الملاحظات
  • ملابس المرأة الجاهليّة في المعلّقات- عبد الملك مرتاض

    ملابس المرأة الجاهليّة في المعلّقات- عبد الملك مرتاض

    لو طَلَبَ إلينا طالب أن نقدَّم له صورةً دقيقة، وأمينة لِمَا كانت تلبسه المرأة العربيّة في الجاهليّة - ولِمَا كان الرجل، أيضاً، يلبسه على ذلك العهد -لعجزْنا عن ذلك عجْزاً، ولاضطرْبنا اضطراباً: لصمت التاريخ، ولِخَرَسِ الأخبار، ولِشُحِّ النصوص الشعريّة بالمعلومات، ولاضطراب الروايات في معظم الحالات.. ولولا هذه النُّتَف النزْرة، والنُّبَذُ الضَّحلة، من الأشعار التي بلغتْنا، صحيحة أو منحولة عن عهد الجاهليّة، والتي قد نظفر في تضاعيفها ببعض الإيحاءات، أو بعض الإيماءات، إلى بعض هذه الملابس التي نَنْشُدُ تفاصيلَ شأنِها: لكان تصوُّرُنا، إِذن، لهذه المسألة مُظْلِمَاً، وإذن لَمَا كنا استطعنا أن نتولّج إليها من أيّ باب.
    ولقد أغرانا بأن نتناول هذه المسألة الطريفة في هذا البحث الذي نقفه على شأن المرأة في المعلّقات السبع، ضمن هذه المقالة، أمران اثنان على الأقلّ:

    أوّلهما: أنّا لم نقرأْ، ممّا كتب الناس عن هذا العهد، أو عن هذه النصوص الشعرية المُعْتَزِيَةِ إلى ذلك العهد -إِلاّ أن نكون مقِصّرين في القراءة، قليلِي الإلمامِ بما كتبوا - شيئاً عن هذه الملابس التي كانت المرأة العربية، على عهد الجاهليّة، تتّخذها للسُّترة والتدفُّؤِ أوّلاً، ثمّ للتزّين والتبرّج آَخِرَا. ولقد أشار القرآن العظيم إلى سيرة المرأة في الجاهليّة الأولى فوصفها بأنّها كانت تتبرّج للرجال، وتكشف عن بعض مفاتِن جسدِها لتفتنهم، ولتغريهم بكلّ مايدفعهم إليها، ويعلّقهم بها، فقال:(ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِليَّةِ الأولى)(31)، وإنّما أُمَرتِ المرأة في الإسلام بالتصوّن والتعفّف، والتستّر والتخلّق؛ حتى لا تشبه المرأة الجاهليَّة التي كانت "تُلقي الخمار على رأسها ولا تَشُدُّه، فيواري قلائدها وقُرُطَها وعُنقها، ويبدو ذلك كله منها" (32): فيكون ذلك أفتن للرجال، وأشدّ إغراءً لهم بِهَنّ، وكأنَّ دَعْوَةٌ متغنّجِةٌ إيّاهُم إليهنّ؛ فكان "لهنّ مِشيةٌ وتكسُّرٌ وتغنّج"(32)، فكانت المرأة العربيّة في الجاهليّة ربما لبست "الدرع من اللؤلؤ غير مَخِيط الجانبيْن"(34)، بالإضافة إلى الملابس الشفّافة التي كانت تُبْدِي من المرأة ما بالداخل، من الخارج...

