الملاحظات
  • تحويل المستعمر كتابة بعض لغات إفريقية من الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني/هدى قزع

    مقابسة )
    تحويل المستعمر كتابة بعض لغات إفريقية من الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني/هدى قزع

    إن دعوة المستعمر في بعض اللغات الإفريقية إلى اتخاذ الحرف اللاتيني لكتابة العربية هي تدبير من تدابير الهيمنة ، التي يبيتها "الغرب اللاتيني" حين تسنح له ظروف الغلبة السياسية والتفوق الحضاري .
    فمثلًا اللغة الصومالية كانت تكتب بالحرف العربي، واستمر الأمر كذلك إلى أن جاء الاستعمار الأوربي فاستبدل بالحرف العربي الحرف اللاتيني في محاولة منه للقضاء على الهوية الثقافية والذاتية الحضارية للشعب الصومالي.
    وكانت أولى هذه المحاولات سنة 1887 م من قبل الانجليز وانضم إليهم الإيطاليون والألمانيون والفرنسيون والنمساويون ثم الأمريكان في وقت متأخر ، كل هؤلاء وجهوا جهودهم إلى تنفيذ مخططهم الرامي لتغيير الهوية الثقافية للصوماليين ، فأسسوا المدارس وجعلوا لغتهم لغة الإدارة والتعامل للمناطق التي احتلوها.
    وقد حاول الانجليز قبيل الحرب العالمية الثانية أن يكتبوا اللغة الصومالية بالحرف اللاتيني في إقليم شمالي الصومالي ، وقامت مظاهرات غاضبة أدت إلى تراجع الإنجليز في هذه الخطوة، وفي نفس الوقت كانت تجري محاولات مماثلة في إقليم الجنوب، واستفز ذلك الشعب الصومالي.
    ففي سنة 1950 م رفع زعماء الشعب الصومالي مذكرة إلى الإدارة الإيطالية مطالبين حسم قضية كتابة للغة الصومالية لصالح الحرف العربي لأسباب دينية وثقافية واجتماعية وحضارية ذكروها في المذكرة.
    وكانوا مدركين أن اللغة العربية بالنسبة لهم استراتيجية تمس الأمن الثقافي والحضاري للأمة، وأنها العروة الوثقى التي تجمع بين لشعوب العربية والإسلامية.
    ولكن استطاع الاستعمار إحداث شرخ في الإجماع الوطني حول كتابة اللغة الصومالية بالحرف العربي، ولم يأت يوم الاستقلال عام 1960م حتى كان في الساحة ثلاثة اتجاهات متصارعة:
    _أنصار الحرف العربي.
    _أنصار الحرف اللاتيني.
    _ وأنصار حروف اخترعها لغويون صوماليون.
    وواجهت الدولة الوليدة أزمة كتابة اللغة الصومالية، وبعد شهرين من عمرها كونت لجنة سميت “لجنة اللغة الصومالية” كلفت هذه اللجنة بدراسة الحرف الأمثل لكتابة اللغة الصومالية وتقديم هذه الدراسة للحكومة في مدة لا تتجاوز ستة أشهر.
    و قدمت هذه اللجنة نتائج الدراسة وأوصت باتخاذ الحرف اللاتيني مسوغة قرارها بانسجام الحرف اللاتيني مع الواقع الحالي، إذ جل المدارس كانت إنجليزية أو إيطالية، والطالب لا يجد صعوبة في الانتقال من الانجليزية أو الإيطالية إلى الصومالية المكتوبة بالحرف اللاتيني، إلى جانب توفر مطابع باللغة اللاتينية، إلا أن الحكومة لم تعتمد هذه التوصية خوفاً من إثارة الرأي العام ضدها.
    وإلى جانب جهود الحكومة الصومالية كانت اليونسكو UNESCO تبذل جهودا أخرى، ففي سنة 1965م كونت لجنة سميت ب" لجنة اللغات" وكان أعضاء اللجنة خبراء أجانب يتقنون اللغة الصومالية، وكانت اليونسكو تشرف على هذه اللجنة، وعندما زار أعضاؤها العاصمة الصومالية مقديشو عام 1965م قامت مظاهرات شعبية ضدها، منددة بالحرف اللاتيني المزمع كتابة اللغة الصومالية به، رفعوا شعار "اللاتين يعني اللادين" واستمر الجدل الدائر حول هذه القضية حتى جاءت الثورة التي قادها الجنرال محمد سياد بري عام 1969م وحسم مجلس الثورة هذه القضية رسميا لصالح الحرف اللاتيني في عام 1972م فأصبحت اللغة الصومالية تكتب رسميا بالحرف اللاتيني.
    من الملاحظ أن الصعوبات التي اعترضت سبيل المؤيدين للحرف العربي، والتعليلات التي حملت اللجنة على استبعاد الحرف العربي كانت عقبات فنية و تقنية، وقد كان من السهولة بمكان تجاوزها لو كانت هناك جهات داعمة للحرف العربي، كما هو الشأن في الحرف اللاتيني الذي تبناه الاستعمار فدعم أنصاره بالتعليم والترويج والخبراء والتمويل والمطابع حتى أصبح واقعاً لا مفرَّ منه.
    والرموز الصوتية للغة الصومالية مكونة من 31 صوتا 21 حرفاً و 10 حركات، خمس منها حركات
    قصيرة، و الخمس الأخرى طويلة، فالحروف الصومالية مستعملة في اللغة العربية باستثناء:
    حرف الثاء والزاي والصاد والضاد والطاء والظاء والغين.
    أما الحركات فتشترك الصومالية مع العربية بحركاتها:
    فتحة قصيرة وطويلة، وكسرة قصيرة وطويلة، وضمة قصيرة وطويلة، وفي الصومالية يوجد كسرة ممالة قصيرة وطويلة، وضمة ممالة قصيرة وطويلة.
    ولو بذلت جهود في وقت مبكر وتم صقل الحرف العربي وتطويره صوتياً وتقنياً، وتطويعه لكتابة لغات الشعوب الإفريقية وتنميط كتابتها بالحرف العربي ،لتفادينا هذه الكارثة التي حلت بلغات إفريقية كثيرة وهو أمر هين في اللغة الصومالية كما ظهر لنا، فالفروق بسيطة والأصوات متطابقة أو متقاربة.
