطوري والنص الديني

    تجليات الاسطورة
    قصة يوسف بين النص الاسطوري والنص الديني

    تجليات السرد (*)
    داود سلمان الشويلي

    السرد في أصل اللغة العربية هو: (( تقدمة شئ إلى شئ تأتي به متسقا بعضه في أثر بعض متتابعا . سرد الحديث ونحوه يسرده سردا إذا تابعه . وفلان يسرد الحديث سردا إذا كان جيد السياق له . وفي صفة كلامه ، صلى الله عليه وسلم : لم يكن يسرد الحديث سردا أي يتابعه ويستعجل فيه )). (1)
    و هو : (( جودة سياق الحديث ، يقال سردت الحديث من باب قتل أتيت به على الولاء . ومنه " فلان يسرد الحديث سردا " إذا كان جيد السياق له )).(2)
    ويقول د . عبد الملك مرتاض :ان السرد في الادب الحديث هو : ((التتابع الماضي على سيرة واحدة وسرد الحديث والقراءة من هذا المنطلق الاشتقاقي، ثم أصبح السرد يطلق في الأعمال القصصية على كل ماخالف الحوار، ثم لم يلبث أن تطور مفهوم السرد على أيامنا هذه في الغرب إلى معنى اصطلاحي أهم وأشمل، بحيث أصبح يطلق على النص الحكائي أو الروائي أو القصصي برمته. فكأنه الطريقة التي يختارها الروائي أو القاص أو حتى المبدع الشعبي (الحاكي) ليقدم بها الحديث إلى المتلقي. فكان السرد إذن هو نسيج الكلام ولكن في صورة حكي. وبهذا المفهوم يعود السرد إلى معناه القديم حيث تميل معظم المعاجم العربية إلى تقديمه بمعنى النسج أيضاً)).(3)
    يعتمد بناء السرد في نصنا المدروس على تقنية السرد المتتابع الذي يعتمد على انسيابية الزمن كالنهر جارياً لا يوقفه شيء ، وقد اعتمد الزمن الماضي وصيغته الفعلية في اكثر مواضع النص .
    اضافة الى كل هذا ، فقد كان من مواصفات هذا النوع من السرد هو التوقف والانتقال بالمكان مع استمرارية انسياب الزمان .
    كذلك ، فأن من صفات السرد المتتابع في نصنا المدروس - كالكثير من النصوص الادبية والحكائية والاسطورية التي سبقته وجايلته والتي جاءت من بعده - هو اشتماله على ما يسمى بالفجوة ، او الاضمار ، والاستباق.
    1 - الاضمار :
    هو (( الجزء المسقط من الحكاية أي المقطع المسقط في النص من زمن الحكاية )) (4) ، والامثلة كثيرة على ذلك .
    ومن المعروف ان الاضمار الذي يأتي في السرد مرده الى ان هناك حوادث غير معني بذكرها النص ، اما لاسباب آنية ، او لاسباب موضوعية ، فيقوم النص بعدم ذكرها.
    ويأتي الاضمار داخل السرد كميزة فنية لها غايتها وهي الاقتصاد بالسرد ، ومن ثم يدفع بالقاريء الى المشاركة في انتاج نصه من خلال ملأ الفجوات.
    وقد استخدم الاضمار كأداة فنية من داخل السرد في الكتابات السردية وكذلك الاخبارية القديمة ، منذ ان كتبت ملحمة جلجامش الى يومنا هذا ، الا انها لم تعرف كتقنية فنية في السرد وان توضع لها مقوماتها الا في اواسط القرن العشرين .
    وقد انتبه الكتاب العرب القدامى الى هذه التقنية وجعلوها وجه من وجوه الايجاز ، و ميزة عليا للبلاغة العربية .
    يقول عبد القاهر الجرجاني : ((يكون ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الفائدة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا ما لم تنطق وأتم ما تكون بياناً إذا لم تبن)) .(5)