    ولعلّ هذه الوثيقة الدينيّة الأولى -وهي نصّ القرآن العظيم- التي تفْضَح سلوك أولئك النساء الجاهليّات. وإذا كان التبرّجُ معنىً ينصرف إلى كلّ ماتُظهره المرأة وترفعه من زينتها وجسدها؛ أي إلى كل المُغْرِيات التي تُغْرِي بها الرجَلَ الضعيف؛ فإنه يجب أن يكون هذا التبرّج مصحوباً، وانطلاقاً من كتب التفسير(35) المختلفة، بجملة من المظاهر الإغرائيّة الماثلة، خصوصاً، في رقّة الملابس، وَشَفَافِةِ القِناع، وَوَسْوَسَة الحَلِّيِ، ورنينِ الخلاخل، وخَشاشِ الأساور واهتزاز الأقراط، وإرسال الشّعرِ، وكلَّ مايمكن أن تَفْتِنَ به المرأةُ الرجلَ،وتُدَلِّههُ: من جسدها، من خلال ملابسها وحركاتها...
    بيد أنّ يَسْتَبِينُ لنا أنّ المرأة الجاهليَّة كانت ترتدي ملابَس فاتنةً في الحفلات والمناسبات السعيدة؛ وأنّ ذلك لم يك لدى البدويّات من النساء -ذاك شيء نتمثّله بالمنطق وجريان العادات - ولكنه كان، ربما، وقْفَاً على نساء القرى مثل مكة، ويثرب واليمامة، والحِيرة، والطائف، وصنعاء وما ضارع هذه المدَن العربيّة الأزليّة التي كانت تعرف شيئاً قليلاً أو كثيراً من الازْدِهار، والتي كانت تكتظّ بشيء من الحركة وسعادةِ الأحوال. إن هذه الآية الشريفة هي التي كشفت لنا عن أنّ أولئك النساء لَمْ يَكُنَّ يرتدين ملابَس من الشَّعْرِ والوبَر، ولا من الصوف والجِلْدِ، ولكنهنّ كن، يرتدين ملابَسُ يُظَنُّ، أنها كانت منسوجة من القطن والحرير.

    ويدلّ أغلب صفات هذه الملابس، التي استخلصناها من معلّقتي امرئ القيس وطرفة، على سعة أيدي أولئك النساء، وتبرّجهنّ وتزّينهنّ، أكثر ممّا يدلّ على تعرّضهنّ للابتذال والخدمة، ذلك بأنّ مقتضيات الأحوال كانت تقتضي أن يذكر هذا الضرب من الملابس النسويّة الدالّة على غَضاضة العيش، وَسَعةِ الحالِ، وسُبوغ النعمة، لأنَّ الشاعرين الاثنيْن كانا بصدد وصف حبيباتٍ أنيقاتِ العيش، رقيقاتِ الذوق؛ إذ لا يمكن لشاعر أن يحبّ امرأة بدون قلب، ولا فتاة غليظة الكبد، فَظّة الطبع، سيئة الذوق، منعدمة الأنوثة، خالية من الغنج، محرومة من الدلال النسويّ... فكأنّ أناقة الملابس كانت دليلاً على رقّة العاطفة، وجمال مظهرها، فكانت برهاناً على جمال المخبر لدى أولئك النساء الموصوفات بالحُسن والجمال، والرقّة والدلال، والغَنج والذكاء، والقدرة على التجاوب، والقابليّة لمبادلة الهوى بالهوى، والعشق بالعشق: فقد كُنّ طويلاتِ القامات ممشوقاتِ القدود، وكنّ مسودَّاتِ الشعور نُجْلَ العيوِنِ، وكنّ رقيقاتِ القلوب نحيلاتِ الخُصور، وكنّ مُضْطَمِرَاتِ الكُشوح مُشرقات الثّغور، وكنّ عذباتِ الرّياقِ شديداتِ الاشتياق...
    وكنّ يتّخذن لذلك من الملابس مايَدْلُلنَ به من الخارج على ما بالداخل، ومن السطح على مافي العمق، ومن الظاهر على مافي الباطن...
    وقد كانت المرأة الجاهليَّة لا تحتزم على قميص النوم، بل كانت ترسله إرسالاً فضفاضاً على جسدها حتى يكون أفتنَ لمظهرها، وأغرى لِمَرْآَتِها. قد يدلّ على شيء من ذلك قولُ امرئ القيس:
    * نؤوم الضحى لم تنتطِقْ عن تفضُّلِ.
    أي أنَّ هذه المرأة لم تحتزِمْ على لباسها، كما يدل، على ذلك بعض قوله أيضاً:
    فجئتُ وقد نضَّتْ لنومٍ ثيابَها
    لدى السترِ، إلاّ لِبْسَةَ المتفضِّلِ.


