الملاحظات
  • أعجبني

  • أيام الأدب الأوروبي في شبيتز النمسا


    مهرجان للأدب الأوروبي في النمسا ونخبه من الأدباء بينهم اليسون كينيدي وعتيق رحيمي وباتريك دوفيل وتأملات في الهجرة وفي لغة وكتابة الهجرة.
    «كلنا مهاجرون... الأدباء مهاجرون « هكذا تنهي الكاتبة الاسكتلندية اليسون لويز كينيدي كلمتها في افتتاح مهرجان ايام الادب الأوروبي في بلدة شبيتز في النمسا، كلمة الكاتبة شكلت محورا أساسياً للنقاش على مدى الايام الاربعة للمهرجان في دورته السنوية السابعة. نقاش حول الأدب وهويته في اوروبا، وحول الكتابة المهاجرة الى اوروبا وعلاقتها بالمكان الجديد للكاتب، وصولاً الى الاتجاهات الحالية للمواضيع والأساليب الادبية، انتهاء بالأدب الرقمي.
    وسط زلزال الهجرة واللجوء الذي تشهده أوروبا، كان لا بد من موضوع يتلاءم مع كوابيس العقد الثاني من الألفية الثالثة. ماذا يفعل الأدب إزاء كل هذا؟ كيف يعكسه؟ ما موقف الادب؟ أو هل باستطاعة الكاتب ان يقول: انا اكتب أدباً ولا علاقة لي بما يجري الآن.....؟
    اليسون كينيدي تريد «للخيال والفن والأدب دوراً، إذ حين يسقط الخيال نسقط جميعا، ولا يبقى سوى القسوة في العالم. عندما يفشل الفن يتبعه سقوط الخيال وهكذا تنتعش القسوة. كذلك تنتعش الصحافة السامة التي تملك مخيلة ليست بعيدة عن مخيلة صنّاع السلاح. سلاح من نوع أخر يقتل أيضاً الاطفال ويرميهم على شواطئ اللجوء....»
    للقسوة التي نشهدها في عالمنا هنا خيالها أيضا... وهو لا حدود له. ما سمعته من الكاتبة كينيدي يعيدني بالذاكرة الى ما كان يقال عن أدب السبعينيات «الأدب الملتزم»، والذي أصبح مقترنا في أذهاننا بماكينات الأنظمة التي تهاوت بدءا من سقوط جدار برلين الى تهاوي الاتحاد السوفياتي إلى اهتراء أنظمة العالم العربي. لكن ما تتحدث عنه الكاتبة كينيدي مختلف عميق وراهن. لغة مختلفة تعطي للإنسان الفرد ومبادرته مكانا واسعاً في وجه احباط عام اخترق الفن والثقافة. طرح يمنح الأدب دوراً لا علاقة له بالماكينة، بل يقف ناقدا امام عولمة شرسة زادت من نسبة الفقر والبطالة والحروب المتنقلة ومن اللجوء الإنساني والسياسي. هنا ليس من السهل إغفال ما تقوم به الكاتبة الهندية ارونداتي روي في عملها الإبداعي والسياسي.
    لكن برغم تلك الثيمات الكبيرة لا بد من ولادة تساؤل حول الرواية نفسها، هل باتت الرواية اليوم تقديماً سوسيولوجياً مصغّراً لمجتمعات المقاعد الخلفية من العالم، ونقلا مباشراً ولو كتابيّاً لما يحدث في العوالم من عنف لم يشهده التاريخ، يستمتع بقراءته من يجلس في المقاعد الأمامية... أم ما زال أمر قراءة الرواية ومكانها في المساحة العالمية مرتبط بشروطها الأدبية والفنية أولاً من أي مكان أتت وبأي لغة كُتبت.
    اللغة