    ومنذ ذلك الوقت كانت اللغة الصومالية تكتب رسمياً بالحرف اللاتيني، وحُلت إشكالية عدم كتابة اللغة الصومالية، وقامت الثورة بتطبيقها على المدارس، وفرضت على الموظفيين أن يتعلموها في غضون ثلاثة أشهر وإلا فقدوا وظائفهم، وقامت حملة محو الأمية في أوساط الشعب وذكرت أنها حققت نسبة نجاح تبلغ 75% ومن الظريف أن الصومال قامت بأنجح برامج لمحو الأمية في العالم العربي واليوم تشهد أمية واسعة.
    والكتابة بالحرف اللاتيني خلقت إشكالية أخرى اجتماعية ودينية ذلك أن الشعب الصومالي له تعلق كبير جداً بالقرآن الكريم، فالصوماليون يُلحقون أطفالهم "بالخلاوي" القرآنية بنسبة تتجاوز 90% حتى الأطفال الذين لم يبلغوا بعدُ سن التعلم يرافقون إخوانهم الكبار إلى الخلاوي، والخلوة عند الصوماليين بمنزلة الحضانة للأطفال في الدول المتقدمة، ويعتقدون أن الطفل الذي لم يلحق بالخلوة القرآنية فيه شيء من النقص، ويقولون هل هذا الولد قطع الحرام من فمه ؟ أي هل أدخل في خلوة قرآنية؟ وكأن الطفل الذي لم يتعلم شيئاً من القرآن فيه خصلة من الحرام ينبغي إزالتها بتعلمه للقرآن الكريم.
    كما أن القرآن الكريم كان من أسباب نشوء القرى والمدن فإذاجتمعت عدة أسر في مكان معين تبحث عمن يعلم أولادهم القرآن، ويسكنون هناك فيتحول هذاالمكان إلى قرية أومدينة، ولذلك يوجد في الصومال كثير من القرى والمدن المنسوبة إلى العلماء والدعاة.
    ولايخرج الطفل من الخلوة إلا بعد حفظه للقرآن حفظاً تاماً إلا لأسباب قاهرة فأنتج هذا الشعب حفاظاً لكتاب الله، ويحدث أن تجد غالبية كثيرة تحفظ القرآن الكريم ولا تفهم اللغة العربية.
    لم تفارق هذه السمة الشعب الصومالي حتى بعد أن تعرض لهزات دينية واجتماعية وإن كنا لاننفي أنها أثرت عليهم، وهناك قصص تروي في هذالمجال منها :
    عندما حدثت المجاعة في جنوب الصومال سنة1992 م خاصة في مدينة بيدوا، ذهبت المنظمات الإغاثية الغربية هناك لإغاثتهم وتأسيس مخيمات التغذية لهم، ولاحظوا أنهم يجلسون في حلقات في الصباح والمساء يقرؤون القرآن عن ظهر القلب، فأدركوا أن الصوماليين متمسكون بدينهم حتى في أحلك الأيام وأصعب الظروف ويئسوا من التأثير عليهم .
    وهذا الطفل الذي أتقن الحرف العربي كتابة وقراءة ينتقل فجأة إلى الحرف اللاتيني عندما يلتحق بالمدرسة فيحدث فيه تنازع الولاء بين اللغة العربية التي أحبها وارتبط بها دينياً وجدانياً وشعورياً، وبين لغته الأم المكتبوبة بالحرف اللاتيني.
    إذن لقد فرض الاستعمار في الصومال استعمال الحروف اللاتينية في الكتب المدرسية ، وفي دعوته لاتخاذ الحرف اللاتيني اتخذ مسربًا غير مباشر ، وكيد التأتي في هذه المحاولة ظاهر ، ولكن يستخفي في تضاعيفها معطى طريف من المكر يتمثل في دعوى أن اتخاذ الحروف اللاتينية سيجعل تعلم العربية أسهل .
    "إن شجرة عائلة الأبجدية فيما يقرر دونالد ياكبسون هي انعكاس لتاريخ الحضارة موسومة في كل مرحلة ، بحوائز الامبراطوريات الكبرى ، وشواجر أرماح الجيوش...ولو كان شارل مارتل لم يدحر جيوش الامبراطورية الإسلامية ...لكان مرجحًا أن يكون كتابه قد طبع بالعربية لا بالحروف اللاتينية " .
    بمعنى أن الأبجدية تابع للدين وأنها تسير في ركابه وتكون له علمًا .
    ويقرر فرجسون "أن توزيع الأنواع الرئيسة للنظم الكتابية في العالم يرتبط بتوزيع الأديان الرئيسة فيه ارتباطًا يفوق ارتباطه بتصنيف اللغات وفقًا لأصولها التاريخية وخصائصها النوعية" .
    وهكذا تصبح الأبجدية رمزًا للهوية وصبغة فارقة وشارة غالبة .
    وما كان الجهد الدائب لتحويل أمم شتى إلى الحرف اللاتيني إلا خطوة في طموح الغرب لوسمها بشارته ، وإن تذرع بحجج ودعاوى ثبت بطلانها .
    إذ يقرر جيلب أنه " في مرتأى نظرية الكتابة ليس في الكتابة اللاتينية ما يمكن أن نعتده خيرًا مما نجده ، على سبيل المثال ، في الأبجدية العربية .
    إن تحويل المستعمر كتابة العربية في الصومال إلى الحرف اللاتيني لم يكن خالصًا للإصلاح ، ولا ريب أن نظام الكتابة العربية ينطوي على مواضع محتاجة إلى تدابير إصلاحية ، ولكن أولى ما يحتمله المقام هنا أن الدعوة إلى كتابة العربية بالحرف اللاتيني كان تدبيرًا يستهدف إخراج العربية من صبغتها الثقافية الخاصة ، وذلك أن نظام الكتابة وإن عدّ ثانويًا في تعبيره عن الحقيقة اللغوية عند علماء اللسان ، لا يلبث أن يغدو رمزًا لهوية اللغة وأهلها.
    ويبقى العنصر الحاسم في اطرّاح هذه الدعوة هو العامل الثقافي المتمثل في أن رسم العربية هو رسم التنزيل ، والشكل الكتابي الذي حمل تراث الأمة عبر الزمان العربي الإسلامي .
    وهذا العنصر تحتفي به اللسانيات الاجتماعية ، وقد يتخذ البحث في هذه المسألة وجهة أخرى في ضوء اللسانيات السياسية والاستشراقية.