    ولعلّ ذلك أن يعني أنّ المرأة لم تكن ترتدِي من الملابس، أثناء النوم، ماكانت ترتديه أثناء النهار، وأوقات الامتهانِ، فكانت تتخفّف من كلّ ملابسها النهارِيّة، عند النوم غير ثوب واحدٍ تنام فيه (37) ويدلّ هذا على ماكانت الحياة بلغته لدى أهلّ الجاهليَّة، خصوصاً في القرى، من حضارة وتنعَّم، وإلاّ فإنَّ المرءَ قد يتصوَّر أمورَ النساءِ على ذلك العهد البعيد على غير ماذكر امرؤ القيس... بيد أنّ النّصَّ، هنا، حجّة على غير النص.
    إنّ لبْسَةَ التفضّل، هنا، لا تَعْنِي شيئاً عن شعر امرئ القيس: غيرَ قميصِ النوم في لغتنا المعاصرة. وعلى الرغم من أنّ المتفضَّل، في دلالة اللغة العربيّة القديمة، يعني "اللابس ثوباً واحداً، إذا أراد الخِفَّة في العمل"، (38) في مزعم الزوزنّي، إلاّ أنّ سياق البيت لا يدلّ، هنا، على معنى التخفّف من أجل العمل والكَدْحْ، ولكنه ينصرف إلى معنى التخّفّف من الملابس الضّيقة، أو الغليظة، أو التي تستدعي حِزاماً عليها، والاجْتِزَاء بثوب واحد خفيف شفاف ناعم هو لباس النوم لدى المرأة المنعَّمة الموسِرَة؛ كما يدلّ على ذلك صريح عبارة امرئ القيس.
    ذلك هو تأويلنا لقراءة بيت امرئ القيس، على الرغم من أنّ المعاجم العربيّة تخلط معنى هذا اللباس بين الرجل والمرأة فتجعله الثوبَ الواحد يرتديه الرجل أو المرأة في البيت من أجل الامتهان، أو الراحة (39)، وإنَّا لا ندري كيف استطاع الزوزني أن يحرِّفَ معنى لفظ التفضّل عن سياقه في بيت امرئ القيس، ويذهب به إلى دلالته العامّة في المعجم، ويجرّده من دلالته الجماليّة في هذا الشّعر.


    وعلى أنّ المعجم العربيّ نفسَه يذكر من معاني هذا اللفظ مايختصّ بالمرأة ونومها أو اختلائها؛ أكثر ممّا يذّكر من معانيه المنصرفة إلى لِبْسة الرجل؛ إذ الأصل في الفَضْلة أنّها "الثياب التي تبتذل للنوم لأنها فضلت عن ثياب التصرّف"(40) وأيُّ سيدة تتخذ لبسة المتفضّل إنّما تتخذها حين تَسَعُ ذاتُ يدِها، فترتديها ليلاً لأنها فضلت عن ثياب التصرَّف التي ترتديها أثناء النهار، سواء أتعلّق الشأن بلباس الخروج، أم بلباس المنزل...
    وكانت العرب تطلق الدِّرْعَ على لباس المرأة العَوَانِ المستوية، ولذلك ورد في تفسير الزمخشريّ، وأنّ المرأة - في آية التبرّج- كانت ترتدي الدرع من اللؤلؤ (41)؛ بينما كانت العرب تطلق على لباس الجارية المِجْول. وقد جمع امرؤ القيس بين ذيْنك معاً، على أن حبيبته، هي أيضاً، جَمَعَتْ بين الحالينْ في لباسها؛ فكأنَّها أفضلُ من الجارية الغِرَّةِ، من حيثُ نُضْجُها، وأفضل من المرأة المستوية من حيث احتفاظُها بفَتائِها، ونضارة جسدها: فكأنّها المرأة الكاملة التي تجمع بين فَتاء الفتاة ومافيها من غِرَّةٍ وَغَفْلَةٍ، وبين استواءِ المرأةِ العَوان ومالديها من تجربة وقابليّة للاستجابة:
    * إذا ما اسْكَرَّتْ بين دِرْعٍ ومِجْوَلِ.
    واللغة الشعريّة، هنا، ذات دلالة سيماءَوِيَّةٍ لطيفة، وإيحائيّة. فالاسْبِكْرارُ رمزٌ لطول القامة ومَثلُه مَثَلُ قولهِ:
    * نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضّل.