    نحن مهاجرون صحيح، فكرت وأنا استمع بالأمس الى الكاتب الفرنسي باتريك دوفيل ومواضيع رواياته التي تقدم عوالم بعيدة عن فرنسا. العمل على إعادة قراءة لتاريخ بلدان من آسيا وأميركا الوسطى: كمبوديا، نيكارغوا، الهندوراس، كوستاريكا، تايلند، فيتنام والمكسيك عبر روايات متتابعة ضمن مشروع بدأه الكاتب منذ سنوات عدة. مشروع رواية الرحلات والتاريخ استعمل فيه دوفيل التاريخ وأضاف إليه مخيلة الروائي مسخّرا كل الأنواع الأدبية لذلك من الرسائل الى اليوميات الى الوثائق الى السيرة... هكذا أيضا رواية الكاتب الانكليزي جمال محجوب وعنوانها «ساعة الإشارات» حول المهدي الذي يقود ثورة ضد المحتل الانكليزي. يكتب محجوب بالانكليزية لانها لغته الام برغم أصوله السودانية. الرواية بهذا المعنى مهاجرة هي الأخرى إذ تقدم التاريخ لتخيّل عالم أقل قسوة أو ربما لاختراعه الآن ومن جديد.
    التاريخ يقدم بلغات مختلفة. وموضوع اللغة ايضا في قلب النقاش حول الهجرة والكتابة. في اوروبا عشرات اللغات وما زال السؤال هل نستطيع القول ان هناك ادبا أوروبيا؟ ولا افهم لماذا الاصرار على اسباغ صفة ما على الادب أو هوية: أدب اوروبي أو عالمي أو أي اسم آخر. هو أدب انساني قبل كل شيء، وأهميته تكمن هنا: في انسانيته وفي قربه لمأساة الفرد في وجوده وأحلامه وخوفه. ولا اعتقد بأي حال ان النقاش الدائر حول الأدب الأوروبي يشمل أعمال الأدباء العرب الذين يحملون جوازات سفر أوروبية ويقيمون في أوروبا الا أنهم يكتبون بلغتهم. هذا أيضا سؤال آخر قد يكون موضع نقاش ليس ببعيد.
    ان تهاجر في سن الشباب وتعيش في بلد غير بلدك وتكتب بلغتك الام المختلفة عن لغة البلد الأوروبي المضيف، أمر يطرح جملة أسئلة إشكالية حول العلاقة بين الكاتب والمكان والمجتمع. كذلك رؤية الكاتب لنفسه ولدوره. كثير من الأدباء العرب وجدوا الى حد ما معادلة: انا لاجئ سياسي (أو غير سياسي) اكتب بلغتي وأكتب ذاكرتي. لست كاتبا أوروبيا. هكذا تقريبا وصف نفسه الكاتب العراقي نجم والي. أدباء مشاركون هاجروا من بلد أوروبي الى آخر وأقاموا هناك لا يريدون ان يُقدموا دائما وفي أي مناسبة على انهم لاجئون. قد تكون تلك الملاحظة الأخيرة أكثر دقة مع الأدباء الذين يحاولون الكتابة بلغة الوطن الجديد. إذ كثير من الأدباء في العالم وجدوا في لغة البلد المضيف وطناً آخر لهم وأدخلوا تلك اللغة الجديدة الى أعمالهم الإبداعية (كونديرا، رحيمي). لا يعني هذا النقاش الموضوع المتعلق باعتماد كثير من الأدباء العرب اللغة الفرنسية كوسيلة تعبير إبداعية. هذا موضوع آخر يستحق مقالة مستقلة. بالطبع اللغة هي اللاعب الأول في ملعب الأدب وفي عالمه. بأي لغة نكتب وعما نكتب ولمن...؟ لكن الأهم ما تشكّله تلك الكتابة من انعكاس للإنسانية، وسط عنف وأمام تسليع للإبداع؟ محاور وأسئلة عدة خرجت من تلك الأيام الأربعة في شبيتز. هي برسم التفكير والبحث عن أجوبة قد تأتي متعددة ومتناقضة.
    كتابة الهجرة
    في حواري معه وبعد عرض فيلمه «حجر الصبر»، وجدت في كلام الكاتب الفرنسي من أصل أفغاني عتيق رحيمي معنى مثيرا لوصف الكاتب المهاجر من بلد الى آخر مختلف تماماً في الثقافة حين قال «انا محشو» Je suis empaillé.