    ومن الامثلة على ذلك :
    آ– الفترة الزمنية التي فصلت بين نصيحة الاب يعقوب لابنه يوسف، و بين المكيدة التي حاكها له اخوته.
    اذ لم يذكر لنا النص ، هل ان الاخوة قد طلبوا من ابيهم ان يأخذوا معهم يوسف بعد ان رآى يوسف حلمه ، ام ان ذلك قد تم بعد فترة زمنية ؟ وهل هذه الفترة طويلة كانت ام قصيرة ؟ وما هي الاحداث التي وقعت خلالها ؟ اسئلة كثيرة لم يجب عنها النص، لانه غير معني بها .
    ب – الفترة الزمنية التي فصلت بين العثور على يوسف في الجب، و بين بيعه بثمن بخس .
    في هذه الفترة يتم فيها انتقال على المستوى الزمان وعلى مستوى المكان ، أي هناك قطع زمني ، وهو الزمن الذي قطعته القافلة من مكان البئر الى مصر ومن ثم بيعه ، فنحن لا نعرف طول تلك الفترة ، وكذلك كان الانتقال في المكان بين مكان البئر ومصر .
    ج –الفترة الزمنية التي فصلت بين شراء يوسف من قبل العزيز، وبين مراودة امرأة العزيز له . ((ولما بلغ أشده .... وراودته )).
    كم من الوقت مر حتى بلغ اشده ، وكم من الوقت حتى راودته امرأة العزيز ؟
    د - الفترة الزمنية التي فصلت بين المراودة وبين اعداد المجلس للنسوة .
    هـ - الفترة الزمنية التي فصلت بين خروج الفتيان من السجن و تذكر احدهما ( وادكر بعد امة ) يوسف في السجن بعد رؤيا الملك .
    اذ تعني (بعد امة) ، بعد فترة زمنية غير معروفة ، ويذكر النص هذه الفترة بـ (بضع سنين).
    و - الفترة الزمنية التي قضاها يوسف كمسؤول عن خزائن الملك ( اكثر من سبع سنوات خيرات ) حتى مجيء اخوته للميرة .
    ز - الفترة الزمنية التي فصلت بين تسليم يوسف قميصه لاخوته، وبين ان (ولما فصلت العير).
    وهناك الكثير من الاضمارات التي تركنا تسجيلها لعدم الاطالة .
    ***
    2 – الاستباق :
    يعرفه (جينات) بأنه : ((عملية سردية تتمثل في إيراد حدث آت أو الإشارة إليه مسبقاً)). (6)
    نجد أن النص وهو يتعامل مع الزمن، يستخدم عملية الاستباق اكثر من مرة في نصنا المدروس ، منها :
    آ – نصيحة الاب يعقوب لابنه يوسف ان لا يقصص رؤياه خوفا من ان يكيد له اخوته ، وهو الكيد الذي بني عليه القسم الاول من القصة .
    ب – تآمر الاخوة لقتل يوسف ، أي الاتفاق الذي سبق عملية الرمي في البئر، اي انهم اتفقوا مسبقاً على قتل (او رمي ) يوسف في البئر.
    ج– خوف الاب من اكل الذئب ليوسف، (( قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون)) ، أي انه عرف مسبقا ان هناك ما يدبر ضد يوسف ، قد استبق الحدث قبل وقوعه .
    د– رؤيا الفتيان، وما آل تعبيريوسف لها من امور قد حدثت فعلاً .
    هـ - رؤيا الملك ،وما آل تعبيريوسف لها من امور قد حدثت فعلاً.
    و- ما قاله الاخوة لاخيهم يوسف، عندما طلب منهم ان يأتوا بأخيهم الصغير ، قالوا له: ((سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون )) .
    وهكذا نرى النص المدروس قد استفاد كثيرا من هذه التقنية السردية التي لم تكن قد قننت سابقا ، وانما وضعت لها مقوماتها في منتصف القرن الماضي .