    وكانت المرأة الطُّوالَةُ أثيرةً لديهم كما يطالعنا ذلك في كثير من أوصافهم الدَّالة على ملامح المرأة، ومحامِدِها في كتاب الأغاني لأَبِي الفرج، وَسَوائِهِ من كُتُبِ التراث.... على حين أنّ ذِكْرَ الدّرعِ قرينة دالّة على المرأة المستوية. وفي ذكر المجول مُماثِلٌ (إقونة) للفتاة الفتيّة الحَييّةِ. فكأنَّ هذه العبارة تجمع بين ثلاثَةِ مُماثِلاتٍ (42)، إذ الاسْبكرارُ من مُلازمات الطُّولِ، والدِّرْعُ من ملازمات السيّدة المستوية، أو العوان، والمِجْوَلُ من ملازمات الجارية الفتيّة. فهنّ سِماتٌ حاضرات، يجسّدن سِماتٍ غائبات. ولعلّ إلحاحَ القيس على طولِ لباس المرأة في أكثرَ مِنْ موطنٍ من شعرهِ دليلٌ آخرُ على أنَّ المرأة حين كانت تتبرّج في الجاهليّة كان تتخّذ لها لباساً مُذيَّلاً، ورِداءً مُطوَّلاً: يتجرجرْ وراءَها فيمسح الأرضَ، شأن "فستان" العروس الموسَرة على عهدنا الراهن. ويعني ذلك أنّ هذا الضرْب من اللّباس النَّسْوِيّ عُرِفَ، لدى العرب، منذ العهود الموغلة في القدم. وإنَّ هذا الضرب من الملابس لم يكن يتّخذ للابتذال والامتهان، ولكنه كان يتّخذ للتبرُّج والزِيْنَة، وللتبخْتُرُ والفتنة. وقد كان امرؤ القيس أومأ إلى بعض ذلك بقولهِ حين وصف حركة عَذَارَى دَوَارٍ يوم كُنَّ يَطُفنْ بهذا الصنم في ثيابهنّ الطوال:
    * عذارى دَوارٍ في مُلاءِ مُذيَّل.
    والمُلاءةُ هي اللباس المُركَّب من لِفْقَيْنِ اثنيَن. بيد أنّ يعنينا في هذه المُلاءِ أنّها كانت تتجَرْجَرْ وراء الفتيات. وهو هنا مشهدٌ جماليّ عجيبٌ، ومُثير أنيق.
    وهناك شاهد آخَرُ على طول ملابس المرأة الجاهليّة من معلّقة امرئ القيس، وهو:
    * خرجْتُ بها أمْشِي تَجُرُّ وراءَنا
    على أثَرَيَنْا -ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ

    ونحن لا نتفّق مع الزوزنيّ في شرحه لعبارة جرّ الذيل، ذيل صاحبةِ امرئ القيس، حيث أعاد طول لباسها إلى أَنّها كانت تبغي به إعفاءَ أثريْهِما (43) وهما يتمايشان. وهو وجه من القراءة، لديهِ، غريب بعيد. وكأنّ قراءة الشيخ لم تَلْحَنْ إلى دور جماليّة الثوب بالنسبة للمرأة؛ وكأنّه تغافل عن أنّ امرأ القيس ذكر اللباس المذيَّل مرتين اثنتين. وكأنّه كان يرى أنَّ العبارات تَرِدُ في النصوص الأدبيّة عفْواً، وأنّها لم توظَّفْ لموقف سيماءَوِيّ من خلال أدائها الوظيفةَ الدلاليّة العارضة الأولى.
    إنّ جرّ الذيل على أَثَرِيْ العشيقيْن -امرئ القيس وصاحبته- لم يكن من أجل إِعْفاء الأثر وحده، وربما لم يرد في الحِسَابِ ذلك المعنى في ذهن تلك المرأة العاشقة؛ ولكن كان طول لباسها، أو فَضْلَتِها، دالاًّ على دَأْبٍ حضاريّ كان يَمْثُلُ في أنّ المرأة الموسَرَةِ كانت إذا شاءت النوم، أو ماله صلة به... اجتزأتْ بلباس فَضْلَتِها غيرَ محتزمةٍ عليها. ويُفْهَم من دلالة اشتقاق الفضلة، أنّها كانت خالصة للمرأة الموسرة التي تستطيع أن تستغني عن ثوب نومها أثناء الاِمتهان، أو الخروج من البيت، أمَّا المرأة الفقيرة فل تكن ترتدي لِبْسَة المتفضّل. وهذا عامّ في جميع الأزمنة والأمكنة.
    ويكون ثوب النوم، في الغالب، أطولَ من ثوب الامتْهان، فكان لباس صاحبة امرئ القيس يتجرْجر وراءَها، وقل إن شئت وراءهما، ومن الواضح أنّ لفظ /أَثَرَيْنا يعني أنّ لباس المرأة كان طويلاً مذيّلاً؛ وأنّ العشيقيْن كانا متعانقيْن حتّى كأنّهما كان يشكّلان جسداً واحداً... فدلالة /على أثرينا/، كما نرى، لاتستطيع معانِي اللغة المُعْجَمِيَّة تفسيرَها؛ ولكنَّ السيمائيّة ممثّلة في التأويليّة هي التي تستطيع ذلك...


