المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة قصيرة الأيام



قارورة
25/03/2010, 07:20 PM
أيامي قبله
أعود من الجامعة مثقلة بأفكاري ومشاريعي. أدخل إلى البيت وأسارع إلى غرفتي متحاشية رؤية أي شخص. يغلبني الجوع فأتسلل إلى المطبخ. تحييني أمي فأرد التحية بمثلها ويطبق السكون، ليس من عادة أمي أن تسألني كيف كان يومي، كما ليس من عادتي الكلام عن أيامي، أفتح الثلاجة فلا يعجبني شيء مما فيها، آخذ أي شيء يسكت جوعي وأعود لغرفتي. أجلس في سريري، أفرغ ما في صحني وأضع الصحن تحت سريري. أسمع صوت أمي تصرخ غاضبة بسبب اختفاء كل صحون المطبخ، ألقي نظرة تحت السرير فأرى صحوناً فارغة وملاعق "صاروا قبيلة" أقول لنفسي باستغراب فلا أذكر متى صار عددهم كثيراً هكذا "هل تزوجوا وأنجبوا تحت سريري!" أمازح نفسي. أفتح دفتر محاضراتي، أقرأ بعجل ما نسخت وراء الأستاذ، أفتح الكتب المقررة وأتصفحها بملل، أغلقها وأفتح مقرراتي الخاصة من شعر ونثر، أقرأ قليلاً، أكتب قليلاً. تمد أختي الصغرى رأسها من الباب "هل تريدين بعض القهوة؟" أجيبها "بالطبع" تدخل الغرفة وتناولني فنجاناً. أتناوله وأشكرها "أغلقي الباب خلفك".

أيامي معه
أستيقظ عند الخامسة صباحاً، أغسل وجهي بالصابون، أنظف أسناني، أقف ساعات أمام المرآة وخزانتي المفتوحِ بابها، ألبس وأرمي ما لبست على السرير حتى ينال مني التعب. أستقر أخيراً على شيء، ألقي نظرة أخيرة في المرآة و أبتسم لنفسي. أتسلل خارجة دون أن يراني أحد كي لا أرى الغمزات ولا أسمع الهمسات "شو صايرلها"، "عشقانة يمكن". أخرج وقلبي يخفق فرحاً، أرى الدنيا جنة بكل ما فيها، ويراودني شعور بأني أحب كل شيء من الذبابة التي تحوم حول رأسي إلى العمود الذي ارتطمت به وأنا أنظر إلى تلك الذبابة. أقابله في مكاننا المعتاد، أحاول أن أمنع نفسي من إظهار ابتسامتي الغبية التي لا تفارق وجهي عندما أكون سعيدة، "اتقلي يا بنت" أهمس لنفسي "ينعن أبو التقل" أرد على نفسي وتتحول ابتسامتي إلى ضحكة له. أتأمل وجهه أثناء كلامه، أتأمل تفاصيله الصغيرة والكبيرة "هكذا سيكون وجه أولادي" أقول لنفسي، وتجتاحني رغبة بضمه إلى الأبد.

أيامي بعده
أنظر إلى مكانه الفارغ في السرير، لم أجرؤ على النوم فيه مذ رحل. أشعر بثقل يطبق على صدري فأنتبه أني لا أتنفس. أسحب شهيقاً عميقاً وتنفجر أنهار دموع من عيني. أمشي في البيت مودعة أركانه وشبابيكه، هنا ضمني مرة، وهناك اختبأ ليرعبني، وراء هذا الباب تشاجرنا، أمام هذا الشباك دفعني إلى الأرض وشد شعري في ثورة غضب، وتحت هذه المروحة عضضته وضربته، ثم على هذا الكرسي تصالحنا ونسينا كل ما كان كطفلين يلعبان. يعز علي أن أترك جنتنا الصغيرة يا حبيبي، لكني لم أستطع البقاء وسياط الذكرى تلسعني في حركاتي وسكناتي. "هل أنت جاهزة يا ابنتي" يأتيني صوت أبي. أقف عند باب البيت، أتأمله، تربت أمي على كتفي بحنان، "قد خرجت من البيت يا أمي فكيف أخرج من نفسي".

"أي ذكرى مؤلمة بالضرورة، حتى لو كانت من ذكريات اللحظات الهانئة، فتلك أيضاً مؤلمة لفواتها" يوسف زيدان

ايناس
26/03/2010, 06:54 PM
تحياتي للكاتبة قارورة
كم هي واقعية تعابيرك و مع واقعيتها فإنها تستحضر الكثير من معاني الجمال
أكثر ما أعجبني" أيامي قبله "فلقد ابتسمت مطولا وأنا أقرأها....
لست بالناقدة لذلك لن يسعني سوى القول بأني معجبة كثيرا بما تكتبين...
أجدد تحياتي

محمد يوب
01/04/2010, 08:29 AM
لغة سليمة تمتح من الواقع صور فنية معبر تلتقط تفاصيل الحياة بكل دقة تنتقل الكاتبة من موضوع لآخر عبر تفاصيل النص فتدخل إلى أعماق القارئ مثلما تدخل إلى غرفتها وتناقش نفسها إنها لحضات جميلة تعكس ذكريات الكاتبة وحديثها مع نفسها متأملة الماضي و الحاضر و المستقبل .
محمد يوب

هنـاكـ ,
01/04/2010, 10:33 AM
تسلسل القصة رائع
وجدت نفسي لاشعورياً أقرأها إلى النهاية
حيث وجدت المأساة , لايخلوا أحد منها .

رائعة ياقارورة