    وهذه التقنية ذات فائدة كبيرة لعملية السرد ، وتقديم احداثه ، اذ يمكن من خلالها ان يكسر الراوي ( او منشيء النص) رتابة التتابع الزمني على وتيرة واحدة، مما يصيب القاريء ( المستقبِل ) الملل والكسل في متابعة القراءة ، اضافة لكون هذه التقنية السردية حلية جمالية وفنية للنص .
    ***
    3 – الاسترجاع :
    الاسترجاع أو ما يسمى بـ (اللواحق) (7) وهو –كما يقول- (جينات) (عملية سردية تمثل بالعكس في إيراد حدث سابق للنقطة الزمنية التي بلغها السرد)(8).
    وتقسِم الدراسات الحديثة زمن الاسترجاع إلى ثلاثة أقسام هي:(9)
    أ‌- استرجاع خارجي: يعود إلى ما قبل بداية النص.
    ب‌- استرجاع داخلي: يعود إلى ماض لاحق لبداية حدث ما قد تأخر تقديمه في النص .
    ت‌- استرجاع مزجي: وهو ما يجمع بين النوعين .
    الاسترجاع أو ما يسمى (بالارتداد) مصطلح يراد به عودة السارد إلى سرد بعض الأحداث الماضية بعد أن يوقف السرد عند نقطة معينة،أي أن زمن السرد هنا يتشظى إلى مجموعة من الشظايا الزمنية تفترق في البداية لتجتمع أخيراً.(10)
    ولو عدنا الى نصنا المدروس لوجدناه يستخدم مرة واحدة النوع الاول من الاسترجاع ، اذ يعود الى حدث قد وقع قبل بداية الحكي للنص ، وهذا الحدث على الرغم من ان النص لم يوضحه بصورة دقيقة الا انه يذكر ما يدل على وقوعه .
    (( قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون )).
    من ضمن الاضافات التي قام بها المفسرون تحت تأثير التوراة ،او ما كان متداولا بين العامة ، هو ان يوسف قد تربى في كنف عمته او خالته، ولما اراد والده استرجاعه، قامت هذه السيدة بأخفاء منطقتها – حزامها - تحت ثياب يوسف لتتهمه امام والده انه قد سرقها منها ، وكانت عقوبة السارق في عرف ذلك المجتمع ان يبقى السارق في كنف المسروق منه ليخدمه ، وهكذا اتهم يوسف من قبل اخوته بالسرقة .
    ***
    الهوامش :
    * هذا فصل من كتابي (تجليات الاسطورة - قصة يوسف بين النص الاسطوري والنص الديني) ، يمكن قراءة الكتاب على شبكة الانترنيت.
    1 - لسان العرب - ابن منظور: ج 3 ص 211 - برنامج المعجم - الاصدار الثالث.
    2 - مجمع البحرين - الشيخ الطريحي: ج 2 ص 360 . برنامج المعجم - الاصدار الثالث .
    3 - ألف ليلة وليلة –د. عبد الملك مرتاض – دار الشؤون الثقافية العامة - ص103 .
    4 - مدخل الى نظرية القصة- ص 89 .
    5 - عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، تحقيق وشرح:محمد عبد المنعم خفجي، ـ مطبعة الفجالة الجديدة ـ القاهرة ـ ط1 ـ 1969 ـ ص 170.
    6 - -سمير المرزوقي- ص76‏ .
    7 – المصدر السابق- ص 76‏ .
    8 - المصدر السابق - ص 76 .
    9 - المصدر السابق - ص 76 .
    10 – انظر كتابنا : الف ليلة وليلة وسحر السردية العربية .
    هذه المقالة نشرت أصلا في المدونة : تجليات الاسطورة - قصة يوسف بين النص الاسطوري والنص الديني - تجليات السرد (*) كتبت بواسطة داود سلمان الشويلي
    تعليقات كتابة تعليق

    اضغط هنا للدخول

    رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.