    إنّ تفسيرَ الزوزني لعبارة / على أثريْنا/ يبدو غيرَ مقنع، وذلك على أساس أنّ ثوب هذه السيّدة كان من الخِفَّةِ والشفافة ما لايسمح له بأن يَقْدِرَ على الإغفاء على أَثَرَي المَشْيِ المتداخل. ثمّ إنّ المشي كان ليلاً، ولم يكن الحَيُّ مُقفِراً من قاطِنيهِ إلا من هذيْن العشيقين فيعرف الناس في غداة الغد أنهما هما اللذان كانا قد مَرَّا من هناك... ثم، إنّ الريحَ كانت بالمرصادِ لِمِثْلِ هذا المُماثِل (الإقونة: إقونة أثرَي العشيقيْن المرتسميْن على الرمل): لكي تُعْفَي عليه، وتنسج نسوجها على مواقعه.
    والمعلّقاتيّ الآخَرَ الذي عُنِيَ بلباس المرأة، ولكن بدرجة أدنى، هو طرفة بن العبد، فقد ذكر أكثر من مرة، لباس قينة من القيان، ومن ذلك قوله:
    * وقينة تروح علينا بين بُرْدٍ ومَجْسَدِ
    والبُرْدُ كِسَاء مخطّط، وقد فسرَّه المعجميّون العرب، القُدامى ، على أنه ثوب يمانٍ، مخطّط مُوَشّىً(44)، على حين أنّ المَجْسَدَ هو ثوب مصبوغ من الزعرفان في تعريف معجميّ، وثوبٌ أحمرُ قانٍ في تعريف معجميّ آخر(45)، ولكنّ التعريفيْن يتفقان على أنّ المَجْسَدَ قانِي اللون، أو فاقعه، وهما لونان يتمحّضان للمرأة. وكأنّنا نتمثل اشتقاق هذا المَجْسد من الجَسد، وكأنّه كان يرتدى على حُرِّ جسد المرأة.
    ويمكن أن نستخلص من نصّ طرفة ثلاثة أمور مَجْدَرةٌ بالدلالة لدينا:
    أوّلها: أنّ هذه القينة -المغنيّة- كانت الفتيان تغشى مَلْهَاها رواحاً لا غَدوّا؛ ممّا قد يدلّ على أنّ هؤلاء الشَّرْبَ كانوا يسْهَرون على شرابِهم ولهوهم في ذلك الملهَى الذي كانوا يختلفون إليه؛ فكان مجلسُهم ذاك، إذن، اغتباقاً لا اصطحاباً، وقد يدلّ ذلك على بعض الاِزدهار في حياتهم:
    وإلاّ لَما كانوا اتَّخذوا مجالسَ للشراب، ولمّا يَمَّموا مَرتَعَ اللهو؛ فكانوا لا يتجزئون بما كانوا يترشَّفونه اصطحاباً، حتّى طِمعُوا في وَصْلهِ اغْتِباقاً.