    أفدت في كتابة هذه المقابسة من:


    _ أحمد هيبة ، تاريخ كتابة اللغة الصومالية.



    http://www.doollo.com/mainpage/Axmed/dawlo.htm



    _ كمال محمد ، وضع اللغة العربية في دول القرن الإفريقي، موقع معهد مبارك.



    http://www.mubarak-inst.org/stud_rea...iew.php?id=69_ محمد حسن نور، ليست الأبجدية اللاتينية أفضل لكتابة اللغة الصومالية من الأبجدية العربية .



    http://www.islaax.org/arabic/Writing...20Language.htm



    _ محمد سعيد هيكل، ندوة " الأمية في الوطن العربي: الواقع والحلول" .



    http://www.alriyadh.com/Contents/20-02

    _مستقبل اللغة العربية ، موقع الإيسيسكو :http://www.isesco.org.ma/arabe/publi...avarabe/P2.php
    _محمد عبد الغني سعودي ، شخصية الصومال، في المسح الشامل لجمورية الصومال الديمقراطية، معهد البحوث والدراسات العربية ، بغداد عام 1982م .
    _ محمد محمد أمين ، الصومال في العصور الوسطي الإسلامية ، في المسح الشامل لجمورية الصومال الديمقراطية، معهد البحوث والدراسات العربية ، بغداد عام 1982م.
    _ممدوح حقي ،الصومال واللغة الصومالية ، في المسح الشامل لجمورية الصومال الديمقراطية، معهد البحوث والدراسات العربية ، بغداد عام 1982م .


    _نهاد الموسى ، الثنائيات في قضايا اللغة العربية من عصر النهضة إلى عصر العولمة ، دار الشروق ، الأردن ، 2003.



    ________،اللغة العربية في مرآة الآخر ، المؤسسة العربية للدراسات ،بيروت ، 2005 .



    _يوسف الخليفة أبوبكر ،مشكلات التعليم باللغة العربية في المناطق الثنائية اللغة في الوطن العربي،موقع الإيسيسكو
    هذه المقالة نشرت أصلا في موضوع المنتدى : تحويل المستعمر كتابة بعض لغات إفريقية من الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني/هدى قزع كتبت بواسطة د.هدى قزع مشاهدة المشاركة الأصلية
    تعليقات كتابة تعليق

    اضغط هنا للدخول

    رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.