    في إشارة ساخرة مشبها نفسه بألعاب الأطفال: حيوانات محشوة بالقطن او القش وغيره. أفهم بقوله هذا « قد أكون الإثنين معاً». أضاف رحيمي لست لاجئا سياسيا بل لاجئا ثقافيا. ربما بهذا الكلام ورغبته بالابتعاد عن السياسة، يفعل رحيمي عكس ما يقصد: يعيد الثقافة الى السياسة أو العكس. من الصعب الفصل بينهما على أي حال. قد يبدو موضوع الهجرة والكتابة بسيطاً لأدباء «الطريق» الذين قرروا السفر لخوض التجربة واكتشاف العالم. لكن المجيء من بلدان تعيش تجارب عنف يومي فَقَد معه ضحاياه أي دعم انساني من العالم أجمع قد يوصل الكاتب الى إعادة النظر بكل القيم التي حوله. بل أن يبدأ من الصفر لبناء عالمه الذي فقد أي ثقة بشرائع حقوق الإنسان. كأن يسأل ماذا يعني أن آتي من بلد صادرته قوى لعبت دور البطولة في حرب استمرت لعقدين ثم لعبت دور البطولة في سلم مسموم. يكفي أن نسير في شارع من شوارع عواصمنا، يكفي أن نشهد يوما واحدا مما يعيشه الفلسطيني أو السوري أو العراقي لندرك ماذا تعني كلمة القسوة بل لندرك أيضا ان سريالية القسوة تتجاوز أي خيال أوروبي. ماذا يعني حينئذٍ أن نكتب عن الهجرة. كتابة الهجرة قد تغدو حينها أن نتعلم النزاع ولكن بلغة أخرى. وأن نحلم بسلم نشتاق اليه كأنه عالم قام يوماً ونريد استعادته.
    لكن هذه الأسئلة تقوى وتضعف امام مواضيع من نوع ما على المثقف والكاتب والفنان القيام به الآن في العالم. أعود الى كلمة اليسون كينيدي: لكن حين يسقط الخيال ما علينا نحن الأدباء فعله، ما علينا القيام به؟
    العولمة استطاعت تقديم حروب عالمية بوسائل محلية مصغرة ومتنقلة. لكنها تجهد وربما لا تنجح دائما في إبقاء اماكن سُلطاتها بعيدة عن نار تلك الحروب. الأضعف فيها يتأثر والأقوى يحمل تبعاتها. في فرنسا لم ينس أحد «شارلي ايبدو»، وفي ألمانيا تصل وبشكل يومي قافلات اللاجئين والهاربين من العنف، الذي صمت إزاءه العالم أجمع، إلى أراضيها.
    في اليوم الأخير من اقامتي في شبيتز اسير من الفندق الى القلعة القديمة حيث تقام الطاولات المستديرة والحوارات. أوراق الاشجار تتغير بسرعة. تلبس الوانا خريفية لكنها مبهجة. أشعر انها تتغير كل يوم. انصت قليلا الى اصوات العصافير التي تنشد ما تبقى لديها من اغاني الصيف. الصباح هنا هادئ. يكفي ان افتح نافذة الغرفة كي استطيع أن امسك بأغصان هي بيوت ليلية للعصافير. لكنها سرعان ما تطير في الصباح الباكر.
    في هذا الهدوء... تطل صورة الطفل الغريق الذي وجدت جثته على شاطئ البحر وهو ما زال بكامل ثيابه الجديدة، بحذائه الجديد الذي ربما اشترته له امه بمناسبة السفر. تطل الصورة ثانية عبر كلام اليسون كينيدي عنه. علينا انقاذ الخيال من الصمت واللامبالاة. علينا أن نقول شيئاً.
    قد يصح ما كتبه لي أحد الاصدقاء، ان شرعة حقوق الانسان غدت حبرا على ورق يصلح «للف السندويشات» بالنسبة لنا في عالمنا العربي وهي التي باتت في العالم الغربي مبنية على معايير محض اقتصادية ونفسية. الكذب العالمي أيضا له قساوته وتناقضاته وسورياليته. صورة ليست غريبة عن الواقع وتتزامن مع حصول رائف بدوي الناشط السعودي المرمي في السجون السعودية على جائزة ساخاروف لحقوق الانسان من البرلمان الاوروبي وعلى ترؤس السعودية، التي تسجنه، للجنة حقوق الانسان في الامم المتحدة.

    السفير
    تعليقات كتابة تعليق

    اضغط هنا للدخول

    رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.