    وثانيها: أنّ هذه المغنيّة التي كانت تُقْبِلُ على الشَّرْبُ مُتراقِصَةً، مغريَةً إيّاهم في ملابس كأنها عُرْيٌ، إذ كانت ترتدي لِمُرتادي حانتِها قميصاً مخَطَّطاً من صُنْعِ يَمَانٍ، ولم تكن ترتدي لِباساً خَشِناً من الصوف شأنَ البدويّات. فكأنّ الفتاة التي يتحدّث عن لباسها طرفة كانت متحضِّرة منعَّمَة، ورقيقةَ العيشِ ناعِمةً، وأنيقة الحركة مدلّلّة: لتُغْرِيَ الفتيان باللهو في حانة صاحبها، ولتجعلهم يُقبِلون عليها، فيستمتعون بصوتها إذا غَنَّت، كما يستمتعون بالنظر إلى جمال وجهها، واعتدال قامتها، وأناقة ثوبها الذي كان يتّخذ اللون القاني إذا احمّر، واللون الفاقع إذا اصفرّ.
    وكأنّ هذا الضرْب من الملابس، مضافَاً إليه ماوَصَفَ به امرؤ القيس من ملابس النساء، يصدق عليه آية التبرَّج التي فَضَحَ القرآن بها المرأة الجاهليّة.
    وآخرها: إنّ هذه القينة اتّخذت لها ثوبَينْ اثنين: أحدهما داخِليٌّ ممّا يَلِي الجسد، وهو بمثابة القميص، وهو مُخَطّط موشّىً، مؤنَّقٌ؛ وأحدهما الآخرُ مُغْرٍ منظرُهُ، فاتِنٌ لونُه؛ لأنّه مصبوغ بلون الزعفران الأصفر الفاقع في تعريفٍ، أو لأنّه أحمرُ اللونِ قانِيهُ، في تعريف آخر.
    واللون الأحمر إذا ارتدتْه المرأة -الجميلة الفتيّة خصوصاً - يتّخذ له دلالةً لونيّةً جديدةً كأنّها لم تكُ فيه من ذي قبل حين كان غيرَ ملبوسٍ، مَثَلُهُ مَثُلُ الأسودِ، والوَرْدِيَّ... فكما أنّ الألوان الفاتحة تزّ‍ين المرأة وتزيدها فتنة؛ فإنّ المرأة، هي أيضاً بلونها، تزّين هذه الألوان:
    ولاسيما إذا بدت على ضوء الشموع، وقناديل السّليطِ التي كانت، فيما يبدو، تُتَّخَذ لديهم للإضاءة(46) وهو الضوء الذي يُحيل على الليل. وهو الليل الذي يحيل عليه قوله /تروح/ الدالُّ على زمن المَساء السحريُّ...

    لكنّنا نلاحظ أنّ قينة طرفة بن العبد تضيءُ أو تُضاءُ، من حولها القناديل لكي يبرز جمالها، ويرتسم جسدها، من خلال ماكانت ترتديه من أثواب مخطّطة وملونّة معاً، بينما نلفي صاحبة امرئ القيس هي التي تضيء الظلام؛ فهي مصدر للنور، فالنور عنها ينبثق، وهي منبع للضياء، فالضياء منها يَنْبَجِسُ، ولا سواءٌ امرأةٌ تضيء الظلام عِشَاءٌ، وامرأةٌ تُضاءُ بالشموع والقناديل عِشاءً. فالأَوْلَى مصدرٌ للجمال العبقريّ الكريم، والأخرى مظهر لهذا الجمال في حدوده المألوفة لدى الناس، والممكنة في تقاليد الأعراف.
    ويبدو أنّ طرفة لم يجاوز وصْفُه هذه القينةَ إلى سَوائِها من النساء، ويبدو أنه كان بها مُعْجَباً، بل لها هاوياً، فكان يتأوَّبُها إذا جَنّهُ الليل وهي في حانة الشراب، ولذلك نلفيه يصف بعض ثوبها، تارة أخراة، فيقول:
    * رحيب قِطاب الجَيْبِ منها رقيقة
    بَجسِّ النّدامى ، بَضَّة المُتَجرَّدِ
    فكأنَّ طرفة يُسِفُّ، في هذا البيت، من منظورنا على الأقلّ، إلى وصف امرأة عموميّة هي مِلْكٌ مُشاعٌ بين الناس جميعاً، من أجل ذلك تراها أوسعت في جَيبِ مَخْرَجِ رأسها من ثوبها؛ حتى يبدوَ من جسدها جيدُها وَنْحْرُها، وكلّ ما علا منه للندامى، وحتّى يَيْسُر عليهم جَسُّ جسدِها البَّضِّ العارِي المَفاتِن.
    بينما يمحّض امرؤ القيس وصْفَهُ لحبيبتهِ الخالصة له، القاصرة الطْرف عليه، فالفضلة التي كانت ترتديها، لَيْلَةَ أَوَّبَها؛ إنما ارتدتْها له وحْده، والثوب الضَّافِي المذيّل الذي أضافته إلى فَضْلَتِها، أو استغنت عن فضلتها فارتدته وحده، لدى خروجها مع الشاعر خارج الحيّ، إنما ارتدته ليتمتَّع بِهَا وحدَهُ أيضاً -من لَهْوٍ- تمتُّعاً غيرَ مُعْجَلِ. وشتّان حبيبةٌ قاصرةُ الطرْف على حبيبها، وقينةٌ عموميّة كلُّ من شاءَها، نالَها: لا تُرُدُّ يدَ لامسٍ يلمَسُها، ولا جاسَ يجُسُّها.


    ونجد عمرو بن كلثوم يحترز لعفّة صاحبته واستئثاره بها وحده حين يصف منها الثَّدْيَّ بأنّه مثلُ حُقِّ العاج رَخْص، وأنّه -وهو أهمّ من ذلك شأناً- حصانٌ من أكُفِّ اللاّمسين. فكأنَّ طَرفة وحدهُ، من بين المعلّقاتيّين، هو الذي أَسَّفَّ في وصفه حين نزل إلى وَصْفِ امرأة عموميّة، على حين أن زملاءَه قدّموا لنا صورة مشرقة وجميلة للمرأة الجاهليّة التي كانت تبادل الرجل حبّاً بحب، ولكن في سمّو واعتزاز، لا في ابتذال واستخذاء.
    ويذكر طرفة الثوب المذيّل، هو أيضاً، مرّة واحدة إذْ يقول:
    فذَالَتْ كما ذَالَتْ وليدةٌ مَجْلِسٍ
    تُريّ رَبَّها أذيالَ سَحْلٍ مُمَدَّدِ
    فهذه القينة التي شُبِهَتْ بها الناقة: كانت تترهْيَأُ في مشيتهأ، وتتكسَّر في حركتها، وتتبختر في ملابسها، وذلك كيما تُرِي سَيَّدَها ومالِكَها أذيالَ ثوبها الأبيض المتجرْجر، لكنّ هذه الصورة الجميلة للثوب سرعان مايخمد وَهْجُها، وتنطفئ جَذْوَتُها، حين تصطدم بامرأة هي ملك للناس جميعاً، أوّ كأنّ قَدِ!...
    4 - الزينة والتزيّن في المعلّقات
    تصادفنا في المعلّقات السبع مظاهرُ من الزينة وأدواتها مثل السَّجنجل والحِنَاء اللذين يصطنعهما امرؤ القيس عَرْضَاً:
    * ترائِبُها مصقولةٌ كالسَّجَنْجَلِ
    * عُصارةُ حِنَّاءِ بِشَيْبٍ مُرَجَّلِ.
    بينما يذكر طرفة بن العبد أدواتٍ للزينة والتجمّل، كما يؤخذ ذلك من قوله:
    * وعينان كالمَاويَّتَيْنْ استَكنَّتا (اي كالمِرْآتين)،
    * ولم تكمِدْ عليه بإثْمِدِ
    (أي لم تعْضضْ عليه بالكُحْلِ).
    على حين أنّ زهير بن أبي سُلمى يومئ إلى استعمال المرأة العربيّة في الجاهليّة لزينة الوشْم في المِعْصَمِ، إذ يقول:
    * مراجيعَ وَشْمٍ في نواشِرِ مِعْصَمِ.
    أمّا لبيد بن أبي ربيعة فيتحدّث عن الواشمة، والنُّؤُور (أي الإثْمدِ)، فيقول:
    * أو رجع واشمةٍ أُسِفَّ نَؤُورُها.


    وعلى الرغم من قلّة أدوات الزينة النسويّة، ووسائل التجمّل، في نصوص المعلّقات؛ وعلى الرغم من أنّ الذين أومأوا إلى بعض ذلك لا يكاد يجاوز أربعة معلّقاتييّن هم امرؤ القيس، وطرفة، ولبيد، وزهير، فإنّ ذِكْرَ شيءٍ من هذه الأدوات يدلّ على أنّ المرأة الجاهليّة كانت تتزّين بالمساحيق، وتتعطّر بالعطور، كما كانت تتبرّج بالملابس الشفافة، وتتحلّى بالحلّي الذهبيّة والفضّية والنحاسيّة والخرزيّة.(47).
    ولقد نلاحظ أَنّ هذه الزينة كانت تنهض على التَّمَرئِي في المَرايا، التي ذُكِرتْ مرتين اثنتين:
    مرة لدى امرئ القيس (السَّجَنْجَل)، ومّرة أخراةً لدى طرفة (كالْمَاوِيتَّيْنِ)، ممّا يدُلُّ على أنّ اصطناع المَرايَا كان شائعاً لدى النساء الجاهليّات؛ وخصوصاً لدى الموسراتِ منهنّ، وبوجه أخصّ في القرى العربيّة والمراكز الحضريّة.
    تعليقات كتابة تعليق

    اضغط هنا للدخول

    رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.